إن الدبلوماسية  في مدللوها اللفظي تعني ذلك الفن في المعاملات و السيرة في الأخلاق من أجل إقناع الطرف المشارك في الحوار التفاوضي بالأفعال و لا بالأقوال فحسب. فمصطلح الدبلوماسية فكريا و إيديولوجيا يعني كملة الدبلوم و التي تلحق بسلك و يعني ذلك “الوثيقة أو الرسالة” التي تحملها تلك البعثة في مهامها الموكلة لها بتلك الدول الأجنبية و علاقاتها مع الطرف الآخر بحيث يجب أن تتوفر في تلك البعثة حسن السيرة و السلوك من جهة و الأناقة و اللباقة من جهة أخري. فالمصداقية و الشفافية التي تجمع الطرفين علي طاولة التفاوض الواحدة تكمن بالأساس في حسن النية و التلقائية و العفوية قصد خدمة المصالح الوطنية بالدرجة الأولي فوق جميع الإعتبارات بغض النظر عن دائرة التجاذبات الحزبية و غيرها من الأطماع الإنتهازية و طرق الخداع الملتوية. فمنذ مطلع هذه العشرية الأخيرة أخذت الدبلوماسية الحديثة بعدا إستراتيجيا دوليا جديدا بحيث تغيرت في صلبه المفاهيم التقليدية التي كانت تعتمد سابقا علي لغة الدبلوماسية الناعمة, السياسية, التلقائية, السياحية و الثقافية و غيرها لتخلق بدورها حديثا نوعا جديدا من الدبلوماسية العصرية و المعروفة بالدبلوماسية الإقتصادية. فبالعودة إلي تاريخ العلاقات الدبلوماسية التي كانت تعتبر في الماضي البعيد أساس العلاقات بين الشعوب العربية و ذلك بالإستئناس بسيرة نبينا الكريم محمد عليه الصلاة و السلام, و ذلك عندما دخل في تفاوض مباشر مع اليهود فيما يعرف “بصلح الحديبية” و إبرام الهدنة عند الحروب أو كذلك علاقاته التجارية مع المسحيين و اليهود بحيث كان يرسل لهم مبعوثا خاصا لفض نزاعاته و يبرم معهم الصفقات و الإتفاقيات السياسية و التجارية. فهنا يكمن وضع جوهر التمثيل الدبلوماسي العربي الحديث بالدول الأجنبية في إطاره بحيث أخذ مؤخرا طابعا جديدا يولي للمصالح التجارية أهمية كبري من خلال السعي للشراكة الدائمة و الثابتة مع تلك الدول عبر التنسيق المكثف بين الحكومات المركزية بدولهم الأم و بين الحكومات الأجنبية أو بين رجال المال و الأعمال.

إن المتغيرات الدولية خاصة بعد الثورات العربية و الإندماج السريع في العولمة الإقتصادية, السياسية و الرقمية كانت لها تأثيرات عميقة علي العلاقات الدولية الحديثة بين الدول و أيضا بين الأشخاص. فمما لا شك فيه أن نمط التمثيل الدبلوماسي تغير جذريا عن السابق, كما تغيرت معه أدوات العمل و التفاوض و لا أحد ينكر اليوم مدي حساسية إدارة تلك العلاقات خاصة منها مع الدول العظمي التي تعتبر الجزء الرئيسي و الأهم في إدارة الشؤون السياسية للبلدان العربية و التي تصنف ضمن خانة مستعمراتها السابقة من خلال التركيز علي بسط وصايتها عليها مهما كانت النتائج و الوسائل المستعملة. فالإستعمار إنتهي بالفعل عسكريا لكنه لم ينتهي بتاتا ثقافيا, سياسيا و إقتصاديا بحيث مازالت اليد الخفية لتلك الدول تتدخل في أبسط الجزئيات لأغلب البلدان العربية و ترسم لها مخططاتها الإستراتيجية البعيدة الأمد و التي مازالت إلي حد الآن تحفظ فقط مصالحها و تحمي رؤوس أموالها و مستثمريها في تلك المستعمرات السابقة. و الأهم من كل ذلك بسط نفوذها علي مصادر الطاقة من غاز و نفط و أيضا جعلها أسواق إستهلاكية لمنتجاتها عبر دمجها في ما يعرف بفضاء التبادل التجاري الحر المشترك. إن التمثيل الدبلوماسي الحديث أصبح اليوم يتأرجح في ميزان العلاقات الدولية بين التفاوض الناجح و التبادل الناجع يعني الإلتزام بربط العلاقات السياسية بالمصالح التجارية من خلال الحفاظ علي المبادلات التجارية و المعاملات المالية اليومية لتلك الدول مع حفاظها علي الأمنها و الإستقرارها السياسي الداخلي و التي مازالت تعاني بعضها من بؤر للإضطرابات الأمنية و السياسية و للإختلالات الهيكلية و الإقتصادية. فنهضة الشعوب العربية لا تتحقق من خلال البكاء علي أطلال الماضي و كبح عجلة التنمية الإقتصادية و خلق الإضطرابات و الإعتصامات و تعطيل دواليب حكوماتها, بل تكمن في السعي للتغيير الجدي و مواكبة المتغيرات الدولية و التأقلم معها و تقوية علاقاتها التجارية و المساهمة الحقيقية في تنمية منظومتها المالية و المصرفية. فاليوم تعتبر الديمقراطية التشاركية أنجع طريقة لإدارة شؤون الدول العربية و بناء مستقبلها و وضعها علي سكة الإصلاح الإداري, السياسي و الإقتصادي و ذلك من أجل تعزيز مكاسبها الوطنية إقتصاديا و الحفاظ علي علاقاتها الدبلوماسية سياسيا. فعلي سبيل المثال تعتبر المالية الإسلامية من أهم الطرق للحفاظ علي الإستقرار المالي لبعض الدول التي مازالت تعاني إلي يومنا هذا من هشاشة منظومتها المالية و المصرفية و من تراكم الفساد داخلها و غياب الحوكمة الرشيدة كليا.

فهذا التوجه الإقتصادي الإسلامي يعتبر داعما حقيقيا للإصلاح الجدي خاصة و أن بعض الدول العربية تشهد مؤخرا ركودا إقتصاديا حادا بعد تلك الثورات و مازالت تفتقد للنجاعة في مواجهة تراكم العجز المالي و تفاقم المديونية في ظل بيئة يشوبها الفساد المالي. إن الإقتصاديات الوطنية العربية مازالت متأثرة من تلك الممارسات الرذيلة لحكومات الحقبة الماضية خاصة من جانب رجال المال و الأعمال الفاسدين من خلال تهربهم من دفع الضرائب الجبائية و عدم تسديدهم لديونهم البنكية السابقة و المتراكمة من سنين طويلة و تبيضهم للأموال و إستثرائهم السريع و الغير شرعي و الرشوة و المحسوبية و غيرها من أساليب النهب للثروات الوطنية. فهنا يكمن مربط الفرس “فلا يصلح الله بقوما حتي يصلحوا ما بأنفسهم” و تغيير من جوهر معاملاتهم الداخلية أولا, للحفاظ علي علاقاتهم الدولية ثانيا, و مصالحهم التجارية و المالية ثالثا. ففي هذا الصدد يعتبر التمثيل الدبلوماسي الحديث للبلدان العربية بالخارج مثلثا متكامل الأبعاد و ذلك من أجل تحقيق الأهداف الإستراتيجية و المشاركة في تنفيذ المخططات التنموية و التي تتلخص في جوهرها بالأساس في المصداقية – المسؤولية – الشفافية في إدارة العلاقات الدولية. فإذا توفرت تلك العوامل فبالتأكيد ستنهض الشعوب العربية مجددا من كبوتها و تلتحق بركب الشعوب المتقدمة خاصة من خلال تطهير بيتها الداخلي من رموز الفساد و التركيز علي إرساء الحوكمة الرشيدة داخل مؤسساتها الإدارية و مراجعة توجهاتها الإقتصادية خاصة منها في إطار إندماجها في التكتلات الإقليمية و الدولية مع التنويع في منتجاتها المحلية و خلق إقتصاد وطني قوي قابل للتماشي مع المتغيرات الدولية و صامد في العلاقات الدبلوماسية و حافظ للمصالح التجارية و المالية الدولية علي المدى البعيد.

فؤاد الصباغ – كاتب تونسي.

 

Print Friendly, PDF & Email