mohamed basyoni

في إطار سعي الحكومة البريطانية الجديدة إلى انتهاج سياسة اقتصادية مُحفِّزة مُغايِرة عن التي اعتادها الاقتصاد البريطاني، جاء إعلان وزير المالية “كواسي كوارتنج” عن موازنة مُصغَّرة تضمَّنت عدَّة حوافز استثمارية وتخفيضات ضريبية تُعَد الأكبر من نوعها منذ 50 عاماً، بتكلفة إجمالية تصل نحو 45 مليار جنيه إسترليني مُموَّلة من خلال الاقتراض. وجاء بيان المُوازَنة في إطار تعهُّد الحكومة الجديدة بإعداد “خطة نمو” مالية متوسطة الأجل لطمأنة الأسواق، تسهم في توسيع جانب العرض، بالتزامن مع وضع استراتيجية لخفض الديون كحصة من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد تزامنت تلك التخفيضات الضريبية مع مستويات تضخُّم مرتفعة يُعاني منها الاقتصاد البريطاني، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، ومن ثم لن تؤثر التخفيضات الضريبية في جانب العرض كتأثيرها في جانب الطلب؛ حيث تسهم في زيادة الإنفاق الاستهلاكي، وما يتبعه من ارتفاع في الأسعار وزيادات مستمرة في مستويات التضخُّم حتى تصل إلى مستويات الركود التضخُّمي، فضلاً عما تسهم به من ارتفاع حجم الديون، وما قد يتبعها من ارتفاع تكاليف أعباء الديون الناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة. وقد أثار ذلك القرار جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والمالية، وسط مخاوف من تعميق الركود وزيادة الديون العامة للدولة، وتهديد استقرارها المالي.

بنود أساسية

أعلنت الحكومة البريطانية، برئاسة رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ليز تراس، ووزير المالية كواسي كوارتنج، يوم 23 سبتمبر 2022، عن موازنة مصغرة جديدة، تقوم على ثلاثة مبادئ رئيسية؛ هي: ضمان أسعار الطاقة، والدعم المتساوي للشركات، وخطة تمويل أسواق الطاقة؛ بهدف إعادة تشغيل عجلة الإنتاج، ودفع النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة، للوصول إلى معدل نمو على المدى المتوسط بنسبة 2.5%، كما تضمَّنت تخفيضات للضرائب تصل تكلفتها الإجمالية بحلول 2026–2027 نحو 45 مليار جنيه إسترليني، تُموَّل بالاقتراض والديون العامة. وتضمنت أهم بنود الموازنة المُصغَّرة ما يأتي:

1– تخفيضات ضريبية هائلة على الدخل: يرى وزير المالية البريطاني أن معدلات الضرائب المرتفعة تضر بالقدرة التنافسية لبريطانيا، وتقلل الحافز على العمل والاستثمار وبدء عمل تجاري، وتقلل القدرة الإبداعية والإنتاجية في العمل، ومن ثم شملت موازنته الجديدة حوافز ضريبية هائلة على الدخل، تضمَّنت – على سبيل المثال – خفض المعدل الأدنى لضريبة الدخل من 20 إلى 19%، وخفض أعلى معدل للدخل من 45 إلى 40%، على أن تبدأ تلك الحوافز بحلول أبريل 2023. ومن ثم، فإن دافعي الضرائب سوف يستفيدون لمدة عام إضافي من خفض ضريبي يبلغ متوسطه 125 جنيهاً سنوياً لدافعي الضرائب ذوي المُعدَّل الأساسي، و377 جنيهاً سنوياً لجميع دافعي الضرائب ذوي المُعدَّل الأعلى، بتكلفة تبلغ نحو 5 مليارات جنيه لمرة واحدة على الخزانة.

كما تنص الموازنة على إلغاء معدل ضريبة الدخل الإضافي بنسبة 45% المُطبَّق على الدخل الذي يزيد عن 150 ألف جنيه سنوياً (خارج اسكتلندا)؛ ما سيكلف الدولة نحو 2 مليارات جنيه سنوياً، وإلغاء الضريبة على الأرباح اعتباراً من 6 نوفمبر 2022، بحيث يُطبَّق هذا الإلغاء على العمال الذين لديهم أرباح سنوية أعلى من 12 ألفاً و570 جنيهاً إسترلينياً، ما يكلف نحو 16 مليار يورو سنوياً اعتباراً من العام المقبل.

2– تخفيض الضريبة العقارية: حددت الحكومة بدء دفع ضريبة الأراضي على شراء العقارات السكنية في إنجلترا وأيرلندا الشمالية اعتباراً من 23 سبتمبر 2022، من 250 ألف جنيه إسترليني بدلاً من 150 ألف جنيه، وستقوم الحكومة أيضاً بزيادة الإعانة للمشترين لأول مرة؛ حيث رفعت الحد لدفع الضريبة من 300 ألف جنيه إلى نحو 425 ألف جنيه. وارتفعت القيمة القصوى للعقار الذي يمكن المُطالَبة به لأول مرة من قِبَل المشترين من 500 ألف جنيه إلى 625 ألف جنيه. كما ستُخفَّض رسوم الدمغة لمساعدة مشتري المنازل؛ ما يكلف الحكومة نحو 1.4 مليار دولار سنوياً.

3– إلغاء الضرائب الاجتماعية: ستُلغَى زيادة التأمينات الاجتماعية التي أعلن عنها وزير المالية السابق ريشي سوناك؛ ما يوفر للأسر نحو 330 جنيهاً إسترلينياً سنوياً، ولن تُنفَّذ ضريبة الرعاية الصحية والاجتماعية على نحو 4.3 مليون شخص في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، بما يوفر نحو 230 جنيهاً في المتوسط بحلول عام 2023 المقبل.

4– تقديم حوافز للشركات: بموجب الموازنة، ستُلغَى الزيادة المقررة على أرباح الشركات بنسبة 6%، مع بقاء ضريبة الشركات عند 19% بدلاً من زيادتها إلى 25%؛ ما يكلف الخزانة العامة أكثر من 15.4 مليار جنيه إسترليني سنوياً. ويُعَد إلغاء الخفض المُخطَّط لضريبة الشركات أحد أكبر إجراءات الدعم لزيادة الاستثمار في المملكة المتحدة، ومن ثم سيجري تعزيز الناتج المحلي الإجمالي، وسيتبع ذلك تخفيض تكلفة السياسة على المدى الطويل.

5– دعم قطاع الطاقة: استبعدت رئيسة الوزراء “ليز تراس” فرض ضريبة مفاجئة على شركات النفط من جراء أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن الحرب الروسية–الأوكرانية. وفي ذلك الإطار، قُدِّمت خطة تمويل جديدة لأسواق الطاقة ستوفر ضماناً بنسبة 100% للبنوك التجارية لتقديم سيولة طارئة لشركات الطاقة، كما أعلنت الحكومة عن حزمة دعم الطاقة للشركات لمدة 6 أشهر، بما يسهم في تخفيض تكلفة فواتير الطاقة المحلية والتجارية التي يصل إجماليُّ تكلفتها إلى نحو 60 مليار جنيه إسترليني، بما يُسهم في تدوير عجلة الإنتاج، ومن ثم تحويل الحلقة المفرغة من الركود إلى دورة نمو اقتصادي مرتفع.

6– تعزيز البنية التحتية ومناطق الاستثمار: قررت الحكومة إنشاء 38 منطقة استثمارية في إنجلترا، ومنحها تخفيضات ضريبية وقواعد تخطيط محررة تُقدَّم للإفراج عن الأراضي للإسكان والاستخدام التجاري وخفض قواعد التخطيط، والتخلُّص من لوائح الاتحاد الأوروبي والتقييمات البيئية في محاولةٍ لتسريع البناء، وسيتم تسليم مناطق الاستثمار في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية بالشراكة مع الإدارات المفوضة والشركاء المحليين. وتستفيد الشركات في مناطق الاستثمار المخصصة والسلطات المحلية من تخفيف أسعار الأعمال بنسبة 100% في المباني المحتلة والموسعة حديثاً لمدة 25 عاماً، كما ستحصل الشركات على إعفاء كامل من ضريبة الأراضي على الأراضي المشتراة للتطوير التجاري أو السكني، ومعدل صفر لمساهمات التأمين الاجتماعي لصاحب العمل على أرباح الموظفين الجدد حتى 270 ألفاً و500 جنيه سنوياً.

وفي ذلك السياق، تم تحديد بدل الاستثمار السنوي – وهو مبلغ الإنفاق على المصانع والآلات التي يمكن للشركات خصمها من أرباحها الخاضعة للضريبة – عند مليون جنيه، بتكلفة إجمالية تصل إلى نحو 1.3 مليار جنيه إسترليني، وتنخفض على المدى الطويل؛ لأن خصم تكلفة الاستثمار على الفور، وليس تدريجياً، يعني أن الشركات ستدفع ضرائب أقل في العام الذي تستثمر فيه، لكن في المقابل ستدفع ضرائب أكثر في السنوات اللاحقة.

أهداف حكومية

تهدف الحكومة البريطانية إلى توسيع جانب العرض في الاقتصاد من خلال الحوافز الضريبية والاستثمارية وخطط الإصلاح لتشجيع وجذب المستثمرين ودفع النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة، للوصول إلى معدل نمو على المدى المتوسط بنسبة 2.5%. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الخطة الحكومية تنطوي على أهداف رئيسية متمثلة فيما يأتي:

1– تحفيز الاستثمارات والمشروعات التجارية: ترى الحكومة أن الضرائب التجارية التنافسية مهمة لنمو الاقتصاد؛ لأنها يمكن أن تحفز الاستثمار والمشاريع؛ ما سيخلق فرص عمل جديدة، ويزيد الاستثمار في المملكة المتحدة؛ حيث توظف الشركات الكبيرة أكثر من 10 ملايين عامل، وتهدف الحكومة إلى دعمها لتحقيق النمو اللازم لتعزيز مستويات المعيشة في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

كما يمكن لنظام الضرائب على الشركات التنافسية دولياً أن يعزز الاستثمار في الأعمال التجارية؛ ما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعزيز النمو الاقتصادي، ويؤدي إلى انخفاض الأسعار للمستهلكين، وارتفاع الأجور للموظفين، وخلق المزيد من فرص العمل مع نمو الشركات وارتفاع مستويات المعيشة. وتعتقد الحكومة أن النمو القوي أمر حيوي لتمويل الخدمات العامة الحيوية في المملكة المتحدة والحفاظ على الضرائب المنخفضة للأسر العاملة في جميع أنحاء المملكة المتحدة. ومن ثم فإن خفض ضريبة الشركات يمكن أن يعزز الاستثمار والنمو من خلال توفير الدعم الفوري للشركات على المدى القصير، وزيادة الاستثمار في الأعمال والإنتاجية والنمو على المدى المتوسط إلى الطويل.

2– تحسين قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة: تسهم الإصلاحات الضريبية في السماح للشركات بالاحتفاظ بالمزيد من أرباحها، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الإنتاجية وخلق فرص العمل، كما يسهم بدل الاستثمار السنوي في تحسين قدرة الشركات البريطانية الصغيرة على جمع التمويل اللازم لمشروعاتها؛ حيث توسع الحكومة مخطط الاستثمار في المشاريع الأولية لمساعدة المزيد من الشركات الناشئة على رفع مستويات أعلى من التمويل، بما يسهم في مساعدة نحو 2000 شركة ناشئة على الحصول على التمويل.

3– ارتفاع الطلب وتحسين الإنتاجية: تؤدي معدلات ضريبة الدخل المنخفضة إلى زيادة القدرة الشرائية للمستهلكين؛ ما يسهم في ارتفاع الطلب الكلي، كما تؤدي التخفيضات الضريبية على الدخل إلى زيادة الحوافز للعمل؛ وذلك وفقاً لفرضيات نظرية منحنى لافر التي تشير إلى أن التخفيض الضريبي يزيد الحافز على العمل، بحيث يمكن للحكومة في الواقع الحصول على المزيد من الإيرادات الضريبية، “معدلات ضريبية أقل وعائدات ضريبية أعلى”؛ مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية على المدى القصير، ومن ثم زيادة الإيرادات الضريبية، فيرتفع النمو الاقتصادي.

4– زيادة معدلات النمو الاقتصادي: تساعد التخفيضات الضريبية على زيادة مستوى دخول الأفراد، ومن ثم زيادة القوة الشرائية؛ ما يسهم في زيادة الإنفاق الاستهلاكي الذي يعد من مكونات الطلب الكلي بنحو 60%، وهو ما يُفضِي إلى ارتفاع الطلب الكلي، ويقابل ذلك زيادة في العرض؛ ما يؤدي إلى تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة.

جدل متصاعد

أثار بيان الموازنة المُصغَّرة للحكومة البريطانية، جدلاً واسعاً وانقساماً بين الاقتصاديين والأحزاب في المملكة المتحدة حول مدى فاعلية التخفيضات الضريبية وأثرها على زيادة النمو الاقتصادي؛ حيث ترتفع المخاوف والقلق من تداعيات الخطة على الاقتصاد البريطاني؛ ما دفع صندوق النقد الدولي إلى حث الحكومة على إعادة النظر في خططها التي من المُرجَّح أن تؤدي إلى تفاقم عدم المساواة، وتهدد الاستقرار المالي للمملكة. وترتبط الانتقادات الموجهة إلى الموازنة الحكومية بعدد من الأبعاد الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– تصاعد حدة الإضرابات: تزامنت خطة النمو البريطانية مع تحذيرات بنك إنجلترا من أن بريطانيا تنزلق إلى الركود؛ حيث إن ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية يؤثر سلباً على معدلات التضخم؛ ما يُثير حدة الإضرابات في بريطانيا، وخاصةً في قطاع النقل العام؛ حيث أعلنت نقابات السكك الحديدية البريطانية أنها ستنضم إلى سلسلة من الإضرابات المخطط لها بالفعل في أكتوبر القادم بسبب الأجور، بمشاركة أعضاء رابطة مُوظَّفي النقل واتحاد العمل الصناعي، فيما جاء رد الحكومة على ذلك الإعلان بأنها ستُجبِر شركات النقل على الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمة أثناء الإضراب، وتطالب النقابات بتقديم عروض الأجور على الأعضاء للتصويت عليها؛ لضمان عدم الدعوة إلى الإضرابات إلا بعد انهيار المفاوضات.

2– خسائر السندات الحكومية البريطانية: أثار قرار التخفيضات الضريبية في بريطانيا مخاوف المستثمرين من ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع معدلات الدين العام للدولة وارتفاع أسعار الفائدة؛ حيث أسهم القرار في خفض قيمة الجنيه البريطاني مقابل الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته في 37 عاماً، ليخسر ما يصل إلى 4.7% من قيمته أمام الدولار؛ ما أدَّى بدوره إلى ارتفاع حجم بيع السندات الحكومية البريطانية؛ حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل عامين وخمسة أعوام و10 أعوام إلى مستويات غير مسبوقة؛ ما يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومة في الوقت الذي تحتاج فيه إلى اقتراض نحو 72.4 مليار جنيه لتمويل خطة النمو الجديدة؛ ما أثار تقلُّبات شديدة في سوق السندات البريطانية؛ حيث شهدت تخفيضات شديدة في قيمتها السوقية؛ ما دفع البنك المركزي البريطاني إلى التدخل لشراء السندات الحكومية واستعادة استقرار حركة السوق.

3– التخوُّف من ارتفاع مُعدَّلات التضخُّم إلى مستوى الركود التضخمي: على الرغم من التأثير الإيجابي المُتوقَّع من الحكومة للتخفيضات الضريبية، فإنه مع ارتفاع مستويات التضخم إلى نحو 10% قد تؤدي تلك التخفيضات إلى زيادة الطلب الاستهلاكي دون زيادة مقابلة في الإنتاجية؛ حيث إنه إذا كانت مُعدَّلات ضريبة الدخل الهامشية مرتفعة لنحو 80%، فمن المُرجَّح أن يؤدِّي خفض مُعدَّلات الضرائب إلى زيادة عرض العمالة والإنتاجية، ولكن مع معدلات ضريبية لا تتعدَّى 20 أو 30%، كما في الاقتصاد البريطاني، فإن خفض معدلات ضريبة الدخل لا يُشكِّل ضماناً لزيادة الإنتاجية والنمو، ومن ثم ستُسهِم التخفيضات الضريبية فقط في استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات؛ ما يزيد حدة مُعدَّلات التضخُّم، حتى يصل إلى مرحلة الركود التضخُّمي، بالتزامن مع تراجع قيمة الجنيه الإسترليني؛ ما يُسهِم في رفع تكلفة الواردات، خاصةً أن معظم واردات بريطانيا، بما في ذلك المنتجات التكنولوجية والوقود، تعتمد قيمتها على الدولار الأمريكي؛ ما يضر المالية العامة للدولة.

4– انعدام العدالة الاجتماعية: لا يزال التأثير المشترك للتخفيضات الضريبية يترك الغالبية العظمى من دافعي ضريبة الدخل يدفعون المزيد من الضرائب؛ حيث وُجهت معظم التخفيضات الضريبية نحو الأغنياء. أما أكبر الخاسرين من الناحية النقدية فهم ذوو الدخول المتراوحة بين 63 ألف جنيه إسترليني و125 ألف جنيه؛ حيث يدفعون نحو 1570 جنيهاً إضافياً في الضرائب المباشرة في 2025–2026، بينما يجب أن يكون الهدف الأوسع هو تقليل أو إزالة الفرق في الضرائب المستحقة مع حماية حوافز الاستثمار والمخاطرة؛ حتى لا تسهم تلك التصنيفات التعسُّفية في تشويه السياسة الضريبية، كما أن الإعفاءات الضريبية المؤقتة تُفقِد الشركات الحافز للاستثمار.

5– إثقال الميزانية العامة: تُعَد سياسة خفض الضرائب عبئاً هائلاً على ميزانية الدولة؛ إذ ستُكلِّف الخزينة العامة للدولة نحو 45 مليار جنيه، وهي أكبر خفض في الضرائب منذ عام 1972. وبينما تسهم خطة النمو في تحفيز النمو الاقتصادي على المدى القريب، فإنها ستضطر بنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة أكثر من مرة لكبح التضخم المُتوقَّع؛ ما يؤثر سلباً على تمويل الأعمال والنشاط الاقتصادي من خلال زيادة احتمالية ارتفاع أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض التجارية؛ ما يتعارض مع محاولات الحكومة لدعم الاقتصاد عن طريق خفض رسوم الدمغة وعكس الزيادة الضريبية على الشركات المُخطَّط لها؛ مما يُسهم في تقويض خطة النمو.

6– زيادة مُعدَّلات الدين العام: يعتمد تأثير التخفيضات الضريبية على كيفية تمويلها. وسيتم تمويل تلك التخفيضات الضريبية من الاقتراض؛ ما يسهم في زيادة الدين العام للدولة، ومن المتوقع أن يصل حجم الاقتراض خلال عام 2022 الجاري إلى 190 مليار جنيه إسترليني ليصل حجم الاقتراض بحلول عام 2026–2027 نحو 110 مليارات جنيه؛ ما يعادل 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى بأكثر من 80 مليار جنيه مقارنةً بنحو 32 مليار جنيه التي توقعها مكتب مسؤولية الميزانية في مارس الماضي.

ومن ثم، يصل حجم الاقتراض الحكومي إلى حدود 411 مليار جنيه إسترليني على مدار السنوات الخمس المقبلة. ويرجع أكثر من نصف هذه الزيادة في الاقتراض إلى ما يقرب من 45 مليار جنيه سنوياً من التخفيضات الضريبية؛ ما يُسهِم في زيادة الدين الحكومي إلى نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول السنة المالية 2026–2027، مقارنةً بـ81% هي توقُّعات مارس الماضي. ولتعويض هذه الزيادة، سيتعيَّن على سياسات الحكومة تحقيق زيادة إضافية بنسبة 0.7% في الناتج الاقتصادي كل عام للسنوات الخمس المقبلة.

سياسات بديلة

وأخيراً، يتَّضح مما سبق أن الموازنة المُصغَّرة أو خطة النمو لكوارتنج، بما تتضمَّنه من سياسات مُحفِّزة؛ تُعَدُّ غير كافية لتحقيق الأهداف الحكومية، ولن تنجح وحدها في زيادة مُعدَّلات الإنتاجية أو جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وزيادة مُعدَّلات النمو الاقتصادي للدولة، بل تُهدِّد الاستقرار المالي للدولة؛ حيث إن السياسة الاقتصادية المُحفِّزة للحكومة الجديدة، التي تقوم على مواجهة أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخُّم، واستباق دخول الاقتصاد في حالة ركود طويلة، بحزمة تخفيضات ضريبية، وحوافز استثمارية للأفراد والشركات؛ جاءت غير مدروسة بقدر كافٍ دون تقييم مالي واقتصادي مستقل؛ حيث اعتمدت حكومة “تراس” بشكل أساسي على الاقتراض لسد العجز في الميزانية، وهو الأمر الذي سيرفع فاتورة الاقتراض الحكومي إلى مستويات غير مسبوقة.

كما تتعارض سياسة تحفيز الحكومة مع السياسة النقدية التشدُّدية التي ينتهجها بنك إنجلترا من خلال رفع أسعار الفائدة. ومن ثم تعمل السياستان المالية والنقدية كقوتَيْن متعارضتَيْن بدلاً من التنسيق والتكامل بينهما؛ وذلك ما دفع البنك المركزي إلى التدخل لشراء السندات الحكومية لمحاولة ضبط أوضاع السوق.

ومن ثم، يتحتَّم على الحكومة البريطانية إعادة النظر في خطتها المالية الشاملة، ومعالجة نقاط الضعف بها؛ حيث إن زيادة معدل النمو الاقتصادي لا يمكن تحقيقه من خلال خفض الضرائب والتخلي عن التشريعات التنظيمية، بل يحتاج سياسات هيكلية تعتمد على التكنولوجيا الرقمية والابتكار؛ لتسهم في معالجة البيئة الاستثمارية وأداء الشركات الضعيفة والبنية التحتية غير الكافية؛ وذلك بإعداد “خطة مارشال” جديدة للنمو الحقيقي، تقوم على السيطرة على التضخم وبناء قاعدة صناعية خضراء حديثة تخلق فرص عمل جديدة، وتزيد الإنتاجية وتجذب المزيد من الاستثمارات الخارجية والمحلية، بالإضافة إلى فرض رسوم تضامنية من الأسر الميسورة، وضرائب غير متوقعة على الشركات المنتجة للطاقة، بما يعزز النمو الحقيقي في جانب العرض، ويرفع معدلات النمو الاقتصادي للمملكة المتحدة البريطانية.