رغم جهود روسيا لتعزيز وجودها وتوطيد علاقاتها في إفريقيا إلا أنها لا يزال أمامها الكثير لتلحق بمنافسيها الدوليين هناك، فإن ما تقدمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من مساعدات واستثمارات للدول الإفريقية تفوق ما تقدمه روسيا.

تنبع الأهمية الجيوسياسية لإفريقيا من خلال موقعها الاستراتيجي الذي يعتبر ممرًّا مهمًّا في طرق المواصلات العالمية، وسيطرتها على أهم الأذرع المائية من وجهة الملاحة الدولية، وبما تملكه من ثروات وموارد طبيعية، سيما منطقة شرق إفريقيا التي يتداخل فيها القرن الإفريقي مع منطقة البحيرات العظمي وحوض النيل، لكن بسبب نقص الإمكانيات المادية والفنية والتكنولوجية والكوادر البشرية للدول الإفريقية وتنامي أطماع الدول العظمى، وتقاطع مصالحها ونفوذها، تعاني المنطقة من استقطاب حادٍّ متعدد الأطراف، وتحول الإقليم إلى مسرح لحالة من الصراع الدولي المحموم لأكثر من قرنين من الزمن، وحديثًا تصادم النفوذ الأميركي والأوروبي والإسرائيلي، وتنامي واستفحال النفوذ الصيني والروسي، كما أننا لا نغفل الوجود والنفوذ التركي الذي كان له وجود تاريخي في المنطقة إبَّان الدولة العثمانية في القرن قبل الماضي، فهو أيضًا زحف للمنطقة بحثًا عن مصالح ونفوذ جديد له فيها.

معروف أن مؤتمر برلين المنعقد في 1884، أعطى الضوء الأخضر للدول الغربية الاستعمارية لتقاسم القارة الإفريقية فيما بينهم لتسهيل السيطرة والاستفادة القصوى من خيرات القارة ومواردها الضخمة، فمع نهاية القرن التاسع عشر كانت الدول الأوروبية الاســــتعمارية (بريطانيا العظمى، وإيطاليا، وبلجيكا، وفرنسا فضلًا عن ألمانيا) قد سيطرت على معظم إفريقيا، عدا دولتين، هما: ليبيريا في غرب إفريقيا، وإثيوبيا في شرقها.

النفوذ الروسي في إفريقيا فترة قبل وبعد الحرب الباردة

تغلغل النفوذ الروسي وتمدد في قارة إفريقيا منذ خمسينات القرن الماضي واشتد إبان حقبة الحرب الباردة، سيما فترة الحراك الثوري للشعوب الإفريقية بغية التحرر من الاستعمار الغربي. في تلك الحقبة كان للاتحاد السوفيتي نفوذ كبير في القارة الإفريقية، وكان لهذا النفوذ قبول ورضى من قبل الشعوب الإفريقية حيث إنه كان يساند حركات وقوي التحرر من الاستعمار، ويمد تلك القوى بالسلاح والعتاد والدعم المادي والإعلامي والمعنوي فضلًا عن الدعم الأيديولوجي؛ فقد كانت هناك أحزاب عقائدية (الأحزاب الشيوعية، والقوى الاشتراكية) في إفريقيا وآسيا؛ حيث كانت تلك الأحزاب تشكِّل قواعد ومنارات سياسية قوية وراسخة تؤيد وتدعم الوجود الروسي في المنطقة، إلا أن هذا الوضع تهدَّم وذهب إلى مزبلة التاريخ في الألفية الثانية.

وهناك تجربة أخرى كبيرة خاضتها روسيا (الاتحاد السوفيتي السابق) في ستينات القرن الماضي في منطقة لها تأثيراتها على إفريقيا، ألا وهي منطقة جنوب الجزيرة العربية؛ حيث كان للاتحاد السوفيتي السابق نفوذ عسكري وأيديولوجي في جنوب اليمن (اليمن الجنوبي)، إلا أن هذه التجربة لم تفلح واختفت بعد أن باءت بالفشل الذريع، وخرج الاتحاد السوفيتي من جنوب اليمن بخُفي حُنين(1).

روسيا متنافسًا جديدًا في إفريقيا

ليس النفوذ الروسي في إفريقيا في الحقبة الحالية كما كان في فترة ما بعد الحرب العالمية وحقبة الحرب الباردة فقد انهار الاتحاد السوفيتي السابق بسبب ذهاب طاقته السياسية والأيديولوجية والاقتصادية وانحسار نفوذه السياسي والعسكري في العالم وسقطت قلعته الأخيرة في موسكو، فضلًا عن ظهور الأحزاب الراديكالية المضادة للنفوذ الروسي والاشتراكي في إفريقيا، وقارة آسيا، وأميركا اللاتينية بشكل خاص.

تعمل روسيا حاليًّا وبشكل متسارع على بناء وتعزيز نفوذ جديد لها في إفريقيا خاصة في شرق ووسط وغرب إفريقيا، فهي تعمل على تحريك وتنشيط نفوذها القديم في إفريقيا وذلك بتوظيف واستغلال علاقات الاتحاد السوفيتي السابق مع الدول الإفريقية؛ حيث صرَّح رئيس الدولة، فلاديمير بوتين، بأن العلاقات مع البلدان الإفريقية تعد إحدى أولويات السياسة الخارجية الروسية.

روسيا تدرك تمامًا أهمية القارة الإفريقية وأبعادها الجيوسياسية وبشكل خاص شرق، ووسط وغرب القارة، فالمنطقة يتزاحم فيها الكثير من القوى الكبرى وعلى راسها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والمملكة المتحدة ودول غرب أوروبا الأخرى التي تعمل في إطار حلف شمال الأطلنطي، وتعمل أحيانًا بشكل منفرد (فرنسا)، كما أن هناك قوى أخرى لها أطماعها وتأثيرها ونفوذها تعمل في المنطقة (إسرائيل وتركيا وإيران والهند). أضف إلى ذلك التحالف العربي (الإماراتي/السعودي)، الذي يقاتل في اليمن بغية الاستحواذ على الموانئ والقواعد العسكرية في خليج عدن والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، وهو يعمل ضمن استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ومعروف أن الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية لها قيادة عسكرية ضخمة في القارة الإفريقية، وبالتحديد منطقة شــرق إفريقيا، (قيادة المنطقة العسكرية لحلف الناتو في شرق إفريقيا).

تعمل روسيا على إيجاد موطئ قدم لها في إفريقيا من خلال البوابة الصينية، ومن تحت عباءتها؛ حيث إن الصين هي المستثمر الأول في إفريقيا، ولها علاقاتها جيدة مع الدول الإفريقية وعادة تقوم علاقات الصين مع إفريقيا على البعد الاقتصادي. لذا، شهدت تلك العلاقات تطورًا كبيرًا في العقدين الأخيرين.

تحاول روسيا التغلغل إلى داخل إفريقيا عبر الوجود في الموانئ المطلة على البحر الأحمر، وبناء قواعد عسكرية في مناطق حاكمة واستراتيجية في الشواطئ الإفريقية للولوج إلى القارة الإفريقية لمنافسة التحالفات الغربية المنتشرة في المنطقة والحصول على حصص لها من موارد القارة، فتقوم بتقديم الخدمات اللوجستية والدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الدفاعية والأمنية والاقتصادية وخبرات التحكم في الأمراض والأوبئة، وبعض التدريبات في مجال التعليم والتكنولوجيا(2).

تحاول روسيا زعزعة التحالفات الموجودة (حلف شمال الأطلنطي، والتحالفات العربية الموجودة المتصلة بالتحالفات الغربية) لإضعافها وتشتيت جهودها ليتسنى لها الولوج إلى دول المنطقة دون الدخول في أعمال عسكرية عنيفة أو منافسات علنية قد تكلفها الكثير.

لا شك أن النفوذ الروسي في إفريقيا يثير الكثير من القلق، فهناك دول إفريقية عديدة تتوجس وتتخوف من هذا النفوذ وتحاول أن تتحاشاه بشتى الطرق والأساليب، فالتجربة الروسية في البلقان ودول شرق أوروبا إبان الحرب الباردة، وفي الصومال والعراق في حقبة التسعينات لا تزال تشكِّل شبحًا مخيفًا لهذه الدول، أضف إلى ذلك فإن التجربة الروسية في سوريا لا تزال عالقة في آفاق السياسة الدولية، فهي تجربة مخيفة وصادمة، جعلت الكثير من الدول يتحاشى ويتردد في الدخول في تحالفات أو اتفاقيات اقتصادية أو سياسية مع روسيا.

أما إثيوبيا فلها تجربة مريرة مع روسيا (الاتحاد السوفيتي السابق) لا تزال تجترها شعوب إثيوبيا، والدول المجاورة، حتى اللحظة، ففترة حكم الرئيس الأسبق، منغستو هيلاماريام، في سبعينات القرن الماضي كانت تجربة مؤلمة خاضتها الشعوب الإثيوبية عانت فيها الفقر والمرض ومهالكهما، والانحطاط السياسي وعنفه وويلاته، والاضطهاد الاجتماعي والثقافي لأبعد حدوده، فلا أعتقد أن الشعوب الإثيوبية ستتجاوز تلك التجربة أو تتناساها وتدخل مع روسيا في تحالفات جديدة.

أما إذا تحدثنا عن اتفاقات روسيا مع إثيوبيا في العام 2020-2021، بشأن إمداد الأخيرة بالسلاح والعتاد والذخائر، فإنها لم تحدث إلا بعد أن اشتدت ضراوة المعارك التي يشنها الجيش الإثيوبي ضد إثنية التيغراي والجماعات الإثنية الأخرى التي تقاتل الحكومة الإثيوبية، وحاجة إثيوبيا للسلاح والذخائر. ومعروف أن الجيش الإثيوبي يعتمد اعتمادًا كليًّا على السلاح والعتاد الروسي؛ حيث إن الجيش الإثيوبي يقوم على التنظيم الروسي منذ فترة حكم الرئيس الإثيوبي الأسبق، منغستو هيلاماريام، لذا لجأت الحكومة الإثيوبية إلى روسيا لإمدادها بالسلاح والذخائر لمواجهة هذا التمرد الكبير.

حقيقة أن مواجهة الجيش الإثيوبي مع إثنية التيغراي ليست سهلة فقد تطيح بالنظام القائم في أديس أبابا، فهذه الجماعة لها تاريخ نضالي طويل وقوي؛ حيث إنها شاركت في حرب التحرير من حكم الرئيس الأسبق، منغستو هيلاماريام، في تسعينات القرن الماضي ومارست الحكم في إثيوبيا لعقدين من الزمن ولهم تاريخ في السلطة منذ قيام الإمبراطورية في إثيوبيا، فضلًا عن أنهم يمتلكون الكثير من السلاح والعتاد، ومعظم الكوادر المقاتلة والمدربة في الجيش الإثيوبي من إثنية التيغراي، وفضلًا عن ذلك فإن بيدهم الكثير من أسرار الجيش ولهم قواعد سياسية لها وزنها رغم أنهم أقلية.

تحاول إثيوبيا زيادة زخم علاقاتها مع روسيا سيما في هذه الفترة العصيبة من تاريخها حيث إنها تجابهه تمردًا كبيرًا قد يطيح بالنظام القائم، ودعمًا لهذا القول فقد قامت إثيوبيا بتعيين وزير خارجية سابق ليكون سفيرًا لها في موسكو وهذا مؤشر قوى يشير إلى أن إثيوبيا تحاول بناء علاقات قوية وفاعلة مع روسيا سيما في الفترة الحالية لكبح جماح تمرد أثنية التقري والجماعات المتمردة الأخرى ومحاولة دفع روسيا للقيام بدور لحل الخلاف القائم في حوض النيل الشرقي والمتعلق بسد النهضة الإثيوبي، والحصول على مساندة روسيا في المحافل الدولية لتمرير أجندتها السياسية والاقتصادية دوليًّا وإقليميًّا(3).

بؤر النفوذ الروسي في إفريقيا ودلالاته

الوجود الروسي في شكله العسكري والأمني في إفريقيا يتمظهر بشكل واضح في إريتريا، رغم أن إريتريا ليست لها ولاءات سياسية واضحة وثابتة فهي تتعاون وفق مصالحها الآنية، وتقلبات الأوضاع الجيوسياسية في الإقليم، فهي تتعاون مع المحور الأميركي، والأوروبي تارة، وتارة أخرى تتحالف مع المحاور التي تضج بها المنطقة. لذا، فإن النفوذ الروسي في إريتريا غير مستقر ومحفوف بالمخاطر ومهدد بالزوال وفقًا لمتغيرات السياسة الدولية في منطقة القرن الإفريقي حيث يمكن أن تلفظه إريتريا في أي وقت.

للوجود الروسي في إفريقيا وبشكل خاص في غرب ووسط إفريقيا وشرقها أهداف عسكرية واقتصادية، فروسيا تعاني من نقص حاد في المعادن النادرة والمهمة والحيوية لصناعاتها المختلفة (كالمنجنيز والبوكسيت والكروم)، كما أن روسيا تمتلك خبرات وتكنولوجيا متقدمة في مجال الطاقة تريد أن تقدمها للدول الإفريقية مقابل المواد الخام وفتح أسواق لمنتجاتها. لا شك أن علاقات روسيا الدفاعية مع دول غرب إفريقيا في نمو سريع ومستمر، فالشركات الروسية بشقيها، الأمني والاقتصادي، تعمل في أنغولا بجنوب شرق القارة الإفريقية لاستغلال النفط والمعادن الثمينة (الألماس والذهب). وفي العام 2017-2018، وقَّعت روسيا اتفاقيات تعاون مع أكثر من (تسع عشر دولة) إفريقية جُلُّها في غرب إفريقيا، منها على سبيل المثال لا الحصر (نيجيريا، وأنغولا، وغينيا الاستوائية، وبوركينا فاسو، والسودان)، كما وقَّعت اتفاقات لاستخراج الغاز الصخري من موزمبيق، وبالتالي استطاعت أن تمد نفوذها وهيمنتها بقوة لوسط وغرب القارة الإفريقية، (إفريقيا الوسطي ونيجيريا وتشاد)، وينشط الدور الروسي في إفريقيا الوسطى في دعم الحكومة ضد الجماعات المتمردة؛ حيث تشارك بقوات خاصة من الشركات الأمنية في عمليات تأمين وحراسة المؤسسات الحكومية ومناطق الموارد الاقتصادية المهمة والحيوية.

أما في المغرب العربي، فإن روسيا تستخدم المرتزقة والشركات ذات الخلفية الاستخباراتية والأمنية في ليبيا للقيام بأدوار سياسية وعسكرية وأمنية (شركة فاغنر الروسية) التي تعمل في استغلال الثروات المعدنية، وتشارك في العمليات القتالية وتقديم الدعم لبعض القوى والتيارات السياسية التي تتقاتل في ليبيا، ولا يغيب عن البال أن روسيا تريد من ذلك أن تكون قريبة من نفط ليبيا، ومناطق التعدين الأخرى في إفريقيا الوســطي وشمال غرب إفريقيا (النيجر، وموريتانيا، والجزائر)، وقريبة من النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا لتحجيمه وتحييده وإضعافه حتى لا يجد المجال ليتمدد شرقًا تجاه السودان وليبيا. أضف إلى ذلك أن النفوذ الروسي في منطقة غرب إفريقيا له مآرب عقائدية وأيديولوجية فهو يدعم ويساند الحركات المناوئة للتيارات الإسلامية والعربية في المنطقة.

رغم ازدحام المنطقة بالتحالفات والقواعد العسكرية وحركة القوات، فإن روسيا الآن تحاول التغلغل في السودان من خلال قاعدة (فلامنجو) التاريخية في شرق السودان والقريبة من ميناء بورتسودان، ومعروف أن هذه القاعدة سبق واستخدمتها قوات الحلفاء إبَّان الحرب العالمية الثانية؛ حيث إنها ذات موقع استراتيجي مميز يتحكم في البحر الأحمر، وفي حركة الملاحة البحرية والجوية في المنطقة، وتهدف روسيا من خلال وجودها في المنطقة إلى السيطرة على ممرات النفط العربي والإفريقي في البحر الأحمر، وتأمين استثماراتها في مناطق التعدين في السودان، فضلًا عن عرقلة الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى تنمية نفوذها وزيادة وجودها في السودان؛ حيث إن هناك مؤشرات تؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية تخطط لنقل قيادة حلف الناتو والقوات الأميركية العاملة في إفريقيا إلى السودان.

تطورات الأحداث في ليبيا كشفت عن مدى تأثير روسيا على مجريات الأحداث في المنطقة وعلى مدى ضعفها في مواجهة التحالف الأميركي الغربي، خاصة في شمال إفريقيا، فالموقف الروسي في ليبيا وغيرها كثيرًا ما اتسم بالتردد الشديد فلا هي أيدت الثوار ولا تمكنت من الإبقاء على الأنظمة القائمة، كما أنها لم تكن تملك استراتيجية لمواجهة التغييرات مثلما هو قائم الآن في شرق إفريقيا، وفي الوقت ذاته لم يكن لديها خطة لتعطيل الاستراتيجيات الغربية لكنها وعبر سياستها التي يمكن أن نصفها بالثبات والاستمرارية في الوقت ذاته استطاعت أن تتجاوز التداعيات الخطرة على مصالحها، فقد أصبحت مع الوقت تقدم نفسها للعب دور وظيفي في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة، فهي حاليًّا تحاول الانخراط المباشر في أزمات المنطقة كلاعب رئيسي في كافة الملفات، فأخيرًا قدمت نفسها كوسيط في أزمة سد النهضة بين دول حول النيل الشرقي (إثيوبيا، ومصر، والسودان)، وتحاول أن تتوسط في الأزمة القائمة في اليمن وغيرها.

لا أشك في أن الاستراتيجية الأميركية الغربية الرامية إلى إعطاء الشرق الأقصى وإفريقيا أولوية لمواجهة الصعود الصيني والهندي ستؤدي إلى فراغ يمكن تهيئة روسيا لملئه شرط تخليها أو تملصها من العباءة الصينية والانخراط في الاستراتيجيات الغربية الرامية لتحجيم الدور الصيني في العالم عمومًا، وفي إفريقيا وآسيا بشكل خاص، وذلك لتأكيد في دورها في العالم والقارة الإفريقية بشكل خاص، لكن ذلك لا يتحقق إلا بعد رصد حوافز وتطمينات لروسيا حتى لا تحاول إكمال دورها الخفي مع الصين في إفريقيا.

أما في مصر العربية، فإن الدور الروسي بدأ فعلًا يتبلور بعد إنها حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر في يوليو/تموز 2013، وتبني العسكريين لنظام جديد؛ مما أعطى روسيا فرصة أخرى للعب دور هيئته الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها مصر والتي كانت تبحث عن حليف قوي يؤمِّن لها دعمًا في مواجهة التحديات التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية والغرب على النظام المصري، كما أن هذا الأمر فرضته المراجعة الروسية لاستراتيجياتها وإدراكها للأخطاء التي قلَّصت فرص وجودها في المنطقة ككل، فقد أصبح ذلك التطور بمنزلة نموذج لعلاقات جديدة تقتدى بها دول المنطقة؛ حيث إن التبادل التجاري مع مصر ارتفع بشكل واضح خلال عام 2014، بنسبة 86% ليصل إلى خمسة مليارات دولار أميركي. وبالمقابل، ارتفعت الصادرات المصرية إلى روسيا بنسبة 22.3% لتصل إلى 540 مليون دولار، وحاليًّا تخطط روسيا مع مصر لإنشاء منطقة للتجارة الحرة ومنطقة صناعية روسية في منطقة السويس فضلًا عن صفقات السلاح التي جرى الاتفاق عليها في العامين الماضيين. هذا التطور سينعكس حتمًا بشكل إيجابي على الوجود والنفوذ الروسي في المنطقة ككل خاصة منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي(4).

مستقبل النفوذ الروسي في القارة الإفريقية

تسعى روسيا من خلال الوجود في البحر الأحمر والمحيط الهندي وبحر العرب لتقوية وجودها في إفريقيا، وخلق نفوذ لها في المياه الدافئة في الشرق الأوسط لضمان عدم محاصرتها بواسطة التحالف الغربي الإمبريالي في مناطق نفوذها المعروف في سوريا، وإيران.

بهذا التكتيك، تحاول روسيا أن تؤمِّن موقفها في منطقة بحر قزوين للاستحواذ على نفط بحر قزوين، وبناء منصات سياسية وعسكرية وأيديولوجية في المنطقة للتقرب من أفغانستان لبسط نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي عليها بالتنسيق مع الصين بعد الانسحاب الأميركي من المنطقة. لهذا، فإن موسكو تراقب الموقف عن كثب وتخطط مع الصين للتعاطي مع حكومة طالبان المرتقبة لتأسيس نفوذ جديد لها في المنطقة، فالفعل والتكتيك الروسي في إفريقيا يدعمان خطة الخداع الاستراتيجي الروسي التي تهدف لإلهاء التحالفات الغربية، ولفت نظرها بعيدًا عن أهداف روسيا في آسيا الوسطى سيما أفغانستان.

في اعتقادي أن حركة الوجود الروسي في إفريقيا ليست لها استراتيجية واضحة المعالم حتى الآن رغم أن روسيا تعمل مع الصين لخلق محور يتوازن مع المحور الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية تحت مظلة حلف الناتو. ورغم أن روسيا تعمل مع الصين بشكل علني وتنسيق واضح وقوى في بحر الصين الجنوبي ومنطقة البلطيق وطريق الحرير وأفغانستان وإيران ومناطق أخرى من العالم، إلا أنها تعمل مع الصين في إفريقيا بشكل خفي وهادئ وتنسيق عميق له أبعاده ومراميه، فروسيا عادة ما تتجنب الدخول في منافسات علنية أو عنيفة مع المحور الغربي خاصة الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، لكن رغم ذلك فإن الوجود والنفوذ الروسي والصيني في إفريقيا يرعب المحور الأميركي/الأوروبي.

النفوذ الروسي في القارة الإفريقية قد يتطور بتطور النفوذ الصيني المتقدم فهو المستثمر الأول في إفريقيا، وروسيا قد تساعد الدول الإفريقية من خلال التسلح والاستثمار في مجال المعادن فهي تمتلك شركات ضخمة ومتمكنة في مجال التنقيب عن النفط والغاز والتعدين، إلا أن تاريخ روسيا في المنطقة مخيف ومرعب فهي تستصحب معها شركات لها خلفيات استخباراتية وأمنية قد تزعج الدول الإفريقية سيما الدول التي تسعى إلى الديمقراطيات والحكم الرشيد.

علاقات روسيا بالمنطقة مرهونة بالنفوذ الغربي والأميركي بشكل خاص فهناك قضايا لها أهميتها فقضية المياه وسد النهضة تهم إسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية فضلًا عن قضايا الاستثمارات الضخمة والأسواق في إفريقيا التي تؤرِّق الدول الغربية وهي برامج تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تقوم بتنفيذها في القارة السوداء وتهدف الدول الغربية إلى الاستحواذ على كل تلك الاستثمارات في الدول الإفريقية.

رغم جهود روسيا لتعزيز وجودها وتوطيد علاقاتها في إفريقيا إلا أنها لا يزال أمامها الكثير لتلحق بمنافسيها الدوليين هناك، فإن ما تقدمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من مساعدات واستثمارات للدول الإفريقية تفوق ما تقدمه روسيا. فضلًا عن ذلك، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستعمل على دفع النفوذ الصيني بعيدًا عن إفريقيا وبالتالي ستكون روسيا في مهب الريح حيث إن وجودها مرهون بالوجود الصيني في المنطقة(5).

خاتمة

لا شك أن نظرة الدول الغربية الاستعمارية لإفريقيا لن تتبدل، وأن تكالبها على موارد القارة سيستمر بنفس الزخم وبذات الاستراتيجية أحادية المنفعة، وأن المستعمر لن يغير أهدافه ومراميه فهو يريد أن يستحوذ ويستغل كل موارد القارة الإفريقية ويحتكرها لنفسه، ويريد أن يجعل من إفريقيا سوقًا كبيرة لمنتجاته وصادراته. لذا، سيعمل على حرمان الدول الإفريقية من أن تقوم بأي دور تنموي أو تقدمي للاستفادة من مواردها وخيراتها، ولن يسمح لها باللحاق بالدول الكبرى والمتقدمة. لذا، فإن لم تكن هناك وطنية وإرادة سياسية قوية وغلَّابة لدى الدول والشعوب الإفريقية ونخبها السياسية والاجتماعية، لإعداد وتنفيذ برامج تنمية طموح ومرضية وبناء شراكة سياسية واقتصادية فاعلة وقوية بين الدول الإفريقية لاستغلال كافة الموارد المتوافرة والمتاحة في إفريقيا لن يكون هناك مفر من الهيمنة الاستعمارية.

مراجع

(1) السياسة الخارجية الروسية في السياقين التاريخي والحالي، مؤسسة راند الأميركية، 2015، (تاريخ الدخول: 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021): https://bit.ly/3wo7667

(2) روسيا وإعادة اكتشاف إفريقيا من جديد: سيناريوهات “التعاون والمصالح والمخاطر”، المركز الديمقراطي العربي، 3 فبراير/شباط 2017، (تاريخ الدخول: 30 أكتوبر/تشرين الأول 2021): https://democraticac.de/?p=43279

(3) Engaged Opportunism”: Russia’s Role in the Horn of Africa, The Foreign Policy Research Institute, Jul 2, 2020 (accessed October 31, 2021): https://bit.ly/3wm3G3Q

(4) Late to the Party: Russia’s Return to Africa, Carnegie Endowment, Oct 24, 2019 (accessed October 26, 2021): https://bit.ly/3kcNk8Z

(5) Ahmed Elbassoussy, The growing Russian role in sub-Saharan Africa: interests, opportunities and limitations, Journal of Humanities and Applied Social Sciences, Article publication date: 6 April 2021, (accessed October 26, 2021): https://bit.ly/3017lI9