مقدمة

إذا سافرت إلى بلد غير عربي، فإنك ستواجه بأساليب، تخالف أساليبك في التعامل؛ مثل طرائق: التحية والاستقبال والوداع والتغذية والتفكير والتعبير عن الانفعال.

وقد أجريت دراسات متعددة، في هذا الصدد، منها دراسة مقارنة، أجريت على عدة قبائل بدائية، منها الأرابيش والموندوجمور. يشترك رجال القبيلة الأولى ونساؤها في أن سلوكهم أقرب إلى الأنوثة، إذ يميل الجنسان إلى المسالمة لا العدوان، والتعاون لا التنافس؛ ومثلهم الأعلى أن يتزوج الرجل اللطيف، المعتدل، المستجيب، المرأة اللطيفة، المستجيبة. أمّا القبيلة الثانية، فيتصف رجالها ونساؤها بالسلوك الذكري، إذ يتميزون بالعدوانية، وأن مثلهم الأعلى أن يتزوج الرجل العدواني المرأة العنيفة، العدوانية؛ بل إن الملاطفة بين الجنسَين، التي تسبق الزواج، يسودها العنف والعدوان، من كلا الجانبَين على حدٍ سواء.

تُرى ما أسباب ذَنيْك الاختلاف والتباين؟ تكمن الإجابة في أن عملية التنشئة الاجتماعية Socialization، أو التطبيع الاجتماعي، هي عملية تعلّم وتعليم وتربية، قوامها التفاعل الاجتماعي، وتهدف إلى إكساب المرء (طفلاً فمراهقاً فراشداً فشيخاً) سلوكاً ومعايير واتجاهات ملائمة لأدوار اجتماعية معينة، تمكنه من مسايرة جماعته وموافقتها، وتكسبه الطابع الاجتماعي، وتيسر له الاندماج في الحياة الاجتماعية.

ويظهر أثر التنشئة الاجتماعية داخل المجتمع الواحد؛ فخصال أبناء البدو وتصرفاتهم، تخالف نظيراتها في أبناء الحضر؛ وتختلف، كذلك، بين أبناء المناطق الصناعية ونظرائهم في المناطق الزراعية. ولقد أجريت دراسة على توأمَين متماثلَين (أيْ أنهما نتاج بويضة أنثوية واحدة، ملقحة؛ ولكنها انقسمت لتكون توأمَين متماثلَين، لهما خصائص وراثية واحدة)، وربِّي أحدهما في أسْرة فقيرة، والآخر في أخرى متوسطة. عند إعادة دراستهما في فترة المراهقة، وجد بينهما تشابه كبير في الخصائص الجسمية، طولاً ووزناً (وذلك راجع إلى أثر الوراثة)؛ ولكن، اختلفا من حيث تكوين الشخصية والصفات الاجتماعية (وذلك راجع إلى أثر التنشئة الاجتماعية). فمن نشأ في المنزل الفقير، كان أكثر عدوانية، وأقلّ ضبطاً لتعبيراته، وأكثر استقلالاً وتلقائية، ويغلب على تعبيره العامية، وأقلّ طموحاً ورغبة في العلم. أمّا الآخر، فكان شديد الاهتمام بتعليمه، والكفاح من أجل التحصيل المرتفع، والطموح إلى عمل مرموق، وأكثر ضبطاً لدوافعه الجنسية، وأكثر قدرة على تأجيل إرضائها.

بِغض النّظر عن اختلاف تعريفات التنشئة الاجتماعية -التي حَظِيَتْ باهتمامٍ كبير من طرف مُختلف مجالات المعرفة (علم النفس، الانثربولوجيا، علم الاجتماع…)-  فهي تتفق حول الهدف الأساسي منها، وهو تشكيل الكائن البيولوجي وتحويله إلى كائن اجتماعي.
هي عملية، تساهم فيها أطراف عديدة، كالأسرة والمدرسة…، وتتأثر بعوامل عديدة أيضا (اقتصادية، ثقافية، فيزيزلوجية…) يكتسب الأفراد من خلالها الضبط الذاتي والحُكم الخلقي (القيم والمعايير والتمثلات الاجتماعية والاتجاهات وأنماط السلوك …) اللازمين لهم حتى يصبحوا أعضاء راشدين مسؤولين في مجتمعهم.
جدير بالذكر أيضا أنها سيرورة، تقوم على التفاعل الاجتماعي، مستمرة ومتغيرة على امتداد الحياة و مختلف مراحل النمو (طفولة، مراهقة، رُشد، شيخوخة).
ولعل تعريفي إميل دوركايم للتنشئة الاجتماعية يبقى التعريف الأبسط والأشمل حيث يقول: “أنها عملية استبدال الجانب البيولوجي بأبعادٍ اجتماعية وثقافية، تصبح هي الموجهات الأساسية لسلوك الفرد داخل مجتمعه”.

خصائص التنشئة الاجتماعية

من خصائص  ومواصفات التنشئة الاجتماعية نذكر:

– أنها عملية اجتماعية و إنسانية (تهتم بالإنسان دون الحيوان)، بواسطتها يكتسب الإنسان إنسانيته التي لا تولد معه، ولكنها تنمو من خلال المواقف والتفاعل ومشاركة الآخرين تجارب الحياة.
– عملية نسبية تختلف باختلاف الزمان والمكان، و باختلاف الطبقات الاجتماعية داخل نفس المجتمع، و تختلف من بناء اقتصادي لآخر.
– هي عملية عامة لا تخص مجتمعا دون غيره و تهُمّ جميع المجتمعات، البدائية منها والمتقدمة.
– هي عملية لا تقتصر على الأسرة فقط، بل تتعداها إلى المدرسة والنوادي ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية…
–  هي عملية مستمرة، باستمرار الحياة، فمواجهة مواقف جديدة والتعامل معها تتطلب تنشئة مستمرة يقوم بها الفرد بنفسه ولنفسه، بعد أن يكون قد اكتسب الأدوات الضرورية لذلك.
– هي عملية اجتماعية ونفسية في آن واحدٍ، لها –إضافة إلى الجانب الاجتماعي- جوانب نفسية تتفاعل معه.
– عملية نمو مستمر يتحول خلالها الفرد من طفل يعتمد على غيره، إلى فرد من المجتمع  قادر على تحمل المسؤوليات المختلفة، عوض الاكتفاء بإشباع الحاجات الفسيولوجية فقط، كما كان عليه الأمر أثناء صغره.
– تتأثر التنشئة الاجتماعية بالكثير من العوامل المجتمعة والمتداخلة والمتفاعلة فيما بينها: كالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعوامل الأسرية (كعدد الأبناء، وترتيب الطفل فيها، واتجاهات الوالدين الفكرية…) وغير ذلك من العوامل.
– التنشئة الاجتماعية عبارة عن تعلم اجتماعي يتعلم فيه الفرد ويتبوأ دوره الاجتماعي، عن طريق التفاعل الاجتماعي، ويكتسب الأنماط السلوكية والاتجاهات المقبولة في المجتمع.
– هي علاقة تفاعل بين الطفل وبيئته الاجتماعية، علاقة تأثير وتأثر، تتغير من طفل لآخر ومن بيئة لأخرى، لتكون النتيجة أن لكل فرد شخصية اجتماعية فريدة.

مقاربات ونظريات التنشئة الاجتماعية

اختلفت وِجهات نظر الباحثين وزوايا مقاربتهم لمفهوم التنشئة الاجتماعية ، حيث، ومنذ الستينات من القرن الماضي وفي علاقة بهذا المفهوم، ظهرت عدة مُقاربات على مر التطور التاريخي للمجتمعات الغربية، وخصوصا الأوربية. ولعل أهمها:

أ- نظرية التحليل النفسي

يرى سيغموند فرويد، صاحب هذه النظرية، أن جذور هذه التنشئة الاجتماعية عند الأفراد، توجد فيما يُسميه ″الأنا الأعلى″ (الذي يُمكن إجماله في مجموعة القوانين والضوابط التي تفرضها الأسرة والمجتمع)، هذا الأنا الأعلى يقف حاجزا وعقبة في طريق اَلْهُو″ الذي يمثل مجموعة من الدوافع الغرائزية (مأكل، مشرب، جنس…)، يكون هَمُّ الطفل/الفرد الوحيد هو إشباعها. لكن ونتيجة لعملية الضبط التي يفرضها الأنا الأعلى يتحول جزء من الهُو إلى ما يسميه فرويد بالأنا الأعلى وهو ما يسمى بالضمير، الذي يعمل، من ضمن ما يعمل عليه، على إخضاع مطالب اللذة للتحكم وفق معايير المجتمع. لتكون النتيجة تشكل وتكون الأنا الفردية، من خلال اتصال الهُو بالأنا الأعلى.

ويرى فرويد أن كل ما يعجز الفرد عن تحقيقه (الأنا) يُكبَت ويُحوَّل إلى ما يسميه اللاشعور، وهو ما قد يتجلى في الأحلام والشرود.

عند فرويد، التطبيع الاجتماعي أو التنشئة الاجتماعية لها تأثير بالغ في شخصية الفرد، و هي عملية نمو و تطور أساسية وحتمية ودينامية، تنقسم إلى مراحل هي:

المرحلة الفمية: من الولادة حتى النصف الثاني من السنة الأولى، تتحدد شخصية الطفل ونمط علاقاته بمقدار تعلقه بأمه و مدى إشباعه لحاجاته الفمية من رضاعة وفطام.

وفي هذا الإطار يقول إيرين بوسلين  Erin Bouslan  أن إحساس الطفل بالطمأنينة في العالم مستقبلا، يستلزم طفولة  يجد فيها الطفل اهتماما ورعاية وإشباعا لشؤونه.

المرحلة الشرجية: وهي  بين العام الثاني والثالث من عمر الطفل فيها المتعة واللذة، يحظى الطفل في هذه المرحلة بحُب والديه، كما تلعب التنشئة الأسرية خلال هذه المرحلة دورا أساسيا من حيث درجة التأثير على شخصية الطفل وكذا علاقاته مع الآخرين ونموه الاجتماعي بصفة عامة.

المرحلة القضيبية: العام الرابع والخامس من عمر الطفل، يبدأ الطفل في الاهتمامأ بأعضائه التناسلية باعتبارها مصدرا للذة والإشباع، و تعتبر الظاهرة الرئيسة الأبرز في هذه المرحلة هي عقدة أوديب، حيث يرتبط الذكر بأُمِّه رغبة منه في الاستئثار  بحبها، بينما ترتبط البنت ارتباطا شديدا بأبيها فتُحس بالعدوانية والغيرة  تجاه أمها أي عقدة إليكترا.

مرحلة الكمون: وفي هذه المرحلة  تكون العلاقة بين الأطفال والوالدين كالتالي: ابن/أب  و بنت/ أم، حيث يتقمص كل طفل دور أحد الوالدين، ومن خلال هذا التقمص ينشأ ” الأنا الأعلى” ومنه نجد  الشخصية تتطور تدريجيا من الهُو إلى الأنا  إلى الأنا الأعلى (وهو الضمير الذي يعتبر مراقبا للسلوك).

المرحلة الجنسية التناسلية: وتبدأ مع مرحلة البلوغ، وهي مرحلة قد يواجه فيها المراهق ظروفا غير مواتية ومُحبطة في حياته، يكون فيها المراهق في مواجهة مع صراع داخلي شديد ناتج عن التصادم بين الدوافع الجنسية و معايير السلوك عند الأنا الأعلى.
كخلاصة، نجد أن نظرية التحليل النفسي تنظر إلى التنشئة الاجتماعية باعتبارها وسيلة لاكتساب الطفل سلوك ومعايير  والديه، عن طريق الثواب والعقاب اللذين يُكونان لدى الطفل الضبط الداخلي (الضمير الموجه لسلوك الفرد فيما بعد) و التقليد الذي يُعد من أبرز أساليب التنشئة الأسرية في نظر سيجموند فرويد.

ب- النظرية البنائية الوظيفية

تتلخص هذه النظرية في أن كل أسرة تعتبر نسقا فرعيا للنسق الاجتماعي الكلي، تتفاعل عناصر هذا النسق (الأسرة) للمحافظة على البناء الاجتماعي وتحقيق توازنه.
و هي نظرية تستمد أُسسها من النظرية الجشطالتية في علم النفس، حيث أن كل عنصر من الكل يساهم في تطور هذا الكل. ويرى أصحاب هذه النظرية أن الجماعات والأنظمة الاجتماعية تتألف من عدد من الأجزاء المترابطة، لكل جزء وظيفته.

وتركز النظرية البنائية الوظيفية على دراسة العلاقات الاجتماعية في الأسرة والوحدات الاجتماعية الكبرى كالمدرسة، من خلال دورها (أي العلاقات) في التنشئة الاجتماعية للأعضاء الجُدد في المجتمع.

ج- نظرية الأدوار الاجتماعية

ورائدها جونسون الذي يرى أن التنشئة الاجتماعية ما هي إلا عملية تعلم، يتعلم من خلالها الفرد أداء أدوار معينة، باعتبار أن الدور الاجتماعي هو تتابع نمطي لأفعال مُتعلًّمة، أفعال معينة يقوم بها الفرد في موقف تفاعلي، و يرتبط كل دور بالمركز والمكانة الاجتماعية للفرد، كالدور التعليمي-الاجتماعي المنوط بالمعلم، (معارف، إرشادات، نصائح) ودور التلميذ الذي يتجلى في احترام معلمه والإنصات له.
من خلال ما سبق، نستنتج إذن أن نظرية الأدوار الاجتماعية، تتأسس على مفهومي بارزين هما: المكانة الاجتماعية والدور الاجتماعي، فالمكانة الاجتماعية للفرد هي التي تُحدد نمط سلوكاته، ونمط توقعاته لأدوار الآخرين. ومن جهة أخرى، فإن الأفراد يتمكنون من تنظيم سلوكياتهم وأنماط تصرفاتهم و توقعاتهم وفقا لأدوارهم الاجتماعية. وبتعبير أبسط، تعتبر المكانة مجموعة الحقوق والواجبات، بينما السير على هذه الحقوق والواجبات معناه القيام بالدور.

أما بالنسبة للطفل فيمكن القول بأنه يكتسب  مركزه ويتعلم دوره من خلال تفاعله مع الآخرين، وخاصة أولئك المهمين في حياته، والذين يرتبط بهم ارتباطا عاطفيا.

د- نظرية التفاعلية الرمزية

من روادها عالم الاجتماع الأمريكي جورج  هربرت ميد  وارفنج كوفمان و كذا  تشارلز كولي و رايت ميلز وغيرهم… و تعتبر من أهم النظريات المعاصرة في التنشئة الاجتماعية .
نظريةٌ أركانها مجموعة من المفاهيم الأساسية وهي: الرمز، المعنى، التوقعات، السلوك، الأدوار، التفاعل.
– الرمز و المعنى: ينطلق جورج هيربرت ميد من مُسلمة أن الإنسان، شأنه شأن الحيوان، كائن تصدر عنه أصوات وحركات وإشارات… إلا أنه يمتاز عنها بخاصية تحويل تلك الإشارات والأصوات… إلى أفعال ورموز ذات معنى، رموز تكتسب دلالتها و أهميتها عندما يكون لها المعنى نفسه لدى مُستقبِلها (معنى مشترك). لتصبح رموزا اجتماعية، من خلال التفاعل مع الآخرين.
– التوقعات و السلوك: من خلال التفاعل (داخل الجماعات وبين الأفراد) يتعلم الناس التصرف (السلوك) بالطريقة التي يتوقعها الآخر منهم.

هـ – المقاربة السوسيولوجية

تُركز هذه المقاربة على الفرضية الفيبيرية (نسبة لعالم الاجتماع فيبير weber)، وخلاصة هذه الفرضية أن النمو (الاجتماعي والسياسي والاقتصادي) مرتبط بالتنشئة الاجتماعية، و التي يمكن اعتبارها التمثلات والقيم المستبطنة من طرف الفرد. لِيخلُص الباحثون خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي إلى أن عملية التنشئة الاجتماعية هي ” مفتاح” الاستمرارية والصيانة و المحافظة في المجتمعات. لكن بعد هذه الفترة، ستظهر أعمال جديدة حول التنشئة الاجتماعية ، توجهت إلى تقطيع مجالات تحليلها إلى عدة مجموعات صغرى، ومنها المدرسة والأسرة وفضاءات اللعب والسكن ودور العبادة… حيث تمت دراسة تأثيرات التنشئة الاجتماعية حسب تغير خصوصيات الأماكن و الأماكن المؤسساتية. لتظهر مصطلحات جديدة، مصطلحات في علاقة بهذه المقاربة (ليس المقام هنا لتناولها بالتفصيل) من قبيل التَّثاقُفُ وترسيخ التمثلات الذهنية والمعايير الاجتماعية و الإدماج والضوابط الاجتماعية.

و- المقاربة الثقافية الأنثروبولوجية

″تخضع بنية الشخصية للثقافة التي تُميز المجتمعات كَكُلّ‟ هي الفكرة المحورية للمقاربة الثقافية الأنثروبولوجية. و تعني الثقافة بصفة خاصة نسق ومنظومة القيم السائدة في مجتمع ما.
و يمكن فهم هذه المقاربة أكثر من خلال النقطتين التاليتين:
– يرى كاردينر Kardiner  أن كل نسق سُوسْيُو ثَقافي تقابله شخصية قاعدية ما (أساسية).
– عن طريق التنشئة الاجتماعية ينقل المجتمع قيمه للأجيال القادمة، قيم يُفترض فيها أن تُشكل نوعا من البرمجة التي تضبط بطريقة آلية سلوك الفرد.

ز- نظرية التعلم الاجتماعي  

– التنشئة الاجتماعية عمليةُ تعلّمٍ.
– التعلم هو القاعدة الأساسية لنظرية التعلم الاجتماعي.
– الإنسان أقدر المخلوقات على التعلم وأكثر حاجة إليه.
هذه هي أهم الخطوط العريضة في نظرية التعلم الاجتماعي، وغير ذلك يمكننا القول أن التنشئة الاجتماعية ، حسب أصحاب هذه النظرية، هي ذلك الجانب من التعلم الذي يهتم بالسلوك الاجتماعي عند الفرد.
وحسب هذه النظرية، فإن التنشئة الاجتماعية نمط تعليمي الهدف منه مساعدة الفرد على القيام بأدواره الاجتماعية، عبر تعلم سلوكيات تمكنه من مسايرة حياته الاجتماعية بصورة جيدة. وينقسم هذا التعلم إلى نوعين:
– التعلم المباشر: مُستعينين بالتعزيز والعقاب، يسعى الكبار إلى إكساب الصغار ما ينبغي القيام به وما يجب تجنبه، وذلك بشكل مباشر.
– التعلم غير المباشر: يكتسب الفرد، انطلاقا من محيطه و بطريقة غير مباشرة وغير مقصودة، سلوكيات ومعارف كثيرة، وذلك عبر أنشطة كاللعب و التقليد وتقمص الأدوار.

ح- نظرية التبادل الاجتماعي

ترى هذه النظرية أن الإنسان يضع أمامه مجموعة من الأهداف، يحاول تحقيقها في إطار المجتمع والحياة الاجتماعية، مما يجعله يضع الآخرين في اعتباره دائما، فهم غالبا ما يؤثرون أو يتحكمون في سعيه نحو تحقيق أهدافه، وهو موقف تنتج عنه العلاقات الأساسية للتبادل، و يُصبح السلوك بهذا المعنى –كما يقول ماكس فيبر- فِعلا اجتماعيا، و الذي يتخذ عادة شكل التبادل.

ط- نظرية الضبط الاجتماعي

بشكل أو بآخر، التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ صغره، ليست سوى ضوابط داخلية عند الإنسان، ضوابط ترشده و توجهه  وتقيده وتذكره بضرورة الخضوع للمجتمع قيمه وقوانينه وعاداته وأعرافه… فمن خلالها يتعلم الفرد ضوابط السلوك، و يتصرف بالطريقة التي تضمن له تفاعلا إيجابيا مع الآخرين، ومنه فعملية الضبط الاجتماعي هي الأساس الذي يضمن للفرد توافقه مع مجتمعه، وكذا وجوده وتكيّفه مع الغير.

  1. أهمية التنشئة الاجتماعية

أ. اكتساب المرء إنسانيته

من طريق التنشئة، يتعلم الإنسان اللغة والعادات والتقاليد والقِيم السائدة في جماعته، ويتعايش مع ثقافة مجتمعه. أمّا إذا رُبِّي شخص في الغابات، فإن سلوكه وطباعه، سيكون لها شأن آخر؛ فلقد عثر العلماء على حالات لأطفال ربَّتهم الحيوانات (كالقردة) في الغابات، فشابه سلوكهم سلوكها؛ فلم يتسموا بأيٍّ من مظاهر التواد نحو الإنسان، ولا الابتسام، ولا الخجل من العري، ولا الخوف من الطلق الناري؛ كما كانوا يتناولون الطعام كالحيوانات. ولكن، بعد أن تعهد العلماء قِلَّة منهم بالتربية في وسط إنساني، استطاعوا ارتداء الملابس بأنفسهم، والتمييز بين الحار والبارد، والناعم والخشن. كما نمت لديهم انفعالات جديدة، كالود نحو الممرضة القائمة على رعايتهم؛ حتى إن أحدهم كان يبكي، ويصدر أصواتاً، تدل على الحزن، عند غيابها. وبدأو يتعلمون اللغة والحديث.

ب. اكتساب المجتمع صفات خاصة

يتولى رجال إحدى القبائل مسؤوليات أُسَرية، تشبه الدور الاجتماعي للنساء في المجتمع العربي: إعداد الطعام، ورعاية الصغار. وتضطلع نساؤها بمسؤوليات، تشبه الدور الاجتماعي للرجال في مجتمعنا، مثل: الصيد والدفاع عن الأسْرة. وينطبق المبدأ نفسه على المجتمعات الشرقية، قياساً بالمجتمعات الغربية؛ فلكلٍّ منها خصائصه، التي تميزه عن غيره. وتكون التنشئة الاجتماعية مسؤولة عن رسوخها، والمحافظة عليها، ونقلها من جيل إلى آخر.

ج. تساعد التنشئة الاجتماعية على توافق الشخص ومجتمعه

يسهم تعلم المرء لغة قومه وثقافتهم في اقترانه بعلاقات طيبة بأبناء مجتمعه وموافقته إياهم. فلقد بينت إحدى الدراسات، أن جماعة معينة، داخل المجتمع الأمريكي، عزلت نفسها عنه، ودربت أبناءها على أعمال  العصابات والسطو؛ ما جعلهم عاجزين عن موافقة المجتمع.

د. توجد التنشئة الاجتماعية بعض أوجُه التشابه بين المجتمعات المختلفة

(1) تتداخل عدة جماعات فرعية، لتنتظم في مجتمع إنساني، يقترن فيه بعضها ببعض بعلاقات مختلفة، وبدرجات متفاوتة.

(2) تسعى المجتمعات الإنسانية إلى تحقيق بعض الأهداف العامة، مثل المحافظة على كيانها واستقرارها وتماسكها.

(3) تنظم الجماعات أنشطة أبنائها، لتحقيق أهدافها العامة، وأهدافهم الخاصة.

(4) يتولى الراشدون تدريب الصغار على الأدوار الملائمة لمجتمعهم.

(5) تستهدف التنشئة، أساساً، خلق الشخصية المنوالية للمجتمع، أيْ الشخصية التي تجسد ثقافته؛ إذ توجد إطاراً مشتركاً يحدد ملامحه المتميزة.

بالرجوع إلى أهمية  التنشئة الاجتماعية ووظائفها، نجد أنه من الممكن تلخيصها في النقاط التالية:

-التكيف: وهي عملية تكيف الفرد/الطفل وانسجامه مع  محيطه ووسطه الاجتماعي، سواء في الأسرة أو في المدرسة أو مع جماعة الرفاق والأقران…
-اكتساب المرء إنسانيته وصفات مجتمعه: يتعلم الإنسان اللغة وأنماط السلوك والتقاليد والقيم والعادات السائدة في مجتمعه، ويتعايش وثقافةَ مجتمعه، فيتحول إلى كائن اجتماعي. و تعتبر التنشئة الاجتماعية آلية رسوخها ونقلها من جيل إلى آخر.
-تحقيق التطبيع الاجتماعي: يتجلى التطبيع الاجتماعي في نمط السلوك المُتوقع من أي فرد يشغل وظيفة معينة. فلكل منصب أو وظيفة عاداتٌ وقيم وسلوكيات تحكمها، والمفروض فيمن يشغل هذه الوظيفة أن يكتسبها (الدور الوظيفي).
إشباع حاجات الفرد:  من الأهمية بمكان السعي والحرص على إشباع حاجات الفرد وطموحه ليكون منسجماً مع نفسه ومجتمعه، لتجنب  أي فجوة قد تحدث بين الفرد ومجتمعه، كميل بعض الأفراد بعض الأفراد إلى  الانطواء والعزلة.

يبقى الهدف الأساسي الأول للتنشئة الاجتماعية هو تحويل الطفل إلى عضو فاعل  قادر على القيام بأدواره الاجتماعية، وتهييئه وفقا للقيم والمعايير والتوجهات السائدة والمعتقدات المشتركة، إلا أن لها أيضا أهداف جزئية أخرى، أهمها:
 تكوين الضمير (الأنا الأعلى): من خلال التنشئة الاجتماعية وإطارها الأسري والمُؤسسي (قبول أو رفض السلوك)، ومن خلال المواقف الحياتية اليومية… ينشأ لدى الطفل رقيب داخلي (الضمير) يمنعه من الخطأ ويدفعه إلى فعل لصواب، (اُنظروا أسفله نظرية التحليل النفسي من الفقرة رقم 8، بعنوان مقاربات ونظريات التنشئة الاجتماعية ).
– توافق الفرد ومُجتمعَه: بتعلمه لغة قومه و اكتسابه ثقافتهم وبنائه علاقات طيبة بأفراد مجتمعه، يبدأ الفرد/الطفل تدريجيا في التوافق مع مجتمعه.
– وضع أُسس السلوك الاجتماعي: عبر تخفيف أنانية الطفل المتمركز حول ذاته وتحويله تدريجيا من كائن لا اجتماعي إلى كائن اجتماعي، يستوعب وجود غيره، ويتفاعل معه، من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي -بتغيير السلوك الفطري والحاجات الفِطرية، إلى حاجات اجتماعية- ليصبح كائنا اجتماعيا متوافقا قدر الإمكان مع المجتمع الذي يعيش فيه (الضبط الاجتماعي والامتثال للقواعد والقيم).
– غرس القيم والمثل العليا وتكوين الاتجاهات: وتقع هذه المهمة على عاتق الوالدين والمربين، بهدف غرس القيم والمثل العليا للاتجاهات و السلوك، من خلال التطبيع والتنشئة الاجتماعية، مستعينين في ذلك بالأنشطة واللعب والقصص والحكايات والقدوة…
– التعرف على البيئة المحيطة والعالم: عبر تنمية فضول الطفل و مساعدته في سعيه نحو العلم وإشباع حاجته للمعرفة والاكتشاف…
– اكتساب اللغة ومفرداتها: سواء في المنزل أو في رياض الأطفال أو في المدرسة، ينبغي -في هذه المرحلة- إيلاء اللغة الأم الأهمية الكبرى والعناية التي تلزمها، فهي مفتاح التواصل الأول للطفل مع مجتمعه.
– تأكيد الذات: يسعى الطفل مع مرور السنين إلى تأكيد ذاته، بطريقة قد تصل أحيانا إلى درجة العناد وفض طاعة الكبار، الذين عليهم تفهم هذا الأمر وتعزيز ثقته بنفسه ومساعدته على الاستقلالية  والاعتماد على النفس (بتكليفه ببعض المسؤوليات البسيطة) وعدم مقابلة العناد والدخول في صراع لا رابح َفيه. بل اعتماد المُحاورة وإفهامه الخطأ وتعليمه السلوك الصحيح،  فهو يحتاج للشعور بالحب ممن حوله.
كما تهدف إلى تحقيق أهداف أخرى مثل:
– خلق ما يُصطلح على تسميته الشخصية المِنوالية للمجتمع.
– تمثين رابطة الحب بين الأم والطفل.
– تعليم الأطفال الأدوار الاجتماعية.
ـ توفير الجو الاجتماعي السليم والضروري لعملية التنشئة الاجتماعية.
– إنتاج شخص ذي كفاية اجتماعية: إعداده للتفاعل الاجتماعي.
خلاصة القول إذن أن التنشئة الاجتماعية عملية ذات أهمية بالغة، لكنها معقدة ومتشعبة الأهداف والمرامي.

2. أساسيات التنشئة الاجتماعية

      ثمة مقومات لا بدّ منها لعمليات تنشئة اجتماعية على النحو المرغوب فيه. أولها، التفاعل الاجتماعي بين المرء والمحيطين به، والمحرك الأول لهذا التفاعل هو حاجات الإنسان. فالوليد البشري يكون عاجزاً عن إشباع حاجته إلى الطعام والراحة والنوم؛ فهو مضطر إلى التفاعل مع الآخر لإشباعها. وكلمّا حقق الإنسان درجة أعلى من النمو، تعددت حاجاته وتشعبت، فازداد اضطراراً إلى التفاعل الاجتماعي. فإذا كانت حاجات الوليد الأساسية حاجات فسيولوجية فإنها ستتحول، كلّما كبر، إلى حاجات اجتماعية، تتمثل في التواد والتعاطف، ثم اللعب والتعلم، ثم الزواج وتكوين الأسرة، ثم ممارسة دور سياسي في المجتمع. إن الإنسان، بصفته كائناً اجتماعياً، لا بد من حكم تفاعله مع الآخرين درجة واضحة من الاتساق، الذي لا يتأتّى إلا بالتزام عدد من المحكات المسيرة للسلوك.

أمّا المقوم الثاني، فهو الدافعية؛ إذ إن حاجات المرء المستثارة، تولّد لديه توتراً، يسعى إلى التخلص منه؛ فيعمد إلى بعض الأداءات، التي تبلغه هدفاً معيناً، يخفض توتره. والسلوك الذي يحقق ارتياحاً، يميل الشخص إلى تكراره، بينما يرغب في تجنّب السلوك، الذي يؤدي إلى إيلامه وإيذائه؛ ويتحقق الارتياح، إذا أشبع حاجاته، التي تحركه وتوجهه.

ويمثل الإرشاد والتوجيه المقوم الثالث للتنشئة. فتوجيه الصغار إلى أساليب التعامل الاجتماعي السليم، وتوجيه المراهقين والراشدين إلى كيفية تحقيق التفاعل العام الناجح، يسهم في عملية التنشئة الاجتماعية. ومصداق ذلك أطفال الشوارع، الذين فقدوا الإرشاد والتوجيه؛ ما تترتب عليه آثار أخلاقية واجتماعية سيئة. ومما يدعم أهمية التوجيه والإرشاد، أن الشخص يولد، وهو خلو من الهاديات، التي تحدد كيفية تعامله مع الأشخاص والأشياء والمواقف؛ ومن ثًم، تكون التنشئة هي الوسيلة، التي تزوده بتلك الهاديات.

تُعَدّ مطاوعة السلوك ومرونته هما الأساس الرابع للتنشئة؛ إذ إن السلوك قابل للتشكيل والتعديل، حتى يتكيف مع المواقف وما يمر به الإنسان من خبرات. وتقترن مرونة السلوك بقدرة الجهاز العصبي على التعديل، الذي يجعل من الممكن تعلّم الخبرات الجديدة وتسجيلها؛ استناداً إلى تَيْنِك المرونة والمطاوعة. إلا أن المرء يولد بعدد من الإمكانات: البدنية والعقلية، لا ترى النور، ولا تمارس بالفعل، إلا من خلال المرور بخبرات معينة من طريق التنشئة.

  1. الفرد والجماعة،أثناء التنشئة الاجتماعية

إن التنشئة الاجتماعية، ليست بالعملية اليسيرة؛ وإنما هي عملية معقدة، متشابكة العوامل، متداخلة التأثير. فإذا ما أخذت في الحسبان الخصال البيولوجية للنوع الإنساني؛ والطابع الوراثي الفريد للشخص؛ والجهاز المعرفي المتغير، الذي يتصل من خلاله الطفل الإنساني، أثناء نموه وارتقائه في بيئته، فإن عملية التنشئة الاجتماعية، لا يمكن أن تقتصر على غرس الاتباعية لمعايير الثقافة والبيئة. إن ثمة فارقاً كبيراً بين قصر التنشئة الاجتماعية على أنها نقل للثقافة، وبين كونها عملية، يصبح المرء من خلالها إنساناً.

التنشئة الاجتماعية عملية هادفة. فإذا كان هدفها، في المراحل الأولى للحياة، هو إشباع حاجات المرء ومطالبه؛ فإنها تستهدف، في المراحل التالية، إشباع الحاجات، وإحداث نوع من التوازن والتوافق: الشخصي والاجتماعي، بينه وبين بيئته، ثم التحكم في مقوماتها وعواملها؛ بل يعمد إلى تحويل تلك العوامل والمقومات، من واقع ملموس، محسوس، إلى مدرَك مجرد، ورمز محدد، يمكن نقله وتناقله، في سهولة ويُسر. ولا يلبث أن يتعدى مرحلة التجديد والترميز هذه، إلى تنظيم هذه المدرَكات والرموز؛ موضحاً ما بينها من علاقات وروابط، وتشابه أو تناقض؛ مضمناً هذا التنظيم التعليل والسببية. وبذلك، يتكون قدر من الخبرة والمعرفة، يكون هو الوحدة، الحضارية والثقافية، للجماعة. ويتضح كذلك مما سبق أن المرء أثناء عملية التنشئة الاجتماعية، لا يكون سلبياً متلقياً، بل إيجابياً مشاركاً.

تنجم استمرارية عملية التنشئة الاجتماعية عن اقترانها بنمو المرء وتبلوُر مطالبه النمائية Developmental tasks ، وفقاً لكلّ مرحلة. ويعبّر المطلب النمائي عن حاجة معينة، يجب إشباعها، وإلا أُعِيق نمو الشخص. فإذا كان من مطالب النمو، في الطفولة، إشباع الحاجات الفسيولوجية الأساسية؛ فإن من مطالب المراهق الحاجة إلى تكوين فلسفة شخصية متسقة مع المجتمع؛ ومن مطالب الراشد الاضطلاع بالدور الوطني، والمسؤوليات والأدوار الاجتماعية، التي يجب أن يضطلع بها، ومن مطالب الشيخ التهيؤ للموت، وفقدان الشريك.

ليست التنشئة الاجتماعية صراعاً دائماً، بين الفرد والجماعة؛ وإنما عملية أخذ وعطاء بينهما. فالجماعة تسعى إلى تشكيل الفرد، وإكسابه خصائص مجتمعه، وتشريبه ثقافته. وفي الوقت عينه، يسعى الفرد إلى تحقيق الانتماء إلى الجماعة، لكي يشعر بالأمن والانتماء والاحتماء النفسي. فإذا التزم قِيم جماعته ومعاييرها، حقق تكيفاً: شخصياً واجتماعياً، ناجحاً. أما إذا خرج عليها، مارست عليه الجماعة ضغوطاً، تردّه إلى الإطار العام، الذي يلائم أهدافها وتركيبها وبناءها وأصول الحياة فيها؛ لكي تحافظ على وحدتها واستمرارها.

لما كان الفرد كائناً اجتماعياً يتفاعل مع مجتمعه، فإن التنشئة الاجتماعية، تشارك فيها هيئات ومؤسسات متعددة.  فإذا كانت الأسرة هي الجماعة الأولى، التي تسهم في تنشئة الأشخاص، فإن للمؤسسات الاجتماعية، كالنوادي والرفاق؛ والدينية، كالجوامع والكنائس؛ والإعلامية، كالتليفزيون والصحافة والإذاعة، إسهاماتها المؤثرة في تنشئة أبناء المجتمع وأعضائه.

في علاقة مع التنشئة الاجتماعية

التنشئة الاجتماعية آلية معقدة تتفاعل وتتقاطع مع العديد من المفاهيم الأخرى، ومن ذلك:

أ- التنشئة الاجتماعية وتكوين الذات   

يُقصد بتكوين الذات اكتساب الطفل سمات وصفات خاصة به، تُميزه عن غيره لتكون له بالتالي ذات مختلفة عن ذوات الآخرين. وتتفاعل في هذا الإطار عوامل متعددة منها الوراثة والمحيط والجانب النفسي… يبدأ الطفل التعرف على ذاته ورحلة تكوين الذات عندما يُدرك أن اسمه مختلف عن أسماء أقرانه، ثم يبدأ في التفاعل مع المؤثرات الخارجية في طريقه لاكتشاف العالم، لتأتي مرحلة استخدام اللغة ومنها البدء في التفكير، وهي إحدى أهم الركائز في تكوين الذات والشخصية والتفاعل مع الأسرة والأقران والمجتمع ككل، ليخلص في الأخير إلى التكيف والاندماج داخل هذا المجتمع.

ب- اللغة وعملية التنشئة الاجتماعية

العلاقة بين اللغة وعملية التنشئة الاجتماعية علاقة تفاعلية تبادلية، فمع النمو اللغوي للطفل تزداد سرعة التنشئة الاجتماعية  وتنمو ذاته وتتطور، كما أن التنشئة الاجتماعية للطفل تؤثر في قدرته على استخدام اللغة كوسيلة للحوار والتفاعل مع محيطه… فتبادل أطراف الحديث مع الأطفال والسماح لهم بالحوار والنقاش و إعطائهم الفرصة التعبير –سواء في البيت أو في المدرسة- كلها عوامل تجعل الطفل مُتمكنا من لغته من جهة ومُنسجما مع محيطه من جهة أخرى.

ج- التطبيع الاجتماعي والأمان العاطفي

يبقى الطفل دائما وفي كل حين ولحظة محتاجا إلى الأمان والحب كحاجته للأكل والشُّرب، هو في حاجة أيضا إلى الثناء والمدح  حتى يلمس أن أفعاله ليست دائماً خاطئة و يشعر بأنه مرغوب فيه.
فالخوف  من غضب الأب أو الأم أو صياحهما في وجه الطفل ناهيك عن المعاملة القاسية، كلها أمور تُولد لديه اضطراباً نفسياً يشعر معه الطفل بأنه غير مؤهل للاعتماد على نفسه و  التصرف بشكل سليم، وقد يصاحب ذلك  شعوره بالقلق وعدم الأمان، الشيء الذي قد ينتج عنه اضطراب السلوك و ارتكاب أخطاءٍ قد تكون مُدمرةً.
هذا دون أن نغفل الدور الهام للأم في حماية الطفل وتوفير الأمان له وتنشئته بطريقة سليمة، فمثلا عمل الأم أو انشغالها لا ينبغي أن يكون مبررا لحرمان الطفل من حنان الأم، كما أن الأطفال يشعرون  بالأمان أكثر عندما يتوافق الأب والأم في أقوالهم وتوجيهاتهم.

د- الثقافة و التنشئة الاجتماعية

توجد العديد من المقترحات التي يمكن أن تُفَعِّل الدور الثقافي للتنشئة الاجتماعية، ومنها:
– وضع برامج ثقافية تربوية دائمة داخل أماكن العمل لتوعية الأمهات والآباء وأولياء الأمور وتعريفهم بأفضل الأساليب التربوية للتنشئة الاجتماعية.
– إنشاء مكتبات نموذجية بمواصفات تربوية تكنولوجية متجددة، تكون قادرة على تلبية مختلف احتياجات الطفل الاجتماعية والنفسية والصحية كذلك.
– إحداث مؤسسات تربوية اجتماعية تُعنى برعاية الأطفال وتـأطيرهم في أوقات تفاديا لإهدار الوقت.
– الحرص على عقد ندوات تثقيفية دورية تستفيد منها الأسر والمربين وأولياء الأمور.
– تأطير وتدريب وتوعية أولياء الأمور ومدهم بأحدث المعارف النظرية والمهارات التربوية وإعدادهم اجتماعيا و نفسيا عبر مراكز تربوية تدريبية متخصصة بهدف – إكسابهم المهارات التربوية الضرورية لتربية الأطفال وتنشئتهم، تنشئة سليمة بعيدا عن أي تخبُّطٍ و عشوائية.
– توفير صُحف ومجلات تربوية ومواقع إنترنت متخصصة في مجال التربية و التنشئة الاجتماعية ، حتى يسهل الوصول إليها والاستفادة منها.

شروط التنشئة الاجتماعية

وتتجلى في 3 نقاط أساسية:

– توفر الطابع الإنساني: ويتجلى في العلاقات الوجدانية بين الأفراد، والتفاعل بينهم، والمشاركة الفعالة…

ـ وجود مجتمع:  منذ ولادة الإنسان وهو ينتقل من جماعة إلى أخرى، فوجود محيط ومجتمع أمر ضروري لنقل الثقافة والمشاركة والتفاعل، ومنه تحقيق التنشئة الاجتماعية .

ـ توفر بيئة بيولوجية سليمة: وذلك لما لها أثر كبير في التنشئة الاجتماعية فالواقع الاجتماعي لا يمكن بأي حال عزله عن العوامل البيولوجية (السمع، النطق، العقل…).

بعض آليات التنشئة الاجتماعية

مهما اختلفت المجتمعات وأساليب التنشئة ونظرياتها، يبقى التعلم الاجتماعي العمود الفقري للتنشئة الاجتماعية، لكن على العموم للتنشئة الاجتماعية آليات فرعية أساسية، تحقق وظائفها، وهي:
– الملاحظة: يلاحظ الفرد/الطفل نموذجا سلوكيا ويقلده حرفيا.
– التقليد: يبدأ الطفل بتقليد والديه ومعلميه، ثم يتجه لتقليد الرفاق وغيرهم…
– الضبط: تنظيم سلوك الفرد بما يتوافق و يتفق مع المجتمع قيمه وأحكامه وضوابطه ومعاييره…
– الثواب والعقاب: الثواب لتعلم السلوك المرغوب، والعقاب لكف السلوك غير المرغوب، مع مراعاة ماهية العقاب الذي لا ينبغي أن يؤثر سلبيا ويحدث آثارا في نفوس الأفراد.

 مؤسسات التنشئة الاجتماعية

من المؤسسات الاجتماعية المؤثرة في التنشئة الاجتماعية نجد:
الأسرة: والتي تعتبر أصغر خلية من المجتمع والممثلة الأولى للثقافة، فيها يبدأ الفرد حياته و يعيش مراحل طفولته الأولى. وترتبط بالأسرة عوامل كثيرة لها دور حاسم في تحديد نمط التنشئة الاجتماعية، ومنها نوع العلاقات داخل الأسرة: كعلاقة الأبوين فيما بينهما (انسجام، صراع، طلاق، نفور…) و علاقة الإخوة فيما بينهم (نفور، أخوية، عدوانية، كُره…) وعلاقة الوالدين بالإخوة (استبداد، قسوة، حب، تفهم…) و كذا علاقة الأسرة بالعالم الخارجي، إضافة إلى عوامل أخرى كالنمط الثقافي والعُرفي السائد داخل الأسرة (التقاليد والطقوس…)

المدرسة: تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية، بعد الأسرة. فالطفل يخرج من مجتمع صغير ومتجانس نوعا ما وهو الأسرة إلى مجتمع كبير أقل تجانساً وهو المدرسة.
والمدرسة ليست مصدرا للعلم والمعرفة فقط، بل هي مؤسسة لها وظائف عدة، من أهمها:
-تمرير التوجيهات الاجتماعية والفكرية والوجدانية للمجتمع.
– تحديد نماذج السلوك المرغوب والتشجيع عليه.
ولتنجح المدرسة في دورها وظيفتها التربوية الاجتماعية، لابد أن ترتكز العملية التعليمية على  أُسس ينبغي إيلاؤها الأهمية التي تستحقها، و من هذه الأسس:
– احتياجات المتعلم.
– الأهداف التعليمية.
– الطرق التعليمة وأساليب التنشيط وقيادة الفصل الدراسي.
– المعلم.
– الإمكانيات المادية، الوسائل، الأدوات…

الشارع: من الفضاءات التي تسمح للأفراد بالتفاعل والتواصل والتبادل على نطاق واسع وبحرية أكبر، فيه تنشأ علاقة الفرد بجماعات مختلفة تؤثر فيه ويتفاعل معها كالأقران والأصدقاء، وهو على العموم مجال دينامي واجتماعي ونفسي وانفعالي وثقافي…

وسائل الإعلام: ومن أهمها الوسائل السمعية البصرية، كالتلفزة (وكذلك الفيديو والسينما) التي تعتبر من وسائل الإعلام المباشر المؤثرة في نفسية الأطفال بسبب انتشارها الواسع أكثر من غيرها، لهذا ينبغي الانتباه إلى بعض سلبياتها، مثل:
– هدر الوقت.
– وجود برامج غير ملائمة للجمهور الناشئ.
– التشجيع على العنف.
– سلبية المتلقي/المتفرج.

دور العبادة: هدفها الأول توحيد السلوك الاجتماعي و تنمية الصغار، عبر العمل على تعليم الفرد والجماعة المعايير والتعاليم  الدينية نحو إطار سلوكي معياري موحد.

– جماعة الأقران: تؤثر في التنشئة الاجتماعية بـ:
– إتاحة فرص التجريب.
– المساعدة على تحقيق الاستقلال
– تحقيق حاجات الفرد في الانتماء.
– تنمية الاتجاهات النفسية

 العوامل المؤثرة في التنشئة الاجتماعية

تتأثر التنشئة الاجتماعية للفرد سواء داخل الأسرة أو في مؤسسات أخرى كدور الحضانة والمدارس…، بعوامل (داخلية و خارجية) متعددة، وهذه أهمها:

أ- العوامل الداخلية  

– الدين: للدين تأثير كبير في عملية التنشئة الاجتماعية نظرا لاختلاف الأحكام والطباع التي تنبع من كل دين، حيث يسعى كل مجتمع إلى تنشئة أفراده حسب الأفكار والمبادئ التي يؤمن بها.

– الأسرة: تعتبر المساهم الأساسي في تكوين شخصية الطفل/الفرد من خلال التفاعل والعلاقات بين أفرادها، كما تعتبر أول العوامل المؤثرة في التنشئة الاجتماعية ، ويرجع هذا التأثير إلى اختلاف خصوصيات الأسر الذي يتجلى في:
– المستوى التعليمي والثقافي للأسرة.
– نوع العلاقات الأسرية  (الزوجية).
– الطبقة الاجتماعية للأسرة.
– نمط التربية السائد في الأسرة: ديكتاتوري، فوضوي، ديمقراطي…
– الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسرة.

ب- العوامل الخارجية  

– الثقافة السائدة في المجتمع: لكل مجتمع ثقافته الخاصة التي تؤثر بشكل كبير في التنشئة، وفي صنع الشخصية الأساسية (العامة).

– المؤسسات التعليمية: و هي دور الحضانة والمدارس والجامعات و المؤسسات والمعاهد التعليمية و مراكز التأهيل على اختلاف أنواعها.

– دور العبادة من مساجد وكنائس وأماكن العبادة المختلفة.

– الوضع السياسي والاقتصادي للمجتمع: كلما كان المجتمع مُستقرا و لديه القوة الاقتصادية، كلما كان  تأثيره على التنشئة الاجتماعية إيجابيا، والعكس صحيح.

– وسائل الإعلام: قد يعتبرها البعض أخطر ما يهدد التنشئة الاجتماعية للأفراد، وخاصة التليفزيون، الذي قد يتسبب في تشويه العديد من القيم التي يكتسبها الأطفال، ناهيك عن إمكانية اكتسابهم قيما أخرى دخيلة قد تكون سيئة.

– جماعة الأقران والرفاق: سواء في الحي أو النادي أو المدرسة أو الجامعة أو في غير ذلك من الأماكن.

 بعض الأنماط الخاطئة في التنشئة الاجتماعية

للأسف، قد تصدر عن أحد الأبوين أو كلاهما و بدون وعي، مجموعة من الأنماط السلوكية التي تؤثر على تنشئة الطفل تلك التنشئة السليمة المثالية التي نطمح إليها، ومن تلك الأنماط:
– الإهانة و التحقير: فضرب الأبناء بالحذاء مثلا أو الصفع على الوجه أو الشتم بأقبح أو الركل بالقدم … كلها طرق تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي مشكلات سلوكية و نفسية، وبتعبير آخر: طفل يسرق ويسب ويشتم و يكذب ويعتدي على الآخرين…

– التدليل الزائد: وهي عكس النقطة السابقة تماما، حيث تكون النتيجة إنسانا مريضا يخاف من جميع المحيطين به و يعجز عن اتخاذ أي قرار، و يكون خوفه وكذبه وشعوره بالنقص في ازدياد يوما بعد يوم. إضافة إلى مشاعر الغرور وتمرده على سلطة والديه وعدم احترامه لهما، كل ذلك لا شك سيُحول هذا الابن المدلل إلى شخص غير قادر على التكيف الاجتماعي، لأنه دائما ينتظر من الآخرين أن يستجيبوا لغروره، لذا غالبا ما يكون وحيدا دون أصدقاء.

– التسلط: تجعل المراقبة المباشرة والمبالغ فيها سواء من طرف المربين أو الأسرة الطفلَ فاقدا للإحساس بالأمان، و غير قادر على الاعتماد على النفس، ناهيك عن شعوره بالنقص. متابعة الطفل ضرورية، لكنها لا ينبغي أن تصل إلى الرقابة البوليسية اللصيقة لدرجة وضعه تحت المجهر. ماذا فعلت في المطبخ؟ لماذا تنظر من النافذة؟ وكل الأسئلة من هذا القبيل ينبغي ألا يسمعها الطفل.

– رغبة الأهل في إنشاء أطفال على المقاس: في هذه الحالة ينسى الوالدان أو يتناسوا أن الأطفال ناس لهم حياتهم التي لا ينبغي أن تكون بالضرورة مشابهة لحياة آبائهم وأمهاتهم، فهم بشر و ليسوا الآت، لهذا على الأهل الكف فورا عن اعتبارهم فرصة لتعويض نقص ما أو عجزهم عن تحقيق رغبة ما، كتحديد نوع دراستهم واختصاصاتها دون الاهتمام برغباتهم وخصوصياتهم…

– فقدان الحنان: بحركات بسيطة مثل قبلة على الجبين وكلمات رقيقة ولمس على الرأس نكون قد وفرنا للطفل قسطا لا يُستهان به من الحنان الذي يبقى ضروريا لنموه نموا سليما.

– حجم الأسرة: كلما كان عدد الأطفال داخل الأسرة إلا وتكون الرعاية أضعف و الاهتمام أقل وسط كثرة المسؤوليات وعدم توفر الوقت الكافي اللازم لكل طفل.

– التمييز في المعاملة: سواء كان هذا التمييز على أساس الجنس أو على أساس مستوى التحصيل الدراسي أو غير ذلك، وهو ما قد يؤدي إلى تشكيل عقدة الغيرة والكراهية التي لا شك ستتحول إلى وتصرفات انتقامية عدوانية، مرفوقة غالبا بمشاعر الإحباط وعدم الثقة بالنفس.

– المغالاة و المبالغة: كأن نطلب من أبنائنا أن يتصرفوا بدون أخطاء، وأن يتوفروا على قدرات عالية في جميع المجالات…

– القسوة الزائدة: بعض المربين سواء كانوا أُسراً أو فاعلين تربويين يظنون أن سلوكات من قبيل الضرب وتقطيب الجبين في كل لحظة وحين أمورٌ أساسية في التربية، في حين أنها لا تعمل إلا على تحطيم شخصية الأطفال بشكل قد يصعب معه، فيما بعد، معالجة الأمر، لدرجة أن هذه القسوة قد تورث الأطفال الكثير من الأمراض السلوكية والنفسية كالخوف والانطوائية و التبول اللاإرادي والكذب… وغير ذلك من المشكلات التي تأتي القسوة في مقدمة أسبابها.

– التضارب في معاملة الطفل: أكبر تجلٍ لهذه النقطة هو عندما تختلف طريقة الأم عن طريقة الأب. أو عندما يعاقب الطفل مثلا على سلوك خاطئ غير مقصود منه، ولا يعاقب على سلوك خاطئ مقصود وغير مبرر… إلى غير ذلك.

– الحماية الزائدة: حيث يحصل الطفل على كل ما يريده، وينشأ مدللا مما سيعرضه لصوبة في التعايش مع المجتمع لاحقا إذا لم يتم تدارك الأمر.

– القدوة السيئة: وهي موجودة للأسف في عدد غير قليل من الأسر (كالكذب والتدخين والغش…) وهي تسبب الكثير من المشكلات النفسية والسلوكية للأطفال، يبقى الإقلاع عنها أمرا ضروريا ومستعجلا.

– المشاكل الأسرية: هي مشاكل ليس هذا هو المجال لتفصيلها، نكتفي فقط بالقول أنها تؤدي إلى فقدان الطمأنينة والأمان لدى الأطفال، وهو شيء له انعكاس سلبي على سلوكهم ونفسيتهم مما قد يجعلنا أمام أطفال عدوانيين، يسرقون، يكذبون، يكرهون الآخرين…

المصادر والمراجع

  1. أحمد عبد العزيز سلامة، عبد السلام عبد الغفار، “علم النفس الاجتماعي”، دار النهضة العربية، القاهرة، ب.ت.
  2. جابر عبد الحميد، علاء كفافي، “معجم علم النفس والطب النفسي”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993، الجزء السادس.
  3. حامد زهران، “علم النفس الاجتماعي”، عالم الكتب، القاهرة، 1977.
  4. حسين عبد العزيز الدريني، “المدخل إلى علم النفس”، دار الفكر العربي، القاهرة، 1983، الطبعة الأولى.
  5. سعد عبد الرحمن، “السلوك الإنساني”، مكتبة الفلاح، الكويت.
  6. عبد الحليم محمود السيد، “الأسرة وإبداع الأبناء”، دار المعارف، القاهرة، 1980.
  7. محي الدين حسين، “مشكلات التفاعل الاجتماعي”، المعونة الأمريكية، مشروع الخدمات الاجتماعية المتكاملة، 1981.
  8. https://www.new-educ.com/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B4%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9