قضايا عامة

التنظيم في حضارة وادي الرافدين

تجمع كل المصادر التاريخية والأثرية على إن العراق القديم يعد بحق مهد الحضارات. وقد وثق المؤرخ المشهور كريمر Kramer هذه الحقيقة في كتابه الموسوم (( التاريخ يبدأ في سومر )) مؤكدا من خلاله إن السومريين كانوا أول من وضع لبنات الحضارة الأولى ومارسوا التنظيم في شؤون حياتهم البدائية في جنوب العراق، وحدد الحقبة التاريخية ٢٨٥٠ ق.م – ٢٤٠٠ ق.م بالمرحلة التي ظهرت فيها دويلات المدن City states في كيش والوركاء وأورو ولكش وأوما حتى استطاع لوكال زاكيزي ملك إوما بالسيطرة على أوركاجينا ملك لكش ليسمى بعدها بملك سومر قد دام حكمه ٢٩ سنة انتهت في عام ٢٣٧١ ق.م بسيطرة سرجون الأكادي الذي يعد من كبار القادة التاريخيين لحسن تنظيمه لدولته التي امتدت من آسيا الصغرى وشمال العراق إلى شمال سوريا ومدن الخليج وبلاد عيلام وأقاليم أخرى من إيران. فقال كلمته المشهورة (( والآن أيا كان الملك الذي يدعي انه نظير لي، فليصل الى حيث وصلت )). فلا شك في ان إقامة دولة بهذه السعة قبل أربعة آلاف سنة من عصرنا هذا لا يمكن ان يكون ممكنا بدون تطبيقات وممارسات تنظيمية حازمة وفعالة مكنت من السيطرة على هذه الدولة المترامية على الرغم من بدائية الوسائل والامكانيات المتاحة آنذاك.
وإذا كان لابد من استعراض بعض الأسماء التاريخية الكبيرة التي اشتهرت بحسن التنظيم فإن حمورابي الملك السادس للبابليين والذي حكم ٤٢ سنة ( ١٧٩٣ ق.م ١٧٥١ ق.م ) يعد في المقدمة لكونه أول من أدار الدولة الموحدة سياسيا من عاصمته بابل، ومنها صار يصدر الأوامر والقرارات المتعلقة بالإنفاق والجباية وهو الذي أرسى بناء أقدم مدرستين في التاريخ. الأولى في سبأ والثانية في كيش، ثم أسس الجيش وجعل الخدمة فيه ملزمة وإجبارية ناهيك عن وضعه لأول شريعة قانونية عام ١٧٧٠ ق.م تحكم العلاقات بين الحاكم ورعيته وبين أفراد الرعية أنفسهم محددا فيها العقوبات الصارمة لكل مخالفة.
نورد هنا بعضا من النصوص الواردة في شريعة حمورابي والتي لها علاقة مباشرة بعلاقات الأفراد ومهنهم وخدماتهم المجتمعية والتزاماتهم لبعضهم :-
* اذا اجرى طبيب عملية على جرح بمبضع من النحاس ومات المريض، او اجراها على عين احد السادة وفقدها بسبب العملية تقطع يداه.
* ان البناء الذي يبني بيتا يتهدم على ساكنه ويقتله جزاؤه الموت.
* اذا قام رجل بالسرقة وقبض عليه في أثنائها فانه يعدم.
* اذا تقاعس رجل اثناء فتح جدول للسقي فترك الماء يغمر حقل جاره فعليه ان يدفع حبوبا لصاحب الحقل المتضرر بقدر ما ينتجه حقل جاره.
* اذا اتخذ رجل زوجة دون ان يدون بذلك عقدها فإن هذه المرأة ليست زوجة شرعية.
* اذا أخذ رجل زوجة وأصابها مرض خطير فإذا عزم ان يتزوج امرأة ثانية فيمكنه ان يتزوج ولا يجوز له ان يطلق الزوجة المصابة بالمرض الخطير فتسكن في البيت الذي بناه ويستمر في تحمل مسؤوليتها ما دامت على قيد الحياة.
* اذا فقأ رجل عين ابن رجل اخر فعليهم ان يفقأوا عينه وكذلك اذا كسر عظم رجل اخر فيكسر عظمه.
* اذا قال عبد لسيده انت لست سيدي وثبت انه عبده فعلى سيده ان يقطع أذنه.
وبقدر تعلق الامر بالتنظيمات الإدارية التي شهدتها حضارة وادي الرافدين القديمة بسلالاتها المختلفة يمكننا ان نلخصها بما يلي:-
١١- لقد ظهرت على شواطئ النهرين دجلة والفرات وروافدهما أولى المدن والمراكز الحضارية. وبظهور المدن ظهرت أولى محاولات الكتابة والتدوين ومراكز التعليم والتطبيب والتجارة والصناعة والزراعة، وكانت نتاجات الأقوام في الشمال والجنوب والوسط تتراكم وتتفاعل مع بعضها لدرجة اصبح التمييز عسيرا بين ما هو من أصل سومري أو أكدي أو بابلي أو آشوري.
٢٢- بدأت الحياة السياسية في العراق بظهور دويلات للمدن المستقلة عن بعضها، ولكل منها حدودها وحكامها، ثم تحولت الى دولة موحدة تدار مركزيا من الشمال الى الجنوب، وقد توسعت لتصبح إمبراطورية تشمل أراضي سورية وإيرانية وآسيوية وبعدها بدأت من جديد تظهر الحاجة الى تقسيمها الى أقاليم جغرافية تدار من اكثر من ولي عهد. وتذكر المصادر التاريخية اسماء ١٣ مدينة كانت كل منها تعد دولة بذاتها منها على سبيل المثال: ( بابل، نفر، أيسن، اور، سبار، اريدو، آشور، الوركاء، كيش ).
٣٣- ظهر نظام الحكم الملكي في العراق القديم وبموجبه يعد الملك هو الرجل العظيم الذي تختاره الآلهة لحكم البشر، وصار له مركز مرموق، ومع ذلك فلم يأخذ العراقيون القدماء بفكرة تحول الملوك العظام الى آلهة كما فعل اغلب فراعنة مصر، وكانت الملكية تنتقل وراثيا الى الأبناء باستشارة الآلهة بالطرق التعبيرية على الرغم من ادعاء بعض ملوك العراق القديم بأنهم أبناء للآلهة.
٤٤- ويعتمد الملوك في تسيير شؤون حكمهم ومملكتهم على مجلسين احدهما يضم المسنين والآخر المقاتلين ويشارك المجلسان بمناقشة القضايا العامة، وكثيرا ما كان ينتخب مديرا من بينهما وتخوِل له صلاحية تسيير الشؤون الدينية والدنيوية.
٥٥- اعتمدت إدارة الدويلات العراقية اعتمادا كبيرا على التشريعات والقوانين والنظم وكانت تفصيلية وشاملة وتتناول معظم جوانب الحياة، وكانت ملزمة وتتبنى العقوبات بحق مخالفيها مما جعلهم أعرق من اليونانيين والرومانيين الذين ظهروا بعدهم بمئات السنين وعرفوا بتشريعاتهم المتطورة. ويعتبر قانون حمورابي بمواده ال٢٨٢ والذي عثر عليه في مسلته عام ١٩٠١ في مدينة شوشة والموجودة حاليا في متحف اللوفر في باريس أكثر القوانين تطورا.
ومن المبادئ التنظيمية العامة في القوانين العراقية مبدأ عدم التعسف في استخدام السلطة، أو التمتع بالحق، والإنسان المتعسف يعوض عن الضرر الذي نجم بحق الآخرين نتيجة سوء تصرفه كما تشددت في معاقبة أصحاب الحرف والمهن الذين يهملون أو يقصرون بعملهم فأقرت على سبيل المثال قتل ابن البناء الذي يبني بيتا بطريقة سيئة تؤدي الى سقوط وقتل ابن صاحبه. وقد أخذت بمبدأ القوة القاهرة التي تحول دون تنفيذ الملتزم بتعهده لأسباب خارجة عن إرادته فلا يعاقب عندها….. إلخ وهذه جميعا تعبر عن ميل الدولة إلى تنظيم العلاقات بين أفرادها وسكانها.
٦٦- وعلى الرغم من التقدم الذي شهدته حضارة العراق القديمة سياسيا وتشريعيا واقتصاديا فإننا لم نجد ما يدلل على ظهور منظمات ادارية تعمل بعيدا عن سلطة الملك الحاكم او عن الطقوس الدينية. فالوظائف الإدارية المتمثّلة في الخدمات العامة، وتطبيق القوانين وحفظ الأمن، وجباية الأموال، وتسيي شؤون الزراعة والتجارة. وأنها كانت تمارس من قبل الملك مباشرة، وهذا يعني ان التنظيم الاداري للحكومة ظل نشاطا سياسيا يتولاه الحاكم بنفسه او من خلال اعوانه دون ان تظهر طبقة من الإداريين او تتبلور منظمات حكومية متخصصة لهم. وهكذا تكون المركزية هي الطابع الغالب بسب عدم الاستقرار السياسي الذي نجم عن الغزوات المتكررة والموجات الخارجية التي كانت تطمع في السيطرة على هذه البقعة المتميزة في موقعها وخبراتها. ولا تزال الأطماع ترنو إليها وتسعى لها مما يجعل الحياة السياسية لسكانها في حالة استنفار دائم.
وخير ما نختتم به هذه الخلاصة السريعة عن تاريخ التنظيم في حضارة وادي الرافدين، مقولة لأستاذ الأمريكي فرل هيدي في كتابه الادارة العامة المقارنة. وعلى الرغم من انه لم يأت فيها بالجديد لكن اعترافه وهو المتخصص في هذا الحقل يقنع المعنيين بالدراسات الإدارية المقارنة ويرسخ ما ذكره المؤرخون في كتبهم وهذه ترجمة دقيقة لما جاء في كتابه :
(( لقد تصدرت الحضارة السومرية الحضارات في الإمبراطوريات العظمى التي ازدهرت في الهلال الخصيب وعلى مدى ٣٠٠٠ عام، وقد جاءت بأفضل المساهمات في مجال التكنولوجيا وفن الحكم وإنشاء المدن الكبيرة والسجلات المكتوبة وإصدار القوانين كما سجلت انجازاتها العظيمة في الشؤون المادية بفضل النظم الإدارية التي استطاعت صهر الطاقات البشرية المتاحة للاستغلال. وعلى الرغم من ان سومر تعتبر سابقة على مصر القديمة كمهد للحضارات، إلا ان مصر وصلت الى مستوى مشابه تقريبا في نفس الفترة)).
من كتاب التنظيم الحكومي
المؤلف
بغداد ١٩٩٦

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock