مقدمة

التنمية، بصفتها مفهوماً نظرياً وتطبيقياً عملياً، على ساحة الفكر العالمي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين؛ نتيجة لمتغيرات عدة، أهمها: تزايد حركات الاستقلال الوطني من ناحية، واتساع حركة المد الاشتراكي. وأصبحت شعاراً للطموح والجهد والإنجاز، على المستويَين: القومي والعالمي.

ثم اكتسبت القضايا المرتبطة بالتنمية مزيداً من اهتمام الباحثين والمخططين وتركيزهم؛ حتى إنهم اختلفوا في غاياتها وأهدافها، فتعددت وتباينت أنماطها ومستوياتها. من ثَم، أصبح ضرورة لكلّ منهم، قبل الخوض في موضوعاتها، أن يحدد المستوى الذي يعمل في إطاره، ومدلول التنمية الذي يستخدمه.

لذا، امتنع ساندرز عن تعريف مفهوم التنمية، وآثر تركه ليعني ما يعنيه، وفقاً لمقصد كلّ باحث، في أيّ بلد من بلدان العالم.

1. التنمية ورجال الاقتصاد

ظلت التنمية، بمعنى تطوير الاقتصاد، موضوعاً، ينتمي إلى دراسات الاقتصاديين؛ فاقتضت، بداية، تحديد أيّ الإستراتيجيات الاقتصادية هي أجدى، وأيها أكثر ملاءمة، ويمكن الاستفادة منها في بناء تنمية اقتصادية وطنية، حسب موارد المجتمع وطبيعة خصائص اقتصاده.

2. التنمية وأنصار التحديث

قدّم دوز ساندرز عدة مبادئ أساسية للتنمية:

أ. تعني التنمية التقدم نحو أهداف محددة تحديداً ملائماً، تمليه ظروف الإنسان والمجتمع الخاصة؛ فهي، إذاً، توجد في كلّ المجتمعات المعاصرة. وهذا النموذج، يعرف بأنه مجتمع حديث صناعي جماهيري.

ب. تحقق الدول النامية هذا النموذج (المجتمع الحديث)، في حالة القضاء على العوائق: السياسية والاجتماعية والثقافية والنظامية، مثل تلك الناجمة عن وجود الجماعات التقليدية أو الإقطاعية وغيرها.

ج. يسمح التركيز في العمليات: الاقتصادية والسياسية والسيكولوجية، بتعبئة الطاقات القومية الرشيدة.

د. يَسهم تنسيق القوى: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، في دعم التنمية، حتى تصبح نموذجاً يحتذى، ويوجه المشورة والنصح، في مجال التوجهات الأيديولوجية، التي تنظم إدارة الأمم للتنمية.

في ضوء ذلك، عمد ديفيد هاريسون إلى تعريف التنمية، من منطلق التحديث، بأنها تغير وتحسن جذريان، مقيّمان تقييماً إيجابياً في مجمل الخبرة الإنسانية. وهكذا، فإن التنمية حالة مرغوب فيها، سواء تحققت أو لم تتحقق في إطار اجتماعي، يخالف سابقه.

وعلى هذا الأساس، فإن التنمية تنطوي على توسع كبير، في كلّ مجالات القدرات والأنشطة الإنسانية، وبخاصة المجالات: الروحية والفكرية والتكنولوجية والاقتصادية والمادية والاجتماعية. ويقصد بالمجالات الاجتماعية تنشيط أعداد من البشر، متزايدة باستمرار، للمشاركة في مجالات العلاقات الإنسانية؛ لتحقيق أهداف متجددة، وأداء وظائف مستحدثة باستمرار؛ فضلاً عن المشاركة الإيجابية الفعالة في المشاورات وعمليات اتخاذ القرار في شأن تحديد أهداف التنمية؛ وكذلك المشاركة في الانتفاع بثمرات الإنجازات التنموية.

إذاً، لا يجوز قصر التنمية على عملية النمو الاقتصادي، كما رأى الاقتصاديون؛ وإنما يجب أن تمتد، لتشمل ضرورة إحداث تغيير ثقافي عام، وتغييرات محددة في البناء الاجتماعي القائم؛ إذ إن كليهما يؤثر في الآخر ويتأثر به. وعلى هذا، عرّفت التنمية الاجتماعية Social Development بأنها الجهود، التي ترمي إلى إحداث سلسلة من التغيرات: الوظيفية والهيكلية، اللازمة لنمو المجتمع؛ وذلك بزيادة قدرة أبنائه على استغلال الطاقة المتاحة، إلى أقصى حدّ ممكن، ليحققوا أكبر قدر من الحرية والرفاهية، يتخطى معدل النمو الطبيعي.

تقتضي ظروف المجتمعات النامية، أن يكون لمفهوم التنمية شقان:

الشق الأول: علمي، يتعلق بالتحديث العلمي والحضاري للمجتمع؛ وذلك باستيعاب الأساليب العلمية الحديثة وتطبيقها، في الإنتاج والصحة…

الشق الثاني: اجتماعي، سياسي، يتعلق بإعادة صياغة البناء الطبقي داخل المجتمع، في اتجاه تقلُّص الفوارق بين الطبقات؛ وإعادة بناء معايير التقييم الاجتماعي، لترسو على أساس العلم والعمل، والإسهام في نمو المجتمع إلى أعلى مستوى. كما يتعلق بمعايير توزيع الدخل وعائد التنمية على المواطنين، ورفع مستواهم، الاقتصادي والاجتماعي.

وبقول آخر، فإن التنمية الاجتماعية في المجتمعات النامية، تتضمن تحريك الموارد كافة: المادية والبشرية والمالية، تحريكاً، يحقق أعلى مستوى اقتصادي ممكن، وأكبر قدر من العدالة الاجتماعية. ويرجع ذلك إلى أن التنمية، لا تقتصر على المجال الإنتاجي وحده؛ ولأن أسلوب توظيف عائد التنمية، ونوعية المشاركة السياسية، وتشكيل بناء القوى الاجتماعية، هي رهن باستقرار المجتمع، وحسم صراعاته الداخلية؛ الأمر الذي يمنح التنمية مزيداً من الطاقات الدافعة.

  1. أيديولوجية التنمية

برزت ثلاثة اتجاهات، ذات طابع أيديولوجي؛ تسيطر على طبيعة التنمية، في العالم المعاصر:

أ. الاتجاه المحافظ: يرفض البعد التاريخي في دراسة المجتمعات، فلا يقرن بين النمو الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي قرناً واضحاً. ويقترن بهذا الاتجاه المنظور البرجماتي (النفعي)، الذي يرفض التحليل الجدلي للواقع الاجتماعي التاريخي؛ إذ يرى أن الواقع الاجتماعي الممكن، هو الواقع القائم.

ب. الاتجاه الوضعي: يقول بإمكانية تحقيق التنمية، من خلال تعديلات وظيفية، من دون المساس بتكامل النسق الاجتماعي القائم واستمراريته وتوازنه.

ج. الاتجاه الماركسي: يركز في تغيير الأساس الاقتصادي ـ المادي للمجتمع، وما يستتبع ذلك من تغيرات مصاحبة في بنائه الفوقي ونُظُمه الأساسية؛ واستطراداً، فإن طريق التنمية هو التغير الشامل للمجتمع.

4. التنمية وعلماء الاجتماع والسياسة

يميل علماء الاجتماع والسياسة إلى جعْل التنمية عملية تحديث. ويركزون اهتمامهم في تطوير المؤسسات: الاجتماعية والسياسية. كما تعني لدى المصلحين الاجتماعيين: توفير التعليم، والصحة، والمسكن الملائم، والعمل الموائم لقدرات الإنسان، والدخل الذي يوفر له احتياجاته، والأمن، والتأمين الاجتماعي، والترويح المجدي، والقضاء على الاستغلال وعدم تكافؤ الفرص، والانتفاع بالخدمات الاجتماعية؛ مع الاحتفاظ لكل مواطن بحق الإدلاء برأيه في كلّ ما سبق، وفيما ينبغي أن يكون عليه مستوى أدائه.

وتعني التنمية، لدى المعنيين بالعلوم السياسية، الوصول بالإنسان إلى حدٍّ أدنى لمستوى المعيشة، لا ينبغي له أن ينزل عنه؛ لأنه حق لكلّ مواطن، تلتزم به الدولة، وتعززه الجهود الأهلية، لتحقيق كفاءة استخدام الإمكانيات المتاحة. ناهيك من أنها تعني استنباط الحلول الذاتية، لسد الثغرات، التي تبدو على مستوى هذا الحدّ، مما لا تسعفها موارد الدولة.

  1. التنمية ورجال الدين

تعني التنمية، عند رجال الدين الحفاظ على كرامة الإنسان؛ لكونه خليفة الله في أرضه. وذلك يتضمن تحقيق العدالة: القانونية والاجتماعية والاقتصادية؛ والتعاون على المستويات كافة؛ وتأكيد المشاركة في كلّ ما يتصل بحياة الإنسان ومستقبله؛ وتنظيم المجتمع، من الأسرة إلى الوسط المحلي فالوطن برمّته.

  1. التنمية وعلماء النفس

يميل علماء النفس إلى تأكيد العلاقة الطردية بين التنمية الاقتصادية والدوافع النفسية، الحافزة إلى الإنجاز. كما أن التنمية، من وجهة نظرهم، تعتمد على توافر أعداد المنظمين وأصحاب المشروعات Entrepreneurs، ذوي التركيب النفسي الخاص، الذي يدفعهم إلى الرغبة في الكسب والعمل والاجتهاد والابتكار والمخاطرة؛ تحقيقاً للكسب المادي، وتحسين مركزهم الاجتماعي. كما يرى ديفيد ماكليلاند Macleland، أن هناك عوامل أخرى، ينبغي للمجتمع أن ينجزها، إذا أراد أن يحقق تنمية اقتصادية سريعة؛ من أهمها ضرورة تغيير القِيم السائدة، من خلال دعم حرية الصحافة، وحرية المرأة، وبرامج التربية الاجتماعية، وجهود التصنيع؛ إضافة إلى أهمية الشعور بالدافع إلى الإنجاز.

تعقيب

إزاء هذا الاختلاف في تعريف التنمية، من وجهة نظر الاقتصاديين وأنصار التحديث والاجتماعيين والسياسيين ورجال الدين وعلماء النفس؛ وبناء على تعدد أيديولوجياتها، حدد فوستر كارتر مفهوم التنمية الاجتماعية تحديداً شمولياً وواضحاً، بثلاثة أنماط أساسية:

  1. التنمية الاجتماعية:تتضمن الإشباع الفوري للحاجات الأساسية، الذي يشمل، في حدِّه الأدنى، الحاجة إلى الطعام والمأوى والملبس والخدمات الأساسية، كمياه الشرب، والصرف الصحي، والتعليم والصحة والنقل، وفرص العمل؛ يطاول حدّه الشمولي عوامل أخرى، مثل: اتخاذ القرار وحقوق المرأة والأقليات.
  2. التنمية السياسية:تعنى التحرر من الاستغلال، وتحقيق الاستقلال الذاتي، وسيطرة الإنسان على مقدراته.
  3. التنمية الثقافية:تشتمل على إحداث تغيرات ثقافية جذرية، وإخضاع أهداف التنمية الاقتصادية للأولويات الثقافية.

المصادر والمراجع

  1. أحمد زكى بدوى، “معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية”، مكتبة لبنان، بيروت، 1986.
  2. اندرو وبستر، “مدخل إلى علم اجتماع التنمية”، ترجمة عبد الهادي والى، والسيد الزيات، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1992.
  3. جهينة العيسى وآخرون، “علم اجتماع التنمية”، دار الأهالي، دمشق، 1999.
  4. ديفيد هاريسون، “علم اجتماع التنمية والتحديث”، ترجمة محمد عيسى برهوم، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى، 1998.
  5. عبد الباسط عبد المعطى، عادل الهواري، “علم اجتماع التنمية”، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1985.
  6. عبد الباسط محمد حسن، “التنمية الاجتماعية”، مكتبة وهبة، القاهرة، 1998.
  7. عبد المنعم شوقي، “مقدمة كتاب مجتمع الإنجاز: الدوافع الإنسانية للتنمية الاقتصادية”، تأليف ديفيد ماكليلاند، ترجمة عيد فرح وعبد الهادي الجوهري، نهضة الشرق، القاهرة، 1975.
  8. محمد الجوهري، “علم الاجتماع وقضايا التنمية في العالم الثالث”، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1985.
  9. نبيل السمالوطي، “قضايا التنمية والتحديث في علم الاجتماع المعاصر”، دار المطبوعات الجديدة، القاهرة، 1990.
  10. Foster – Carter, A. the sociology of development causeway press Ltd., England , 1986.
  11. Sanders, E., Frontiers of community development, Research and Action, Wisconsin, N. Y., 1958.