قضايا أمنية

التهديدات الأمنية في المنظور الدبلوماسي الجزائري

تشكل الدبلوماسية احد الإبعاد الحركية التي تستخدمها الدولة وتوظفها في تحقيق الأهداف الأساسية لمصالحها الوطنية سواء ما تعلق بها بالتمثيل أو الحماية أو الوقاية أو التفاوض.  فالدبلوماسية هي فن و فلسفةهادفة لبناء سلم دونما التنازل عن الحقوق السيادية للدول في ظل عالم يتميز بالتعقيد و التشابك و الاعتماد المتبادل و تنامي التهديدات و المخاطر الأمنية عالميا و جهويا .

   فبالنظر للتحول في بنية النظام الدولي الذي لم يعد مكونا حصريا من الدول بل أيضا من وحدات غير دولتيه و غير حكومية يتنامى تأثيرها على التعاون و التفاعل الدوليين كما أن القواعد المحورية المعرفة للشخصية القانونية للدولة التي أعملت منذ مؤتمر وستيفاليا سنة 1648 قد تراجعت قيمتها الوظيفية بالنظر لتعقيد التفاعلات و تداخل المصالح في ظل تحول الحدود من اطر مانعة إلى حدود مائعة، وهذا ما جعل مبادئ السيادة و التساوي القانوني للدول و مبدأ عدم التدخل قيم قديمة –مجددة بشكل كيف معها المحتوى العملياتي للقانون الدولي .

   لقد أصبحت السيادة قيمة وظيفية مغايرة للمادة 2(7) من ميثاق الأمم المتحدة بإقرار مجلس الأمن للتدخل الإنساني الديمقراطي (هايتي 1994) و أيضا تبني أولوية الإنسان على الدولة، أي تغليب حقوق الكينونة الإنسانية على السيادة الدولتية عندما تتعارض.  وهذا ما جعل طبيعة التفاعلات غير محددة حصريا وطنيا. كما أن تداعياتها أصبحت تهم المجالات الخارجية أيضا (جهوية، تحت جهوية أو حتى عالمية).

   كما أدى التحول في طبيعة التهديدات و المخاطر الدولية بعد أن أصبحت عبر وطنية و ليست عسكرية بالضرورة إلى إعادة بناء المحتوى المعرفي و ألعملياتي للأمن … فلم يعد أمنا دوليا بالمعنى الصلب (مادي –عسكري) بل أيضا لينا (اقتصادي، ثقافي بيئي …الخ) … خاصة وان اغلب المقاربات الأمنية النقدية تقر بتنامي التهديدات و المخاطر اللاتماثلية من هجرة سرية، جريمة منظمة، المتاجرة بالمخدرات، المتاجرة بالأسلحة الخفيفة، الإرهاب، المتاجرة بالبشر، المتاجرة بالأعضاء، التهديدات البيئية … و كذلك تلك الناجمة عن الفشل المحتمل للدول. أن التعامل مع كل هذه التهديدات الاتماثلية يقتضي تبني ديبلوماسية وقائية بل و حتى إنسانية للتعامل بصفة إستباقية مع الأزمات أو لتسيير تداعياتها على امن الإنسان .

   فبالنظر إلى ذلك كيف تتعامل الديبلوماسيةالجزائرية مع التهديدات الأمنية؟ .

*الديبلوماسية الجزائرية:

   كثيرا ما وصفت الديبلوماسية الجزائرية على أنها القلب النابض للدولة خاصة وإنها بدأت مع الثورة و عن طريق الحكومة المؤقتة (1958-1962) و التي مكنتها من تمثيل الجزائريين و التفاوض باسمهم على اتفاقيات الاستقلال التي انتهت باتفاقية افيان ووقف إطلاق النار (19/03/1962) .

   لقد كان لهذا الرصيد الرمزي المعبر عن عظمة الثورة الجزائرية و مبادئها الأثر الكبير على المنطلقات القيمية و المعيارية للديبلوماسية الجزائرية و ذلك من خلال تقديرهاو تثمينها لمبادئ السلم و حقوق الشعوب في تقرير المصير و ذلك ما جعلها تتجه دوما نحو مساندة الشعوب المستعمرة على تحقيق استقلالها من إفريقيا إلى أسيا و أمريكا اللاتينية … و ذلك تماشيا مع روح نوفمبر 1954.   كما أن الجزائر التي عانت  من ويلات الاستعمار و الإبادة الفرنسية قد عملت منذ استقلالها على المساهمة في بناء الأمن الدولي من خلال حالات الوساطة الكثيرة التي قامت بها سواء بين إيران و العراق (1975) أو حل أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران (1980) أو حل النزاع بين إثيوبيا و اريتيربا (2000) و كذلك اسهماتها الجلية في مأاسسة حركيات الأمننة في إفريقيا بالمشاركة في إنشاء مجلس  السلم و الأمن في إفريقيا و ترأسه منذ البداية (سعيد جانيط ثم رمضان لعمامرة ) … و لذلك وصفت الجزائر بدولة المبادئ و السلام.

   و ما يضفي مصداقية على دور الجزائر الديبلوماسي هو انتمائها لكل البناءات العضوية الجهوية (اتحاد المغرب العربي، الجامعة العربية، منظمة المؤتمر الإسلامي الاتحاد الإفريقي ) … وكذلك المنظمات البرلمانية و الوظيفية و العالمية و الأمم المتحدة ووكالاتها.  كما إن الجزائر عضوه نشطة و فعالة في البناءات الخاصة بالتعاون الوظيفي مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية . كما أن الجزائر مشاركة في كل الحوارات عبر الجهوية (إفريقيا- الصين ، العالم العربي- أمريكا اللاتينية، اروبا- إفريقيا ) … و مشاركة أيضا في البناءات التفاعلية في المتوسط (الشراكة الارومتوسيطية و الحوار المتوسطي للحلف الأطلسي) .

   ومن اجل جعل التنظيم الدولي و التفاعلات الدولية أكثر عدالة فلقد سعت منذ 1974 إلى العمل على إصلاح النظام الاقتصادي الدولي (بدعوتها لبناء نظام اقتصادي دولي جديد) لتمكين دول العالم الثالث من أن تنتقل من حالة التبعية المرضية و الاستدانة البنيوية إلى حالة القدرة على تحريك دواليب التنمية تفعيلا لمبادئ التضامن لدولي و الحاجة إلى الاستقرار بالتنمية .

   كما قامت أيضا الجزائر بإطلاق المبادرة الجديدة للشراكة من اجل تنمية افريقية NEPAD(2002) التي تمثلها و تدافع عن مصالحها في المحافل الدولية (قمم G8 ) خاصة ما تعلق بالسعي لمحو ديون الدول الإفريقية أول النمو كما حدث في قمة ( قلان إيقلز بسكوتلندا) في 2006 .

   كما أن الجزائر، بحرصها على بناء السلم الدولي، قد سعت و دعمت كل المساعي الهادفة لحل النزاعات الدولية العالقة (الصراع العربي الإسرائيلي مثلا من خلال تبني لمبادرة العربية في قمة بيروت 2002 ) و المساهمة في بناء مناطق منزوعة السلاح النووي و فاءا بالتزاماتها الخاصة بمعاهدة حظر الانتشار النووي (1968) و من خلال انضمامها لاتفاق Pelindaba الذي مكن إفريقيا من تحقين التزاماتها غير النووية .

   و بالإضافة لهذه الحركية الديبلوماسية الخاصة بتحقيق الأمن الدولي ببعده الصلب و الاقتصادي عملت الجزائر بناء منطق تعاوني تضامني هادف في التعامل مع التهديدات الأمنية الاتماثلية .

* منطق الامننة الإنسانية و الديبلوماسية الجزائرية :

   يشكل منطق الامننة الإنسانية احد المحاور الجديدة في العلاقات الدولية و ذلك بتبني تصور لا تماثلي للتهديدات و المخاطر بارتباطها ببقاء كينونة الإنسان و غلبة منطقه من الحاجات و الأولويات …الحق في الحياة أعلى من منطق الدولة …. وهذا ما جعل الجزائر تولي اهتماما أيضا للقضايا الإنسانية خاصة ما تعلق بحل أزمات البناء السياسي مثل الوساطة في حل قضية التو ارق (1996 2006 2007 ) أو المساعدة الإنسانية بالتعامل مع تداعيات اللااستقرار و الأمن (اللاجئين).

   ومن جهة أخرى تقوم الجزائر منذ مطلع العقد الأخير من القرن العشرين بالعمل على خلق إجماع دولي حول ضرورة مكافحة الإرهاب و ذلك اعتبارا بان هذه الظاهرة المرضية و الإجرامية تشكل تهديدا دوليا و عبر وطنيا لا تعترف لا بالحدود و لا بالدين و لا بالثقافة و لا بالعرف… فهو تهديد غير تماثلي ينتقل عندما تغيب استرتيجية واضحة المعالم و دقيقة المحتوى.  لذلك دعت الجزائر التي عانت على مدار أكثر من 15 سنة من هذه الظاهرة إلى ضرورة بناء معاهدة دولية شاملة لمكافحتها و قائمة على تعريف يفرق فعلا بين الإرهاب و المقاومة .

   لقد أعطت احداث 11 سبتمبر 2001 ثقة اكبر لهذا الاقتراح الجزائري من خلال تثمين التجربة الجزائرية  دوليا بعد أن تمكنت  الجزائر سنة 1999 من بناء تصور جهوي لمكافحة الظاهرة من خلال تبني الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الإرهاب و إنشاء نظام الإنذار المبكر و المركز الإفريقي للدراسات و البحوث حول الإرهاب الذي يوجد مقره في الجزائر .

   كما دعيت الجزائر بخبرتها من طرف منظمة الحلف الأطلسي في إطار عضويتها في الحوار المتوسطي إلى المشاركة في العمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب في المنطقة المتوسطيةOperations Active Endeavor وكذلك مشاركة الجزائر في لجنة مكافحة الإرهاب CTC و بلجنة مديريات الاستعلامية في إفريقياCISA أو مساهمتها عمليا في تطوير الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب أو في جل المجهودات الجهوية و الدولية الخاصة بالتعامل مع هذا التهديد .

   فبالإضافة إلى هذا التهديد، فالجزائر منظوية تحت كل الأطر المنظمة لمكافحة التهديدات اللاتماثلية من جريمة منظمة، مخدرات، و في المتاجرة في الأسلحة الخفيفة. كما ساهمت أيضا في بناء تصورات متوازنة إنسانية في التعامل مع مسائل الهجرة و الهجرة السرية من إفريقيا و إلى اروبا .

   فالجزائر بدبلوماسيتها النشطة تعمد بمنطق قوامه المصلحة الوطنية   , القانون الدولي, المبادئ و السلام.  فهي تسعى منذ 1958 لتحقيق عالم أكثر أمنا و مجتمعا دوليا أكثر استقرارا و تنمية .       

 

د. أمحند برقوق،

قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية (جامعة الجزائر) و المعهد الديبلوماسي و العلاقات الدولية (وزارة الخارجية)

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock