التوافق الصيني-الروسي على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط

شهدت العلاقات بين الاتحاد السوفياتي والصين على مدى ثلاثة عقود (1959-1989)، خلافات حادة أدت إلى اشتباكات مسلّحة على الحدود في الستينيات وحروب بالواسطة في جنوب شرقي آسيا وأفريقيا. يعود هذا الخلاف في الظاهر إلى التنافس الحاد على زعامة العالم الشيوعي بالاستناد إلى اجتهادات عقائدية نظرية متغايرة بين "الماوية" "والماركسية–اللينينية"، أما في الجوهر، فقد رأت الصين أن الاتحاد السوفياتي يحجم عن مساعدتها في التنمية الحقيقية كي لا تتحوّل إلى قوّة عظمى وإلى قطب ثالث على المسرح الدولي، ويمتنع عن مساعدة برنامجها النووي وتزويدها التكنولوجيا المتقدّمة، وعن تصدير "أسلحة الجيل الحاضر" إليها. وقد أدّى تفكّك الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة وتوحيد ألمانيا واشتداد عصب الاتحاد الأوروبي واعتماده عملة موحّدة خاصة به، وتحرّر الصين من عقدة القصور الإقتصادي، وحصول الأزمة المالية العالمية، وتطوّر الإرهاب واشتداده، والترويج "لصراع الحضارات" ونشوء "الإسلاموفوبيا"، إلى تولّد دينامية جيوسياسية عالمية تتسم بالنشاط والحركة والتغيّر. يأتي التوافق الروسي - الصيني في سياق وعي عالمي لخطورة التفرّد الأميركي بالهيمنة على السياسة العالمية، وقابلية هذا التفرّد لاستعمال القوة في مغامرات عسكرية وفق الفكر الاستنسابي في فهم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتفسيره الخاص للإرهاب.

شهدت العلاقات بين الاتحاد السوفياتي والصين على مدى ثلاثة عقود (1959-1989)، خلافات حادة أدت إلى اشتباكات مسلّحة على الحدود في الستينيات وحروب بالواسطة في جنوب شرقي آسيا وأفريقيا. يعود هذا الخلاف في الظاهر إلى التنافس الحاد على زعامة العالم الشيوعي بالاستناد إلى اجتهادات عقائدية نظرية متغايرة بين “الماوية” “والماركسية–اللينينية”، أما في الجوهر، فقد رأت الصين أن الاتحاد السوفياتي يحجم عن مساعدتها في التنمية الحقيقية كي لا تتحوّل إلى قوّة عظمى وإلى قطب ثالث على المسرح الدولي، ويمتنع عن مساعدة برنامجها النووي وتزويدها التكنولوجيا المتقدّمة، وعن تصدير “أسلحة الجيل الحاضر” إليها. وقد أدّى تفكّك الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة وتوحيد ألمانيا واشتداد عصب الاتحاد الأوروبي واعتماده عملة موحّدة خاصة به، وتحرّر الصين من عقدة القصور الإقتصادي، وحصول الأزمة المالية العالمية، وتطوّر الإرهاب واشتداده، والترويج “لصراع الحضارات” ونشوء “الإسلاموفوبيا”، إلى تولّد دينامية جيوسياسية عالمية تتسم بالنشاط والحركة والتغيّر. يأتي التوافق الروسي – الصيني في سياق وعي عالمي لخطورة التفرّد الأميركي بالهيمنة على السياسة العالمية، وقابلية هذا التفرّد لاستعمال القوة في مغامرات عسكرية وفق الفكر الاستنسابي في فهم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وتفسيره الخاص للإرهاب.

خلال الأزمة الليبية، إعتبرت روسيا أنها تعرّضت لخديعة كبرى حيث تجاوزت الولايات المتحدة وحلف الناتو التفويض المعطى من قبل مجلس الأمن لحماية المدنيين، فتم تدمير الجيش الليبي وأُسقط النظام بحرب ضروس من دون توافق دولي لبناء هيكلية جيوسياسية تؤمّن المصالح التاريخية لروسيا وتحافظ عليها. إن اعتماد الولايات المتحدة على استراتيجية متدرّجة قوامها “الفوضى الخلاقة” و”الغموض الإيجابي” وإهمال استباق النتائج، وعدم اتباع صيرورة إنسيابية تنطلق من معطيات مقبولة وعقلانية ومتوازنة، كل ذلك جعل روسيا تخرج عن تحفّظها وتتوافق مع الصين لمواجهة مدروسة ومحدودة مع الولايات المتحدة. يتراوح تأثير التوافق الروسي-الصيني على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بين القبول المشروط في الصراع العربي الإسرائيلي إلى القيام بدور الوساطة وتخفيف التأزّم في أزمة إيران النووية، وإلى التعطيل والمواجهة السياسية في أزمة سوريا الداخلية. وأخيرًا يشترك الجانبان في التريّث والغموض إزاء “الربيع العربي” لصعود الإسلام السياسي وصعوبة سبر نواياه الحقيقية.

1– التوافق الروسي-الصيني: جدلية الضرورة

بدأت العلاقات الثنائية بين البلدين في العام 1949 إبان وجود الاتحاد السوفياتي في المنظومة العالمية، ثم شهدت توتّرًا كبيرًا في المراحل اللاحقة أدّت إلى انفصام بينهما. وما لبث الوضع أن تغيّر خصوصًاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكّكه في آب/أغسطس من العام 1991، وظهور روسيا الاتحادية التي رغبت في التفاعل مع الغرب والاندماج في أوروبا، إلا أن الإحباط أصابها من التجاهل والرفض والتطويق وعدم احترام مصالحها الأمنية، فلجأت إلى “الخيارات الشرقية” والصين تحديدًا بما تمثّله من إمكانات إقتصادية ضخمة لخلق تعدّدية قطبية على المسرح العالمي.

1- الإحباط الروسي

عاشت روسيا خيبة أمل كبيرة من تعامل الغرب معها في السنوات العشر التي تلت تفكّك الإتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، حيث كانت تطمح إلى شراكة حقيقية مع الغرب والولايات المتحدة، فوجدت تجاهلاً وإهمالاً في فترة ضياعها وبحثها عن هوية جديدة ودور مستقبلي[1]. ورغبة منها في دفع ديون إعادة الهيكلية العامة للدولة، وإيفاء الالتزامات تجاه المؤسّسات المالية الدولية، عمدت روسيا إلى بيع كميات كبيرة من الذهب، فانخفض سعره إلى أدنى مستوى في البورصات العالمية، وحيث أن النفط والغاز هما المصدر الرئيس للصادرات إذ يؤمّنا 70٪ من العائدات المالية، فقد انخفض أيضًا سعر البرميل بنسبة كبيرة، لتقليل المداخيل بالعملات الصعبة إلى روسيا وبالتالي حرمانها تنفيذ استراتيجية النهوض الاقتصادي. إعتبرت روسيا هذا الانخفاض بالأسعار بمنزلة مؤامرة للنظام المالي العالمي ضدّها في مرحلة صعبة وخطيرة من تاريخها. من جهة أخرى، إمتنع الغرب عن توظيف استثمارات في روسيا مما حال دون وصولها إلى التكنولوجيا الغربية.

ومن الواضح أن سياسة الإحتواء والتطويق التي مارستها الولايات المتحدة مع روسيا في ظل خلفية العولمة عائدة إلى رفض روسيا التدخّل الأميركي في شؤونها الداخلية في مواضيع الحرية وتطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ومسائل أخرى تتعلّق بالشفافية ومكافحة الفساد. فالصعود الروسي من وجهة نظر أميركية سوف يساعد الاستبداد على التغلغل في بعض الدول وبالتالي فإن الولايات المتحدة لا تقبل بالتسوية والصفقات بين الليبرالية والاستبداد.

2- إستراتيجية النهوض الروسية

اعتمدت إستراتيجية النهوض الروسية المبدأ البرغماتي، وهو سياسة التوازن بين الطموحات والإمكانات لإصلاح المجتمع الروسي من جهة، واستعادة مكانة روسيا في العالم من جهة أخرى. وتهدف هذه الإستراتيجية والتي بوشر بتطبيقها اعتبارًا من بداية القرن الحادي والعشرين، إلى تحقيق ما يأتي:

– تحويل روسيا إلى عالم الحداثة وفق المنظور الغربي.

– إعطاء الأولوية للعلاقات مع الدول المستقلّة عن الاتحاد السوفياتي السابق.

– إبقاء العلاقات مع أوروبا ضمن الإطار التقليدي.

– التعاون مع الدول الواقعة على الساحل الآسيوي للمحيط الهادئ.

– تأسيـس شراكـة متكافئة مع الولايات المتحدة.

– التوافق مع الصين على أرضية صلبة في جميع المجالات، بهدف إعادة رسم البنى التحتية والأمنية والمالية في العالم وفق المنظور المشترك الروسي-الصيني.

– الاعتماد على الاحتياط الضخم للغاز الذي تمتلكه روسيا، والقدرات الاقتصادية الصينية، بهدف إنشاء سوق عالمي يتحرّر من سيطرة الدولار، وإنشاء منظّمة للدول المصدّرة للغاز على غرار منظمة “أوبيك”، بقيادة روسيا.

– التحالف مع قوى اقتصادية صاعدة لتحدّي الاحتكار الغربي، وهيمنته على الاقتصاد العالمي.

– التحالف مع قوى آسيوية أخرى لتعزيز السلام والأمن وبناء نظام سياسي واقتصادي عالمي يكون أكثر عدالة وتوازنًا، ويهدف بصورة خاصة إلى مواجهة الإرهاب وحركات الانفصال والتطرّف الديني والعرقي.

3- الطموح الصيني

وقد أدركت الصين ضرورة مجاراة نموّها الاقتصادي الكبير بتنامي القدرة العسكرية لحماية مكوّناته بتأمين المواد الأولية وحماية المواصلات البحرية للإمدادات النفطية ولممارسة التأثير السياسي بهدف التوسّع في فتح الأسواق الاستهلاكية في العالم، وفي الوقت نفسه لحماية البنى التحتية والمنشآت الصناعية في داخل البلاد من الأخطار المحتملة[2]. تتناول الأفضلية في تحديث القوّة العسكرية تقوية البحرية وزيادة فعاليتها لتنفيذ المهمات الآتية:

– حماية السواحل الصينية ومنشآتها الاقتصادية والعمرانية.

– منع أي حصار بحري.

– حماية خطوط المواصلات البحرية لتأمين انتظام الإمدادات النفطية من الشرق الأوسط وأفريقيا.

– تحسين شروط التفاوض حول السيادة على بعض الجزر المتنازع عليها مع اليابان والفيليبين وفيتنام.

– تأمين الردع النووي بواسطة الغواصـات.

– إظهار الراية الصينية في جميع أنحاء العالم.

وجدت الصين في توافقها الاستراتيجي مع روسيا وتعاونهما في المجال العسكري، تحقيقًا لطموحها باختصار الوقت واكتساب الخبرات وتوفير الأموال عن طريق:

– شراء كميات هائلة من الأسلحة والسفن والغواصات بأسعار مخفّضة نظرًا لكساد تجارة الأسلحة الروسية بانتهاء الحرب الباردة.

إكتسـاب التكنولوجيا العسـكريـة المتقدّمـة.

توفير الجهود في الأبحاث والتجارب والتطوير.

غضّ النظر الروسي عن استنساخ الصين للأسلحة الروسية، ولاسيما الطائرات الحربية من نوع “سوخوي” والدبابات والمعدّات الهندسية الثقيلة.

– التعاون النووي المشترك وأبحاث الفضاء.

إن انفاق الصين ما يقارب 160 مليار دولار على التسلّح مقابل المردود العسكري الهائل هو توظيف مثمر وغير مرهق، نظرًا لامتلاكها أضخم احتياط مالي في العالم ويقدّر بآلاف عديدة من المليارات بالعملات الصعبة (الدولار واليورو). يأتي التوافق الصيني-الروسي ليحقّق الطموح الصيني في ملاقاة النجاح الاقتصادي مع القدرة العسكرية الموازية، ضمن شروط سهلة تؤمّن المصالح الحيوية لكلا الطرفين، وتحمي الأمن القومي لكل منهما بأثمان زهيدة نسبيًا.

4– الإسلاموفوبيا

في نهاية القرن العشرين سقط الاتحاد السوفياتي وأخذ معه النظريات الشيوعية والماركسية وأنهى منظومة المعسكر الإشتراكي، وتوزّعت تركته بين روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي أقامت قواعد وروابط متينة مع بعض دوله، إضافةً إلى تركيا التي أخذت جانب دعم بعض الجمهوريات الإسلامية المستقلّة. بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي ظهرت بعض التنظيمات الإسلامية كالقاعدة، من خلال ممارسات إرهابية قام بها المتطرّفون، كعدو للحضارة الغربية، فانطلقت نظرية “الإسلاموفوبيا” وتم الترويج لها بوسائل شتى وإمكانات إعلامية وسياسية. هذا وأدّى “الربيع العربي” إلى تخفيف حدة “الإسلاموفوبيا” في الغرب، وكادت هذه النظرية أن تشهد إسدال الستار عليها، بل أكثر من ذلك، بدأ الغرب يتقبّل حكم أنظمة إسلامية في الدول العربية  وتسهيل وصول بعض الأطراف من خلال استغلال النفوذ في الأنظمة الموالية كتونس ومصر، ومن خلال التدخّل العسكري المباشر كما حدث في ليبيا.

وفي الوقت الذي بدأت فيه سفينة الحوار بين الإسلام والغرب بالإبحار في اتجاه شاطئ الأمان والتفاهم ونشر ثقافة قبول الآخر، شعرت روسيا والصين بالخطر المحتمل لهذا التقارب على مستقبل أمنهما القومي.

5- روسيا والخطر الإسلامي

تشكّل الجمهوريات المسلمة في القوقاز وعلى ضفاف الفولغا في روسيا الإتحادية ما نسبته حوالى 16٪ من مجموع السكان ومن المرجّح وفق الدراسات الديموغرافية أن تزيد هذه النسبة إلى 40٪ خلال العقود الأربعة المقبلة إذا استمر معدّل الولادات على ما هو عليه حاليًا[3]. إن تاريخ روسيا في حقبة من الزمن مأخوذ من رسالة “إبن فضلان” مبعوث الخليفة العباسي إلى بلاد الفولغا. لذلك يخشى الروس من حنين المسلمين الروس إلى الإسلام وقدرة الولايات المتحدة عبر قنوات متعدّدة على تزخيم الطاقة الروحية لديهم في عالم اضطربت فيه الخلفيات الفكرية لمفاهيم الحياة المتعدّدة.

ومن المسلّم به أن روسيا قد عانت الإرهاب المتطرّف ودفعت أثمانًا باهظة بلغت عدة مئات من الضحايا البريئة وحالة عامة من الخوف والقلق والشكّ في تماسك الجمهوريات المكوّنة لروسيا الإتحادية. مع العلم إن تجربة روسيا مع الشيشان وسقوط آلاف القتلى، وتجربة قرقيزيا مع ثورة حزب التحرير الإسلامي، وسيطرة القاعدة على “فرغانه” في أوزبكستان بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وإعلان الحكم الوهابي، وغير ذلك من التفاصيل، والاشتباه أن الولايات المتحدة تقف بشكل خفي وراء التساهل في تشجيعها من قبل طرف ثالث، كل ذلك جعل التحالف الاستراتيجي مع الصين أمرًا موجبًا في مواجهة إرهاب التطرّف الإسلامي.

لقد أثير مؤخرًا جدل ساخن يصبّ الزيت على نار السجالات الملتهبة أصلاً حول حقوق المسلمين الروس ومدى انسجامها أو تعارضها مع القوانين الفيدرالية في البلد. لقد حدّد مساعد رئيس اللجنة السياسية الاجتماعية والصحة في مجلس الشيوخ الروسي، وهو من أصل مسلم، خيارات المستقبل بكلمات لا تقبل التأويل: “إما حكم الشريعة وإما أنهار من الدماء”، “وإذا عارض أحد تأسيس محاكم شرعية، سنملأ البلاد بالدماء ونحوّل موسكو إلى بحيرة موت، وسنوسّع هذه الشبكة حتى إعادة حكم الخلافة. سننطلق من روسيا إلى آسيا ومن ثم إلى البلاد العربية كلها ونقيم حكم الخلافة”. لقد أعلنت النيابة العامة أنها فتحت تحقيقًا لكشف ملابسات الموقف ومدى خطورة تأثير التصريحات، واللافت أن التطوّر تزامن مع تحذيرات من تدهور جديد متوقّع في منطقة القوقاز، يضيف سخونة إلى أجواء الحذر والتوتّر المتنامي في روسيا.

(Read more)  ندوة أكاديمية بعنوان "نظرة وحلول دستورية لأزمة النظام السياسي الجزائري على ضوء الحراك الشعبي"

6- الصين والخطر الإسلامي

يعيش في الصين وفي مقاطعة “سينغ يانغ” عشرات الملايين من أصول تركية أيغورية، وقد شكّلوا في ما مضى دولة “قراخان” وعاصمتها “كاشغر”، التي انضمت طوعًا إلى الخلافة العباسية وأرسلت لاحقًا جيشًا لمساعدة صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس[4]. لم يتمكّن “ماوتسي تونغ” خلال الثورة الثقافية من استئصال النمط الإسلامي في طريقة حياتهم على الرغم من فظاعة الأساليب المستعملة. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية أعلنت “سينغ يانغ” استقلالها عن الصين وأنشأت دولة تركستان الشرقية التي سرعان ما انهارت بحكم الظروف السائدة والمعطيات الدولية.

وقد أدّى النموّ الاقتصادي الهائل في الصين، ونجاح الثورة الصناعية، وتطوير وسائل الإنتاج، وإصلاح الهيكلية الإدارية، إلى زيادة البحبوحـة في جميع مناطق الصين ولو بدرجات متفاوتة، فأقدم أهالي سينغ يانغ والنخب الممسكة بمفاصل الاقتصاد على ترميم آلاف المساجد وإعادة تأهيلها التي يؤمّها للصلاة وبشكل منتظم عدة ملايين من المسلمين. لقد تنبّهت الصين مؤخرًا إلى جموح الوعي الإسلامي وتغلغل تنظيم القاعدة في إقليم “سينغ يانغ”، وركّزت أنشطة أجهزة مكافحة الإرهاب على هذا الإقليم، إضافةً إلى تدابير إضافية تشمل سياسة إستيعابية منفتحة ومنح إمتيازات استثنائية تتعلّق بالقوانين الصارمة المتعلّقة بتحديد النسل. لا يغفل المسؤولون الصينيون عن المشاعر الانفصالية لسكان الإقليم من الترك الإيغوريين الذين يستذكرون دومًا قول محمود الكاشغري: “إن الله اختار الترك، وأعطاهم الملك، وجعلهم أسياد الزمان وحكام الأمم، لأنهم جنوده المخلصون، على دينه مؤتمنون، ولسنّة نبيّه حافظون”.

ثانيًا: التوافق الروسي-الصيني: المقوّمات الأساسية

تقضي الموضوعية بتبيان مغزى التوافق الروسي-الصيني اقتصاديًا وعسكريًا، وإسقاط مجالات التعاون على أرضية واقعية وتحديد القوالب التنظيمية التي انسكب فيها. كما تلتقي المصالح الصينية – الروسية على نقاط أساس تأتي في مقدّم جدول أعمالهم المشـترك بشـكل دائم، ويتم تكرارها وتأكيدها كلما سنحت الفرصة لذلك. إنّ الطرفين يرغبان في تدعيم قوّتهم مقابل الولايات المتّحدة الأميركية، سواءٌ من القيادة الروسية التي تعرف أنها في موقف أضعف مما كان عليه الاتحاد السوفياتي، أو من قبل القيادة الصينية التي ترى أنّها مؤهّلة لأن تكون القوّة العظمى في ما بعد. إنّ كلا الطرفين قلقٌ جدًا من مسألة عدم الاستقرار ومستعدٌ للجوء إلى إجراءات سلطوية في الداخل والخارج من أجل تثبيت سلطتهم. فعلى الصعيد الداخلي، يواجه الطرفان مشكلة في التعامل مع الأقليات. أما على الصعيد الخارجي، فكلا الطرفين يرفض التدخّل الخارجي في آسيا الوسطى ويخشى من سقوط هذه المنطقة في النفوذ الغربي. إنّ كلا الطرفين يرفض المظلّة الدفاعية الصاروخية الأميركية ويخشى من انتشار أسلحة الدمار الشامل ومن استخدامها ضدّهم سواءٌ عبر دول أخرى أو جماعات.

1- التعاون الاقتصادي

إن أهمية التعاون الاقتصادي بين روسيا والصين لا تكمن في حجم التبادل التجاري بينهما، أو في ضرورة التلازم العضوي والحاجة التكاملية في البنى الاقتصادية لكليهما، بل في رغبة البلدين وسعيهما لإصلاح النظام النقدي العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة. إنّ سيادة الدولار الأميركي في التحويلات المصرفية العالمية، وإشراف “مقاصة نيويورك” عليها، وقدرة الولايات المتحدة بقوة نفوذها وهيمنتها، على تحويل العجز في ميزان مدفوعاتها إلى عجز الخزينة لحماية عملتها ومنع انهيارها، وعدم التوازن بين “الاقتصاد الرقمي” “والاقتصاد الحقيقي” على المستوى العالمي وغياب ضوابـط لهيكلة هذا التوازن، كل ذلك جعل الحاجة ماسة في نظر روسيا والصين إلى خلق مؤسسات رديفة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتغيير الأنماط القديمة في ممارسة السياسة المالية العالمية. وفي تحقيق ذلك جرى الاعتماد على مجموعـة “البريكس” لمؤازرة الجهود الروسية-الصينية، وعلى بعض الدول الناشئة التي تتمتّع بإمكانات اقتصادية كبيرة كإيران.

وكإسقاط أولي لهذا المخطّط على أرض الواقع، جرى التعامل باليوان الصيني والروبل الروسي في أسواق المصارف ومؤسسات الصيرفة، لتسوية المبادلات في التجارة الثنائية بعد تثبيت سعر الصرف على أسس سليمة. وفيما تواصل احتياجات الصين من الطاقة نموها السريع، وزيادة انفتاح شهية روسيا على البضائع المصنّعة، ورغبتها في تلبية حاجات أسواق التجزئة، فإن تخطّي الدولار الأميركي سيفيد في ازدهار التجارة الثنائية، حيث أن التسوية بالعملات المحلية ستحقّق الإفادة الفورية للشركات والمؤسسات الاقتصادية في البلدين، وتجنّب الخسائر في تقلّبات سعر الصرف، وتحقّق انخفاضًا في الكلفة التجارية بما يعزّز النمو في الحجم والسرعة. إن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها روسيا والصين تصبّ في خانة فتح قنوات جديدة لتجنّب خفض قيمة الأصول نتيجة المخاطر الخارجية، حيث أنّ نمط التسوية النقدية الدولية الذي يسيطر عليه الدولار الأميركي كشف عن عيوب ومشاكل وخسائر خلال الأزمة العالمية في العام [5]2008.

2- التعاون العسكري

تجري الصين وروسيا تدريبات عسكرية مشتركة منذ العام 2005 في إطار منظمة شنغهاي للتعاون والتي تدعو إلى تعزيز التعاون الإقليمي، وتستهدف مواجهة النفوذ الأميركي، وهي أول مناورات بحرية عسكرية مشتركة بين البلدين[6].

في شهر آذار/مارس من العام 1996، أجرت الصين مناورات عسكرية ضخمة بالذخيرة الحيّة في مضيق تايوان، إشتركت فيها قوة بحرية مؤلّفة من 40 سفينة وعدد من الغواصات، ساندتها قوة جوية تتألّف من عشرين سربًا من الطائرات وقوة إنزال قوامها 150000 جندي. كان الهدف الظاهر من هذه المناورة تمثيل مهاجمة تايوان. وفي تقويم جدّي للخبراء العسكريين، فإن هذه العملية كانت ستبوء بالفشل لو جرت حقيقة، وذلك بسبب قدرة تايوان على التصدّي لمثل هذه المغامرات بتفوّق طيرانها النوعي والشبكة القوية لدفاعها الجوي المؤلفة من منظومات صواريخ متطوّرة ومتعدّدة ضد الأهداف الجوية والصواريخ الباليستية، والقوة الصاروخية لزوارقها البحرية التي يتجاوز عددها المئة، وقدرة قواتها البرية على إحباط أي ابرار معادٍ بقوة برية ضخمة يبلغ مجموعها 30 فرقة عاملة و100 فرقة إحتياط وهي جيدة التجهيز والتدريب.

أدى التعاون الروسي-الصيني إلى إجراء مناورات وهمية مشتركة بالمشبهات الإلكترونية لعملية غزو تايوان باستعمال الأسلحة التكتية النووية، مع الأخذ بعين الاعتبار فرضية تدخّل أميركي مباشر يواجه تدخّل روسي مباشر. هذا ويهدف الإعلان عن هذه المناورات الوهمية إلى إظهار القوة والتبجّح بها، والتلويح باستخدامها في غير موضع ولأهداف أخرى، لأن استراتيجية الصين الحقيقية في استعادة تايوان تعتمد على عامل الزمن والاقتصاد والسياسة والرهان على الديمقراطية، لتجسيد رغبة الشعب التايواني بالانضمام إلى الوطن الأم عندما تصبح الصين القوة الأعظم وينعم شعبها بالرخاء والرفاهية.

كما ظهرت ملامح الاتفاق الاستراتيجي بين روسيا والصين على الصعيد العسكري في تنفيذ مناورات بحرية مشتركة على مدى ستة أيام خلال شهر نيسان/أبريل من العام 2012 [7]. نُظّمت المناورات في البحر الأصفر قبالة إقليم “شاندونغ” شمال شرقي الصين، حيث اشتركت قوة بحرية صينية تتألّف من غواصات وسفن سطح وسفن مساعدة لتأمين اللوجستية والإخلاء الصحي، مع قوة بحرية روسية تتألّف من مجموعة مدمّرات مدعومة بخلفية تكنولوجية عالية. تناولت المناورات تنفيذ المهام الآتية:

– تدريبات مشتركة ضد الأهداف الجوية من طائرات وصواريخ.

– تدريبات تكتية للبحث عن الغواصات المعادية وملاحقتها وتدميرها.

– عمليات بحث وإنقاذ.

– القيام بجميع أوجه الحرب الإلكترونية ولاسيما إحباط الهجمات الإلكترونية المعادية.

– التصدّي لعمليات إرهابية وإنقاذ سفن مختطفة.

يضع المحلّلون الإستراتيجيون هذه المناورات في إطار تحقيق هدف استراتيجي يتلخّص بما يأتي:

– إظهار الدرجة المرتفعة من الثقة بين البلدين.

– تمتين العلاقات بما يهيّئ لتعاون استراتيجي أوسع وأشمل.

– دعم الصين في صراعها مع اليابان والفيليبين وفييتنام حول السيادة على بعض الجزر.

– توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة والحلف الأطلسي حول مخاطر القيام بأي إجراء عسكري ضد كوريا الشمالية بمعزل عن تفاهم مسبق.

– إظهار دعم الصين للموقف الروسي إزاء مخطّط الحلف الأطلسي لإنشاء منظومة الدرع الصاروخي في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.

3- معاهدة الصداقة الروسية-الصينية (2001)

كان للقمة الروسية-الصينية التي عقدت في موسكو العام 2001 أهمية خاصة حيث شهدت توقيع معاهدة “حسن الجوار والصداقة والتعاون بين البلدين”. وتكمن أهمية هذه المعاهدة في كونها تجسّد بشكل صريح تصوّر هاتين القوتين النوويتين لشكل النظام العالمي المنشود بعد انهيارالاتحاد السوفياتي، وانهزام الشيوعية، وتفكّك حلف وارسو، وانفراط عقد أوروبا الشرقية كوحدة سياسية[8]. يمكن تلخيص مضمون هذه المعاهدة وآفاقها على الشكل الآتي:

– محافظة الطرفين على سيادة أراضي كل منهما وأمنها ووحدتها.

– بناء عالم متعدّد الأقطاب حفاظًا على النظام الدولي والاستقرار، لأن سيادة القطب الواحد تعني الهيمنة الأميركية على العالم، واستخدام المعايير المزدوجة، وفرض القرارات وتسييس القوانين والأنظمة وتجاوز الشرعية الدولية.

– لا يمكن بناء الأمن الذاتي الكامل لأي دولة على حساب الانتقاص من أمن الدول الأخرى.

– إن إقامة الدرع الصاروخي الأميركي يلحق الضرر بمسيرة خفض الأسلحة النووية وتدميرها وينتهك معاهدة النظام الدفاعي المضاد للصواريخ الموقّعة بين موسكو وواشنطن في العام 1972.

– توطيد الدور المركزي للأمم المتحدة وعدم استعمال القوة العسكرية في حلّ أي مشكلة خارج قرارات مجلس الأمن الدولي.

– إن التعاون الروسي-الصيني يؤدّي إلى نشوء حقبة دولية متعدّدة الأقطاب، بما يخدم الدول النامية وبصورة خاصة دول الشرق الأوسط، عن طريق منحهم هامشًا من الحراك السياسي وساحة من الحرية ويتيح لهم تنوّع الخيارات بتعدّد مراكز صنع القرار على المسرح الدولي.

4- منظمة شانغهاي للتعاون (SCO)

تضم منظمة “شانغهاي للتعاون” ست دول هي: روسيا، الصين، كازخستان، قيرغيزستان، طاجكستان وأوزبكستان، وهي تجسيد لرؤية روسية-صينية لعالم ما بعد الليبرالية المتطرّفة وردٌّ آسيوي على العولمة بمفهومها الغربي[9].

(Read more)  ما مدى تأثير المجتمع المدني في رسم السياسة العامة الامريكية؟

كان لمكافحة الأصولية الإسلامية حيّزٌ مهمٌ في صلب مهمّات المنظمة حيث وضعت إطارًا قانونيًا للتعاون بين أجهزة المخابرات والأمن من خلال مركز مكافحة الإرهاب في “بشكيك” عاصمة قيرقيزستان، كما وضعت الأساس القانوني للتصدّي المشترك للإرهاب والنزاعات الانفصالية والتطرّف الديني. وتجدر الإشارة إلى أن جمهوريات القوقاز وجمهوريات الفولغا في روسيا الاتحادية، إضافةً إلى إقليم “سينغ يانغ” في الصين قد تحمل رغبات إنفصالية تتعاظم مع الوقت بما يعرّض الأمن القومي في الدولتين للخطر. أما الأنظمة في باقي دول المنظمة فهي تخشى أن يسيطر الإسلام السياسي عليها إذا تركت لذاتها تواجه تنامي الصحوة الإسلامية بالعودة إلى تاريخ الأجداد والحنين إلى زمن الخلافة الإسلامية. حدّد الإعلان عن تأسيس المنظمة الأهداف الرئيسة الآتية:

– تطوير التعاون الفاعل في السياسة والتجارة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والثقافة، وفي شؤون التربية والطاقة والنقل والسياحة وحماية البيئة.

– العمل على توفير السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.

– مواجهة أخطار الإرهاب وحركات الانفصال في بعض أقاليمهما والتطرّف الديني والعرقي.

– تعزيز مركزية منظمة الأمم المتحدة ومشاركتها في العلاقات الدولية، وتفعيل آليات عملها لتتواءم مع مخاطر العصر وتحدّياته، وإصلاح مجلس الأمن من خلال توسيعه.

– إنشاء مصرف مشترك والسعي إلى إصدار عملة موحّدة في ما بينها، على غرار اليورو في الاتحاد الأوروبي.

5– مجموعة دول البريكس(BRICS)

تشكّل مجموعة دول “البريكس” الانطلاقة الأولى لتغيير الأنماط القديمة في ممارسة السياسة المالية العالمية. هذه المجموعة المؤلّفة من البرازيل، روسيا، الهند، الصين وأفريقيا الجنوبية هي أسرع دول العالم نموًا حاليًا وأقلّها تأثّرًا بأزمته، ويعوّل على النموّ في اقتصاديات هذه الدول لخلق الأمل في رفع مستويات النشاط الاقتصادي العالمي بعد الأزمة[10]. إن إنجازات هذه المجموعة تعود بالنفع على نصف سكان العالم، غير أن الإنجاز ذا الأفق العالمي هو قرار إنشاء بنك مشترك للتنمية يعبّىء الموارد المالية بهدف تمويل مشروعات البنى التحتية والتنمية المستدامة في هذه الدول، وكذلك لتقديم التمويل المناسب لغيرها من الدول الناشئة والنامية في العالم. مع العلم إن الاحتياطات النقدية الضخمة للصين والموارد الطبيعية من الغاز والنفط لروسيا هما الركائز الأساسية لإنجاح هذه المجموعة، التي تعتمد على حجم السوق وفرص النمو الاقتصادي الكامن.  فالتوافق الروسي-الصيني اقتصاديًا، وانفتاحه على دول أخرى، جعل النظام الاقتصادي العالمي الحالي يعيش مرحلة انتقالية، بحيث تعيد دول “البريكس” إرساء قواعد هذا النظام العالمي الجديد بعيدًا عن إيقاع اللاعبين التقليديين، الذين أرسوا نظامًا عالميًا غير عادل، ولا يسمح بأي دور يمكن أن تضطلع به قوى صاعدة غيرها.

ثالثًا: المواجهة مع الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط

اعتبرت روسيا أن حاضنة نفوذها الجنوبية المتمثّلة بإيران وسوريا، هي مهدّدة من قبل الغرب عبر إثارة مسائل إنسانية وأمنية قد تفسح في المجال أمام إشعال منطقة الشرق الأوسط وخلط الأوراق الاستراتيجية. لذلك اتسم الحراك الروسي بمؤازرة الصين بالحيوية لمواجهة الولايات المتحدة وإلى درجة استفزاز “الربيع العربي”.

1- أزمة إيران النووية

أ- توصيف الأزمة

تصاعدت أزمة البرنامج النووي الإيراني في أعقاب إعلان طهران فض أختام الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن منشآتها النووية، واستئناف عمليات تخصيب اليورانيوم غير مبالية بتهديدات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. لا شك أن إيران تحظى بتعاطف كبير بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن استنادًا إلى عدم وجود دليل ملموس على امتلاكها برنامج تسلّح نووي، فضلاً عن تأكيداتها المستمرة بأن برنامجها مخصّص للأغراض السلمية. ومع ذلك فإن العديد من المسؤولين في الإدارة الأميركية يرى ضرورة التعجيل بحسم الملف النووي الإيراني باعتباره يشكّل تهديدًا للأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، وأن إقدام إيران على تخصيب اليورانيوم وإكمال دورة الوقود النووي يجعلها على قاب قوسين أو أدنى من إنتاج السلاح النووي. فقد أصدر مجلس الأمن أربع حزمات من العقوبات من دون أن يؤثّر ذلك في القرار الإيراني، نظرًا لجهود روسيا والصين في تليينها بشكل يمكن التحايل عليها والإفلات من شدتها. هذا وقد هدّدت إيران بالردود الحاسمة إذا تجاوزت هذه العقوبات حدودًا معيّنة، أو إذا تعرّضت في موازاة ذلك لضربة عسكرية.

ب- سيناريو الضربة العسكرية الأميركية

شكلت لجنة خاصة في البنتاغون بهدف التخطيط لشن هجوم على إيران خلال 24 ساعة من تلقي الأوامر من الرئيس الأميركي. يتضمّن سيناريو الضربة العسكرية على إيران الذي سُرّب إلى الإعلام الأميركي التفاصيل الآتية:

– ضرب المنشآت النووية، مراكز القيادة والسيطرة، والمطارات وقواعد الدفاع الجوي، وحدات الصواريخ أرض-أرض (شهاب3)، ووحدات الحرس الثوري والقواعد البحرية ومراكز الصناعة العسكرية داخل إيران.

– استعمال ذخائر للأعماق يليها توجيه قنابل نووية تكتية بقوة تعادل ألف طن من المتفجّرات في كل قنبلة.

– تخصيص 600 طائرة مقاتلة مع قاذفات استراتيجية بعيدة المدى من نوع B52،B2،B1 .

– تنفيذ هطلات متلاحقة بصواريخ توما-هوك.

ج- التهديدات الإيرانية

في المقابل، صدرت عن المسؤولين الإيرانيين جملة تهديدات بالاقتصاص من الدول الخليجية إن حاولت زيادة صادراتها من النفط من أجل تعويض النقص الذي يمكن أن تتسبّب به مقاطعة النفط الإيراني، لذلك تعتبر زيارة الرئيس الإيراني لجزيرة “أبو موسى” رسالة مبطنة في هذا الشأن. أما إذا تعرّضت أراضيها لأي هجوم فإن إيران تعهّدت بمحو إسرائيل عن الخريطة، وإشعال المنطقة ومعها آبار النفط ومنشآتها، إضافة إلى ضرب القوات الأميركية مباشرة المرابطة في منطقة الخليج وتركيا وذلك بعد إغلاق مضيق هرمز وزرعه بالألغام البحرية وإغراق كل سفينة تحاول العبور من خلاله. وتتخوّف بعض المصادر الاستخباراتية من أن تكون إيران قد أعدّت مجموعات إرهابية إنتحارية نائمة لتفعيلها في أميركا وأوروبا على نطاق غير معروف سابقًا.

د- إيران والأمن القومي الروسي

تضطلع إيران بدور مهم على صعيد تأمين توازن إقليمي يؤمّن الحماية من تغييرات ديناميكية عقائدية تؤثّر جوهريًا في أمن روسيا المستقبلي. فهي تخشى من دور لتركيا حزب العدالة والتنمية في جمهوريات القوقاز الروسية  التي تعتبرها منطقة حيوية داخل دائرة تأثيرها، وأن وضعها كان أفضل تحت الحكم العثماني. فبعد إنحلال الاتحاد السوفياتي بدأت تركيا تعمل في جمهوريات آسيا الوسطى بتشجيع من الولايات المتحدة لإضعاف النفوذ الروسي وتشجيع فكرة الأمبراطورية الطورانية الإسلامية. وإذ ترتاب موسكو في أن تركيا تؤمّن الملاذ للإرهاب الشيشاني، وتشكّل قاعدة انطلاق للإسلام المتطرّف إلى داخل حدودها، فهي ترى في إيران الموحّدة والقوية ضرورة للأمن القومي الروسي حيث تمارس لعبة التعادل الجيوسياسي في المسرح الإقليمي، والمنافسة في أممية الإسلام السياسي، وحماية المذهبية والانشقاق العقائدي بتبني سياسات معارضة للغرب ومعادية لإسرائيل.

هـ – التوافق الروسي-الصيني ومواجهة الولايات المتحدة

صرّح الرئيس الروسي “بوتين”: إن روسيا والصين سوف تعملان بانسجام وتوافق للتأثير في سياسة الولايات المتحدة. وقد اقتنعت روسيا والصين بضرورة مواجهة الولايات المتحدة في أزمة إيران النووية لإبعاد شبح الحرب والحفاظ على السلم العالمي، عن طريق[11]:

– استعمال حق النقض في مجلس الأمن لمنع استخدام القوة.

– التمسك بالنهج التفاوضي مع نظام طهران.

– عرقلة الجهود الأميركية الرامية إلى حشد الإجماع والتأييد الدولي من أجل تشديد العقوبات على إيران.

– فك عزلة إيران.

– رفض الحظر الشامل على البرنامج النووي الإيراني.

– تحفيز النظام الإيراني للإعراض عن السلاح النووي.

– إقناع واشنطن باتباع “سياسة الطمأنة” حيال طهران، حيث تتعهّد بعدم مهاجمتها وتغيير نظامها بالقوة، وتعلن قبولها بامتلاك إيران لتكنولوجيا نووية سلمية.

2- أزمة سوريا الداخلية

أ- توصيف الأزمة

إنعكس “الربيع العربي” في سوريا على خروج الشباب إلى الشارع والمطالبة عبر مظاهرات سلمية بتحقيق إصلاحات بنيوية في النظام، حيث ردّت السلطة أن الاحتجاجات هي أصداء لمؤامرة خارجية تقوم بها عصابات إرهابية ومجموعات سلفية، ووعدت بتنفيذ بعض الإصلاحات السياسية بعد القضاء على الفتنة. تطوّرت المواجهات إلى دعوة صريحة لإسقاط النظام بعد سقوط آلاف القتلى واعتقال آلاف المعارضين واستخدام القوة المفرطة في قمع الاحتجاجات. لم تنجح مبادرة الجامعة العربية ومبادرة مبعوث الأمم المتحدة “كوفي أنان” في خلق مناخ من الثقة ووضع أطر سلمية لحل الأزمة يرضى بها كل من النظام والمعارضة، ولاسيما بعد الموقف الروسي-الصيني في مجلس الأمن والمعارض لمواقف الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.

ب- الموقف الروسي-الصيني المشترك في مجلس الأمن

شكّلت الأزمة السورية “نقطة اشتباك” في زمن التحوّل الإستراتيجي في العالم العربي، حيث امتزج التنافس الدبلوماسي بين أطراف دولية وإقليمية بعراك عضوي واشتباك داخلي على الساحة السورية. وكان الموقف الروسي-الصيني  المشترك في استخدام حقّ النقض ضد أي قرار يُدين سوريا، محاولة استعراضية لتجسيد التنسيق السياسي بين الدولتين على المسرح الدولي، وإظهار القدرة على مقاومة الضغوط، وتغيير الصورة الباهتة للسياسة الروسية بعد انحلال الاتحاد السوفياتي. وقد اعتمد التوافق الروسي- الصيني في تبريره لموقفه الصريح المسوّغات الآتية[12]:

– تكريس مبدأ السيادة وعدم القبول بالتدخّل الخارجي في الشأن الداخلي لأي دولة من الدول، ورفض تغيير النظم السياسية أو الحكام بالقوة العسكرية وعبر التدخّل الخارجي.

– ضرورة اعتماد التسويات السياسية السلمية لصراعات المناطق الاستراتيجية، وتأكيد ثبات هذا المبدأ في شبكة التفاعلات الدولية.

– لا يجوز تجاوز حدود التفويض الذي يمنحه مجلس الأمن الدولي كما جرى في النموذج الليبي.

– عدم تفسير مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل انتقائي واستنسابي واستعمالها كورقة سياسية لتنفيذ أغراض أخرى.

– وقف تكتيك التدرّج في قرارات مجلس الأمن حيث يبدأ بالإدانة وينتهي بالتدخّل العسكري.

ج- خلفية الموقف الروسي

تتجلى خصوصية الموقف الروسي، والذي يتصف بالحيوية والديناميكية، في إبداء روسيا رفضها لمحاولة الولايات المتحدة محاصرتها وتطويقها في حاضنة نفوذها الجنوبية المتمثّلة بإيران وسوريا. ومع تسارع الأحداث، تطوّر الموقف الروسي إلى مزيد من التشدّد في دعم النظام السوري، وذلك عن طريق إمداده بالأسلحة والذخائر، وإرسال القطع البحرية إلى قاعدة طرطوس، والانحياز السياسي الواضح، حيث لخّص وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” رؤيته للأزمة السورية على الشكل الآتي، “إن ما يحدث في سوريا هو شأن داخلي ويتمثّل في رغبة العصابات الإرهابية المسلّحة في استلام الحكم على أساس طائفي، وإقامة حكم ديني، وبالتالي يحقّ للنظام أن ينجز الحل الأمني بالتوازي مع الإصلاحات”.

(Read more)  أفريقيا الصاعدة : الفرص والتحديات - دراسة في إقتصاديات الدول الأفريقية الأسرع نمواً

د- خلفية الموقف الصيني

حيث أن سوريا لا تشكّل منطقة جذب اقتصادي حيوي للصين، فإنه يمكن تفسير الموقف الصيني على أنه مناكفة للولايات المتحدة لاعتمادها “هندسة جيوسياسية” في آسيا تقضي بإجراء تحوّل في الاستراتيجية الأميركية تجاه منطقة المحيط الهادئ الآسيوية، ومراجعة دفاعية تقوم على تركيز القوات الأميركية في آسيا والمحيط الهادئ.

هـ – الموقف الاميركي

ظهر الموقف الأميركي واضحًا في تصريحات رئيس الولايات المتحدة والوزيرة هيلاري كلينتون اللذين أدانا النظام السوري لارتكابه “المجازر” ضد شعبه، وإسقاط شرعيته، وطالبا بتنحي الرئيس الأسد، كما اتّخذا إجراءات تقضي بتجميد أرصدة أركانه في أميركا وأوروبا، وفرض حزمة من العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية، إضافةً إلى تقديم مساعدات ميدانية وعسكرية “غير قاتلة” للمعارضة السورية “والجيش السوري الحر”.

و- الانزلاق إلى الحرب الأهلية

تعتبر المعارضة السورية أن موافقة النظام على الانخراط في العملية الأممية (خطة كوفي أنان) قد جاءت بعد التحفيز الروسي، وهي ذات طابع تكتيكي حيث يؤمّن الهامش الزمني المتاح فرصة كافية لمواجهة الثورة وهضم البنية الدولية المناوئة، وإعادة هندسة مسرح الحدث الداخلي عبر مزيد من القتل والاعتقال لناشطي الثورة ومحرّكيها، وإخراج المدن الثائرة من المعادلة ووقف الانشقاقات داخل الجيش النظامي، التي باتت خطورتها تكمن في عدم معرفة النظام لإمكان تطوّرها، والأشكال التي من الممكن أن تظهر بها. لذلك يبقى الانزلاق إلى الحرب الأهلية هو الخيار المفتوح للمشاركة الإقليمية في الصراع، واستخدام الإمكانات المتاحة لتحقيق الغلبة مهما كانت النتائج المأسوية على الشعب السوري.

الخلاصة العامّة

يتفق كثير من المحللين على أن التوافق الروسي-الصيني هو “توافق الضرورة”، وتمليه الحاجة إلى خلق نظرة جديدة إلى العالم من أجل فهم مصالح كل دولة في ظل خلفية العولمة، وبهدف تحقيق السلام في العالم مستقبلاً. إذ تمكّنت روسيا من إنجاح إستراتيجية النهوض بعد عشر سنوات من المعاناة بحثًا عن هوية جديدة في غياب أيديولوجية الاتحاد السوفياتي المنحلّ، وانهيار ركائزه الاقتصادية وهياكله السياسية، فقد سعت وبثقة تامة إلى التوافق مع الصين الصاعدة بقوة، لإنشاء تعدّدية قطبية على مستوى القرار الدولي وخدمة المصالح الحيوية المشتركة. وقد أدّى هذا التوافق إلى تعزيز القوة العسكرية للصين بما يلائم مكانتها الاقتصادية، حيث رفعت روسيا القيود عن بيع التكنولوجيا المتقدّمة للأسلحة الحديثة، وزوّدت الصين كمية ضخمة من الاعتدة والطائرات والسفن والغواصات، كما أقامت مراكز مشتركة للبحث والتطوير والتعاون في المجال النووي.

جرى تأطير هذا التوافق بمعاهدة الصداقة الروسية-الصينية، حيث حدّدت الأهداف والآليات لتحقيقها. وجاءت التكتلات والأحلاف الإضافية لمجموعة دول “شنغهاي” ومجموعة دول “البريكس” لترسّخ الارتباط الوثيق بين روسيا والصين، ولإعطائه قيمة مضافة بانضمام قوى ضخمة ذات حيوية لتحقيق الأهداف نفسها. ويمكن تلخيص هذه الأهداف المشتركة كما يأتي:

– الإفلات من سيطرة الدولار الأميركي ودوره كعملة عالمية في التجارة الدولية.

– خلق توازن في الاقتصاد العالمي متحرّر من تجاذبات البورصات الدولية والمضاربة على المقوّمات الأساسية لاقتصاد بعض الدول من مواد أولية وخدمات مختلفة.

– خلق مؤسسات رديفة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي تعنى بالتنمية المستدامة في دول العالم الثالث، وتحمي مصالح الدول الصاعدة ونموّها عبر استقرار سعر الصرف بين عملاتها.

– حماية قيمة الأصول المحلية من المخاطر الخارجية التي يسبّبها النظام المالي العالمي الخاضع لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية.

– مواجهة أخطار الإرهاب والتطرّف الديني والعرقي.

– إصلاح بنية مجلس الأمن الدولي وإعطاؤه حصرية معالجة النزاعات المسلّحة في العالم ورفض تفرّد الأحلاف العسكرية بالتصرّف من خارج قراراته وآلياته المعتمدة.

وحيث أن الدولتين (روسيا والصين) هما عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، ويملكان حق النقض في القرارات الدولية،  فقد مارستا هذا الحق في الأزمة السورية الداخلية، كما استخدمتا نفوذهما للتخفيف من وطأة العقوبات الإقتصادية على إيران. إعتمد التوافق الروسي-الصيني لتبرير استعمال حق النقض في مجلس الأمن المسوّغات الآتية:

– ضرورة احترام سيادة الدول ورفض التدخّل الخارجي في الشأن الداخلي لأي دولة تحت ذرائع مختلفة، وتغيير نظامها قسريًا واستبدال حاكمها بالقوة.

– ضرورة التشاور المسبق لاعتماد تسوية سياسية مقبولة تحمي المصالح الإستراتيجية، التاريخية في شبكة التفاعلات الدولية المتحوّلة.

– التخوّف من التطرّف الإسلامي واستلامه السلطة، وإعطاء النموذج للتماثل به في كل من روسيا والصين.

– ضرورة التوافق على المعايير المحدّدة للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ضمن وعي أخلاقي عالمي غير مسيّس.

– رفض استخدام المعايير المزدوجة والاستنسابية في السياسة الدولية، بما يضر بمصالح الدول الأخرى.

أما بالنسبة لإيران، فإن التوافق الروسي – الصيني يتخوّف في حال اعتماد الحل العسكري من الأمور الآتية:

– ضبابية ما ستؤول إليه الأوضاع إذا استبعد الحل التفاوضي.

– الأخطار الكبيرة على الاقتصاد العالمي.

– جدية التهديدات الإيرانية.

– الكوارث البيئية المتفاعلة في منطقة الشرق الأوسط.

– الخسائر البشرية الكبيرة.

– الضرر الكبير لحاضنة النفوذ الروسي الجنوبية.

– عدم القدرة على خلق تصوّر يحتوي التداعيات.

لقد أدّى التوافق الروسي-الصيني وبممارسته النفوذ السياسي والجهود الدبلوماسية إلى استبعاد تدخّل عسكري خارجي من قبل “الناتو” في سوريا، وإلى إعادة إحياء النهج التفاوضي مع إيران من قبل الدول الست (أعضاء مجلس الأمن + ألمانيا).

الخاتمة

إن العالم اليوم، وبعد سلسلة من الإخفاقات الأميركية، السياسية والعسكرية، في أفغانستان والعراق، والأزمة الاقتصادية العالمية والانكماش والركود في الولايات المتحدة وأوروبا، بدأ يفتّش عن بدائل ووسائل جديدة لقيادة العالم بطريقة أكثر استقرارًا وأمنًا، وأقل تفرّدًا وهيمنة أحادية. لذلك وجد بعض الدول الكبرى أنه من الممكن الصعود إلى المسرح العالمي من بابه الواسع، ومشاركة الولايات المتحدة لإعادة إيقاف العالم على ركائز صلبة فيصبح أكثر توازنًا واستقرارًا.

لقد عمد اليمين المحافظ عند تسلّمه الحكم في الولايات المتحدة إلى استسهال استعمال القوة العسكرية من دون استشراف النتائج والتداعيات لاحتوائها، على أساس أن تفعيل “الفوضى الخلاقة” من شأنه تصحيح الأخطاء التاريخية، وإزالة الاستبداد الموروث، وذلك وفق مفاهيم إستنسابية تتعلّق بالخير والشر، وفي إطار من “الغموض الإيجابي” للمناورة في هامش عريض من دون رقيب أو حسيب. لقد أعطت الولايات المتحدة لنفسها امتياز الاستعلاء والاستكبار في التعامل مع بقية الدول على أساس أنها القطب الأوحد المؤثّر في العالم.

لذلك أقدمت الدول الكبرى، وتلك الصاعدة بقوة في المجال الاقتصادي على تشكيل تكتلات وأهداف إقليمية بوجه الهيمنة الأميركية، واستئثارها بالنظام المالي العالمي، فكانت “دول شنغهاي” “ودول البريكس”، حيث شكّل التوافق الروسي-الصيني العصب الفعال لمواجهة الولايات المتحدة في التنافس الاقتصادي والبنيان العسكري والنفوذ على مصادر الطاقة، والتأثير في السياسات الدولية من خلال مجلس الأمن للحفاظ على حقوق الدول وسيادتها وعدم استغلال مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كذريعة للاعتداء وفرض التغيير القسري.

كانت أزمة إيران النووية والأزمة السورية الداخلية في منطقة الشرق الأوسط هما الميدان الجديد لاختبار فعالية المواجهة بين التوافق الروسي-الصيني من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. إن تشعّب المعطيات في هاتين الأزمتين من حيث الأهمية الجيوسياسية والثروة النفطية وسيادة الطائفية والاختلاف المذهبي وتداخل مصالح الدول، كل ذلك جعل الحسم أكثر بعدًا، وفرض النهج التفاوضي لفترة زمنية اختبارية. لقد سعت روسيا، ومن ورائها الصين، إلى تشجيع النهج التفاوضي بين الدول الست وإيران، و تسويق تقويمها لبرنامج التخصيب ومنحه الصدقية نظرًا لمشاركة روسيا في البرنامج النووي الإيراني وهي على تماس مباشر مع الملابسات المحيطة به، وليس لديها مصلحة في حيازة إيران للسلاح النووي. إن الأخطار والكوارث المحتملة لأي عمل عسكري ضد إيران تحفز الإصرار الروسي على عدم استنفاذ الوسائل السياسية، وضرورة احترام الكبرياء الإيراني وعدم استفزازه للإيقاع به.

يتشارك بعض المحلّلين الإستراتيجيين في إمكان التدخّل العسكري الخارجي في سوريا، على الرغم من الرفض الشكلي له من قبل الدول العربية وحلف الناتو، حيث يعتبرون أنّ مثل هذا التدخّل قد يخدم النظام السوري ويعرّض المنطقة بأكملها للخطر، ولاسيما وزير الخارجية الروسي الذي كان قد صرّح بأن إعادة بناء النظام العالمي الجديد يبدأ من سوريا، وفي ذلك تهديد مبطّن بإمكان تورّط روسي فعّال عن طريق اشتراك آلاف الخبراء الروس الموجودين حاليًا في سوريا في تشغيل المنظومات الدفاعية المعقّدة.

إن الاعتقاد السائد حاليًا هو أن الولايات المتحدة قد ترسل هطلات من صواريخ توما-هوك لضرب مقرات القيادة والسيطرة في جيش النظام في حالتين إثنتين: إذا شنّ النظام السوري حربًا على إسرائيل أو إذا استخدم الأسلحة الكيميائية ضد شعبه على نطاق واسع، وفي ما عدا ذلك فإن وزير الدفاع الأميركي يبدو مطمئنًا أمام الكونغرس إلى عدم قدرة النظام السوري على التغلّب على الثورة، استنادًا إلى معطيات موثوقة وسياسة “المعالجة الصامتة” التي تتبعها تركيا في الوقت الحاضر، والتي تعتمد على “الصبر” وعدم حرق المراحل ودعم الجيش السوري الحر.

في نهاية المطاف، يبقى سقف المواجهة بين التوافق الروسي-الصيني والولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ضمن حدود التجاذب السياسي، مع استحالة التصادم العسكري للأسباب الآتية:

– اتساع المسرح العالمي وإمكان التعويض في مسارح إقليمية أخرى.

– استعداد دول الخليج لدفع جوائز ترضية.

– إمكان استمرار تأمين المحافظة على “أمن الطاقة” في العالم.

– غياب الرابط العقائدي والثقافي في التوافق الروسي-الصيني.

– التباين في المصالح بين كلّ من روسيا والصين مع الغرب، حيث يبلغ التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة عشرة أضعاف مثيله مع روسيا.

– استعداد الصين للتراجع عن التشدّد، وإعلانها أنها ليست على خلاف مع الغرب وترتاح إلى التعاون معه، وهي تفضّل النمو الاقتصادي على الاتجاهات الأيديولوجية والقومية والوطنية.

– التقارب الأميركي-الصيني، والتعاون في مجال مكافحة التهديدات الإلكترونية، والتخطيط لمناورات بحرية مشتركة لمحاربة القرصنة.

وأخيرًا يفرض التساؤل نفسه: هل نحن على موعد مع حلّ سلمي في الشرق الأوسط، أم إننا سنشهد حربًا إقليمية واسعة تعيد صياغة نظم المنطقة؟

إعداد: العقيد جرجس الملحم

 

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

المقالات: 12903

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.