مقدمة

تعد تونس من أكثر بلدان الربيع العربي استقراراً بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 إلى الآن، وهذا الاستقرار النسبي سمح لها بالدخول في ديناميكية جديدة، وساعدها في العملية الانتقالية، وبقدر ما كانت التعددية الحزبية في البلد تعاني من الاختناق الكبير قبل الثورة، فقد تبدلت المعطيات جذرياً، ومعها تغيرت الساحة السياسية، وفُكت القيود عن التعددية الحزبية، وسُمح بميلاد الأحزاب الجديدة وتطوير التنظيمات المناضلة، وبهذا انفجر المكبوت السياسي، وظهرت على الساحة أعداد كثيرة من الأحزاب، إضافة إلى ما حصل من إصلاحات دستورية أسهمت في بناء النظام السياسي الجديد، وترسيخ حرية الرأي والتعبير، وانتظام العمليات الانتخابية؛ الرئاسية والبرلمانية والبلدية، التي أسهمت هي الأخرى في استمرار تأسيس الأحزاب السياسية استعداداً لخوض العملية الانتخابية، كما أن الخلافات داخل الأحزاب يتسبب بعضها في تأسيس كيانات حزبية جديدة، من جراء الانشقاقات المتكررة التي أضحت إحدى إشكالات العملية الحزبية.

سمحت الثورة، والإصلاحات التي تلتها، للمكونات السياسية المنفية خارج البلاد من مختلف المشارب الفكرية، أو تلك المحاصرة داخلها، بالظهور والتعبير عن نفسها، انطلاقاً من مظلاتها السياسية المتعددة، وقد حرصت هذه التيارات على التشكل السياسي والظهور العلني، والتعبير عن خلفياتها الفكرية وبرامجها السياسية، إلا أن كل تيار من هذه التيارات ليس ممثلاً بوجه سياسي واحد، وقد تتغير المعادلة الحزبية عند بعضهم بين حين وآخر، فضلاً عن النزوح السياسي الذي تلجأ إليه بعض الرموز بسبب الخلافات المتكررة.

برهنت تونس بعد الثورة أنها أرض خصبة لنمو الأحزاب، وقد أسهمت العملية الحزبية نوعاً ما في ترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، وحملت نسبياً هموم المجتمع وتطلعاته والدفاع عن مصالح المواطنين وحقوقهم العامة والخاصة، سواء تلك الأحزاب التي شاركت في الحكم وأسهمت في صناعة القرار، أو أحزاب المعارضة التي تُعَدُّ مراقبة لأداء الأحزاب الحاكمة ومحاسبة لها، وبقدر ما نشطت الأحزاب التونسية في شق طريقها نحو المواطن التونسي، فإن كثيراً منها لا يزال يعاني من اختلالات متعددة.

تتناول هذه الدراسة أبرز التيارات الفكرية والمذهبية في تونس، وخاصة تلك التيارات السياسية الفاعلة وذات الحضور البرلماني من بعد الثورة إلى الآن، ومن باب مقاربة تلك المكونات وإعادة نظمها حسب الفكرة الأكثر قرباً عملت الدراسة على تقسيمها حسب التيارات العريضة، وهذه العملية في التقسيم، وخصوصاً التيارات السياسية، قد تكون سابقة نوعاً ما لعملية التموضع الحزبي في فترات الانتقال الديمقراطي التي يكون للمجال السياسي فيها منطقه الخاص المختلف عن سياقات التحرر الوطني أو سياقات مقاومة الاستبداد، ومن أهم منجزات الانتقال الديمقراطي هو السماح ببناء مجال سياسي جديد، غير المجال السياسي المتشكل في الأوضاع السابقة القائم على تقسيم الساحة الحزبية إلى تيارات أيديولوجية وعائلات فكرية، وقد تحتاج العملية الحزبية في المستقبل إلى ضمها إلى شبكة قراءة جديدة ومركبة تعتمد نوعية الخيار الحزبي أو الوضع السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي.

هذا التقسيم لا يعني بالضرورة تلك الحدية التي تمثلها دلالات هذه المصطلحات، وخصوصاً عند التيارات السياسية، فالعامل الأيديولوجي يحضر ويغيب حسب الاستدعاءات المختلفة، مع ملاحظة أن بعض الشخصيات في هذه الأحزاب عابرة للأيديولوجيا، وبعضها قد يحمل أيديولوجيا أخرى غير تلك التي يتبناها حزبه، إضافة إلى أن العامل الأيديولوجي قد يكون حاضراً في الصفوف القيادية الأولى للأحزاب أكثر منه في حواضنها الانتخابية وشرائحها المتعددة.

إلى جانب هذه التيارات المختلفة هناك فاعلون سياسيون محليون خارج بيئة العمل الحزبي، من النقابات والاتحادات، وقد كان من خصائص الحركة النقابية التونسية في مراحل التشكل الأولى الربط بين العمل النقابي والوطني في آن واحد، ولهذا برزت مؤسسات نقابية مهتمة بالشأن العام كالاتحاد العام التونسي للشغل، الذي قام بأدوار سياسية مختلفة قبل الثورة وبعدها، تتمثل في توجيه الأحداث وجمع الفرقاء والمشاركة المباشرة في بعض الملفات السياسية، مستفيداً من خبراته الطويلة، وشبكة علاقاته الواسعة داخلياً وخارجياً، ووجوده في القطاعات المختلفة المدنية والإعلامية، ويرى الاتحاد نفسه أكبر ربما من الأحزاب القائمة، بل إن كثيراً من القيادات السياسية خرجت من رحم الاتحاد. ولما كان الاتحاد ليس حزباً سياسياً بالمعنى القانوني فإنه يخرج عن نطاق الدراسة، وكذلك بقية المكونات النقابية ومجموعات المصالح ورجال الأعمال، الذين يؤدون أدواراً سياسية مختلفة، قد تفوق في بعض الأحيان أدوار كثير من الأحزاب؛ لكنها لن تكون محوراً في الدراسة للسبب ذاته.

تحميل الدراسة