محمد عبدالرحمن عريف

   بعد فترة زمنية قليلة من نجاح الحركة الانقلابية لتنظيم الضباط العراقيين أو “الأحرار” في الإطاحة بنظام الحكم الملكي وتحويل نظام الحكم في العراق إلى النظام الجمهوري في عام 1958، بدأت بوادر الخلافات بين الأحزاب والقوى السياسية والضباط الوطنيين أو “الأحرار”، حيث كانت القوى القومية بزعامة العقيد عبد السلام عارف وحزب البعث تنادي بالوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة. في المقابل، وفي محاولة لخلق حالة من التوازن السياسي، حاول الحزب الشيوعي العراقي الذي كان معارضًا لفكرة الوحدة إلى طرح فكرة التعاون مع الجمهورية العربية المتحدة في المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية بدلًا من الوحدة السياسية والعسكرية الشاملة.

   تدريجيًا ساءت علاقات عبد الكريم قاسم مع بعض زملائه من أعضاء تنظيم الضباط الوطنيين أو الأحرار ثم تعكرت علاقته مع التيارات الوحدوية والقومية التي لعبت دورًا فاعلًا في دعم حركة سنة 1958. أما التيارات المتصارعة في الحزب الشيوعي العراقي فكانت طامحة للتحالف مع العميد عبد الكريم قاسم والتي كانت تمتد علاقتها معه منذ أمد بعيد حيث اعتقد قاسم أن بعض حلفائه الشيوعيين أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الوثوب إلى الحكم، وخاصة بعد تزايد نفوذ الحزب الشيوعي بعد ذلك الشعار التي كان يردده الكثير من الشيوعيين ومؤيدي الحكومة في إحدى المسيرات: “عاش الزعيم عبد الكريم، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم” وجعلته يصمم منذ ذلك اليوم على تحجيم التيار الشيوعي المتحفز لقلب نظام الحكم وتقليم أظافره فقام بسحب السلاح من ميليشيا الحزب واعتقال معظم قادتها إلا أنه أبقى على التيار الموالي له وكان من قياداته العميد الطيار جلال الدين الأوقاتي قائد القوة الجوية والمقدم فاضل عباس المهداوي ابن خالة قاسم. وتوالت التغييرات السياسية في العراق في تلك المرحلة الحرجة بسرعة بالغة وانتهى حكم عبد الكريم قاسم في 8 فبراير/ شباط من سنة 1963 بإعدامه من خلال محكمة صورية عاجلة في دار الإذاعة في بغداد وسارع قادة الحركة إلى عرض جثته على شاشة التلفزيون في نفس اليوم.

نح وضع الحقائق على وفق تفسير المصطلحات أكاديميًا ومعجميًا.

  هنالك تعريفان ومفهومان للثورة، التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية، وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال الذين أسموهم البروليتاريا. أما التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثةً فهو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته “كالقوات المسلحة” أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية. والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم.

  أما الانقلاب العسكري فهو تحرك أحد العسكريين للاستيلاء على السلطة لتحقيق طموحات وأطماع ذاتية بغية الاستفادة المادية من كرسي الحكم. تداخلت مجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية وهيأت الظروف المناسبة للإطاحة برئيس الوزراء العميد عبد الكريم قاسم وأركان حكمه، فيرى بعض المؤرخين أن من أسبابها ما وصفوه بتخبط وفردية قاسم والأخطاء التي ارتكبها بإعدام القادة والوطنيين وأعمال العنف التي قامت بها المليشيات الشيوعية المتحالفة مع قاسم، والخلاف مع المشير عبد السلام عارف الذي كان قيد الإقامة الجبرية، علاوةً على تصرحات قاسم المتكررة عن دعمه للعميد السوري عبد الكريم النحلاوي وللعقيد موفق عصاصة، بغية القيام بانقلاب لغرض انفصال الشطر السوري الذي كان متوحداً مع مصر في إطار الجمهورية العربية المتحدة.

  كما أن لعبة السياسة الدولية ومصالحها كان لها دور في تشجيع أو تأييد الخصوم أو جني ثمار نزاعات الأطراف المتصارعة، حيث رأت الدول الكبرى وإسرائيل أن تصرفات عبد الكريم قاسم لا تخدم إستراتيجياتها في المنطقة التي كانت تحاول إحكام الطوق على الاتحاد السوفيتي ومنظومة حلف وارسو بعدد من الدول المؤيدة لسياساتها، فكان قاسم يطمح للتقرب من الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو حبا بالتجربة الاشتراكية وعقد معاهدة دفاع إستراتيجي مشترك معه مما سيسبب وفقا للإستراتيجية الأميركية والعالم الغربي بتقرب الاتحاد السوفيتي مما اصطلح عليه “بالتقرب من المياه الدافئة” أي مياه الخليج العربي الغني بالثروة والتقرب من الشرق الأوسط المثقل بالمشاكل والصراعات التي خلفتها دول الاستعمار القديم، فرنسا وبريطانيا، وما تسببت به من كارثتين في المنطقة أولهما شطر الولايات العثمانية العربية إلى دول مستقلة على وفق معاهدة سايكس – بيكو، والإسهام بتأسيس دولة “إسرائيل في فلسطين” – وبين السيطرة الأميركية المتنامية في الوطن العربي بعد الحرب العالمية الثانية وتحديدا بعد حرب السويس أو العدوان الثلاثي على مصر، ناهيك عن الصراع بين الحكام الموالين لهاتين الكتلتين والحكام الثوريين الجدد الذين يطمحون للتحرر والثورة وإعادة توحيد أوصال الوطن العربي.

  بدأ الصراع بين قاسم وفرقاءه من أعضاء تنظيم الضباط الوطنيين أو “الأحرار” والشخصيات السياسية الفاعلة في الساحة السياسية من مختلف التيارات بسبب بعض الإجراءات التي اتخذها عبد الكريم قاسم منها تفرده في السلطة وفرضه لهيمنة العسكر والحزب الشيوعي على الوزارة والسياسة العراقية، حيث منح صلاحيات واسعة للتيارات اليسارية من الشيوعيين المعارضين لتطبيق الأحكام الإسلامية في القانون العراقي والذين كانوا وراء إصدار قانون الأحوال الشخصية الذي شجبته المراجع الدينية، وكذلك ابتعاد قاسم عن ما اتفق علية فيما سمي بالميثاق الوطني لتنظيم الضباط الوطنيين “أو الأحرار” لانضمام العراق للاتحاد العربي المسمى “الجمهورية العربية المتحدة”، وبدلا عن ذلك دخل قاسم في عداء مع أغلب الدول العربية خصوصا المحيطة بالعراق وتوج اجرائاته بالغاء عضوية العراق من الجامعة العربية. وكذلك الاضطرابات التي حدثت ابان حكم قاسم بسبب حملات إعدام بعض قادة تنظيم الضباط الوطنيين والأحداث المؤسفة التي قامت بها المليشيات الشيوعية في الموصل وكركوك، علاوةً على انتفاضة الأكراد في سبتمبر/ أيلول من عام 1961 وضربهم بقسوة، مما أدى إلى إضعاف أكثر للهيمنة المركزية لقاسم على حكم العراق.

   كما كانت لطلب قاسم في ضم الكويت للعراق سنة 1961 أثره في زعزعة السياسة الخارجية وإظهاره بمظهر المتخبط. كان تنظيم الضباط الوطنيين عبارة عن خلايا وتجمعات مستقلة توحدت عام 1957 وتأسست أول خلية عام 1949 بعد حرب فلسطين، أسسها العقيد رفعت الحاج سري، وكان قاسم ينتمي إلى خلية في معسكر المنصورية في ديالى جلها من الضباط ذوي الأصول الفلاحية أو الفقيرة ومن المنتمين للتيارات الشيوعية في زمن كانت الطبقة والبيوت العائلية والقبلية تلعب دورا وتظهر هيمنة في المجتمع. فتاثر قاسم بالتجربة الاشتراكية والشيوعية التي لا تعير اهتماما للتطلعات الدينية ولا القومية.

  وفي الطرف الآخر كان أغلب تنظيم الضباط الوطنيين ينتمون إلى حركات التحرر التي تنادي بالوحدة العربية. لاسيما بعد تأجيج المشاعر القومية على أعقاب ثورتي رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز عام 1941 وإنقلاب يوليو/ تموز في مصر وما تبعها من إجراءات رأت فيها الجماهير ضرب للمصالح الاستعمارية كتأميم قناة السويس وقيام الاتحاد العربي المسمى بالجمهورية العربية المتحدة.

   تحول صراع الأيديولوجيات بشكل تدريجي إلى صراع مسلح بين الفرقاء، وبدأت سلسلة من المحاولات من الجانبين لفرض المواقف فبعد أن أحس بعض رفاق سلاح عبد الكريم قاسم في تنظيم الضباط الوطنيين ومعهم شخصيات من التيار القومي وحزب البعث بان عبد الكريم قاسم يمارس معهم عملية اقصاء وما اسموه بعدم تنفيذه لما اتفق عليه قبل حركة 14 يوليو/ تموز وانفراده بالحكم، شجع ذلك عضو التنظيم العقيد عبد الوهاب الشواف بالقيام محاولة انقلاب عسكرية عرفت باسم حركة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل في 8 مارس/ أيار من سنة 1959، أو ثورة الشواف، والتي أخمدها العميد عبد الكريم قاسم بقسوة حيث قتل وأعدم منفذيها. وتلا ذلك استهداف قاسم من قبل حزب البعث في 7 أكتوبر/ تشرين الأول من سنة 1959 حيث تعرض عبد الكريم قاسم إلى محاولة اغتيال سببت له إصابات بليغة في كتفه.

   بعد سلسلة من الاعتقالات والمداهمات أطلق قاسم شعاره: “عفا الله عما سلف”. وفي تاريخ تلك المرحلة وقعت ثلاثة أحداث مثيرة للجدل، وهي ما أشيع من قبل حكومة عبد الكريم قاسم عن اكتشاف محاولات قلب نظام الحكم والتي لم يتأكد من صحتها بالوثائق أثناء المحاكمات التي عُقدت بشأنها ولا بعد ذلك إضافة إلى تقديم المشتكين لوثائق أخرى تثبت برائتهم مما أثار سخط الرأي العام في حينه حول ما أسموه الدواعي وراء تلفيق التهم لقادة حركة 14 يوليو/ تموز أو الرموز الوطنية الأخرى.

   الحدث الأول الذي أثار جدلاً كبيرًا امام الراي العام هو ما أشاعته الحكومة بأن عبد السلام عارف حاول اغتيال عبد الكريم قاسم والتي حدثت أثناء اجتماع اعتيادي ضم قاسم وعارف وبعض المسؤولين فحين همّ عارف بالجلوس اخذ يعدل ملابسه ونطاقه العسكري المتضمن مسدسه. وفي تلك الفترة كان قاسم ممتعضًا من عارف بسبب ازدياد شعبيته لدوره الرئيس في حركة 14 تموز من جهه وزياراته للمحافظات وإلقاءه للخطب الارتجالية عن دوره في (الثورة) وضرورة قيام الوحدة للحفاظ على الثورة من التهديدات البريطانية والإسرائيلية. والتي أثارت امتعاض رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، لا سيما بعد زيارة عارف لسوريا والتي كانت متوحدة مع مصر في الجمهورية العربية المتحدة، حيث بدأت شعبيته محليا وعربيا تزداد بشكل ملحوظ، من هنا ازدادت مخاوف قاسم الذي اعتقد أو استغل تلك الفرصة للتخلص من عارف وإبعاده عن الوزارة ومركز القرار. حيث نفى عارف التهمة المنسوبة إليه واستشهد بشهود من الحاضرين في الاجتماع، حيث اكتفى قاسم باعتقاله على عجل ثم أصدر أوامره بتعيينه سفيرا في ألمانيا كونه درس وعاش في ذلك البلد قرابة ست سنوات.

  بعد عودة عارف من ألمانيا على أثر البرقية التي أرسلتها له عائلته لضرورة مجيئه لمرض والده العضال والذي توفي على اثره، استثمر قاسم هذه الحادثة وقام باعتقال عبد السلام عارف وتقديمه أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة على الرغم من تقديمه للبرقية وشهادة الشهود من عائلته والتقارير الطبية التي قدمتها عقيلته وأخوه عبد السميع للمحكمة، إلا أن الأخيرة قضت بإعدامه، وظل معتقلا في السجن العسكري رقم واحد بانتظار يوم إعدامه لمدة سنتين. وبعد حادثة فشل الوحدة بين مصر وسوريا والتي صرح قاسم بأنه دعم قادة الانفصال فيها، العميد عبد الكريم النحلاوي والعقيد موفق عصاصة، “لتحرير سوريا من الهيمنة المصرية”.

  وجد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم بأن الخطر قد زال فأصدر عام 1961 أمراً دون الرجوع للمحكمة بتحويل حكم إعدام عارف إلى المؤبد بصيغة الإقامة الجبرية، حيث بقي عبد السلام عارف معتقلا في منزله حتى قيام حركة 8 فبراير/ شباط من عام 1963م، ولم يخلي سبيله رغم مطالبة زملاءه وعائلته ورفاق السلاح. رشيد عالي الكيلاني باشا قائد ثورة 1941 ضد الإنكليز. أما الحدث الثاني فهو زج اسم عميد أركان الحرب ناظم الطبقجلي مع المتهمين بحركة الشواف، إلا أن المحكمة لم تستطع إثبات التهمة المنسوبة إليه بالوثائق.

  لم يكن عبد السلام عارف هو الوحيد الذي يخشى منه عبد الكريم قاسم، بل كان يخشى من أغلب أعضاء تنظيم الضباط الوطنيين حيث احتج كل من العميد ناظم الطبقجلي والعقيد عبد الوهاب الشواف والعقيد رفعت الحاج سري على إبعادهم من الواجهة السياسية والوزارة أو من عدم تشكيل المجلس الوطني لقيادة الثورة وتعليق انتخاب رئيس للجمهورية، حيث وزعهم على المعسكرات في المحافظات البعيدة عن بغداد.

  بعد اعتقال الطبقجلي وتصريحه امام شاشات التلفزيون بأنه يتحدى الحكومة بان تثبت التهمة عليه وإنه قد تم تعذيبه واهانته، تم إعدامه مما أدى إلى سخط الراي العام. والحدث الثالث الذي شغل الرأي العام فهو ما أشاعته الحكومة بان وراء عودة الشخصية الوطنية العراقية رشيد عالي الكيلاني باشا رئيس الوزراء الأسبق وقائد ثورة مايو/ أيار عام 1941 هو التخطيط لمحاولة انقلابية في عام 1959 وقد نفى الكيلاني التهم بسخرية قائلا: “لم انتظر يوما قط وأنا في المنفى بعيداً عن الوطن، أن يقدم لي أحد مكافأة على ما قمت به من دور وطني في سبيل تحرير العراق، وقد استبشرت بقيام الثورة وعدت لبلدي الحبيب، ولم أتوقع ان أكافأ بهذه الطريق وقد بلغ بي العمر 84 عاما”. تم تقديم الكيلاني إلى المحكمة العليا الخاصة والتي حكمت عليه بالإعدام بالرغم من نفيه لهذه المزاعم مطالبا بتقديم وثائق تثبت هذه التهمة مما أدى إلى عدم تنفيذ الحكم ثم أطلق سراحه فيما بعد ونفي إلى لبنان حيث لاقته المنية عام 1965 في بيروت.

   أدى سخط الشارع لما اعتبره الرأي العام محاولة قاسم وحكومته وحلفائه من الشيوعيين إلى ابعاد جميع الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في الشارع عن الواجهة السياسية بتلفيق التهم لها أو ابعادها عن المسرح السياسي بنقلها إلى وحدات عسكرية بعيدة عن بغداد كما حدث لقادة تنظيم الضباط الوطنيين، وما عزز هذا الاعتقاد حول الشكوك بصحة هذه التهم هو اعتقاد بعض الباحثين والمؤرخين حول كونهما قصتين ملفقتين لغرض التصفية السياسية حيث لم يتم العثور على أي وثيقة تثبت تورط عارف والكيلاني والطبقجلي بأي محاولة انقلابية لا في حينها ولا بعد نشر الوثائق ومحاضر جلسات مجالس الوزراء بعد احتلال بغداد عام 2003.

  أجمل قادة حركة 8 شباط/ فبراير لعام 1963 من خصوم ومعارضي قاسم عددًا من العوامل التي دفعتهم للقيام بالحركة، منها أن حركة أو انقلاب يوليو/ تموز 1958 هي عمل جماعي منظم جائت وليدة حتمية للظروف الموضوعية التي كان يمر بها العراق والمنطقة، فقام بها تنظيم الضباط الوطنيين الأحرار أو جزء كبير من قياداته وقواعده ولم يقم بها العميد عبد الكريم قاسم بمفرده بل إن دوره فيها كان ضمن صفحة التخطيط والإشراف ولم يسهم في صفحة العمليات التنفيذية المباشرة. إن جميع ما أصدرته الثورة عند انطلاقتها الأولى من قرارات وطنية وتشريعات ومنجزات جائت “وليدة العمل الجماعي” المثمر لقادتها الوطنيين ولم تكن من إنجازات عبد الكريم قاسم لوحده. إعدام الطبقجلي وسري. يرى قادة حركة 8 شباط 1963 أن عبد الكريم قاسم تحول من زعيم للثورة إلى “دكتاتور” تفرد بالسلطة، فاستحوذ على مركز صناعة القرار وبدأ بجمع الصلاحيات بيده مجرداً شيئاً فشيئاً الصلاحيات من زملاءه. فأصبح هو رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة.

  لم يمنح مجلس السيادة الصلاحيات وأحاله إلى واجهة شكلية ليس بيدها لا سلطة تنفيذية ولا تشريعية، كما وقف حائلاً أمام انتخاب رئيس الجمهورية، وبقي المنصب معلقاً في عهده. كما عطل تأسيس المجلس الوطني لقيادة الثورة كما كان متفقاً عليه في تنظيم الضباط الوطنيين الأحرار وحل مجلسي النواب والأعيان للحكم الملكي، ولم يفسح المجال لانتخاب مجلس نواب جديد. وعند بدء الثورة حين كان العمل في القيادة جماعيا قبل تفرده بالسلطة سمحت وزارة الداخلية التي كان عبد السلام عارف وزيرا لها بتأسيس بعض الأحزاب مثل الحزب الإسلامي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية، إلا أن عبد الكريم قاسم وبعد تفرده ألغى هذه الأحزاب ولم يفسح المجال لعمل أحزاب جديدة سوى الحزب الشيوعي العراقي الذي شاركه في السلطة.

   يرى قادة الحركة أيضًا ان عبد الكريم قاسم أصدر أحكام إعدام وسجن جائرة بغية تصفية قيادات حركة عام 1958 من زملاءه وأعضاء تنظيم الضباط الوطنيين وشملت التصفيات أي شخصية وطنية يعلو صوتها على صوت عبد الكريم قاسم، فلفق التهم لبعضهم وزجهم بالسجون وأعدم البعض الآخر مستغلا حركة عبد الوهاب الشواف الانقلابية كذريعة لهذه التصفيات، أما الذين قاموا فعليا بالحركة فقد تم قتلهم مباشرة بالقصف المباشر بالطائرات، والبعض الآخر أحيلوا إلى المحكمة الخاصة، “محكمة الشعب”، حيث تم زج الكثيرين ممن ليس لهم علاقة بحركة الشواف وتعذيبهم ثم إعدامهم. ومن أبرز المعدومين العميد الركن ناظم الطبقجلي والعقيد رفعت الحاج سري ومجموعة من رفاقهم، وإصدار أحكام الإعدام التي لم ينفذها بسبب الضغوطات الشعبية بحق كل من الشخصية الوطنية رشيد عالي الكيلاني باشا والعقيد الركن عبد السلام عارف، وكذلك رئيس الوزراء السابق أحمد مختار بابان. المقدم فاضل عباس المهداوي رئيس المحكمة.

   وصفت قيادات الحركة “محكمة الشعب” المشهورة باسم “محكمة المهداوي” بكونها محكمة “هزيلة”، وكانت تلك المحكمة العسكرية الخاصة العليا تقوم بمحاكمة أركان النظام الملكي وأيضا جيء بالكثير ممن ليس لهم علاقة بمركز القرار وأعدم الكثيرين مجرد لأنهم كانوا مسؤولين في النظام الملكي. يرى المعارضون لطريقة سير تلك المحكمة أنها وبسبب رئيسها المقدم فاضل عباس المهداوي وادعائها العام العقيد ماجد محمد أمين كانت منبرا وواجهة إعلامية للحكومة واستخدمت فيها وسائل تعذيب وإهانة الموقوفين وكثيرًا ما كان رئيس وأعضاء المحكمة ينحدرون بالسباب والشتائم وتلفيق التهم بالشبهة وأثناء البث المباشر على شاشات التلفزيون.

   من وجهة نظر التيار المساند للإطاحة بقاسم فإن عبد الكريم قاسم فسح المجال للحزب الشيوعي ومليشياته بالعبث بأمن الدولة والمواطنين وتمكينهم من المناصب الهامة في الوزارة والجيش ومستشارية لأخر يوم في نظام حكمه مثل العميد الطيار جلال الدين الأوقاتي الذي قُتل صباح يوم الحركة وطه الشيخ مدير العمليات في وزارة الدفاع وفاضل المهداوي رئيس المحكمة الخاصة الذين أعدما معه. كما قامت المليشيات الشيوعية المسماة بالمقاومة الشعبية بارتكاب أعمال عنف مؤسفة كقتل وتعذيب معارضيهم بالشوارع وتعليق الكثيرين منهم على أعمدة الكهرباء، والقيام بمداهمة واحتلال المنازل والمؤسسات الحكومية والمعسكرات والعبث بها بمساعدة العامة من الدهماء كما حدث من مجازر وتجاوزات على حقوق الإنسان في الموصل وكركوك. كما لعبوا بسياسة الدولة الداخلية والخارجية ومنعوا أي تقارب مع الدول العربية أو تحقيق أي وحدة عربية والتي كانت حلم الجماهير التي تعتبرها ضرورة للوقوف بوجة القوى الكبرى للنيل من الثورة.

   هناك قناعة راسخة من قبل المؤيدين للإطاحة بقاسم بأن سياسة العراق في عهده عزلت العراق عن محيطة الإقليمي العربي بسبب عدم إيمانه بالوحدة العربية ووقوفه ضد الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة بعد زيارة وفد من التنظيمات الشعبية للجمهورية العربية المتحدة برئاسة أعضاء من حزب البعث للتهنئة بالثورة ودعوة قيادة العراق للانظمام للوحدة، كما شكلت محاولته بضم الكويت عسكريا عام 1961 بعيدًا عن التنسيق الوحدوي أثرًا سلبيًا على علاقاته العربية التي ازدادت سوءًا بقطع العراق لعلاقاته الدبلوماسية مع العديد من الدول العربية مثل مصر وسوريا والكويت والسعودية والأردن، وانتهى به الأمر إلى الغاء عضوية العراق من الجامعة العربية أواخر عام 1961. بالإضافة إلى القوى القومية العربية وحزب البعث التي ناهظت سياسات عبد الكريم قاسم فقد واجه قاسم انتقادات من المراجع الدينية المحافظة التي لم تكن مع بعض القرارات التي كانت تُعتبر تغيرات جذرية سريعة نحو العلمانية في دولة لا تزال تتمسك بالعرف الديني والعشائري ومن أشهر هذه القرارات قانون الأحوال الشخصية التي ضمنت للمرأة حقوق واسعة بعيدة عن التشريع الإسلامي ومستوحاة من الفكر الماركسي وقانون الإصلاح الزراعي حيث انتزع الأراضي العقارية التي كانت للملاكين وشيوخ العشائر والاقطاعيين ووزعها على الفلاحين والمهاجرين من الشروقيين والتي أصدرت المراجع الدينية الشيعية، بضمنها الحوزة العلمية الشيعية، والمراجع السنية بيانات شجبها ومنافاتها للشريعة الإسلامية.

    يُضاف إلى هذه الانتقادات استغلاله لمنصبه بتولية المناصب الهامة لأصدقاءة وأقاربه دون وازع من الكفائة أو المهنية كما ميز بعض أفراد عائلته بمنح أشقائه وشقيقاته الدور السكنية الراقية مجانا مع كبار القادة العسكريين وجعل أخيه الكاسب المعدم المتنفذ الملقب “بالبرنس” حامد قاسم مشرفًا على توزيع أراضي الإصلاح الزراعي على الفلاحين والتي جمع منها أموالًا طائلة أصبح على إثرها من كبار الأثرياء، وابن خالته المقدم فاضل المهداوي الذي عينه بمنصب رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة.

   كذلك فهو لم يؤمم نفط العراق في ظروف مواتية بعد تعالي الصيحات المنادية بالتأميم وذلك بعد تأميم إيران “مصدق” للنفط ومصر “عبد الناصر” لقناة السويس. واكتفى كبديل بتبني اقتراح وزارة النفط بإصدار القانون رقم 80 الذي فسح المجال للعراق باستكشاف حقول نفطية جديدة. أما حقول العراق النفطية والتي لم يكن مكتشفا منها سوى عدد قليل، فبقيت بيد الشركات الاستثمارية الأجنبية التي كان لها نصيب الأسد من عوائد تصدير النفط بحسب الاتفاقيات الجائرة المبرمة في نهاية العهد العثماني وبداية تأسيس الدولة العراقية، حيث كانت تدفع تلك الشركات ما مقداره “شلن” فقط أي درهم عن كل برميل نفط. فالعراق كان فقيرا بسبب هيمنة شركات النفط من جهه وبسبب الاستثمار المحدود للحقول البسيطة يوم ذاك.

   يُنتقد قاسم أيضاً بسبب ميوله الطائفية والعرقية بتفضيل طائفة على أخرى وقومية على أخرى، حيث استغل قانون الإصلاح الزراعي وانتزع الأراضي العقارية التي كانت للملاكين وشيوخ العشائر والاقطاعيين ووزعها على الفلاحين والمهاجرين الشروقيين وذلك لانتماء أسرته لهذه الفئة. كما دعم المهاجرين الذين كانوا يعملون عبيد لدى الإقطاع وساواهم بالفلاحين العرب العراقيين ووزع لهم الأراضي الزراعية والدور السكنية ليضمن دعمهم له. كما ألب العشائر العربية في الموصل وكركوك لاضطهاد الأكراد على إثر عدم اتفاقهم معه وأرسل القطع العسكرية للنيل منهم.

Print Friendly, PDF & Email