الباحثة/سيماء علي مهدي -العراق

تعد الثقافة السياسية واحدة من أهم المداخل في علم الاجتماع السياسي، لا سيما لدى باحثي العلوم السياسية إذ تكمن أهميتها في دراسة نمطين من الثقافة، الأولى الثقافة السياسية الخارجية وتشمل أنماط المشاركة السياسية والسلوك السياسي لأفراد المجتمع، والثانية الثقافة الداخلية وتأثيرها في اتجاهات المواطن أو الفرد إزاء السلطة أو النظام السياسي. أما بالنسبة للمرأة والعراقية  فقد شهد العراق بعد دخوله عصبة الأمم عام 1932 تغييرًا كبيرًا في جميع نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ مما أثر بصورة مباشرة على واقع المرأة العراقية بشكل إيجابي ومباشر، وتمثل هذا التغيير بزيادة إقبال البنات على التعليم بسبب تشجيع الحكومة وزيادة مخصصات وزارة المعارف لزيادة عدد المدارس لكن الحدث الأبرز والأهم الذي قطف المتحررون فيه ثمار كفاحهم هو انعقاد مؤتمر المرأة العربية الثالث في تشرين الثاني من العام 1932 وهو أول مؤتمر للمرأة في تاريخ العراق؛ ما عزز اتصال حركة المرأة العراقية بمثيلاتها في الدول الأخرى، وكان انعقاد مثل هذا المؤتمر سببًا كافيًا لإثارة الرأي العام المتابع، فامتلأت صحف بغداد بمقالات مؤيدة ومهنئة ومستبشرة بهذا التطور الإيجابي الذي سيحفز المرأة على التقدم بخطوات أكثر جرأة نحو مطالباتها الإنسانية، تقابلها عناوين ومقالات أخرى تعنف وتهدد وتحمّل الدولة مسؤولية هذه الانحدار والسقوط الأخلاقي! لسماحها بقيام مثل هذه “الفضائح”، بل أفتى بعض كتابها من أن ما يجرى هو إحدى علامات قيام الساعة!

  وشهد عام 1958وفي شهر آذار تحديدًا إعلان رئيس الوزراء في تلك الفترة نوري السعيد مبادئ جديدة يقتضيها تطور العراق السياسي والاجتماعي في خلال السنين الأخيرة ومن ذلك منح المرأة العراقية الحقوق السياسية وفقًا لأسس ومؤهلات معينة تلائم حالة البلاد الاجتماعية والثقافية والنص على تلك المبادئ في تعديل الدستور العراقي لاحقاً.

   وبعد ثورة 14 تموز حدث انقلاب حقيقي في وضع المرأة ولقد تم تعيين الدكتورة نزيهة الدليمي أول وزيرة عراقية، إذ ثبتت المساواة بين المرأة والرجل، كما تم تعيين أول قاضية عراقية هي السيدة زكية إسماعيل، وبهذا تكون المرأة العراقية قد دخلت المعترك السياسي والوظيفي الخاص.

   وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق وعند اختيار أعضاء مجلس الحكم الانتقالي تم اختيار ثلاث نساء كعضوات من أصل 25 عضوًا، وفي العام 2004 عندما شكلت الوزارة كان للنساء 4 حقائب وزارية من أصل 31 وزارة وقد نصت المادة ج من قانون إدارة الدولة للفترة الانتقالية “يستهدف قانون الانتخابات تحقيق نسبة تمثيل للنساء لا تقل عن الربع من أعضاء الجمعية”.

ثم جاءت المادة 3 رقم 96 الصادر من حكومة الائتلاف “قانون الانتخاب” يجب أن يكون اسم امرأة واحدة على الأقل ضمن أسماء ثلاث مرشحين في القائمة ونتيجة لتطبيق هذا النظام كان عدد النساء 87 امرأةً من أصل 275، وشغلت النساء 6 حقائب وزارية من أصل 36 وزارة شكلت نسبة 11% من التمثيل السياسي ثم تحقيق نسبة 25% واليوم ينص الدستور على نسبة الـ25% تمثيل للنساء حسبما نصت عليه المادة 49 الفقرة رابعًا (وبما سميَت بالكوتا النسائية)، حيث تم اُنتخبت 74 امرأة بنسبة 25.8% لكن التمثيل النسوي في الحكومة التنفيذية كان محدودًا بأربع وزارات ثم تراجع العدد بعد انسحاب وزيرة الدولة لشؤون المرأة ولقد استطاعت إحدى النساء تشكيل ائتلاف سمي بالإرادة سنة 2015ضم رجال من مختلف الاتجاهات وتزعمته الدكتورة حنان الفتلاوي.

أخذت المرأة العراقية دورا رياديا، بعد تسابق الاحزاب على إدخالها في العملية السياسية وتسنمها مناصب مهمة، فصرنا نرى ما يزيد على 2000 إمرأة ترشح في كل انتخابات برلمانية، وما يزيد على 80 مقعد برلماني تشغله النساء، ولم تكد تخلو حكومة عراقية من منصب وزيرة او أكثر، رغم ذلك لم تتسلم النساء أي مناصب رئاسية أو تنفيذية مهمة خلال هذه الفترة الممتدة حتى الآن  وظلت الذكورية تهيمن على السلطات الرئاسية الثلاث ونوابها بالإضافة الى  أن بعض الكتل السياسة في العراق تعمدت ترشيح بعض النساء غير المؤهلات لقيادة الوزارات مما يدعونا إلى الشك بنوايا تلك الكتل وجديتها بترشيح امرأة.

أما على مستوى مجلس النواب العراقي ورغم وجود عدد من النائبات إلا أنهن لم ينجحن في تقديم أي منجز، أو بالأحرى لم يسمح لهن بالإنجاز، فقادة الكتل والأحزاب السياسية تهيمن على قرارهن وتحركاتهن بشكل واضح إلى حد أن تلك الجهات عمدت إلى إجهاض تشكيل كتل نسائية فاعلة ومؤثرة وهذا هو سبب فشل الحركة النسوية داخل المجلس التي حاولت مراراً الإعلان عن كتلة نسوية مستقلة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد أنيطت بالرجال مهام إدارة الهيئات المستقلة، فيما كلفت النساء بمهام ثانوية خلف الكواليس، وعلى مستوى المحافظات فقد تربع الرجال على رئاسة مجالس المحافظات والمناصب التنفيذية المهمة مثل “المحافظ” ونوابه ومعاونيه.

ولم تنته الهيمنة الذكورية عند ذلك الحد، بل ألقت بظلالها على إدارة دوائر ومؤسسات الدولة المركزية والمحلية في الغالب، إذ تفرض الأحزاب والكتل السياسية هيمنتها على الإدارات المحلية وتكلف رجالها بأعمال الإدارة والمتابعة والتوجيه، وبشكل لافت فقد غيبت النساء عن ساحة المفاوضات السياسية المعنية بتشكيل الحكومة والقضايا الوطنية المصيرية.