منذ سنة 2011 و بالتحديد بعد الإطاحة بالنظام الدكتاتوري السابق للرئيس حسني مبارك الذي جثم علي صدور المصريين طويلا, لم تستقر مصر إلي حد الآن بحيث ضلت البلاد تنزف دماءا و هموما إنسانية. إن حلم ذلك الشعب المسكين في وطن سلبت منه إرادة الحياة و زجت بأقلامه الحرة في السجون و المنفي أضحي في النسيان و لن تتحقق أيام السعادة و الرفاهية المنتظرة. فبعد ذلك النضال و الكفاح و خروج الجحافل الشعبية في ميدان التحرير لتقول للظالم “إرحل” تحولت تلك الثورة الإجتماعية الصامدة و الواعدة إلي كابوس حقيقي يؤرق كل عائلة مصرية. كانت شعارات تلك الثورة تكمن بالأساس في المطالبة بتحسين ظروف العيش و تحقيق العدالة الإجتماعية منها التشغيل و الكرامة الوطنية لكن بعد الإنقلاب الجائر في سنة 2013 دخلت مصر مجددا في نفق مظلم و تعيس. إذ بعد فشل حكم الإخوان المسلمين خلال السنتين الأولي التي تلت تلك الثورة جاء إنقلاب العسكر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي علي حكم الإخوان, فتحولت بالنتيجة مصر إلي وطن رعب و أشباح تسود فيه ملامح التخويف و الترويع بالضربة الأمنية القاضية لتزج بجماعة الإخوان في السجون و المنفي. كما أنه لم تقتصر تلك الحملات العنصرية علي الإخوان المسلمين فقط بل طالت أيدي غدر السيسي الإعلاميين و الصحافيين نذكر منهم خاصة الإعلامي محمود حسين المسجون بدون أي تهمة, الصحفي الضحية الإيطالي ريجيني و الألماني من أصول مصرية عيسي الصباغ. فطالت بالنتيجة آلة القمع البوليسية الدكتاتورية الجميع إما عبر الوعد و الوعيد و التهديد و التعذيب أو الإعدام و التقطيع.

وفاة الثورة الإجتماعية المصرية

نتيجة لتدهور القدرة الشرائية و تردئ الأوضاع الإجتماعية لأغلب الطبقات المصرية التي أصبحت في مجملها في الحضيض و تسير من السئ إلي الأسوأ إنفجر ذلك البركان الشعبي المصري ضد حكم الرئيس السابق حسني مبارك و رموز نظامه. فالحكم الفاشل الذي جثم علي صدور أغلب المصريين منها التفقير و التحقير و السوء العام في جودة الحياة و الإنحياز الكلي للطبقات الغنية و أصحاب المال و الأعمال تحول إلي نقمة شعبية فأسقط بذلك النظام الهش المدعوم من قبل القوي العظمي. فتلك الثورة التي إندلعت شرارتها مع بداية سنة 2011 و بعد صراع مرير مع النظام إنطلاقا من حادثة الجمل إلي ضحايا ميدان التحرير و الإعتقالات التعسفية و الوفيات الشهداء أجبر ذلك النظام للتنحي راكعا لإرادة الشعب. إذ كانت أهداف الثورة الإجتماعية المصرية تتلخص بالأساس في كسر الخوف من الجلاد و تحرر البلاد من المنظومة الدكتاتورية القديمة و المناداة بتحقيق الديمقراطية منها حرية الرأي مع المطالبة بتحقيق العدالة الإجتماعية منها التوزيع العادل للثروة الوطنية و التشغيل و العيش بكرامة. لكن في المقابل لم تدم فترة حكم الإخوان الإنتقالية و البديل لذلك النظام طويلا, فنتيجة للفشل الذريع في إدارة شؤون البلاد إقتصاديا, سياسيا و أمنيا مع تصاعد بروز ظاهرة الإرهاب و العنف و تهديد مصالح الدول المجاورة مع الإساءة لبعض الأشخاص خاصة منها بفرض تطبيق الشريعة الإسلامية علي الجميع و بالقوة تمت عملية الإسقاط بحكم الإخوان المسلمين المصرية و إصدار وثيقة وفاة لذلك الحزب السياسي الذي تحول إلي حزب إرهابي. إنحرف المسار الإصلاحي و إنجرفت مصر نحو العنف فسالت الدماء و دخلت البلاد و العباد في منزلق خطير أدي بالنتيجة إلي تدهور الأوضاع الإقتصادية و الأمنية. بالتالي إستغل الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي تلك الثغرة من الفوضي و بتنسيق أجنبي مسموم إنقلب حكم العسكر علي الإخوان المسلمين و نصبت لهم المحاكم و المشانق الإعدامية بالجملة. فعادت الدكتاتورية و القبضة الحديدية مجددا و صدرت مرة أخري إرادة الحياة للشعب المصري و عادت منظومة تكميم الأفواه و التخويف عبر التهديد أو التعذيب. فتصاعدت بالنتيجة أصوات التذمر الشعبي و السخط الدولي خاصة من قبل منظمات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان علي ذلك الوضع المأساوي الذي أصبحت تعيش فيه أغلب الطبقات الشعبية الفقيرة أو الطبقات المثقفة الحرة من صحافيين و مفكرين.

إعدامات بالجملة

بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم بدأت بوادر الدكتاتورية تعود في الأفق, فتوجهت المنظومة الأمنية نحو تصفية جميع الأحزاب الوطنية, فزج بالإخوان المسلمين في السجون مع فرار بعضهم إلي المنفي خاصة في قطر و تركيا. بدأ شبح الخوف يحوم في الشوارع المصرية من خلال نصب تلك المشانق السيسية المسيسة لكل صوت معارض أو متضامن مع تلك الجماعات التي أصبحت تصنف كإرهابية عالمية. أصبح القضاء المصري مسير طبقا لأوامر تصدر من مكتب السيسي شخصيا, إذ علي الرغم من ترويجه بقول “يد القضاء مغلولة” أو بالأحري مستقلة, إلا أن تلك العدالة كانت في مضمونها مزيفة. فزاد السخط الشعبي أكثر فأكثر خاصة بعدما تم الإفراج عن الرئيس السابق حسني مبارك و ظهوره في المحاكم المصرية كشاهد زور علي الإخوان المسلمين من خلال إتهامهم بالتآمر علي أمن الدولة مع دول أجنبية قصد إثارة الفتة و الإرهاب داخل الأراضي المصرية. إختل المشهد السياسي المصري و زادت عليه التدهور الكلي للمؤشرات الإقتصادية مع الإنزالاق في دوامة تجاذبات الصراع الإقليمي علي النفوذ. لكن لم يقتصر الأمر علي تلك الأحداث فقط بل أصبح للنظام المصري يد طويلة تضرب خارج الأراضي المصرية منها داخل الأراضي الليبية و المساهمة في التحريض ضد جماعات الإخوان الإسلامية في جميع الدول العربية الأخري و التي أصبحت من منظور السيسي جماعات تكفيرية و إرهابية دولية. فتلك المشانق كانت أغلبها غير عادلة بل هي مجرد تكشير للأنياب و عرض عضلات و المقصود منها الردع و التخويف لكل شخص يطمح أو يرغب في الحرية و الديمقراطية أو هو متضامن مع الإخوان المسلمين. فتم بالنتيجة إلغاء الحق الدستوري لكل مواطن يرغب في الترشح للإنتخابات التنفيذية أو التشريعية و البلدية. كما تم القضاء علي الديمقرطية التشاركية البرلمانية بحيث تحولت نشاطاتها كلها إلي أعمال تخوينية أو إرهابية و لا ترغب في تحقيق الإستقرار السياسي و الإقتصادي لمصر. إن تلك الإعدامات بالجملة الصادرة من المحاكم المصرية تعتبر غير عادلة و هي أغلبها مسيسة و عنصرية. إذ لا يمكن الجزم أن هؤلاء الشبان التسعة  في عقدهم الثالث كلهم متورطين في عملية قتل واحدة مع سابق الإضمار و الترصد, فقضية إبن النائب العام بالدهقلية ملفقة و لم تكن إلا مجرد كمين و تعلة لتصفية حسابات سابقة. إن القصاص حق شرعي و ديني بحيث كل شخص يقتل شخص آخر بدون حق تكون عقوبته الإعدام المؤكدة و العادلة, لكن عندما تتحول المحاكم إلي إعدامات جملية عنصرية, فهنا يصبح الخطر داهم علي مستقبل الشعب المصري. فالقاتل الحقيقي في تلك القضية المعروفة بالإعدامات التسعة يختزل في شخص واحد يعني من إستعمل أداة الجريمة و المنفذ للضربة القاتلة الأخيرة. لكن في المقابل نسب تهمة الإنتماء إلي حزب سياسي سابق متمثل في الإخوان المسلمين لا يعتبر جريمة جنائية بحيث تعتبرممارسة السياسة و التعبير حق دستوري مكفول في القانون المحلي و العالمي. عموما تلك الإعدامات ستبقي وصمة عار علي حكم نظام عبد الفتاح السيسي الذي حول مصر بتصرفاته القمعية الدكتاتورية إلي سجن أبوغريب جديد و كبير قتل فيه الأجنبي ريجيني بدون حق و أعتقل فيه الصحفي بقناة الجزيرة حسين بدون تهمة.

إن الثورة الإجتماعية المصرية توفيت بدون أن تحقق أهدافها بحيث تحول الجميع في صلب المنظومة الدكتاتورية الجديدة و أصبح بعضهم يتباك علي أطلال مشانق المحاكم السيسية المسيسة و الغير عادلة ضد كل متضامن مع جماعات الإخوان المسلمين. القصاص حق شرعي في الدين “فكل قاتل بدون حق عقوبته الإعدام المؤكدة” لكن تهمة التخوين للجماعات الإسلامية و تصنيفها كمجموعات إرهابية عالمية تعتبر كلها خزعبلات تتكرر دائما من جانب تلك الأنظمة السابقة و الفاشلة. فالسيناريوهات القادمة ربما ستكون كارثية عبر إحتمال إنفجار ثورة ثانية مع تمرد شعبي و عصيان مدني للمطالبة بالإفراج عن جميع الإخوان المسلمين من السجون أو دخول مصر مجددا في دوامة أعمال عنف و صراعات متواصلة ضد السلطة نتيجة لتكرار تلك الإعدامات الغير العادلة أو لقتل الأجانب علي غرار الصحفي ريجيني. عموما عرش السيسي أصبح مهددا و لن يبقي صامدا حتي موفي سنة 2034 كما يرغب, إذ مادامت القبضة الحديدية و الدكتاتورية متواصلة و المحسوبية و سياسة التهميش السابقة قائمة.

فؤاد الصباغ – كاتب تونسي