المقدمـــة
   الفصل الأول: مقدمات الثورة التونسية
   المبحث الأول: توجه النظام العالمى لتغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط
   المبحث الثاني: الأهمية الإستراتيجية لدولة تونس
   المبحث الثالث: القوى المؤثرة على أحداث الثورة
   الفصل الثاني: قيام الثورة التونسية
   المبحث الرابع: أسباب الثورة
   المبحث الخامس: تطور أحداث الثورة
   المبحث السادس: مسار الأحداث بعد رحيل نظام بن علي
   الفصل الثالث: نتائج وردود فعل الثورة
   المبحث السابع: المسار الديموقراطي للثورة التونسية وردود الفعل حيالها
   المبحث الثامن: النتائج التى حققتها الثورة
   المبحث التاسع: تأثير تونس فى مجالها الحيوى بعد الثورة
   مسير الأحداث المهمة
   الصور
   الخرائط
   المصادر والمراجع

مقدمة

الثورة التونسية (والتي تعرف أيضًا بثورة الحرية والكرامة أو ثورة 17 ديسمبر أو ثورة 14 جانفي)، هي ثورة شعبية اندلعت أحداثها في 17 ديسمبر 2010 تضامنًا مع الشاب محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده في نفس اليوم تعبيرًا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها من قبل الشرطية فادية حمدي (وقد توفي البوعزيزي يوم الثلاثاء الموافق 4 يناير 2011 في مستشفى بن عروس بسبب حروقه البالغة[8]). أدى ذلك إلى اندلاع شرارة المظاهرات في يوم 18 ديسمبر 2010 وخروج آلاف التونسيين الرافضين لما اعتبروه أوضاع البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم.كما أدى ذلك إلى اندلاع مواجهات بين مئات من الشبان في منطقة سيدي بوزيد وولاية القصرين مع قوات الأمن لتنتقل الحركة الاحتجاجية من مركز الولاية إلى البلدات والمدن المجاورة كالمكناسي والرقاب وسيدي علي بن عون ومنزل بوزيانو القصرين وفريانة ونتج عن هذه المظاهرات التي شملت مدن عديدة في تونس عن سقوط العديد من القتلى والجرحى من المتظاهرين نتيجة تصادمهم مع قوات الأمن، وأجبَرت الرئيس زين العابدين بن علي على إقالة عدد من الوزراء بينهم وزير الداخلية وتقديم وعود لمعالجة المشاكل التي نادى بحلها المتظاهرون، كما أعلن عزمه على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014.[9] كما تم بعد خطابه فتح المواقع المحجوبة في تونس كاليوتيوب بعد 5 سنوات من الحَجب، بالإضافة إلى تخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية تخفيضاً طفيفاً. لكن الاحتجاجات توسعت وازدادت شدتها حتى وصلت إلى المباني الحكومية مما أجبر الرئيس بن علي على التنحي عن السلطة ومغادرة البلاد بشكل مفاجئ بحماية أمنية ليبية إلى السعودية يوم الجمعة 14 يناير 2011.[10] فأعلن الوزير الأول محمد الغنوشي في نفس اليوم عن توليه رئاسة الجمهورية بصفة مؤقتة وذلك بسبب تعثر أداء الرئيس لمهامه وذلك حسب الفصل 56 من الدستور، مع إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول. لكن المجلس الدستوري قرر بعد ذلك بيوم اللجوء للفصل 57 من الدستور وإعلان شغور منصب الرئيس، وبناءً على ذلك أعلن في يوم السبت 15 يناير 2011 عن تولي رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع منصب رئيس الجمهورية بشكل مؤقت إلى حين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة خلال فترة من 45 إلى 60 يومًا. وشكلت الثورة التونسية المفجر الرئيسي لسلسلة من الاحتجاجات والثورات في عدد من الدول العربية.

مع نهاية عام 2010، انطلقت ثورة تونس التي أطلق عليها (ثورة الياسمين) تعبيراً عن طبيعة الشعب التونسي الذي يعشق الجمال والفن، ويتخذ من الزهور الجميلة متنفساً لهذا العشق، وقد كان اندلاع هذه الثورة مفاجئاً للعالم، ولكنه لم يكن مفاجئاً للشعب التونسي ذاته، الذي كان قد فاض به الكيل من سيطرة نظام سلطوي فاسد، أطاح بالقيم التونسية المتوارثة، وعمل لمصلحته فقط.

وأثبتت هذه الثورة أن النظام الفاسد يعتمد على أجهزة هشة بالإمكان الإطاحة بها بسهولة، عندما يشتد عود الثوار، وتزداد إرادتهم في التصدي لهذا النظام وإسقاطه، وعندما تنكشف المؤسسات الحامية للنظام، وتتساقط هي الأخرى تباعاً.

ففي يوم الجمعة 17 ديسمبر من عام 2010 قام شاب تونسي يُدعى محمد البوعزيزي وهو من العاطلين عن العمل بإضرام النار في نفسه احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي بو زيد لعربة يبيع عليها الفاكهة والخضار، وللتنديد برفض سلطات المحافظة قبول شكوى أراد تقديمها في حق الشرطية فادية حمدي.[11] وأدى ذلك إلى اندلاع مواجهات بين مئات من الشبان في منطقة سيدي بوزيد وولاية القصرين مع قوات الأمن يوم السبت 18 ديسمبر 2010 خلال مظاهرة للتضامن مع البوعزيزي والاحتجاج على ارتفاع نسبة البطالة والتهميش والإقصاء في هذه الولاية الداخلية، وانتهت الاحتجاجات باعتقال عشرات الشبان وتحطيم بعض المنشآت العامة. وتوسعت دائرة الاحتجاجات بولاية سيدي بوزيد لتنتقل الحركة الاحتجاجية من مركز الولاية إلى البلدات والمدن المجاورة كالمكناسي والرقاب وسيدي علي بن عون ومنزل بوزيانو القصرين وفريانة، حيث خرج السكان في مسيرات حاشدة للمطالبة بالعمل وحقوق المواطنة والمساواة في الفرص والتنمية، وقد تطورت الأحداث بشكل متسارع وارتقت الاحتجاجات لتأخذ طابع سياسي ومطالبة الشعب بتنحي الرئيس بن علي عن منصبه وبالحريات ومحاسبة العابثين بالأموال العامة والتحقيق بقضايا الفساد.

والثورة التونسية – بعد نحو ثلاث سنوات من قيامها – لا تزال تحتضن الكثير من أسرارها ولم تفصح عنها حتى الآن، فالثورة انطلقت بإرادة شعبية تمثل انتفاضة انطلقت في بلدة صغيرة وسط غرب البلاد، وامتدت تباعاً لتصل إلى العاصمة، وتطيح بالنظام، وكان هناك المتربصون من أجل القفز على الحكم، منتهزين فرصة عدم وجود قيادة للثورة.

الثورة التونسية امتدت جغرافياً في اتجاه الشرق في توقيتات متسارعة؛ لتطيح بنفس الأنواع من الأنظمة الفاسدة، سواء في مصر أو ليبيا أو سورية أو اليمن، مع اشتعال قلاقل في مناطق أخرى، وبما يثير الشكوك في تحديد الفاعل الرئيس لهذه الثورات. هل هو اندفاع الشباب الباحث عن العيش والحرية والعدالة والاجتماعية؟ أم أنه تنفيذ لسيناريو الفوضى الخلافة التي أعلنت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، عام 2006.

وربما يتكشف مفتاح تلك الأسرار قريباً، خاصة بعد ثورة 30 يونيه 2013، في مصر، والتي كشفت دور القوى الغربية في محاولات بناء الشرق الأوسط الجديد على حساب شعوب المنطقة.

وحتى نهاية عام 2013 لم تستقر أوضاع الثورة في تونس، أو في دول الربيع العربي، وهو ما يحتاج إلى التعمق في الدراسات التي يشملها هذا البحث.

ومن المفارقات أن عبارة “ثورات الربيع العربي” هي عبارة أطلقها الولايات المتحدة الأمريكية، وانتشرت في أرجاء العالم، بما يعني أن هذا الربيع كان هدفاً أمريكياً، حيث إن لفظ الربيع يُطلق على الشيء الجميل، في السياق نفسه فهناك محاولات متصارعة من أجل تأكيد المصالح، سواء على مستوى القوى العالمية أو على مستوى القوى الداخلية في دول الربيع العربي، ومنها تونس، من أجل السيطرة على مقدرات الدولة والتمسك بالحكم، دون النظر لمصلحة الأوطان.

وتصاعد التيار الديني المتمثل في الإخوان المسلمين من أجل الهيمنة وبسط النفوذ، وربما يكون الصراع القائم حالياً على أرض تونس للبحث عن خريطة طريق للمستقبل، وبعد ثلاث سنوات من قيام الثورة هو أكبر دليل على أن الشعب التونسي لن يقبل سيطرة فصيل واحد على الحكم، وأثبتت أنه شعب يمتلك حراكاً وطنياً وقدره على التغيير وامتلاك الإرادة؛ وإن كانت الثورة لم تستقر حتى الآن، وتحقق أهدافها، فإنها قطعت شوطاً لا بأس به من أجل التغيير إلى الأفضل.

الفصل الأول : مقدمات الثورة التونسية

إن ثورة بحجم الثورة التونسية التي أطاحت بنظام استبدادي ظل قابعاً في السلطة لمدى 23 عاماً، لا يمكن أن تأتي من فراغ، ولكن لابد أن تكون ذات جذور، ليس على المستوى المحلي فقط، ولكن على المستوى الإقليمي والعالمي أيضاً، فالثورات ليست جديدة على الشعب التونسي الذي أجج العديد منها، ولكن الأمر الجديد هو أن تُولد هذه الثورة في بيئة عالمية تدعو إلى التغيير وتباركه، من أجل بناء شرق أوسط جديد لصالح قوى معينة ودون مصلحة الشعوب.

والثورة التونسية لم تكن بمفردها على الساحة في هذه الحقبة الزمنية، بالرغم من أنها كانت فاتحة لثورات الربيع العربي، وهو مؤشر مهم يطرح تساؤلات رئيسة عن دوافع وأطراف هذه الثورة، ودور كل طرف فيها، وهل كانت تونس هدفاً للنظام العالمي في رسم الخريطة الجديدة للشرق الأوسط الكبير تحقيقاً للإستراتيجية الأمريكية ـ الأطلسية التي ظهرت معالمها في أعقاب أحداث نيويورك عام 2001؟

وهل هناك ثمة علاقة بين أحداث ثورات الربيع العربي، وإعلان وزيرة الخارجية الأمريكية “كونداليزا رايس” عام 2006 عن “الفوضى الخلاقة”؟ وهل هناك ارتباط للإستراتيجية الأمريكية الجديدة باندلاع الثورات في الشرق الأوسط، ومنها ثورة تونس؟ حيث تنقل الولايات المتحدة الأمريكية، اهتماماتها الإستراتيجية للسيطرة على المحيطين الهندي والهادي، لمواجهة القوى الناشئة (الصين والهند وروسيا)، وتكلف قوى حليفة بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بالوكالة عنها.

إن تحليل تطور الأحداث، التي بدأت بالثورة التونسية، في 17 ديسمبر 2010، وامتدت إلى العديد من الدول، وأطلق عليها ثورات الربيع العربي، قد فك بعض رموزها، وأظهرت العديد من الحقائق الغائبة التي يجب الوقوف أمامها، من أجل تعرف الأسباب الحقيقية للثورة التونسية، والوقوف على أهداف الثورة ومسارها ومستقبلها، والأدوار التي قامت بها الأطراف المختلفة، وحجم المكاسب والخسائر لكل طرف، وانعكاساته على دولة تونس نفسها. ثم التعرف بدقة لماذا تونس أولاً؟.

من خلال هذا التحليل يمكن بدقة تعرف أحد أهم أسباب قيام الثورة التونسية، ومن هو المحرك الرئيس لهذه الأسباب؟ ولماذا لم تحقق الثورة التونسية أهدافها حتى الآن؟

وفي البداية نشير إلى أن بعض الأحداث أثبتت أن الإستراتيجيات العالمية، وفي مقدمتها الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، قد تغيرت تماماً عن ذي قبل، وإذا كانت الثورة التونسية تتعثر حالياً، فإن هناك أهدافاً عالمية تساند أطرافاً بعينها من أجل تغيير خريطة الشرق الأوسط.

في السياق نفسه، فإن الشعوب أيضاً تغيرت، ومنها الشعب التونسي الذي يبحث عن الأمل في الحرية والعيش بكرامة، ومن هنا يأتي الصدام بين الشعب والنظام المتحالف مع قوى خارجية.

المبحث الأول : توجه النظام العالمي لتغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط

في البدء يجب ألا نبتعد عن أهداف النظام العالمي فيما يحدث في المنطقة، فالعولمة اخترقت وقاربت الحدود والأهداف، والقوى الكبرى تبحث عن مصالحها في المناطق الإستراتيجية، وتستنبط طرقاً ووسائل جديدة لتحقيقها دون أن يشار إليها بأنها قوى احتلال أو أعداء لدول هذه المنطقة.

والشرق الأوسط يشكل منطقة إستراتيجية مهمة على خريطة العالم السياسية، بما يجعله الهدف الرئيس لاهتمام القوى الكبرى على مر العصور، لأجل فرض قدر من السيطرة على أرجائه أو احتوائه لتحقيق مصالح هذه القوى، فالشرق الأوسط يمثل قلب العالم، ومن يسيطر على هذا القلب يسيطر على دوائر الاهتمام طبقاً لنظريات الجيوبوليتكس.

كما أن الشرق الوسط هو النطاق المركزي لقارات العالم القديم، وهو نطاق الأمن الجنوبي لقارة أوروبا، والغربي لقارة آسيا، والشمالي للقارة الإفريقية. يُزاد على ذلك ما تحتويه أرضه من إمكانات مؤثرة على اقتصاديات العالم، وأهمها مصادر الطاقة، وكونه المعبر البري والبحري ما بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

ووجود إسرائيل يمثل أهمية أخرى للمنطقة، حيث زُرعت في قلب الشرق الأوسط لتكون أداة لزعزعة الاستقرار وتحقيق أهداف الغرب في المنطقة، إضافة إلى أن انتشار عقيدة الإسلام بين شعوب المنطقة يمثل خطراً إضافياً للغرب، وهي العقيدة التي يحاول الغرب توجيه الاتهامات إليها بأنها تحتضن الإرهاب، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، في الولايات المتحدة الأمريكية. وفشل الحملة التي شُنت على الإرهاب وكلفت الاقتصادين الأمريكي والعالمي الكثير والكثير.

وقد خضع العالم العربي -في نطاق الشرق الأوسط- للاحتلال الغربي لفترات طويلة، بل إن أجزاء منه عدها الغرب امتداداً لأراضيه، كما كان حال الجزائر قبل الاستقلال، وكما هو حادث على أرض الواقع في سبتة ومليلة في المملكة المغربية، التي تعدها أسبانيا أجزاء من أراضيها.

في السياق نفسه فإن دولاً غربية تضع أمن بعض الدول العربية مؤثراً رئيساً على أمنها القومي، من ذلك على سبيل المثال العلاقة الإستراتيجية بين دول جنوب أوروبا ودول الشمال الأفريقي لتحقيق أمن البحر المتوسط، والعلاقة بين دول الخليج العربي والولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أمن الطاقة، كذلك الوضع الخاص الجغرافي والمكاني لمصر، بوصفها معبراً ما بين الشمال والجنوب عبر قناة السويس.

وعندما يتجه النظام العالمي لتغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط، فإن ذلك يعني تغيراً حاداً في ركائز هذا النظام وأهدافه، وتغيراً في أوضاعه على أرض الواقع، حيث يعد الشرق الأوسط الركيزة الرئيسة للنظام العالمي في السيطرة على الكون طبقاً لمبادئ الجغرافيا السياسية.

ويمكن استشراف تلك الأهداف من واقع الخبرات والتجارب التي مرت بها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها أعضاء حلف شمال الأطلسي، من حروب في أفغانستان والعراق واليمن والصومال، ومواجهات مع بعض القوى مثل إيران وكوريا الشمالية وغيرها، وما يحدث من تغيرات في أفريقيا، خاصة التوجه الصيني لهذه القارة على حساب التحالفات القديمة والمصالح الأمريكية الأوروبية.

ثم تأتي العقائد الأيديولوجية، وفي مقدمتها الفاشية الإسلامية التي عاني منها الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، علماً بأن هذه القوى الكبرى هي التي دعمت قيام أعتى التنظيمات الإرهابية التي تستظل بعقيدة الإسلام، وهو تنظيم القاعدة الذي أشرفت على إنشائه وأرسلته إلى أفغانستان للتصدي للاحتلال السوفيتي، ثم كبر التنظيم وتحول للتأثير على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

مع تولي الحزب الديموقراطي، بقيادة الرئيس “باراك أوباما”، السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، شرع في بناء الإستراتيجية الأمريكية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وكان الاهتمام الأكبر في هذه الإستراتيجية هو الوجود المكثف في شرق آسيا وجنوب شرقها، وتخفيف الوجود في الشرق الأوسط، على أن تتولى قوى إقليمية دور الشرطي الأمريكي في هذه المنطقة وهو ما كان يتطلب:

  1. إسقاط بعض الأنظمة القديمة، التي أصبح وجودها غير مقبول شعبياً، بما يؤدي إلى تغيير قد تتقبله الجماهير (ويأتي ذلك في نطق الفوضى الخلاقة).
  2. إعداد قوى الإسلام السياسي، وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون، للقفز على السلطة بعد أخذ ضمانات كافية منهم للسير تحت مظلة الولايات المتحدة الأمريكية وتحقيق أمن إسرائيل. واحتواء قوى الإرهاب التي تتخذ الإسلام مظلة لها، وإبعادهم عن الانتشار أو المساس بمصالح الغرب.
  3. دعم تركيا وتكليفها أن تقود القوى الإسلامية في المنطقة (على نمط الدولة العثمانية)، ودعم إسرائيل لتكون قوة ردع ضد أي مساس بالمصالح الأمريكية في المنطقة.
  4. تكليف دول أخرى ـ مثل قطر ـ بتمويل إجراءات التغيير في المنطقة، ومنحها دوراً سياسياً وإعلامياً بقدر ما تنفق من أموال.

وطبقاً للإستراتيجية الأمريكية أيضاً في التخلي عن وجودها في أفغانستان عام 2014، فإنها تهدف ـ بالتعاون مع حلف الناتو ـ إلى تفريغ أفغانستان من عناصر الإسلام السياسي، الذين ينفذون الإرهاب على أرض أفغانستان، وتحويلهم إلى مناطق يمكن السيطرة عليهم فيها، من خلال تنظيمات إسلامية أخرى أكثر اعتدالاً وقوة، وكانت تونس ومصر وسورية واليمن في مقدمة الدول التي يمكن تصدير هؤلاء الإرهابيين إليها، بعد أن يتمكن الإخوان المسلمون من الوصول إلى السلطة.

وتولت فرق التخطيط الإستراتيجي وضع السيناريوهات، وتولت الإدارات السياسية وأجهزة الاستخبارات إدارة العملية السياسية بخطوات محسوبة، ليجري التنفيذ في العديد من الدول العربية في وقت شبه متزامن، تحت مُسمي الربيع العربي.

والملاحظ في تخطيط هذه السيناريوهات أن القوى الثورية هي التي تبدأ بمواجهة النظام، وفي لحظة محسوبة عندما تخطو هذه القوى خطوات ناجحة، تتدخل قوى الإسلام السياسي للاستيلاء على الثورة وتوجيهها طبقاً لسيناريو القفز على السلطة.

أولاً: التوجه الغربي للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط

يتأسس هذا التوجه على النتائج والخبرات المستنبطة من حرب الخليج الثالثة، إلى جانب المتغيرات التي سادت العالم في العقد الأول من الألفية الثالثة، وأهمها بزوغ الدول الناشئة وبحثها عن دور رئيس في قيادة العالم، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، والقبول الأمريكي – بتحفظ ـ لهذا الدور- وقد اجتمعت آراء الغرب خلال النصف الثاني من العقد الأول في الألفية الثالثة، على أن السيطرة على الشرق الأوسط ذات أهمية إستراتيجية خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، وأن أسلوب هذه السيطرة لابد أن يختلف عن ما سبقه من أساليب، وكان عامل الدين والمال هما الوسيلتين لهذه السيطرة.

ثانياً: الأسس التي تعتمدها الولايات المتحدة الأمريكية

  1. أن الولايات المتحدة الأمريكية عليها ألا تتقيد بأي قيود في استخدام قوتها في تغيير أية أوضاع قد تؤثر على مصالحها، دون التفات إلى مصالح الدول الأخرى.
  2. تدعي السياسة الأمريكية أنها تهدف لتحقيق مصالحها من خلال نشر الديموقراطية في أرجاء العالم، ويعد ذلك وسيلة لاستخدام القوة من أجل التغيير (وهو مبدأ يقوم على عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية).
  3. عدم وضع قيود لنظرية الأصدقاء والحلفاء في التوجه الأمريكي نحو تحقيق المصالح، مع استصحاب أنها في حاجة لهؤلاء الأصدقاء في مراحل معينة من الأزمة، دون أن تكون آراء هؤلاء الحلفاء مقيدة للأهداف الأمريكية.
  4. الولايات المتحدة الأمريكية في قيادتها للنظام العالمي، تستأثر بالسيطرة على المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية الخاصة، ومنها منطقة الشرق الأوسط، إذ إن وجهة النظر الأمريكية تشير إلى وجود فراغ في هذه المنطقة لابد أن تتولى السيطرة عليه.
  5. أن الولايات المتحدة الأمريكية -في السماح لحلفائها بتحقيق مصالحهم في المناطق الإستراتيجية، ومنها منطقة جنوب البحر المتوسط- لا تسمح بتجاوز هذه المصالح لمتطلبات السيطرة الأمريكية.
  6. في أعقاب حرب الخليج الثالثة (2003)، أصدر الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية وثيقة مشروع “القرن الأمريكي”، يتبني من خلالها نظرية جديدة في العلاقات الدولية، وتقول الوثيقة “أن الساحة الدولية هي ساحة صراع، وعلى كل دولة فيها أن تستحوذ على القدر الأكبر من القوة لضمان استمراريتها وحماية مصالحها”.

من كل ما سبق كان لزاماً على الولايات المتحدة الأمريكية أن تأخذ بزمام المبادأة في بناء شرق أوسط جديد يواكب أهدافها الإستراتيجية؛ ولا يكلفها حروباً، ولا سيما ضد الأصولية الإسلامية، ولكن من خلال ترويض تلك الأصولية لصالحها، وكان التيار المستعد للتعاون معها هم الإخوان المسلمون، الذين ظلوا يبحثون عن السلطة على مدى 80 عاماَ ولم يحصلوا عليها.

لتحقيق هذا الهدف، طبقت الولايات المتحدة الأمريكية في رسمها لإستراتيجيتها الجديدة، في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، النظرية الرابعة لإدارة الحروب، والتي تتلخص في هزيمة الدولة من الداخل من خلال انهيار النظام بثورة أو فوضى شاملة، يصعد من خلالها تيار الإخوان المسلمين إلى الحكم، مع تقديم الدعم المناسب للقائمين بهذا العمل، وبما يحقق في النهاية أهداف الولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها.

لذلك كان إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية عن “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط، عام 2006، حيث تولت المخابرات المركزية ووزارة الخارجية الأمريكيتين رسم الخطوات وتحديد الأهداف واختيار الشخصيات القيادية، وتمكينها من الوصول إلى السلطة، وعملت المخابرات الأمريكية بجدية كاملة، وحددت الساعين للوصول إلى سدة الحكم، ولديهم استعداد لتنفيذ ما يطلبه الغرب (خاصة أن معظمهم كانوا هاربين في الخارج والوصول إليهم لا يمثل أعباء على أجهزة المخابرات الغربية).

إن الأحداث التي تصاعدت في مصر وأدت إلى ثورة 30 يونيه 2013، قد كشفت أحد أهم الحقائق، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية في دفعها للإسلام السياسي للسيطرة على المنطقة تحت قيادة تركيا، وبتمويل من العديد من الجهات التي تسعي إلى إيجاد مكان لها على الخريطة السياسية للمنطقة، إنما تنفذ إستراتيجيتها في العقد الثاني من الألفية الثالثة على حساب شعوب المنطقة، ودون إدراك أخطار هذا التوجه.

وقد جاء الفكر الأمريكي بالجيل الرابع عن نظريات الحروب بوحي من أفكار اثنين من الباحثين الأمريكيين الكبار، وهما هنتجتون “Hintitgon”، وفوكوياما “Fokoyama”، اللذان أقرا أن صدام الحضارات قائم، وأن نهاية العالم هي لصالح الغرب والرأسمالية، وأقرا أن الصراع الحالي (فيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001) ليس معركة ضد الإرهاب، ولا ضد الإسلام ديناً أو حضارة، ولكنه صراع ضد الفاشية الإسلامية، أي العقيدة الأصولية غير المتسامحة التي تقف ضد الحداثة.

أبرز أسباب الصدام مع المسلمين من وجهة نظر هنتجتون وفوكوياما

  1. بروز وعي إسلامي أو هوية إسلامية تصطدم مع موجة الحداثة والعولمة.
  2. أن هناك شعوراً بالظلم في شتى أرجاء العالم الإسلامي ـ خصوصاً العالم العربي ـ وهذا الظلم يترجم إلى حد العداء تجاه الغرب وقوته وثقافته.
  3. أن العنف منتشر بين المسلمين أنفسهم، نتيجة الأعراق والقبليات والانقسامات الدينية، وهو ينعكس بدوره تجاه غير المسلمين.
  4. أن العاملين الديموجرافي والاقتصادى في العالم الإسلامي، من الضعف بحيث أديا إلى ارتفاع أعداد الشباب العاطلين، والذين يضطرون للهجرة، أو ينضمون إلى منظمات أصولية وأحزاب سياسية ثم شبكات إرهابية.
  5. أن الدولة في المجتمع الغربي تكرس التسامح الديني والتعددية بدلاً من خدمة الحقيقة الدينية، وهذا عكس ما تفعله الدول الإسلامية، ومن ثَم فإن العالم الإسلامي عندما يقارن نفسه بالغرب يفعم بالضغينة التي نشأت عن النجاح الغربي والفشل الإسلامي.

وبتحليل تلك الأفكار استنبط الإستراتيجيون نظرية الحرب من الداخل والانتصار دون حرب، ووجدوا أنه يمكن استخدام الإسلام حكماً سياسياً مسيطراً عليه، كما يمكن أن يحصر الإرهاب في منطقة واحدة بعيداً عن الغرب، لذلك كان اختيار تنظيم الإخوان المسلمين للصعود إلى سدة الحكم في دول الشرق الأوسط، تجربة يمكن الأخذ بها، اعتقاداً منهم أن جماعة الإخوان المسلمين هي الأكثر تنظيماً في الدول الإسلامية خاصة الدول العربية، واستقطابها سيفيد الغرب ويحقق مصالحه وأمنه.

ثالثاً: الأسس التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي

الاتحاد الأوروبي هو الجار الشمالي للشرق الوسط، وترتبط العلاقة بينهما بأمن البحر المتوسط، والمصالح المشتركة عميقة الجذور، كما أن الاتفاقيات بين دول الشمال الإفريقي والاتحاد الأوروبي بصفة عامة، ودول الجنوب الأوروبي المطلة على البحر المتوسط بصفة خاصة، تُعد اتفاقيات مهمة في المسار الاقتصادى والأمني، لا يمكن أن تتأثر بأية أحداث عارضة، ولكنها تستمر وتتخطي أي عقبات مفاجئة.

يترك الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة الأمريكية ـ في كثير من الأوقات ـ رسم السياسات العالمية، خاصة في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية، لضمان عدم تهميشه في الإدارة السياسية والعسكرية، وذلك من منطلق:

  1. استقرار الفكر الأوروبي على أن الولايات المتحدة الأمريكية تستحق أن تعتلي قمة العالم، لما وصلت إليه من قوة وتقدم، وهي القوة التي انتصرت في الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
  2. أن معظم الدول الأوروبية الرئيسة أعضاء في حلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، والأمن الأوروبي يرتبط بالأمن الأمريكي. والولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بعدوان خارجي على أوروبا، خاصة أن معظم الدول الأوروبية تقع في نطاق الأمن النووي الأمريكي.
  3. تُعد الروابط والمصالح الأوروبية هي الأقوى في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، والمصالح الأوروبية ـ الأمريكية تفوق مثيلاتها في أي مكان في العالم، وتشكل الولايات المتحدة الأمريكية صمام الأمن في تأمين إمداد أوروبا بالطاقة.
  4. أمن البحر المتوسط هو عامل مشترك في الاهتمام الأوروبي ـ الأمريكي، وربما يكون هناك تنافس غير معلن بين الحقوق التاريخية لأوروبا في أمن هذا البحر، وبين إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية عليه. وكان قد ظهر نوع من الصدام في السنوات الأولى من الألفية الثالثة، عندما أعلنت الدول الأوروبية عن تشكيل قوة تدخل سريع لأمن البحر المتوسط، واعترضت الولايات المتحدة الأمريكية، واستقر الرأي على أن يتولى حلف شمال الأطلسي هذه المهمة.
  5. ترتبط أوروبا بالشرق الأوسط من خلال العديد من الاتفاقيات والمبادرات، التي جاءت على فترات متعاقبة بعد نصر أكتوبر 1973، بدءاً من التعاون الأورومتوسطي، ثم الشراكة الأورومتوسطية، ثم سياسة الجوار، وأخيراً الاتحاد الأورومتوسطي، حيث كانت مصر تمثل الكتلة المتوسطية، وتمثل فرنسا الكتلة الأوروبية.

تعيش جاليات عربية بأعداد كبيرة في دول الجنوب الأوروبي، حيث تحظي دول الشمال الأفريقي (تونس ـ الجزائر ـ المغرب)، بكبرى هذه الجاليات، خاصة في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا، كما أن الاستثمارات الأوروبية تتجه بكثرة إلى دول الشمال الإفريقي، تونس والجزائر خاصة. بمعني أن العلاقات المشتركة وطيدة بين الشمال الأفريقي والجنوب الأوروبي.

ومن ثم فإن الأسس التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي في علاقاته مع دول الشرق الأوسط تنحصر في أمن البحر المتوسط، وتأكيد المصالح المشتركة، ومنع الهجرة غير الشرعية، واستقرار الأوضاع في جنوب البحر المتوسط، وضمان استقرار الملاحة في قناة السويس. في الوقت نفسه، فهو يشارك الولايات المتحدة الأمريكية في رؤيتها الإستراتيجية لقيادة العالم، ولا يحاول التخلف عن تلك المشاركة حتى لا يجري تهميشه.

رابعاً: دور روسيا الاتحادية في مواجهة سيطرة الغرب على الشرق الأوسط

منذ تفكك الاتحاد السوفيتي القديم، في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، ظل الدور الروسي محدوداً في منطقة الشرق الأوسط، تاركاً المجال للولايات المتحدة الأمريكية للعب الدور الرئيس، إلا أنه بعد تنصيب الرئيس “فلاديمير بوتين” الرئاسة الثانية لروسيا، حاول استعادة بعضٍ من الدور الروسي في المنطقة.

وفي خلال سنوات الاغتراب الروسي عن المنطقة، جرت أحداث كثيرة، منها غزو أفغانستان والعراق، والتدخل الأمريكي في الصومال واليمن، ثم أحداث ثورات الربيع العربي. ولم يظهر لروسيا دور رئيسٌ، إلا في المسألة السورية، في النصف الثاني من عام 2013. بمعني عودة الدور الروسي إلى المنطقة عودة قوة مؤثرة، وهو ما يمكنه تغيير مستقبل المنطقة، لا سيما بعد كشف التآمر الأمريكي مع جماعات الإسلام السياسي.

خامساً: دور القوى الناشئة في مواجهة سيطرة الغرب على الشرق الأوسط

يبدو هذا الدور محدوداً، خاصة تجاه ثورات الشمال الإفريقي، ومنها تونس، حيث تتجنب هذه القوى الصدام مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن المصالح المشتركة لهذه القوى مع دولة مثل تونس يبدو محدوداً.

سادساً: دور بعض دول المنطقة تجاه سيطرة الغرب على المنطقة

تتباين هذه الأدوار طبقاً لارتباط مصالحها بالغرب، أو قدرتها على التأثير، أو حفاظها على أمنها الداخلي. ويمكن إبراز دور بعض دول المنطقة كالآتي

  1. إيران: تسعي لأن يكون لها دور إقليمي لا سيما في المشرق العربي، مع الضغط على إسرائيل بوصف ذلك هدفاً إستراتيجياً، سواء لإبراز دورها الإقليمي، أو في مواجهة المصالح الأمريكية.
  2. تركيا:عضو في حلف شمال الأطلسي، تحاول أن تعتلي دوراً رئيساً يخدم أهداف الغرب في المنطقة، وتأمل في امتلاك قيادة المنطقة من خلاله اتساقاً مع أهداف الولايات المتحدة الأمريكية في سيطرة الإسلام السياسي على منطقة الشرق الأوسط. وقد اتضح الدور التركي في المرحلة الثانية من مراحل ثورات الربيع العربي، واصطدم بشدة مع ثورة 30 يونيه 2013 في مصر.
  3. قطـر:تقوم باستغلال قدرتها الاقتصادية لإيجاد مكانٍ سياسي لها على خريطة الشرق الأوسط والعالم، واختارت أن تحقق دوراً لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وفي تنفيذها لهذه الأهداف تصطدم عادة بالمصالح العربية، دون أي اكتراث منها لذلك.
  4. المملكة العربية السعودية:تستمر في انتهاج سياستها المحافظة المستقلة عن أي تيارات تسود العالم حالياً، كما تتسم سياستها بالمصارحة ومراعاة القيم الإسلامية الحنيفة تجاه الأزمات المختلفة، ومن هذا المنطلق فقد قبلت لجوء الرئيس التونسي “زين العابدين بن علي” إليهاـ بعد أن رفضته العديد من الدول السابق تحالفه معها.
  5. جمهورية مصر العربية:بالرغم من كونها إحدى دول ثورات الربيع العربي، إلا أن قدرتها وثقافتها السياسية تمكنت من اكتشاف المؤامرة الكبرى، التي رسمتها الولايات المتحدة الأمريكية للمنطقة، بالتنسيق مع نظام الإخوان المسلمين، وبدعم من بعض دول إقليم الشرق الأوسط، وأطلق شعبها ثورتَين في مدى عامين ونصف، وربما تتأثر دول الربيع العربي بالمبادئ التي وضعتها ثورة 30 يونيه 2013، بنفس نهج ثورة 23 يوليه 1952.

سابعاً: العولمة وأثرها في تغيير الخريطة السياسية في الشرق الأوسط

تعني العولمة بمفهومها الأكاديمي، زيادة درجة الاعتماد والتنسيق المتبادل بين الدول، في إطار من المنفعة العامة المتبادلة والرؤية المشتركة، والحفاظ على حقوق الإنسان، والتحالف ضد قوى الشر.

وبالتطبيق العملي لمبادئ هذه العولمة، فقد ساد العالم الكثير من المتغيرات التي لم تهتم بالمبادئ القويمة للعولمة، ولكن أدخلت معها قيم المصالح والتنافس والإقصاء والتهديد وغير ذلك. وكان لثورة الاتصالات الفضل في جعل الكون حجرة مؤتمرات تتناقش فيها شعوب العالم على قضية واحدة، ونقلت الأحداث في زمن وقوعها، ومن ثم زادت المعرفة والتأثير الخارجي على قيم الداخل في أي دولة.

وكان لثورة المعلومات التأثير نفسه، بل انتقلت من خلالها قيم الحرية والديموقراطية، وأساليب الحوار والرفض، والثورة على الظلم والفساد. وقد ظهر ذلك في توالي الثورات العربية في توقيتات متتالية.

وكان لنقل صور من العالم الحر، وكيف ينعم بحياة ممتازة، ورفاهية لكل إنسان وأسرة، أثره الكبير على تمرد أطياف كثيرة من الشعوب التي تعيش تحت حكم استبدادي، ولا تنال حقوقها التي أقرتها المعاهدات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

كل ذلك وغيره ساعد على اندلاع الثورات التي بدأت بثورة تونس وامتدت لمصر ودول عربية أخرى.

ثامناً: الإرهاب وأثره على تغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط

يتحدد أثر الإرهاب من خلال عدة عوامل أهمها:

  1. أن تيار الإسلام السياسي، الذي وُكل إليه القفز على السلطة في دول الربيع العربي، يحرص أن يمتلك وينظم في داخله جماعات مسلحة (التنظيم الخاص)، وهي جماعات تتدرب على الاغتيالات وإشعال الفوضى والحرائق وغير ذلك، بمعني أن هذه التيارات ستكون مستعدة لتنفيذ أعمال إرهابية ضد معارضيها في الحكم.
  2. يشمل الهدف من وصول التيار الإسلامي السياسي للحكم، تجميع شمل جماعات الإرهاب التي تستظل بالإسلام، خاصة من أفغانستان والصومال وغيرها، بحيث تتحقق السيطرة عليها في دول كبيرة، وإبعاد الغرب عن شرور هؤلاء الإرهابيين.
  3. الشروع في لم شمل التيارات الإسلامية المتطرفة، في نطاق إمارة يمكن السيطرة عليها (وكانت سيناء أحد المناطق المختارة إمارة لهؤلاء).

وقد كان لثورة 30 يونيه 2013 في مصر، الفضل في اكتشاف العلاقة وإسقاطها ما بين الإرهاب وتغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط.

وفي الممارسة الفعلية لسلطة الحكم في دول الربيع العربي، فقد استخدم الإخوان سلاح الإرهاب من خلال الأطياف الإرهابية التي تجمعت على أراضي هذه الدول، وسيلة لقمع الشعوب وتنفيذ المخططات الأجنبية التي أبرمتها قيادات الإخوان مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بصفة عامة، وتركيا ومولتها قطر. وكان من أبرز أساليب القمع ما حدث في تونس من اغتيالات لأقطاب المعارضة، ومنهم “شكري بلعيد”، و”محمد البراهيمي”.

تاسعاً: الفتنة الطائفية وسيلة لتغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط

المعني الدارج للفتنة الطائفية هو الصدام ما بين الأديان والمعتقدات المختلفة أينما وجدت (إسلام ـ مسيحية ـ يهودية ـ زرادشتية ـ هندوسية ـ سيخ.. إلخ)، ولكن الجديد في الفتنة التي خططها النظام العالمي هو الصدام بين مذاهب الدين الواحد، بمعني الصدام ما بين المذهب السني والمذهب الشيعي، لتحقيق هدفين، هما إضعاف قوى الإسلام بصورة عامة، والتخلص من تهديدات إيران لإسرائيل وحصرها في الصدام مع الدول ذات المذهب السني.

وسرعان ما تكشفت أبعاد هذه الفتنة من خلال توجهات النظام الإخواني، خاصة في مصر. هذا إلى جانب أن إشعال الفتنة ما بين المسلمين والمسيحيين أخذ أبعاداً خطيرة. والملفت للنظر أن الغرب الذي كان يغضب لأي أحداث تمس المسيحيين، لم يبد أي نقد أو اعتراض على ما يحدث في هذه الفتنة.

من كل ما سبق، فإن توجه النظام العالمي لتغيير الخريطة السياسية في الشرق الأوسط، كان بهدف تحقيق مصالح غربية على حساب شعوب المنطقة، وخطط لجعل المنطقة بؤرة لاحتواء الإرهابيين والسيطرة عليهم، وخطط لإشعال نار الفتنة من أجل القضاء على استقرار المنطقة، بما يؤدي إلى ذريعة التدخل الأجنبي في المنطقة.

المبحث الثاني: الأهمية الإستراتيجية لدولة تونس

الجمهورية التونسية دولة مستقلة ذات سيادة، عضو في الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية منذ العام 1956، وعضو في مجلس التعاون المغاربي منذ العام 1989، ونالت استقلالها عن فرنسا في 20 مارس 1956، واستكملت استقلالها عام 1963، بانسحاب آخر جندي فرنسي من قاعدة بنزرت العسكرية. كما وضعت أول دستور لها عام 1959، وهي دولة متوسطة القوة، تتمتع بأهمية إستراتيجية خاصة في الشمال الإفريقي، وفي حوض البحر المتوسط، وتُعد بمنزلة القلب لدول الشمال الإفريقي، وتتوسط الساحل الشمالي الإفريقي المطل على أوروبا.

كما تُعد تونس مفصلاً جغرافياً رئيساً بين الدول العربية جنوب البحر المتوسط، تفصل ما بين مصر وليبيا من الشرق، والجزائر والمغرب في الغرب، وهي دولة ذات تاريخ عريق أثر في شمال القارة الإفريقية بنفس القدر من التأثير في جنوب أوروبا.

وتونس ـ تاريخياً ـ هي دولة قرطاجنة القديمة، التي سادت بقوتها في الشمال الإفريقي، وكانت نداً قوياً للإمبراطورية الرومانية في أوروبا، وقاد “هانيبال العظيم” جيوش قرطاجنة ليغزو جنوب أوروبا ويلحق العديد من الهزائم بالإمبراطورية الرومانية.

وفي عام 146 ق.م، بعد معارك مريرة تمكن الرومان من إيقاع هزيمة بدولة قرطاجنة “Carthage”، وتدمير معالمها وبسط سيطرتهم عليها حتى عام 439م، ثم احتلها الفندال “Vandals” (من جنوب فرنسا) لمدة مائة عام، ثم البيزنطيون من عام 1574، وظلوا بها حتى عام 1881، حيث احتلتها فرنسا.

كما أن الثورات التونسية ـ تاريخياً ـ كانت تشتعل ضد الظلم حين يحيق بالدولة. وكانت بعض هذه الثورات مذهبية، كحال الثورة على الدولة العلوية، وكان بعضها سياسياً. وكثيراً ما كانت هذه الثورات تمتد لتشمل معظم دول المغرب العربي. وفي عام 1881، اندلعت ثورة تونس ضد الحملة الفرنسية، وانفجرت المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي، عام 1907.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومع ضعف فرنسا، تولدت المقاومة الفرنسية التي تطالب بالاستقلال، وازدادت حدة هذه المقاومة بقيادة “الحبيب بورقيبة”، في أعقاب الثورة المصرية عام 1952، حيث دعمتها مصر ضمن دعمها لحركات الاستقلال في شمال أفريقيا، حتى أُعلن استقلال تونس عام 1956.

وأصبحت تونس جمهورية، في أوائل عام 1957، بقيادة الرئيس “الحبيب بورقيبة”، والمحصلة هي اكتساب تونس لخبرات الحكم من فرنسا إبان الاستعمار، إلى جانب اكتساب القدرة على المقاومة ضدها، ومعرفة الطريق الصحيح للاستقلال.

أولاً: أهمية تونس في مجالها الحيوي

يعرف المجال الحيوي “Lebensraum” بأنه النطاق الإستراتيجي أو الحيز الجغرافي الذي تتركز فيه مصالح الدولة، ويتسع أو يقل طبقاً لقدرة هذه الدولة.

وتونس ـ جغرافياً ـ تمتاز بموقع فريد جنوب البحر المتوسط (اُنظر خريطة موقع تونس في العالم العربي)، وهي تشكل بروزاً في الشاطئ الإفريقي يقترب كثيراً من أوروبا، والشواطئ الإيطالية والفرنسية بالذات، وقد أدى ذلك إلى سهولة انتقال الشعب التونسي إلى أوروبا، حيث تشكل الجاليات التونسية في دول جنوب أوروبا أحجاماً كبيرة، كذلك أدى إلى الاستعمار الفرنسي لتونس، والذي استمر لفترات طويلة، حيث زرع القيم الفرنسية في تونس لغة وعادات وثقافة.

في السياق نفسه، فإن الموقع الجغرافي لتونس بين دولتي الجوار ليبيا والجزائر (اُنظر خريطة الموقع الجغرافي لتونس)، يشكل دائرة حيوية في الشمال الإفريقي، محاطة بحدود الدولتين من الشرق والغرب والجنوب. بمعني أن تونس تعد – جغرافياً – دولة شاطئية غير ممتدة جنوباً لتشمل أجزاء من الصحراء الكبرى الإفريقية، وهي دولة سهول ومرتفعات محدودة، ومجاري مائية عديدة، لذلك أطلق عليها تونس الخضراء لما تشمله من مساحات زراعية خصبة.

تبلغ مساحة تونس نحو 163.610 كم2، منها 155.360 كم2 مسطحات برية، و8250 كم2 مسطحات مياه، وهي بذلك تعتبر أصغر دول الشمال الإفريقي، وتشكل مساحتها حوالي 10% من مساحة جارتها الشرقية ليبيا، وتمتد الحدود معها 459 كم، وتشكل حوالي 7% من مساحة جارتها الغربية الجزائر، حيث تمتد الحدود معها 965 كم، كما أنها تشكل الممر الساحلي بينهما.

وتونس بوضعها الجغرافي تشكل أهمية في المجال الحيوي لدول الشمال الإفريقي بالكامل، حيث يحقق موقعها وإمكاناتها مميزات تعكس آثارها على الجغرافيا السياسية، سواء للدولة نفسها أو لدول الجوار. ومن تلك الآثار القرب من أوروبا، والشق الحضاري الذي تتوارثه الأجيال في تونس، ويعكس آثاره على الشخصية التونسية ذاتها واكتسابها خاصية الانفتاح والتفاعل مع الشعوب الأخرى، والميل إلى إضافة مكتسبات جديدة في مجالات العلوم والفنون والرقي.

وتهتم تونس بالحفاظ على السياحة، والتي تمثل ـ إلى جانب كونها مصدراً اقتصادياً مهماً ـ وسيلة للتواصل مع شعوب العالم، خاصة الشعوب العربية والأوروبية في وقت واحد دون تمييز، وبما أدى إلى أن تنتهج تونس سياسة أقرب إلى “الحياد” في إدارتها لسياستها الخارجية، من أجل ألا تتأثر السياحة الواردة إليها.

هذا إلى جانب أن هذا الشق من الانفتاح أدى إلى اندماج تونس في العولمة بدرجة أكبر من جاراتها، ومن هنا فإن الشعب التونسي كان الأسبق في إشعال الثورة، لإدراكه لما وصل إليه العالم الخارجي من تقدم، بالمقارنة مع الحالة التي يعيش فيها. في السياق نفسه، فإن النظام الحاكم في تونس أدرك خطورة الانفتاح على العولمة، لذلك لجأ إلى الحكم السلطوي الأقرب إلى الحكم المستبد، وهو ما زاد من حنق الشعب التونسي، وأدى إلى الانفجار في ثورة 17 ديسمبر 2010.

والمجال الحيوي لتونس جعلها إحدى الدول المهمة في الشمال الأفريقي، حيث تتمتع بمزايا أكبر من جاراتها العربيات، وقد استغلت الموقع والإمكانات الطبيعية المتميزة في جعل السياحة إحدى المهن الرئيسة للشعب التونسي، ولم تكتف بذلك، بل مارست فنون الاقتصاد الحر، وفتحت مجالات واسعة لتصدير منتجاتها إلى أوروبا.

ثانياً: أهمية تونس من منظور سياسي

أدى الموقع الإستراتيجي لتونس إلى دعم قدرتها السياسية وتأثيرها في مجالها الحيوي، وكانت من أوائل الدول التي رحل عنها الاستعمار في الشمال الإفريقي. وانضمت إلى جامعة الدول العربية عام 1956، بمجرد إعلان الجمهورية، وهي دولة مؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1964، وإحدى دول عدم الانحياز ودول المؤتمر الإسلامي، إلى جانب كونها عضواً في الأمم المتحدة.

وهي عضو في مجلس التعاون المغاربي، الذي تأسس عام 1989، بموجب المادة التاسعة من ميثاق الجامعة العربية، التي تنص على أن “دول الجامعة الراغبة فيما بينها في تعاون أوثق وروابط أقوى مما نص عليه هذا الميثاق، اتخاذ ما تشاء من إجراءات لتحقيق هذه الأغراض والمعاهدات والاتفاقيات التي سبق أن عقدتها أو تعقدها فيما بعد دولة من دول الجامعة مع أي دولة أخرى لا تلزم أو تقيد الأعضاء الآخرين”.

علماً بأن هذا المجلس لم يكن له تأثير يذكر في المجال الحيوي العربي أو الإفريقي أو العالمي، ولكن استُغَل من بعض الدول ضد النظام العربي ذاته، وضد مصر على وجه الخصوص. في السياق نفسه، لعبت الدبلوماسية التونسية دوراً رئيساً في تحقيق أهداف الدولة، التي يعتمد اقتصادها بقدر كبير على السياحة، لذلك ابتعدت قدر الإمكان عن الدخول في توترات أو صراعات، حتى اتصفت في بعض الأحيان بالسلبية، ولكن هذه السلبية كانت من أجل دفع اقتصاد الدولة إلى الأمام.

وهذا البُعد عن الصراعات جعلها ملجأ لبعض المنظمات العربية، مثل منظمة فتح الفلسطينية، إلى جانب بعض اللاجئين السياسيين من دول أخرى. وقد كانت تونس، في عقد الثمانينيات من القرن العشرين، عرضة لمرات عديدة من العدوان الإسرائيلي الذي استهدف أقطاب المقاومة الفلسطينية، الذين اتخذوا تونس مقراً لهم، مثل اغتيال خليل الوزير “أبو جهاد” وزملائه.

وتونس ـ نظرياً ـ دولة ديموقراطية، تتعدد فيها الأحزاب التي تتنافس على الحكم، إلا أن النظام سيطر على الدولة بأسلوب الحزب الواحد، مع عدم إلغائه بقية الأحزاب التي تظهر في الصورة فقط للدلالة على ديموقراطية الدولة. والأحزاب هي: حركة التجديد ـ الحزب الديموقراطي المتحد (الحزب الحاكم بقيادة الرئيس “زين العابدين بن علي”) ـ الحزب الليبرالي الاجتماعي ـ الحركة الاجتماعية الليبرالية ـ حزب الوحدة ـ حزب التقدم الديموقراطي ـ حزب الاتحاد الديموقراطي ـ حزب التكتل الديموقراطي ـ حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، إلى غير ذلك من الأحزاب.

وإلى جانب هذه الأحزاب، يوجد حزبان إسلاميان، هما حزب النهضة (وهو حزب محظور قبل الثورة)، والحزب الإسلامي السلفي.

مما سبق تتحدد العوامل التي أدت إلى الأهمية الإستراتيجية لتونس من منظور سياسي في الآتي

  1. قدرة الدولة في البُعد عن صراعات المنطقة والاحتفاظ بحيادها قدر الإمكان.
  2. زيادة التواصل مع الدول الأوروبية، بما ينعكس عليها بقدرات اقتصادية ودعم سياسي.
  3. بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار “الثورية”، والتي تحاول كل منها توسيع مجال سيطرتها، ولكنها لم تتمكن من اختراق تونس بالقدر الذي يحقق السيطرة عليها.

ثالثاً: الأهمية الإستراتيجية لتونس من منظور عسكري

أثر الوضع الجغرافي والإستراتيجي لتونس في قدرتها العسكرية، حيث اتجه النظام باستمرار إلى بناء الجيش الذي يحقق المستوى الأقل في الدفاع عن الدولة، على أن تعتمد تونس على عاملين مهمين في مسائل الدفاع، وهما الحياد وعدم إثارة القلاقل أو افتعال الأزمات، والثاني هو الاعتماد على قوى دولية في درء التهديدات عنها.

يبلغ إجمالي الجيش التونسي حوالي 35 ألف فرد، أي بنسبة تجنيد حوالي 2.5% من الشباب في سن التجنيد. وينقسم الجيش إلى قوات برية تشكل حوالي 77% من حجم أفراد القوات المسلحة، تتسلح بالدبابات والمركبات المدرعة والمدافع ذاتية الحركة بأعداد محدودة. وقوات بحرية يعتمد تسليحها على الزوارق ولنشات المرور والحراسة. كذلك قوات جوية تمتلك طائرات مقاتلة محدودة العدد والقدرة أيضاً. أما القوات شبه العسكرية فتتكون من نحو 12 ألف مقاتل، تحت مسمي الحرس الوطني، وتتبع وزارة الداخلية. ويعتمد التسليح في الجيش التونسي على التسليح الغربي، ويعتنق العقيدة القتالية الغربية، وفي مقدمتها العقيدة الفرنسية.

بلغ حجم الإنفاق العسكري (عام 2010) نحو 700 مليون دولار، بنسبة نحو 2% من الناتج القومي، وهو يُعد محدوداً فيما لو قورن بالإنفاق العسكري لدول الجوار لتونس.

والمقارنة بين القوات المسلحة في تونس، وبين جارتيها لا تحقق التوازن الإستراتيجي، فالمقارنة مع ليبيا توضح أن القوات الليبية ضعف القوات التونسية تقريباً، علماً بأن تعداد الشعب التونسي أكبر من الشعب الليبي، وما تمتلكه من أسلحة وعتاد يفوق بكثير جداً ما تمتلكه تونس. والمقارنة مع الجزائر توضح أن حجم القوات الجزائرية تصل إلى حوالي 3.7 مرة من حجم القوات التونسية، والعتاد أيضاً لا يمكن مقارنته بسهولة.

رابعاً: نظام الحكم وانعكاساته على سياسة الدولة

قاد الرئيس “الحبيب بورقيبة” تونس لمدة 31 عاماً (1956 – 1987)، ومنذ البداية انتهج طريق العلمانية في إرساء قواعد الحكم في تونس، ونجح في تطبيق العديد من النظم المنقولة عن الغرب، مثل تحرير المرأة، وإلغاء تعدد الزوجات، والتعليم المجاني الإجباري. كما كانت له نظرة واقعية في قضايا المنطقة، ومنها القضية الفلسطينية، وكان أول من نادى بحل سلمي مع إسرائيل في نهاية عقد الستينيات، وتعرض لهجوم كاسح من الرئيس المصري “جمال عبدالناصر”.

طبقاً لمسار التاريخ، فإن بقاء “بورقيبة” لمدة طويلة في الحكم حوَّله إلى ديكتاتور في وطنه، وعصف بحقوق الإنسان، وتوسع في الاعتقالات للمعارضين، وسمح لتيارات الإسلام السياسي من العمل على أرض تونس. هذا إلى جانب ضعف اختياره لمعاونيه، الذين تمكن واحد منهم “زين العابدين بن علي” – الذي كان يشغل منصب رئيس قطاع الأمن، ثم رئيس الوزراء – من الإطاحة به بذريعة أن قواه العقلية قد ضعفت ولا يصلح للحكم.

حدد الدستور التونسي الذي وُضع عام 1959، إبان حكم الرئيس “بورقيبة”، مدة تنصيب الرئيس لفترتين متعاقبتين، ولم يلتفت “بورقيبة” إلى ذلك، وقد قام الرئيس “زين العابدين بن على” بتعديل هذه المادة، لكي يتولى أكثر من ولايتين.

في السياق نفسه، فإن الدستور لا ينص على أي مهام للجيش في الحفاظ على الأمن الداخلي، وقد صيغت مواد الدستور الخاصة بالجيش، بحيث لا يُسمح له بإجراء انقلاب على الحكم، وحُددت مهامه في الدفاع عن البلاد ضد الأعداء، وهو ما يشير إلى أسباب عدم تدخل الجيش في بداية الثورة، على نمط ما حدث في مصر.

خامساً: فترة تولي الرئيس “زين العابدين بن على” للحكم

تسلم الرئيس الجديد السلطة، عام 1987، بعد عزله للرئيس “بورقيبة”، وكان “بن علي” قد تولي رئاسة الوزراء قبل ذلك بفترة وجيزة، وهو من مواليد مدينة سوسه عام 1936، وعمل ضابطاً بالجيش التونسي، ونال تعليمه العسكري في فرنسا، كما مارس مهام الأمن الوطني قبل تنصيبه رئيساً للوزراء عام 1987.

في بدايات توليه المسؤولية اتخذ طريق الإصلاح، وكانت له مواقف متشددة تجاه المتطرفين الإسلاميين، وأطلق سراح بعض المعتقلين السياسيين، ولكنه ما لبث أن تحول إلى ديكتاتور آخر، مارس الحكم السلطوي، واضطهد المعارضة، وعدل الدستور عام 2002، لكي يستمر في الحكم، وكان فوزه يقترن بالتزوير ليحصل على 99.9%.

وفي عهده زاد نماء الجماعات الإسلامية على أرض تونس، برغم الاعتقالات والمواجهات مع قوات الأمن، التي كانت لها آثار سالبة على السياحة والاقتصاد التونسي، أعوام 2002، 2006، 2007. وكما هي العادة في استمرار فترات الحكم الطويلة، فقد استشري الفساد وشعر الشعب بالظلم، وأن دولته يحكمها مجموعة من المحيطين بالحاكم، يوجهون الاقتصاد لصالحهم دون الاهتمام بالشعب.

سادساً: الإعلام انعكاس للنظام السلطوي في تونس (قبل الثورة)

بالرغم من أن الدستور التونسي يضمن حرية التعبير وإبداء الرأي، إلا أن الحكومة استخدمت الأسلوب السلطوي في إدارة الإعلام، وسيطرت سيطرة شبه كاملة على جميع الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية، ما جعل الشعب التونسي يفضل متابعة القنوات الإعلامية العربية ـ وفي مقدمتها القنوات المصرية ـ والأجنبية عن قنوات بلده، وقد شهدت السنوات الأخيرة من حكم الرئيس “زين العابدين بن علي” صدور صحيفتين معارضتين، (تخضعان للرقابة)، كذلك قنوات تليفزيون وإذاعة خاصة.

أصدرت الحكومة التونسية قانوناً للإعلام، تحرم من خلاله التشهير والتحريض برموز الدولة، أو ما يصدر من قوانين وقرارات سيادية، ومن يرتكب ذلك يتعرض للغرامات والمصادرة والسجن، وفي هذا المجال فإن المنظمات التابعة لحقوق الإنسان اعترضت على ما يحويه هذا القانون، وأدانت ما يلاحق رجال الإعلام من ترهيب، وما تناله الصحف من رقابة مشددة من الجهات الرسمية.

وفي تونس كانت تعد مناقشة قضايا الفساد وحقوق الإنسان من المحرمات، وتتعرض الصحف الأجنبية والعربية الواردة إلى تونس للمراجعة والمصادرة، في حالة التعرض لقضايا داخلية. في السياق نفسه تخضع شبكة الانترنت إلى رقابة مشددة. وتتعرض المواقع المنتقدة للنظام إلى المنع، وقُدر عدد مستخدمي الشبكة (قبل الثورة) بحوالي 1.7 مليون شخص.

  1. الصحف التونسية قبل الثورة
  • لابريس، مملوكة لحزب التجمع الدستوري الديموقراطي الحاكم.
  • الحرية، مملوكة لحزب التجمع الدستورية الديموقراطي الحاكم.
  • نوفيل دتونيسي (باللغة الفرنسية) “Nouvelles de tunisie”.
  • الصباح، مملوكه للدولة (يومية).
  • لكوتديان “Le Quotidien”، باللغة الفرنسية (يومية).
  1. التليفزيون
  • تمتلك الدولة قناتي تليفزيون (القناة 7 ـ القناة 21).
  • قناة خاصة واحدة.
  1. الإذاعة
  • أربع محطات إذاعية، تمتلك الدولة اثنتَين منها، وقناتان خاصتان.
  1. وكالات الأنباء
  • وكالتا أنباء: الوكالة التونسية، ووكالة تونس إفريقيا للأنباء.

سابعاً: الأهمية الإستراتيجية لتونس من منظور اقتصادى واجتماعي

بالرغم من أن دستور 1959 في تونس، تضمن العديد من المواد التي تحقق العدالة الاجتماعية وضمان حياة كريمة للمواطنين، وتضمن حرية الفكر والتعبير، وحرية المعتقدات، وحرية التنقل، وهو ما يوجد في معظم دساتير العالم، إلا أن التطبيق لمواد الدستور نادراً ما كان يحدث على أرض تونس.

يبلغ إجمالي الشعب التونسي (عام 2010) نحو 10,5 مليون نسمة، يمثل الأطفال منهم حتى سن 14 سنة نحو  26%، والطاقة القادرة على العمل (15 – 64 سنة) نحو 67,5%، ونحو 6,5% لأكثر من 65 سنة. كما تزيد نسبة الرجال بقدر ضئيل عن النساء، أما نسبة الزيادة السنوية في السكان تبلغ 1,01%، ويدين 98% من التونسيين بالإسلام، كما يدين 1% بالدين المسيحي، و1% بالديانة اليهودية.

والاقتصاد التونسي يُعد من الاقتصاديات المتوسطة، إذ يبلغ الناتج القومي (عام 2010) نحو 40 مليار دولار، بنسبة نمو نحو 5,1%، ومتوسط دخل الفرد ما بين 3200 – 3600 دولاراً سنوياً. ويعتمد الاقتصاد التونسي على الزراعة بنسبة 13,9%، والصناعة بنسبة 32.2%، والخدمات (وفي مقدمتها السياحة) بنسبة 53,9%، ويبلغ حجم العمالة نحو 3,5 مليون عامل أي بنسبة تعادل ثلث السكان.

والصادرات الرئيسة في الاقتصاد التونسي تتمثل في الفوسفات، والملح الطبيعي، والمنسوجات، والمنتجات الزراعية، وزيت الزيتون. كما تنتج تونس النفط والغاز الطبيعي بما يكفي احتياجاتها، وبها صناعات الصلب والفوسفات، والعديد من الصناعات الأخرى. والأسواق الرئيسة للصادرات التونسية هي الأسواق الأوروبية فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وأسبانيا، إلى جانب ليبيا.

يصطدم الاقتصاد التونسي بسوء التوزيع والفساد، وهو ما جعل نحو 7 – 8% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما ينعم الصفوة من كبار العائلات المنتمية إلى النظام برغد العيش ويتحكمون في الاقتصاد التونسي، ويوجهونه إلى مصالحهم الذاتية؛ بمعني أن تطبيق أسس الاجتماع الاقتصادى غير محققة في تونس، بأي حال من الأحوال، ويستخدم النظام أساليب القهر في مواجهة أي تمرد، أو أية مطالب ترفعها الجماهير إلى القيادات السياسية، مطالبة العدل الاجتماعي.

والدلائل التي يشير إليها اقتصاد تونس تتحدد في الآتي

  1. الإمكانات الاقتصادية متوفرة، وتتناسب مع حجم الطاقة البشرية، لبناء مجتمع يتحقق له الوفرة والرفاهية بنسبة متوسطة.
  2. تعدد وسائل الإنتاج ووفرة الإمكانات الطبيعية يمكن أن تبني اقتصاد قوي، خاصة أن العلاقات التونسية ـ الأوروبية جيدة، كما أن السياسة التي تعتمد على “الحياد وعدم الدخول في أزمات”، تمكن من بناء اقتصاد قوي.
  3. يمثل وضع تونس الإستراتيجي منطقة جاذبة للاستثمار الخارجي ـ خاصة الأوروبي ـ وهو ما يتطلب تقنين مناخ الاستثمار وتشجيع المستثمرين.
  4. أن نسبة الأفراد تحت خط الفقر تُعد محدودة، فيما لو قورنت بدول إفريقية أخرى.
  5. تقل نسبة الأمية في تونس إلى أقل درجة، مقارنة بالشعوب العربية الأخرى، وهو عامل إيجابي لم تستغله الحكومة بالقدر المناسب.
  6. أما المظاهر السالبة الرئيسة في هذا المجال، فهي الفساد والرشوة، وظهور الطبقة التي تحتمي بالحكام، وتسيطر على الاقتصاد لصالحها، وهو ما أدى إلى إشعال الثورة في تونس.

المبحث الثالث: القوى المؤثرة على أحداث الثورة

تتعدد القوى المؤثرة على أحداث الثورة التونسية، وكان لكل منها دوره، سواء الذي ينبع من الذات، أو ردّ فعل للأحداث، أو بالتعاون مع الآخرين. ومن البداية نقرر أن القوى الإسلامية لم تكن هي صاحبة فكر الثورة أو التي بدأتها أو فجرتها، ولكنها ـ كما الحال في الثورة المصرية ـ انتهزت الفرصة للاستيلاء عليها وتوجيهها لمصلحتها.

وكانت هذه القوى هي الأكثر تنظيماً، ولديها القدرة على تولي القيادة وحشد الجماهير لصالحها، منتهزة فرصة عدم وجود قيادة للثورة توجهها، ولم يكن الشباب الذي أجج الثورة لديه المعرفة بمعالم الطريق الصحيح، فاستسلم لقيادة التيارات الإسلامية.

وتأججت بدايات الثورة في تونس بعيداً عن العاصمة، وزحفت إليها بالتدريج على مدى عشرين يوماً، بمعني أن تفاعل الجماهير جاء بالتدريج، مع اختلاف الأوضاع من منطقة إلى أخرى، وبما يجعل انتقال الثورة بطيئاً بقدر ما، وليس كما حدث في الثورة المصرية، التي اشتعلت في العاصمة أولاً، ثم انتقلت إلى عموم القطر في اليوم التالي مباشرة، وأفقدت النظام السيطرة على الدولة.

كما يُلاحظ أن الثورة التونسية لم تُهدر فيها الدماء أو “تسيل أنهاراً”، كما هو الحال في بعض المناطق الأخرى، ولكن الخسائر كانت محدودة، بما يشير إلى أن الثورة ـ في مجملها ـ كانت ثورة بيضاء إلى حد ما.

القوى التي كان لها دور رئيس في إشعال الثورة

  1. الشعب التونسي

هو صاحب حضارة قديمة أثرت في بناء شخصيته الوطنية التي ورثها عن الحضارة الفينيقية القديمة، ثم حضارة قرطاجنة، واكتسب من خلالها صفات القوة وحب الذات والقدرة على اجتياز المصاعب، كما تأثر بالشخصية العربية التي امتزجت بسماحة الأديان، ووضعت قوانيناً للفروسية والأخلاق والتضحية من أجل الوطن، وقد زاد من هذه الخاصية الموقع الجغرافي لتونس بين أشقائها العرب.

ثم جاء الغرب من أوروبا، واكتسب الشعب التونسي الثقافة الأوروبية، سواء من خلال التنقل أو الاستعمار الفرنسي لتونس، إضافة جديدة للشخصية التونسية، التي اهتمت بالفنون والآداب والتعليم، حتى أن نسبة الأمية في الشعب التونسي تكاد تكون منعدمة.

في الوقت نفسه، فإن اللغة الفرنسية سادت بين الشعب التونسي، وأصبحت هي اللغة الثانية بعد اللغة العربية في دستور عام 1959، ومن خلال اللغة الفرنسية أضيفت للشعب التونسي ثقافات وعادات أوروبية، امتاز بها عن باقي الشعوب في شرق أفريقيا. أدى كل ما سبق إلى أن يصبح المجتمع التونسي مجتمعاً متجانساً، لا يتحول فيه الصراع بسهولة إلى صراع طائفي أو عشائري، ولا تتحول فيه الصراعات الطبقية والسياسية إلى صراعات على مستوى الهوية أو تمس الوطنية.

وهذا لا يمنع من أن تونس شهدت العديد من الثورات ضد الاستعمار الفرنسي، كما أن ردود فعل هذا الشعب من الانقلاب، الذي قام به رئيس الوزراء التونسي السابق “زين العابدين بن علي” لعزل الرئيس “الحبيب بورقيبة” وتولي سلطة الحكم، كانت محدودة وتجاوب الشعب معها، ولم تحدث حروب أهلية أو اعتصامات أو تظاهرات.

  1. الجيش التونسي

حسب المصادر المتوافرة، فإن الجيش الوطني التونسي رفض أوامر الرئيس بن علي القاضية بمشاركة الجيش في مواجهة الاحتجاجات إلى جانب قوات الأمن، وكان رفض قائد جيش البر رشيد عمار لأوامر بن علي بمثابة نهاية لحكم الأخير للبلاد[18]، وهناك مصادر أخرى أشارت إلى أن قائد الجيش التونسي تلقى أوامر من الولايات المتحدة بالاستيلاء على مقاليد الأمور في تونس لوقف الفوضى الناتجة عن احتجاجات الشعب التونسي[19]، لكنه رفض ذلك[بحاجة لمصدر]، تجدر الإشارة إلى أن الجيش التونسي دافع عن المواطنين ضد الشرطة في بعض المظاهرات.

حدد الدستور التونسي مهمة الجيش في الدفاع عن البلاد والتصدي للتهديدات الخارجية، ولم يكلف بأي مهام للحفاظ على الأمن الداخلي أو الشرعية الدستورية، وكان هذا التحديد مقصوداً لإبعاد الجيش عن السياسة، وعدم تمكينه من القيام بانقلابات ضد النظام، وفصل العلاقة بينه وبين الشعب لصالح النظام.

ومع تقييد مسؤوليات الجيش، اتسعت سلطات قوات الأمن التي يشرف عليها الرئيس مباشرة، من أجل المحافظة على النظام السلطوي، الذي مورس في عهدي الرئيسين بورقيبة، وبن علي. ومن ثم كان الجيش بقياداته وقواته بعيداً عن السياسة الداخلية، ولم يكتسب خبرة الدفاع عن النظام في مواجهة الانتفاضات الشعبية، أو في ضبط البلاد في أوقات الأزمات، هذا إلى جانب أن تنظيم الجيش التونسي وقدراته لا تؤهله إلى الانتشار في ربوع تونس، أو مواجهة موجات عارمة من الثوار، ولكن قدراته تتحدد في الدفاع عن العاصمة، أو تأمين الأهداف الحيوية بالتعاون مع قوات الأمن.

وقد أدى عدم وقوف الجيش التونسي مع النظام مدافعاً عنه إلى نجاح الثورة. كما كان لرفضه التدخل لقمع الثورة، حين عجزت قوات الأمن عن التصدي للجماهير، العامل الرئيس في الإطاحة برأس النظام وهو الرئيس “زين العابدين بن علي”.

ولم ينس الشعب التونسي لجيشه عدم استجابته لأوامر النظام بفتح النيران على المتظاهرين، حينما انتشر في العاصمة في الأيام الأخيرة للثورة، واكتفي بحماية المنشآت العامة، مفضلاً سقوط النظام على أن يرتكب مذبحة بحق المدنيين، وفي أعقاب نجاح الثورة، كان للجيش التونسي العديد من المهام التي يقوم بها لحفظ الأمن في البلاد، وبدأ نوع من التقارب بين الشعب والجيش، الأمر الذي أوقفه التيار الإسلامي بمجرد صعود حزب النهضة إلى الحكم، في أكتوبر 2011.

في السياق نفسه، حرص هذا التيار في شغل الجيش وعناصر الأمن بمهام بعيداً عن العاصمة، حتى يتمكن من السيطرة بدفع الميليشيات التي يدربها للمحافظة على هذا التيار، وهو أحد أسس بناء تنظيم الإخوان المسلمين، حيث نجح في تصعيد مشكلات حدودية في الغرب والجنوب حتى تخلو له العاصمة ويسيطر عليها.

  1. الشباب التونسي

وهو جزء فاعل من الشعب التونسي، وأيضاً جزء أصيل من الجيش التونسي، حيث يمثل المجندون الأغلبية العظمي فيه. والشباب التونسي، هو أكثر فئات الشعب التي تعرضت للتهميش، وأعمال العنف والاعتقالات من أجهزة الأمن، إلى جانب عدم وجود وظائف للخريجين من الشباب وانتشار البطالة بينهم، ولجوء خريجي الجامعة منهم إلى امتهان المهن المتواضعة عملاً لهم، حتى يجدوا لقمة العيش.

كما عانى الشباب من الفساد الذي استشرى في الدولة، حيث أصبحت المحسوبية والرشوة والقرب من المسيطرين على النظام تمثل جواز المرور إلى الوظائف والمناصب. مع اتساع الفوارق بين الطبقات، وبين أجزاء الدولة نفسها، حيث كان ما يتوفر لسكان العاصمة لا يقارن بما يخصص لباقي المحافظات والمدن.

وقد حاول الشباب التمرد في العديد من المرات والمناسبات، ولكن وسائل القمع والحكم السلطوي كانت أكبر من قدراتهم. وكان النظام في كل مرة يحاول طرح الحلول، واستمالة الشباب بأسلوب إعلامي، ويزايد من خلال البطولات الرياضية التي يحصل عليها الشباب التونسي، ويجعل منها دلالة على ما تتمتع به الدولة من قوة وتقدم، ولكن لم يدرك هذا النظام أن لحظة الانفجار لابد أن تكون قادمة، وأنها سوف تبدأ من المناطق الأكثر تهميشاً في الجنوب. وهو ما حدث فعلاً.

ولم تتمكن فئات الشباب من بناء تنظيم أو اتحاد يضمهم، من أجل توحيد الرؤى أو البحث عن الذات، أو دفع سقف مطالبهم، ولكن كل ما حققوه هو انضمام بعضهم إلى أحزاب أو تنظيمات دينية أو شيوعية، كانت تعمل على استقطابهم والسيطرة عليهم أكثر مما تحقق آمالهم، لذلك لم يكن مستغرباً أن الثورة بدأت بإشعال شاب النار في نفسه، وكرر الفعل شاب آخر، ثم بدأت الثورة بالشباب المهمش في المناطق البعيدة عن العاصمة، واستشعر بها الشباب الأقرب والأقرب، حتى وصلت العاصمة نفسها، والشباب بطبيعته الثائرة والمتمردة، هو الذي يحاول أن تحقق الثورة أهدافها، وهو الذي يتحمل ما يقوم به النظام لإحباط إرادته، ولكن هذا الشباب ـ بالتعاون مع فئات الشعب المختلفة ـ هو ما يرفض حالياً نظام حكم “النهضة” ويستعد للقيام بالثورة الثانية فيما لم تتحقق مطالبه.

  1. النقابات والأحزاب والتجمعات التونسية المؤثرة في الثورة

تتعدد الحركات الشعبية إلى جانب الأحزاب التي كان لها تأثير على الثورة، وعلى مسار التحول الديموقراطي للدولة، ويختلف هذا التأثير في شدته طبقاً للحجم والقوة وتاريخ الحركة أو الحزب. وقد أفرزت الثورة العديد من الأحزاب والتجمعات الجديدة ذات التأثير، ولكن يبقي الاتحاد العام للشغل، وحركة النهضة عاملين مؤثرين على الأوضاع الحالية، ومستقبل النظام التونسي.

أ. الاتحاد العام التونسي للشغل

منظمة نقابية تأسست في 20 يناير 1949 في عهد الاستعمار الفرنسي القديم، وهو نقابة وطنية عمالية تضم جموع العاملين والمهنيين في تونس، وظلت تعمل بعد الحصول على الاستقلال، وقويت مع الزمن وبحجم التطور الصناعي في تونس، وعملت كوادرها باستمرار على تطويرها، والتمسك الوطني منهم بأن تظل نقابة مؤثرة في المجتمع بعيدة عن العمل الحزبي.

في السياق نفسه فقد حاول النظام مراراً إضعاف هذا الاتحاد، من خلال بناء نقابات أو اتحادات موازية، مثل الاتحاد التونسي للشغل في عقد الخمسينيات، والاتحاد الوطني التونسي للشغل في الثمانينيات، والجامعة العامة التونسية للشغل عام 2006، ولكنه صمد أمام الجميع ولم يفقد مكانته الاجتماعية.

الدور الذي قام به الاتحاد منذ تأسيسه وحتى الآن.

(1) في فترة الاستعمار الفرنسي لتونس، كان للاتحاد نشاط بارز في المقاومة، ونظم العديد من الإضرابات، وقام بالتنسيق مع الحزب الحر الدستوري الجديد، أكبر الأحزاب الوطنية وقتها. واشتهر الاتحاد من خلال زعاماته الوطنية التي ضحت بنفسها من أجل التحرر.

(2) مع بدايات منح تونس الاستقلال (1955 – 1956)، ساند الاتحاد الزعيم “الحبيب بورقيبة”. ومن خلال ذلك، حصل النقابيون من الاتحاد على العديد من المناصب الوزارية، في أول حكومة بعد الاستقلال. ولكن ما لبث أن اشتعل الخلاف بين الاتحاد والحزب الحر الدستوري الحاكم، ما أدى إلى صدامات سقط فيها العديد من القتلى والجرحى، فيما عُرف “بالخميس الأسود”، عام 1978.

(3) بتولي الرئيس “زين العابدين بن علي” مقاليد الحكم، استمرت الصراعات بين الاتحاد والنظام الحاكم، وهو ما أدى إلى أن يصبح اتحاد الشغل جبهة قوية للمعارضة الشعبية، تقع تحت طائلة المراقبة من النظام الحاكم، ويتعرض قادتها للاعتقال ومنع صعودهم إلى مراكز الزعامة أو المناصب العليا.

(4) في أعقاب نجاح الثورة التونسية، أعاد الاتحاد قوته وتأثيره في الشارع التونسي، وهو ما أدى إلى صدامات مع الإسلاميين، وقيام الاتحاد بتنظيم العديد من الإضرابات في عدة مدن تونسية، لإعلان رفضه استيلاء التيار الإسلامي على الحكم.

ب. حركة النهضة التونسية

وهي إحدى أذرع تنظيم الإخوان المسلمين العالمي، ويرأسها “راشد الغنوشي” اللاجئ إلى بريطانيا لمدة 20 عاماً فيما قبل الثورة (اُنظر صورة راشد الغنوشي)، وهي حركة إسلامية تؤمن بشعارات التنظيم العالمي للإخوان في بناء دولة الخلافة الإسلامية، وحاولت بعد الثورة دعم قدرتها بالسيطرة على بعض التيارات الإسلامية الأخرى “السلفية وغيرها”، من أجل بناء ائتلاف قوي في مواجهة التيارات الليبرالية في تونس.

تأسست الحركة عام 1972، حركة سرية، ثم أعلنت عن نفسها رسمياً، في 6 يونيه 1982، وظلت تعمل حركة دعوية مُراقبة من النظام، ما أدى إلى هجرة العديد من قياداتها إلى الخارج، ومنهم “راشد الغنوشي” رئيس الحركة، الذي أقام في فرنسا. وفي أعقاب نجاح الثورة التونسية، وعودة القيادات الإسلامية المهاجرة، أُعلن عن تأسيس “حزب النهضة” حزباً سياسياً، في أول مارس 2011، وجاء التصديق على هذا التأسيس من قِبل الحكومة الإسلامية، التي قفزت إلى السلطة برئاسة “محمد الغنوشي”.

مع التحولات الديموقراطية في تونس، دعم حزب النهضة نفسه بالتحالف مع حزبين. الأول حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو حزب يمثل يسار الوسط ويحظى بشعبية مقبولة من الجماهير. والحزب الآخر هو التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات، وهو حزب اشتراكي ديموقراطي يمثل الاتجاه الاشتراكي السابق، الذي كان يتحالف مع الكتلة الشرقية.

ومن هذا التحالف نجح “المنصف المرزوقي” في الوصول إلى رئاسة الدولة التونسية (اُنظر صورة المنصف المرزوقي)، بينما سيطر حزب النهضة على الحكومة.

لم يستمر نفوذ التيار الإسلامي مع الأحزاب المتحالفة معه كثيراً، حيث استشعر الشعب التونسي أن ثورته ضاعت، واقتنصها التيار الإسلامي الذي لم يشارك في الثورة من الأساس، لذلك هب ليستعيد ثورته، وبدأ الصدام بين الشعب وهذا التيار، في أغسطس 2013.

ج. جهاز الأمن التونسي “الشرطة”

وهو الجهاز الرئيس المسؤول عن إجراءات الأمن في تونس، بدءاً من تأمين الشرعية الدستورية” التي تتعلق بسيطرة الرئيس على زمام الدولة”، مروراً بالحفاظ على الأمن الداخلي، انتهاءً بالتصدي للجيش في مواجهة أية انقلابات. لذلك فإن رئيس الجمهورية “زين العابدين بن علي” كان حريصاً على دعمه واختيار قياداته ووضعه تحت سيطرة كاملة لإرادته وتحقيق أهدافه.

اتسم هذا الجهاز باستخدام العنف ضد المواطنين، والتوسع في تطبيق أساليب التجسس والاعتقالات، وفرض السيطرة بأساليب قمعية، ولذلك فإن خيوط الثقة والتواصل بينه وبين الشعب كانت شبه مفقودة.

وبالرغم من قسوة هذا النظام في تعاملاته مع المواطنين، إلا أن هيكلة الجهاز الأمني لم تكن سليمة على الإطلاق، ولم تتأسس على نظريات علمية سليمة، وهو ما أدى إلى انهيار هذا الجهاز أمام تصاعد أحداث الثورة، وفقد قدرته على المواجهة، ما أُضطر معه رئيس الدولة إلى إصدار الأوامر إلى الجيش بالنزول في العاصمة للسيطرة على أحداث العنف.

في أعقاب سيطرة التيار الإسلامي على السلطة، فإن جهاز الأمن لم يعد إلى سابق عهده في السيطرة على الأمن الداخلي، نظراً لأن هذا التيار يهدف إلى سيطرة ميليشياته على الأمن، لذلك فلم تهتم الحكومة باستعادة جهاز الأمن لقدرته، بل حاولت تشتيت جهوده في مناطق بعيدة عن العاصمة.

د. الأجهزة الأمنية والرقابة الأخرى

تتعدد الأجهزة الأمنية والرقابية في تونس، مثل جهاز الاستخبارات العامة (القومية)، وجهاز المخابرات الحربية، وأجهزة الرقابة الأخرى، وكلها تقع تحت السيطرة الكاملة لرئاسة الجمهورية، وتنفذ تعليمات الرئيس، وتنقل إليه كل المعلومات التي تحصل عليها.

وهذه الأجهزة تسير على نهج الأجهزة المماثلة في فرنسا، ومعظم كوادرها السابقة نالت قسطاً من التعليم والتدريب في معاهد فرنسية متخصصة، إلا أن هيكلة تلك الأجهزة بالأسلوب العلمي السليم لم يتحقق، وكانت تعتمد على قدرة الأفراد وانتماءاتهم إلى النظام، أكثر مما تعتمد على نظام العمل الاستخباراتي نفسه، ولذلك لم تتمكن من الحصول على المعلومات الصحيحة التي فجرت الثورة وأطاحت بالنظام كله.

هـ. أسرة الرئيس

تولى الرئيس “زين العابدين بن علي” الحكم لمدة تزيد على 23 عاماً (اُنظر صورة زين العابدين بن علي)، وهي فترة طويلة أحاطته بالعديد من المنتفعين والفاسدين، الذين يعملون لصالحهم ولصالح الرئيس على حساب الشعب، كان في مقدمة المنتفعين، أسرة الرئيس نفسه، التي تغلغلت في أركان الدولة واحتلت المناصب الرئيسة، كذلك أسرة زوجته الثانية “ليلي الطرابلسي” (اُنظر صورة ليلى الطرابلسي)، التي بسطت سيطرتها على الدولة من خلال العديد من المنظمات والجمعيات، سواء التي أنشأتها أو الموجودة بالفعل، مثل جمعية بسمة، التي تهدف إلى تعزيز الاندماج الاجتماعي، وتوفير فرص العمل للمعاقين، كذلك منظمة المرأة العربية التي تهدف إلى تمكين المرأة من تعزيز التقدم في الدول العربية، وجمعية “سيدة” لمكافحة السرطان (والتي تحمل اسم والدتها)، من أجل تحسين الرعاية لمرضي السرطان في تونس.

ومع ما تحمله أسماء هذه الجمعيات من هدف نبيل، إلا أن الهدف الرئيس منها كان فرض السيطرة والانتشار الإعلامي، سواء في الداخل أو الخارج، وتعمل من خلاله على تمكين عائلتها من احتلال المناصب الرفيعة في المجتمع التونسي، ونهب أموال الشعب دون رقيب أو حسيب، وهو ما كان يشعر به الشعب التونسي قبل الثورة، وما كشفت عنه التحقيقات بعد الثورة.

الفصل الثاني: قيام الثورة التونسية

الثورة التونسية هي بداية لثورات الربيع العربي التي امتدت من المغرب إلى المشرق على مدى أسابيع قليلة لتغير الخريطة السياسية للمنطقة، وكلها رفعت شعارات القضاء على الظلم والفساد، والمطالبة بالعيش والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

وسيحتاج تحليل الأحداث والوقوف على حقيقة مسار الثورة التونسية خاصة، وثورات الربيع العربي عامة، وقتاً ليس بالقليل لاستبانة أسباب اشتعالها في أوقات متتالية بالأسلوب نفسه والشعارات نفسها.

وهل يدل ذلك على علاقاتها بالنظام الدولي وبناء الشرق الأوسط الجديد، الذي يرتكز علي إعادة دولة الخلافة الإسلامية التي هي نظام عقائدي، يُفرض على شعوب المنطقة، ويستهدف السيطرة على جماعات الإسلام السياسي وتجميعهم داخل هذا الشرق الأوسط، حتى يأمن الغرب من الحركات الإرهابية التي تنفذها جماعات إسلامية فاشية ضد مصالحه؟ أم أن هذه الثورات، ومنها الثورة التونسية، هي ثورة وطنية من أجل الإصلاح؟

والثورة التونسية التي بدأت انتفاضة، في 14 ديسمبر 2010، رافضة الظلم الواقع على الشعب، لم تكن هي الثورة الوحيدة التي اشتعلت في تونس في السنوات الأخيرة ولكن سبقتها انتفاضات أقل شدة في العامين السابقين لها في وسط وجنوب تونس، أما هذه الانتفاضة فقد دامت زمناً يكفي لأن تنتقل من منبعها (بلدة سيدي بوزيد) إلى النواحي والمدن الأخرى، وتشتد وطأتها، كما يعود استمرارها إلى قوة وبسالة أهالي هذه البلدة، الذين اختلط لديهم المطلب الاجتماعي بالغضب والدفاع عن الكرامة، الذي وصل إلى حد إحراق النفس بديلاً عن تقبل الذل والهوان.

وقد شارك في تحول الانتفاضة إلى ثورة شاملة، كل الشعب ومؤسسات الدولة، بدءاً من مؤسسة الرئاسة التي استهانت بالشباب القائم بالانتفاضة، وأطلقت قوى الأمن لفضها دون قرارات سياسية تزيل الاحتقان. والحكومة التي غضت البصر عما يحدث في الشارع التونسي، ولم تتخذ من القرارات ما يحول دون تجمع الجهود نحو الثورة وامتدادها إلى أرجاء تونس.

والأحزاب والمؤسسات السياسية والاجتماعية، التي لم يظهر لها وجود في الشارع التونسي، ولم تتحرك لاستيعاب الموقف، والاستجابة حتى لأقل قدر من مطالب الجماهير الغاضبة. وأجهزة الاستخبارات التي لم يكن لها من القدرة على تتبع وتحليل ما يحدث في الشارع التونسي، أو هي استشعرت ولكن كانت تحليلاتها خاطئة.

وكانت إجراءات الأمن مبعث تحدٍ شديد للجماهير، وكان لهيكل هذا الجهاز من الهشاشة ما يسمح بانهياره أمام قوى الضغط الشعبية. كما كان لتأخير تدخل الجيش الفضل الكبير في سيطرة الثوار على الأمور، بما أدى إلى نجاح الثورة.

ونظراً لأن الثورة كانت بلا قيادة، فقد سارع التيار الأكثر تنظيماً والمتربص منذ زمن لكي يصعد إلى سدة الحكم باقتناصها وفرض سيطرته عليها، حيث إن الثوار لم  يقرروا إجراءات ما بعد الثورة، ولكنهم أقاموا الاحتفالات بالنصر عندما سقط النظام، وعدوا سقوطه نهاية حلمهم، بينما كان المتربصون يخططون لما بعد إسقاط النظام.

المبحث الرابع: أسباب الثورة

الثورة التونسية لم تكن مفاجئة للشعب التونسي، وأسبابها جاءت نتيجة لتراكمات، تفجرت مراراً في صورة انتفاضات مختلفة الشدة، اشتعلت خلال السنوات الثلاث السابقة للثورة الكبرى، وطالب المشاركون فيها بالحق في الشغل، والعيش الكريم، ونددوا بجميع مظاهر الفساد والإقصاء والتهميش، من هذه الانتفاضات:

  1. انتفاضة عمال مناجم مدينة “الرويف” جنوبي غربي تونس

التي بدأت أوائل عام 2008، احتجاجاً على نتائج اختبار الحصول على وظائف بشركة فوسفات قفصة، حيث رأى الأهالي أنه لم يكن نزيهاً وشابه المحسوبية، وامتدت الاحتجاجات إلى مختلف مدن ولاية قفصة، وتطورت لتصبح احتجاجاً على الفساد وانعدام فرص الشغل لأبناء المحافظة الغنية بالفوسفات، واستمرت الاحتجاجات لعدة أشهر، نظمت خلالها مظاهرات واحتجاجات واعتصامات؛ ولم تكن قرارات الحكومة تواكب الحدث، وأبقت في نفوس الجماهير عداءً لها.

  1. انتفاضة التجار في بن قردان (جنوبي شرقي تونس)

التابعة لولاية مدنين، في أغسطس 2010، احتجاجاً على تضييق الحكومة على التجارة مع ليبيا، والتي تعد مصدر الرزق الوحيد لأهل هذه المدينة، وتطورت الأزمة لتتخذ منعطفاً خطيراً بعد فرض مزيد من القيود على هؤلاء التجار، حيث اندلعت مواجهات بين الأهالي وقوات الأمن التونسية، استمرت لفترة ليست بالقصيرة حتى تحققت السيطرة الأمنية على الأهالي.

أولاً: ثورة 17 ديسمبر 2010

لم تخرج مطالب هذه الثورة عن المطالب في الانتفاضات السابقة، ولكن كانت ردود فعلها حاسمة لعدة أسباب:

  1. سرعة انتشار الثورة على مساحة واسعة من المدن التونسية، ووصولها إلى العاصمة بعد أن كانت الانتفاضات السابقة تقتصر على المدن البعيدة.
  2. تقلص قدرة الأمن في مواجهة التظاهرات.
  3. تأخر قيام الجيش بالتدخل لتأمين النظام والأهداف الحيوية.
  4. ارتباك النظام في مواجهة الأحداث وعدم اتخاذ قرارات حاكمة ترضي المتظاهرين.
  5. التدخل الخارجي الذي كان نشيطاً وفعالاً بإدانته للنظام وتأييده للثورة.
  6. هروب بعض الشخصيات الفاعلة في الإدارة التونسية خوفاً من وصول الانتفاضة إليها.
  7. استعداد بعض المتظاهرين للتضحية بأنفسهم من أجل الحصول على حقوقهم.

ثانياً: أسباب الثورة

تعددت الأسباب ما بين سياسية واقتصادية واجتماعية، وفي كل منها تبدو ملامح الفساد والحكم السلطوي والبعد عن الديموقراطية والحكم السديد، وارتباك القيادة السياسية وعدم استشعارها بحس الشعب ومطالب الجماهير.

كذلك طبيعة الشعب التونسي الذي تتأصل فيه جذور الحضارة، والذي كان قادراً على استيعاب المتغيرات، ولديه الصبر على احتمالها لفترات محدودة، وله القدرة على انتهاز الفرص الملائمة للانفجار لتصحيح هذه الأوضاع والإطاحة بالمتسببين فيها.

ويُعد طول الفترة الرئاسية للرئيس “زين العابدين بن علي” في مقدمة أسباب الثورة، حيث شعر الشعب بالملل الشديد من استمرار إدارته السيئة للحكم، والتي أدت إلى استشراء الفساد، وكان هذا الملل من سمات الحكم في تونس، فقد حكم الرئيس السابق “الحبيب بورقيبة” لمدة 31 عاماً.

لذلك عندما قفز رئيس وزرائه “زين العابدين بن علي” على السلطة وأطاح به، وجد تأييداً من الشعب في هذا الانقلاب ولكن “بن علي” لم يستوعب الدرس، لذلك عندما وضع تقنيناً دستورياً عام 2009 يسمح برئاسته لتونس بلا حدود. أدى ذلك إلى غضب شعبي وبحث عن فرصة للإطاحة به.

وفي هذا المجال أيضاً لا يمكن إهمال المتغيرات العالمية في دعم القيام بالثورة، وهذه المتغيرات تتحدد في الآتي

  1. ثورة المعلومات والاتصالات التي تخترق الحدود وتضع صورة حقيقية لما يحدث في العالم أمام الشعوب. وعند ذلك، فإن هذه الشعوب تقارن فيما يحدث لها مع الحريات التي يتمتع بها الآخرون.
  2. فرض النظام العالمي سيطرته على سياسات الدول في المناطق الإستراتيجية التي تحقق مصالحه، وأهمها منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يعود بنا إلى تحليل “الفوضى الخلاقة” التي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2006، وعلاقاتها بأحداث الشرق الأوسط بما فيها تونس. وربما يكون الإعلان الأمريكي في اليوم الثامن للانتفاضة برفض ما يقوم به النظام ضد الشعب التونسي دليلاً على أن يد النظام العالمي متورطة في ذلك، أو أن هذا النظام ينتهز الفرصة لفرض سيطرته على الأوضاع في تونس.
  3. رفض الدول الأوروبية استقبال الرئيس التونسي، الهارب يوم 14 يناير 2011، على أرضها، يعتبر دليلاً على مشاركتها أو دفعها لأحداث تونس أو تأييدها للثورة.

في السياق نفسه، فإن هناك الكثير من الأسباب لقيام الثورة التونسية، التي بدأت بانتفاضة في 17 ديسمبر 2010، ثم تحولت إلى ثورة كاملة، في 14 يناير 2011، بعد سقوط النظام.

الأسباب السياسية

  1. اتساع الفجوة بين الشعب والنظام، وتصاعد رفض الشعب للسلطات الحاكمة. وأهم الأسباب التي دعت إلى ذلك:

أ. لجوء الرئيس “زين العابدين بن علي” إلى تطبيق الحكم السلطوي بكل أبعاده في تونس، حيث يضمن بقاء حكمه لأطول فترة ممكنة، وكان تعديل الدستور عام 1999، بعد 12 سنة من بقائه في السلطة، من خلال تعديل المادتين 39  و40 من الدستور، لإزالة الحد الأقصى لتقلد المنصب الرئاسي، أدى هذا التعديل إلى منحه الحق في الترشح لانتخابات عام 2009، التي فاز بها بالتزوير، بنسبة 99.9%.

ب. في التعديل نفسه، في محاولة لتحسين صورة النظام، أصدر قانوناً لإنشاء أحزاب غير فاعلة، ونشاطها السياسي ضئيل، وهي أحزاب الخضر، واتحاد الديموقراطيين الإشتراكيين.

ج. قرر الرئيس مواصلة حظر حركة النهضة وحزب العمال الشيوعي التونسي، نظراً لشعبيتهما العالية لدي الأوساط الشعبية، خاصة العمالية.

د. قام منع صدور صحيفة الموقع التي يديرها الحزب التقدمي، والمعارض البارز “أحمد نجيب الشابي”.

هـ. التحريض على اغتيال شاب تونسي، تمكن من اختراق الشبكة المعلوماتية لقصر قرطاج، واكتشف أسماء عملاء إسرائيليين بالموساد يعملون بالتجسس على قادة منظمة التحرير الفلسطينية بتونس في الثمانينيات، وادعت السلطات التونسية أنه قُتل في حادث سيارة.

  1. تدني الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان واحترام سيادة القانون، خاصة في مجال اعتقال المعارضين، وتزايد أعداد سجناء الرأي. وقد أدى ذلك إلى انتقاد وزيرة الخارجية الأمريكية “كونداليزا رايس” لنظام الحكم التونسي.
  2. الانغلاق إعلامياً حتى لا تتسرب خبايا النظام السلطوي، وفي هذا المجال قامت السلطات التونسية بإغلاق العديد من القنوات الإعلامية ومنعها من مزاولة نشاطها على الأراضي التونسية، ومنها قناة الجزيرة، يوتيوب، وغيرها.
  3. انتشار إشاعة موافقة النظام التونسي على استقبال قيادة “الأفريكوم” “Africom” الأمريكية على أرضها، وهو يعيد ذاكرة الاستعمار لدي التونسيين، لا سيما أن قاعدة بنزرت، التي كان يحتلها الفرنسيون، كانت هي المرشحة مقراً للقيادة الأمريكية.
  4. ثبت للشعب أن النظام التونسي ليس له علاقة بمزاج الشارع التونسي والرأي العام بعامة، وقد بدا غير ميال للمشاركة في القضايا العربية، ورتب علاقاته مع إسرائيل منذ أوسلو، وجعل قبلته الشمال على نحو سافر وعلني، دون بناء تعاون عربي فعال.
  5. بالرغم من الإجراءات التعسفية لحجب الإعلام الخارجي عن الشعب التونسي، إلا أن طبيعة الإعلام الكوني الذي لا يعترف بالحدود السياسية، قد ترسب في ضمير الكثير من فئات الشعب، خاصة فئة الشباب الذي كان يبحث عن مستقبل أفضل. وقد كانت الفجوة الواسعة بين الإعلام الداخلي، الذي يعمل على تحسين صورة النظام، والإعلام الخارجي الذي يظهر حقيقة هذا النظام وأخطاءه، كفيلاً ببناء رأي عام مناهض للسلطة التونسية.
  6. تصاعد الخلاف بين الغرب والنظام التونسي، وكانت أهم مظاهره الآتي:

أ. توجه الغرب، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لبناء الشرق الأوسط الجديد، وذلك يتطلب تغييرات في نظم الحكم القديمة، وتصعيد التيار الإسلامي السياسي. وكانت تونس مهيئة لذلك.

ب. تصعيد الاتهامات للنظام التونسي بعدم الشفافية والعدالة.

ج. فتور دعم الغرب للنظام الحاكم، وتصعيد انتقاداته في مسائل حقوق الإنسان، والتعامل مع القوى السياسية المعارضة.

د. مساندة الغرب لحركة الإخوان المسلمين، بحسبان أنها حركة وسطية غير متشددة، واعتماده عليها في تغيير مسار المنطقة، خاصة في مجال احتواء الإرهاب، ومن هنا أظهر الغرب تعاطفه مع حركة النهضة في مواجهة النظام التونسي.

هـ. للضغط على النظام التونسي، أقدم الغرب على تقليص الاستثمار في تونس.

  1. السيطرة العائلية على الحكم

سيطرت عائلة الرئيس “زين العابدين بن علي” وعائلة زوجته “ليلي الطرابلسي”، على أمور الحكم، وأطلق عليهما شعبياً “عصابة العائلة”، حيث قامت العائلتان بتطويع القوانين لتحقيق مصالحهما، وتحايلت للسيطرة على الأملاك والحصول على امتيازات، في مقدمتها القروض الضخمة بدون ضمان، ما أدى إلى تحول المؤسسات العمومية إلى ملكيات فردية لكثير من أعضاء هذه العصابة والمقربين إليهم.

  1. السياسة التعليمية المتدنية

أ. عملت الحكومة على استهداف النظام التعليمي وتطويعه، لتجفيف المنابع الدينية والثقافية، والعمل على زوال الحس الديني والأخلاقي، بما أدى إلى تفشي الانحلال الأخلاقي، وهو ما حاولت حركة النهضة استغلاله ضد النظام في نفس المجال، فقد تصاعد نقد الغرب للحكومة التونسية في تطبيقها للنظم التعليمية.

ب. أدى قرار “حق التلميذ في النجاح” إلى تدني المستوى العلمي، الذي أدى بدوره إلى صعوبة حصول المتخرجين من التعليم على عمل نظراً لضحالة مستواهم العلمي.

ج. عدم سعي الحكومة إلى الربط ما بين مناهج التعليم ومتطلبات العمل، ما أدى إلى البطالة من جانب، وعدم حصول متطلبات العمل من جانب آخر.

  1. القمع والتعتيم الإعلامي لإخفاء سلبيات النظام

أ. يُعد هذا القمع سمة من سمات النظام السلطوي لإحكام السيطرة على مقدرات الدولة، وغاب عن النظام أن ثورة الاتصالات قد حطمت القيود والحدود، وأصبح الإعلام يصل إلى الجميع في وقت واحد.

ب. توسع النظام في عمليات التعذيب الممنهج لسجناء الرأي، خاصة أصحاب الاتجاه الإسلامي، كذلك ترهيب الحقوقيين وتهديدهم والتضييق على أنشطتهم.

ج. التشديد على مراقبة المعلومات وتصفيتها عبر وزارة الاتصالات، واستعمال لغة خطاب سلطوي للتسويق لسياسة الدولة في الداخل والخارج، وتكليف النخب المأجورة للدعاية للنظام وتحسين صورته لدي الجماهير.

د. تركيز الإعلام على البرامج الرياضية، وبعض البرامج الاجتماعية المسجلة التي تتعرض للرقابة، كذلك التوسع في البرامج التي تؤيد النظام ويديرها إعلاميون مأجورون.

الأسباب الاقتصادية ـ الاجتماعية

  1. في عهد الرئيس “زين العابدين بن علي” تحكم في الاقتصاد التونسي ثلاث عائلات، هي الطرابلسي (عائلة زوجة الرئيس)، وبن عياد (عائلة الرئيس)، وبن بدر (صهر الرئيس)، وكلها عائلات متصاهرة، ولديها ميليشيات خاصة تتجسس على المواطنين، من خلال المقاهي ومكتبات الجامعات، كما أنها تمتلك معظم شركات الاتصالات والإنترنت والسياحة، ومساحات شاسعة من الأراضي.

وقد نجحت هذه العائلات في إغلاق أسواق العمل تجاه أي شركات أو مؤسسات أخرى، وتمكنت من التحكم في سوق العمل والاقتصاد التونسي تحكماً كاملاً، واستخدمت نظم الدولة الأمنية لخدمة أهدافها، بتطبيق نظم القهر والقضاء على المعارضة التي تحاول نقد أساليبها السلطوية.

  1. يمتلك “صخر الماطري” زوج ابنة الرئيس، بنك الزيتونة، وهو أول بنك إسلامي في تونس، ويمتلك ايضاً صحيفة الصباح أوسع الصحف التونسية انتشاراً، وإذاعة الزيتونة الإسلامية. كل ذلك وهو شاب في أوائل الثلاثينيات، وقد كشف موقع ويكيليكس، عن وثائق دعم مؤسسة الرئاسة له، بما فيها مصادرة ممتلكات، وتطويع القوانين العامة خاصة في المجال الاقتصادى من أجل حصوله على كل ما يريد من قروض وضمانات، وبما أدى إلى تحويل المؤسسات العامة إلى ملكية خاصة له.
  2. نتيجة لمحدودية سوق العمل، وإغلاق أسواق الرزق في وجه الشباب، فقد أفرز ذلك الآتي:

أ. لجوء خريجي الجامعات للعمل باعة جائلين في الأسواق، ولا سيما في المحافظات الجنوبية الأكثر فقراً، وانعداماً لفرص العمل.

ب. انتشار عصابات الجريمة المنظمة للسطو على الآمنين وتهديدهم.

  1. زيادة معدلات التضخم الذي نتج عنه ارتفاع الأسعار وعجز الميزان التجاري، بسبب تزايد الواردات ونقص الصادرات؛ ومن ثم تدهورت القدرة الشرائية للمواطن التونسي العادي، خاصة بعد انخفاض العملة التونسية (الدينار) أمام اليورو الذي هو عملة الاستيراد.
  2. أدت المحسوبية إلى عدم تكافؤ الفرص بين أفراد الشعب الواحد، وإلى وضع الرجل غير المناسب في مناصب لا يستحقها، مع وجود من هو أكفأ منه، كما أدى انتشار الرشوة إلى فساد اقتصادى كبير جعل هذا الاقتصاد يتسم بعدم الشفافية، وفقد كثير من مؤسسات الدولة صدقيتها في نظر الشعب في الداخل، وفي نظر المؤسسات الدولية التي تتعامل مع تونس، وفي مقدمة هذه المؤسسات التي اتسمت بعدم الشفافية (الأمن ـ الحكومة ـ القضاء ـ الجهات الإدارية).
  3. استعداء النظام المتسلط لرجال الأعمال، نظراً لسيطرة عائلات بعينها على اقتصاد الدولة، والذي أدى بدوره إلى انكماش الاستثمارات الوطنية، إلى جانب انكماش الاستثمار الأجنبي الذي يشترط الشفافية ونزاهة المؤسسات الحكومية، وكل ذلك أدى إلى تباطؤ إيجاد فرص العمل للشباب.
  4. التمييز في تنمية أراضي الدولة، فبينما تهتم الحكومة بتنمية الشريط الساحلي، فإنها تهمل التنمية في عمق البلاد خاصة محافظات الجنوب، وقد أدى ذلك إلى تدهور الأحوال الاقتصادية في محافظات الجنوب، وتوجه سكانها إلى الاقتصاد الموازي الذي يعتمد على التهريب، وعدم دفع الضرائب، وكانت المناطق المتاخمة للحدود الليبية والجزائرية هي الأكثر في عمليات التهريب.
  5. في مواجهة كل هذه السلبيات لم تشرع الحكومة التونسية في إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية للتغلب على المشكلات التي تسود المجتمع، بل جعلت السياسة الأمنية بديلاً للحلول العملية والسياسية، وارتضت أن يستمر نهج الاقتصاد التونسي معتمداً على السياحة وصناعة النسيج وتصدير الفوسفات وزيت الزيتون، ولم تفطن بأن هذا النهج بدأ يتقلص نتيجة التهديدات المجتمعية وكراهية النظام.

مما سبق، فإن كل عوامل وأسباب الثورة كانت تلوح في الأفق، وتشعر بها الجماهير وتستعد لها، بينما كان النظام غائباً عما يحدث في الشارع التونسي، ويهتم بحصاد المصالح له وللتابعين، فكان تفجر الثورة هو الشيء الوحيد الممكن لإنقاذ شعب تونس مما يعانيه.

المبحث الخامس: تطور أحداث الثورة

بدأت الانتفاضة التونسية، في 17 ديسمبر 2010، بسلسلة اضطرابات بدأت في مدينة منزل بو زيان بولاية سيدي بو زيد وسط تونس (265 كم من العاصمة)، بإقدام الشاب محمد بوعزيزي على الانتحار بإشعال النار في نفسه (اُنظر صورة الشاب محمد بوعزيزي)، عندما أظلمت الدنيا في عينيه، وهو شاب جامعي لم يجد فرصة عمل بعد تخرجه، واضطر أن يعمل بائعاً متجولاً على عربة خضروات وفاكهة، حتى يجد قوت يومه له وأسرته، وفي هذا اليوم داهمته قوات الأمن، وصادرت عربته ورُفض طلبه في استعادة العربة.

مس هذا الحادث شعور الآلاف من الشباب والأسر التي تعاني نفس المصير وتقع تحت تهديدات الأمن، وأعمال العنف والاعتقالات، لذلك، فقد انتشرت تفاصيل هذا الحادث بسرعة البرق إلى أرجاء المناطق المحرومة في تونس، حيث أعقبها حادث مماثل لشاب جامعي يعاني من الفقر والبطالة. وسرعان ما اشتعلت مظاهرات الاحتجاج، وامتدت هذه التظاهرات إلى مدن رئيسية منها صفاقس والقيروان وسوسة ومدنين، وانتهت بالعاصمة تونس، لتصبح الاحتجاجات عامة، وتواجه قوات الأمن، ثم الجيش بكل أنواع التحدي، حتى تحولت الانتفاضة إلى ثورة شاملة أطاحت برؤوس النظام، وفي مقدمتهم رئيس الدولة “زين العابدين بن علي”.

جاءت الاحتجاجات بشدتها وسرعة انتشارها مفاجئة للنظام وقوات الأمن على السواء، ولم يكن الرئيس “زين العابدين بن علي” لديه القدرة والشجاعة على مواجهة الموقف سياسياً، حتى لو قدم العديد من التنازلات والقرارات من أجل تهدئة الجماهير، وإصلاح ما أفسده الأداء المتدني للحكومة، وسيطرة الأسر على اقتصاد الدولة. ولكن لجأ إلى الحلول الأمنية التي قُوبلت بتحد كامل من المتظاهرين.

في السياق نفسه، لم يراقب الرئيس التونسي ما يدبره النظام العالمي تجاهه وتجاه المنطقة، فكانت قراراته الداخلية تُتخذ على أن الغرب ظهير له وحليف لحكمه، وهذا مخالف تماماً للواقع، فكانت قراراته خاطئة أبداً، وتأتي رد فعل لما فات أوانه، ولا يساير حقيقة الموقف على أرض الواقع، بل تؤدي إلى ارتفاع سقف المطالب الجماهيرية.

وأخطأ الرئيس التونسي عندما اعتقد أن الانتفاضات التي تشتعل في كل مكان، يدبرها إرهابيون وخارجون عن القانون، دون أن يحاول تعرف الأسباب الحقيقية لهذا الامتداد الاحتجاجي في مشارق الدولة ومغاربها، بل أنه زاد من حدة التظاهرات عندما سخر من المتظاهرين وتوعدهم بالعقاب، واتهمهم بأن جهات أجنبية تحركهم.

على الرغم من الطابع العفوي للثورة، إلا أنها جاءت نتيجة حتمية لسياسات النظام الغوغائية في قسوتها ضد المعارضة، لاسيما الإسلامية منها. وقد ربط “بن علي” بقاءه في السلطة بشعار التهديد الإسلامي، الذي يرفعه في كل مناسبة ليبتز به الغرب وبعض النخب المرتعبة من الإسلاميين في الداخل.

كشفت الثورة في تونس عن علاقة وثيقة بين النظام الحاكم والكيان الصهيوني، فقد كشفت بعض المصادر عن أن قوات الأمن التونسية كانت تستخدم قنابل غازات مسيلة للدموع إسرائيلية الصنع لتفريق المتظاهرين. كما كان هناك تعاونٌ استخباراتي، إلى جانب مشروع ترجمة الكتب العبرية.

استمرت الاحتجاجات والتظاهرات تنتقل في أرجاء تونس نحو أربعة أسابيع (28 يوماً)، في الفترة من 17 ديسمبر 2010 وحتى 14 يناير 2011، حين غادر الرئيس التونسي “زين العابدين بن علي” مطار قرطاج الدولي، على طائرة ليبية أرسلها له الرئيس الليبي “معمر القذافي”، حملته وأسرته وما خف حمله من النقود والذهب إلى المملكة العربية السعودية، لاجئاً سياسياً، بعد أن رفضت العديد من الدول الأوروبية المتحالفه معه (سابقاً) استقباله.

ومنذ تلك اللحظة حدثت تحولات جذرية في تونس أهمها:

  1. أن الثوار عدوا أن سقوط النظام يمثل الهدف الرئيس لهم، ولم يضعوا الأسس لبداية التحول وبناء تونس الجديدة، بل أنهم تفرقوا ومنحوا الفرصة الذهبية للتيار الإسلامي ـ المحظور سابقاً ـ للقفز على الحكم، حيث كانت عودة زعيم حركة النهضة “راشد الغنوشي” إلى البلاد، في نهاية شهر يناير 2011، بعد 22 عاماً قضاها في منفاه في لندن، بادرة للاستيلاء على النظام لم يفطن إليه الثوار.
  2. يرى كثير من المحللين أنه لم يكن قفز التيار الإسلامي على السلطة ممثلاً في تيار النهضة، الذي سرعان ما تحول إلى حزب وجمع حوله حزبين آخرين مؤتلفاً معهما ليحكم تونس ويستقطب الجماهير، مجرد صدفه أو نتيجة لشأن داخلي خالص، ولكن تنفيذاً لخطة متكاملة في نطاق إستراتيجية بناء الشرق الأوسط الجديد، الذي يعتمد في حكمه على تنظيم سني إسلامي على نمط الدولة العثمانية القديمة، ويجابه التيار الشيعي، ويحتوي أقطاب الفاشية الإسلامية ويبعدهم عن أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
  3. على مدى ثلاث سنوات متصلة لم يتحقق الاستقرار لتونس، ولم ينجح التيار الإسلامي في تحقيق العدالة الاجتماعية أو الديموقراطية، أو بناء دولة حديثة، وبدأ ينكشف أمره داخلياً، وبدأت الجماهير والأطياف والمنظمات تطالب بالحرية وحقوقها المفقودة.
  4. لعبت النقابات العمالية (اتحاد الشغل) والجمعيات المهنية التونسية دوراً حاسماً في استمرار الثورة وتوسيع نطاقها، إلى ما بعد المناطق النائية التي بدأت فيها، وذلك بالرغم من تحييد هذه النقابات والجمعيات في ظل نظام “بن علي”، إلا أن العديد من قيادات النقابات انضموا إلى الثورة وقرروا في لحظة حاسمة تجاوز مخاوفهم إزاء سطوة النظام واستبداده.

أولاً: تطور الأحداث

  1. بدأت الأحداث بإضرام الشاب الجامعي محمد بو عزيزي النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بو زيد، يوم 17 ديسمبر 2010، بعد أن رفض مسؤولون محليون قبول شكواه بتسليمه عربة الخضار والفاكهة التي صادرتها الشرطة منه، حيث إنها تمثل مصدر رزقه الوحيد، وقد جاء هذا التصرف نتيجة لإحساسه بالضياع، بدليل رسالة حررها إلى أمه تحمل كل معاني الأسي، قال فيها: “مسافر يا أمي، سامحيني، ما يفيد ملام، ضايع في طريق ما هو بإيديا، إن كنت عصيت كلام أمي، لومي على الزمان، ما تلومي علي، رايح من غير رجوع، كتير ما بكيت، وما سالت من عيني دموع، ما عاد يفيد ملام على زمان غدار في بلاد الناس، أنا عييت، ومش من بالي كل اللي راح”.

تمكن المحيطون بالشاب بو عزيزي من إطفاء النيران المشتعلة به بعد أن أصيب بحروق شديدة أدخلته المستشفي، حيث توفي في 5 يناير 2011، ولكن هذا الحادث حرك المياه الراكدة في تونس كلها بدءاً من ولاية سيدي بو زيد.

  1. في أعقاب ذلك انطلقت التظاهرات في سيدي بوزيد(اُنظر صورة بداية الانتفاضة)، على مدار الفترة من 18 – 23 ديسمبر 2010، حيث وقعت مصادمات شديدة بين الأمن والمتظاهرين المحتجين، وقامت قوات الأمن باعتقال العشرات من المحتجين، الأمر الذي شاع إعلامياً، ووصل إلى سائر أرجاء البلاد، خاصة المناطق المحيطة بولاية سيدي بو زيد، بعد إشعال شاب آخر في نفسه النيران احتجاجاً على تردي الحالة الاقتصادية في الولاية.
  2. مع استمرار التظاهرات، بدأت موجات الغضب في ولاية سيدي بو زيد، اعتباراً من 24 ديسمبر 2010، تخرج عن سيطرة الأمن، الذي لجأ إلى استخدام الرصاص الحي لإيقاف الاحتجاجات، حيث سقط قتيلان في مدينة منزل بو زيان التابعة لنفس الولاية، ما أدى إلى تزايد موجات الغضب وانتقالها إلى الولايات المجاورة، بدءاً من 27 ديسمبر 2010، إذ تعاظم نقل الإعلام الدولي خاصة قناة الجزيرة، والعربية والقنوات الأجنبية للأحداث، كاملة، ما أدى إلى نقل صورة الاحتجاجات إلى العالم أجمع.
  3. اشتدت الحركات الاحتجاجية في الولايات المجاورة لولاية سيدي بو زيد، وولايات أخرى بعيدة عنها، واستخدمت قوات الأمن أقصي درجات العنف في التصدي للتظاهرات، وسقط قتلي برصاص الأمن في ولايات القصرين، والرقاب، وبدأت العديد من الولايات الأخرى في الاستعداد للمشاركة في التظاهرات والاحتجاجات.

على الجانب الآخر، قام الإعلام الرسمي للدولة بتشويه صورة التظاهرات، وتوجيه الاتهامات للتيارات الإسلامية باستغلال الوضع الداخلي، وتأجير الإرهابيين والمنحرفين لإشعال موجات الغضب، بهدف إشاعة عدم الاستقرار في البلاد.

  1. بعد 13 يوماً من موجات الاحتجاج(اُنظر صورة أحد مظاهر الاحتجاجات)، في 30 ديسمبر 2010، جاء أول رد فعل من الرئيس التونسي، حيث ألقي خطاباً مسجلاً في وسائل الإعلام، يتهم فيه المتظاهرين بالعمالة ويعدهم بمحاكمات على ما اقترفوه في حق الشعب التونسي. وأصدر عدة قرارات، منها عزل العديد من رؤساء الولايات، منها ولاية سيدي بو زيد، ووعود بتوفير فرص عمل، وشفافية التحقيقات مع المعتقلين، وتقديم المتهم منهم إلى العدالة.

ولكن ذلك لم يغير في الأمر شيئاً، حيث جاء الخطاب متأخراً جداً، وبعد أن اجتاحت التظاهرات الولايات الجنوبية وفي وسط تونس، والنداء بإسقاط النظام حلاً وحيداً، إلى جانب انتقال الاحتجاجات إلى ولايات الساحل.

بدأت أصوات تتساءل عن أسباب عدم تدخل الجيش لإيقاف الاحتجاجات، وكان الرد هو أن الجيش ـ دستورياً ـ ليس له شأن بالسياسة، ومن ثم لم يكتسب خبرات التصدي للتظاهرات، أو خبرة الدفاع عن النظام القائم، أو في ضبط البلاد في مواجهة الانتفاضات الشعبية. وكل ذلك ينحصر في مهام الأمن، الذي يحرص الرئيس على تقويته، حتى في مواجهة الجيش نفسه، تخوفاً من الانقلابات العسكرية.

في الوقت نفسه، بدأت أصوات المعارضة تخرج للإعلام، وتدين لجوء السلطة إلى القوة ضد المتظاهرين، وتطالب بتنمية شاملة وعادلة لمحاربة الفقر. كما طالبت المعارضة تشكيل حكومة إنقاذ وطني لتصحيح مسار الدولة.

  1. في الفترة من 1 – 7 يناير 2011، انتشرت المواجهات العنيفة في أرجاء متفرقة من البلاد بين المتظاهرين، الذين تطورت مطالبهم من مجرد عيش كريم وفرص عمل والقضاء على الفساد، إلى إسقاط النظام، وبدأت موجة جديدة من الاحتجاجات بحرق مقار الحزب الحاكم (حزب التجمع الدستوري الديموقراطي)، إلى جانب مقرات حكومية أخرى فيالعديد من المحافظات.

سببت وفاة الشاب “بو عزيزي”، في 5 يناير 2011، بعد فشل علاجه من الحروق التي أصيب بها، غضباً شعبياً جارفاً، ترجم إلى عنف في التظاهرات ، ولم يشفع للرئيس التونسي عند المتظاهرين زيارته في المستشفي بعد الحادث، وإصدار الأوامر بالعناية بعلاجه . وأصبح هذا الشاب من تلك اللحظة هو الرمز للثورة التونسية .

  1. استمرت التظاهرات في معظم الولايات، مع بداية اقترابها من العاصمة، وكانت ولايات سيدي بو زيد، والقصرين، والقيروان، والرقاب، هي الأشد في الاحتجاجات، وتوسعت قوات الأمن في استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين دليلاً على فشلها في السيطرة على الموقف، وأدى ذلك إلى سقوط نحو 50 قتيلاً وعشرات الجرحي من المتظاهرين. واستخدمت قوات الأمن فرق من القناصة، لاصطياد النشطاء من المتظاهرين. ولكن ذلك لم يوقف سيل التظاهرات الذي بدأ يقترب من ولايات الساحل، وفي مقدمتها العاصمة تونس. كما ترددت بيانات الإدانة من قوى العالم المختلفة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، وكلها تنادي الحكومة باتخاذ إجراءات لإيقاف العنف وحل مشكلات الجماهير الغاضبة.
  2. أمام موجات العنف، قررت الحكومة، في 10 يناير 2011، إيقاف الدراسة بالمدارس والجامعات، ومنع التجمعات في المناطق الحيوية والميادين. كما ألقى الرئيس “بن علي” خطاباً إلى الشعب التونسي، وصف فيه ـ لأول مرة منذ بدء الانتفاضة ـ الاحتجاجات الجارية بأنها “أعمال إرهابية تمارسها عصابات ملثمة”، وأشار إلى التيار الإسلامي الذي يهدد البلاد، وذلك في محاولة منه لاستقطاب القوى الغربية لصالحه. وأعلن في الخطاب نفسه، عن حزمة قرارات لصالح الجماهير، منها تدبير 300 ألف وظيفة للعاطلين وبمشاركة القطاع الخاص، خاصة الحاصلين على شهادات جامعية، كذلك القضاء على الفساد في مؤسسات الدولة. كما اقترح عقد ندوة وطنية تشارك فيها المجالس الدستورية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والجامعيين، بهدف اقتراح خطط إستراتيجية جديدة لدعم سياسة العمل، وتعهد بإعطاء دفعة جديدة للإعلام وتخصيص مساحات إعلامية أوسع لولايات الجنوب لتعبر عن مشكلاتها.
  3. لم يكن لخطاب الرئيس أي تأثير في الموقف، حيث دخلت التظاهرات، منذ صباح يوم 11 يناير، منعطفاً جديداً بانتشارها في أرجاء العاصمة والعديد من المدن الساحلية الرئيسة، وهو تحول خطير لم يكن يتوقعه النظام، وجاء نتيجة للفشل في إصدار القرارات السياسية. لعلاج الموقف في الوقت المناسب، وفشل قوات الأمن في التعامل مع التظاهرات السلمية. وسارت عدوى التظاهرات بين المدن التي عانت كثيراً، خاصة أن السبب مشترك، ونشطت النقابات العمالية والجمعيات المدنية، وربما تكون هناك قوى أخرى ساندت هذه التظاهرات، وقد صاحبت التظاهرات في العاصمة أعمال عنف ونهب وحرق للمقرات، وتهديد كامل للأمن.
  4. أمام فشل قوات الأمن في السيطرة على الموقف، صدرت الأوامر لقوات الجيش، في 12 يناير، بالانتشار في العاصمة وفي بعض الأحياء الشعبية المحيطة بها، للسيطرة على الموقف ودعم قوات الأمن. وقد أدى تدخل قوات الجيش في هذا اليوم إلى سقوط نحو ثمانية قتلى وعشرات المصابين. كما أُعلنت إقالة وزير الداخلية “رفيق بلحاج قاسم”، في محاولة لتهدئة المتظاهرين واستعادة السيطرة على البلاد. وأعلن رئيس الوزراء “محمد الغنوشي” الإفراج عن المعتقلين، فيما عدا المتورطين في أعمال عنف، في محاولة لتهدئة الموقف. كما أُعلن عن سقوط أول قتيل يحمل جنسية أجنبية، وهو الفرنسي من أصل تونسي “حاتم بلطاهر”، الذي قتل في مدينة توز بولاية قبلي جنوبي غربي تونس.

وأُعلن فرض حظر التجوال ليلاً، في محاولة أخرى من السلطة لاستعادة السيطرة على الشارع التونسي، وإيقاف أعمال حرق المقرات والنهب في العاصمة وضواحيها، وارتفعت وتيرة الاعتقالات، بما فيها اعتقال الناطق باسم حزب العمال الشيوعي المحظور “حجه الهمامي”، واتخذت إجراءات لتقييد الإعلام، ومنع وصول الإعلاميين إلى أماكن المتظاهرين، ومصادرة أي أنباء تمس الأوضاع في تونس.

  1. بالرغم من كل الإجراءات الأمنية، فقد اشتدت الاحتجاجات في العاصمة، واضطر الجيش إلى الانسحاب بقواته من وسط العاصمة إلى الأطراف التي تشتد فيها التظاهرات، تاركاً للأمن مسؤولية تأمين المناطق التي انسحب منها. وازدادت أعداد القتلى والجرحى، كما ازدادت عمليات حرق المرافق والمقرات، وامتدت إلى حرق ممتلكات الأفراد من عائلة الرئيس وعائلة زوجته، خاصة في منطقة الحمامات السياحية جنوبي تونس العاصمة. وتعالت الاحتجاجات الدولية على النظام التونسي، سواء من الولايات المتحدة الأمريكية أو دول الاتحاد الأوروبي، مطالبة الحكومة التونسية باتخاذ إجراءات فورية لإيقاف العنف وتحقيق مطالب الجماهير.

ألقي الرئيس التونسي خطابه الثالث والأخير في هذه الأزمة، وأعلن فيه عدم ترشحه لانتخابات عام 2014، وكرر جملة “لا رئاسة مدى الحياة. لا رئاسة مدى الحياة”، ووعد بإصلاحات ديموقراطية وبإطلاق الحريات العامة.

  1. تسارعت الأحداث يوم 14 يناير، وخصوصاً امتداد التظاهرات وشدتها في مواجهة قوات الأمن في قلب العاصمة تونس، ما حدا بالرئيس التونسي إلى اتخاذ العديد من القرارات أهمها:

أ. إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وعودة الجيش بقوة إلى شوارع العاصمة، التي باتت تشهد حالة انفلات أمني، وذلك في ظل عناصر أمنية مرتبطة بالنظام تحرق وتزرع الرعب، وهو ما تأكد لدي أجهزة الاستخبارات.

ب. إعلان حل الحكومة، وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة.

ج. منع التجمعات لأكثر من ثلاثة أشخاص، حيث يجرى القبض عليهم أو إطلاق النيران تجاههم في حالة محاولتهم الهرب.

د. تقييد ما ينشر في وسائل الإعلام، وفرض رقابة شديدة على النشر، ومنع مندوبي وسائل الإعلام من الوصول إلى أماكن الاضطرابات لنقلها عبر وسائل الإعلام.

ثانياً: موقف الجيش من النظام

يذكر الجنرال “رشيد عمار” رئيس أركان جيش البر التونسي (القوات البرية) (اُنظر صورة الجنرال رشيد عمار)، أنه رفض إطلاق النار على المتظاهرين، وأن جنوده حاولوا حماية هؤلاء المتظاهرين من بطش الشرطة وأعوان الأمن، وأكد أنه تمسك باحتضان ثورة الشعب ورغبته الجامحة في التغيير، كما أصدر أوامره بإيقاف عصابات القتل والنهب والتخريب.

وعن موقف الجيش من الرئيس “بن علي”، يذكر الجنرال عمار أنه ذهب إلى قصر قرطاج، يوم 14 يناير 2011، وبعد محاولات مستميتة تمكن من لقاء الرئيس “بن علي” وخاطبه بمنتهي الجدية “لقد انتهيت، ولابد أن تتنحى عن الحكم”، وهو ما حدث فعلاً.

وقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بأن الجيش هو الذي أجبر الرئيس على التنحي ومغادرة البلاد، حتى تهدأ الأمور ولا يزداد الموقف حرجاً.

ثالثاً: مغادرة الرئيس التونسي للبلاد

لم تستطع قرارات الرئيس وإجراءاته إيقاف الاحتجاجات التي اقتربت من القصر الرئاسي نفسه، وباتت تهدد الرئيس وأسرته. لذلك قرر الرئيس المغادرة، وأجري العديد من الاتصالات، أهمها:

  1. اتصال بالعقيد القذافي (رئيس ليبيا)، لتدبير طائرة لتنقله من تونس إلى المكان الذي يلجأ إليه.
  2. اتصالات مع العديد من دول أوروبا يطلب اللجوء إليها، وكلها رفضت ذلك.
  3. اتصال بالمملكة العربية السعودية، والتي وافقت على استقباله لأسباب إنسانية.

في مساء يوم 14 يناير، أعلن الوزير الأول “محمد الغنوشي” نفسه رئيساً مؤقتاً لتونس، اعتماداً على الفصل 56 من الدستور، وهو ما أثار غضب المعارضة، التي اتهمته بمحاولة الالتفاف على ما حققته الانتفاضة الشعبية. وقد ادعى الغنوشي أنه أخذ تفويضاً من الرئيس السابق بذلك، كما أعلن عن إجراء مشاورات مع الأحزاب والقوى السياسية من أجل التهدئة والخروج بتونس إلى بر الأمان.

وبالرغم من إعلان الغنوشي احترامه للدستور والشروع بالقيام بإصلاحات سياسية واجتماعية، إلا أن تظاهرات صاخبة خرجت عقب إلقاء بيانه، تطالبه بالرحيل.

وفي هذا اليوم أيضاً، استمرت العناصر الأمنية المؤيدة للنظام السابق في إجراء أعمال عنف عشوائية ضد أفراد الشعب. وضد المنشآت والأهداف الحيوية بدافع النهب والسرقة. في الوقت نفسه، بدأت رموز النظام السابق في البحث عن محاولات للهرب خارج تونس، سواء عبر الحدود مع ليبيا أو الجزائر، أو من خلال وسائل أخرى، إلا أن البعض منهم اعتقل.

ويمكن تلخيص أسباب نجاح الثورة في الآتي:

  1. هشاشة النظام في تونس، بالرغم من كل إجراءات الأمن والحماية التي نسجها النظام حول نفسه، واقتنع بتحصينها ضد كل تيارات مضادة.
  2. هشاشة نظام الأمن، الذي لم يكن يعتمد على أسس علمية في متابعة الموقف والحصول على معلومات وتحليلها ورسم سيناريوهات المستقبل، ولم يقدر احتمالات وقوى الشعب ضده.
  3. التعبئة الشعبية ضد النظام الفاسد، فعندما جاءت لحظة الانفجار لم يتمكن أحد من مواجهتها أو إيقافها. وهو أمر يحسب للشعب التونسي عندما قرر الثأر لكرامته.
  4. التردد في استخدام الجيش للتصدي للتظاهرات كان إجراءً إيجابياً لصالح الثورة نفسها، حيث مكّن الاحتجاجات من التغلب على إجراءات الأمن القمعية.

رابعاً: خسائر الثورة

تعددت خسائر الثورة فيما بين خسائر بشرية ومادية ومعنوية، فالخسائر البشرية راوحت ما بين 150 – 200 شهيدٍ، طبقاً لمصادر متعددة، أهمها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، كما أدت إلى إصابة المئات من أفراد الشعب التونسي.

والخسائر المادية قدرت بعدة مليارات من الدولارات، سواء نتيجة تعطل عجلة العمل أو التدمير أو النهب، أو توقف الاستثمارات الخارجية والداخلية، وما زال الاقتصاد التونسي بعد ثلاث سنوات من الثورة يعاني ركوداً وتضخماً شديداً يؤثر على فئات الشعب المختلفة.

المبحث السادس : مسار الأحداث بعد رحيل نظام بن علي

احتفل الشعب التونسي بنجاح ثورة الياسمين، أو ثورة الكرامة كما أطلقت عليها جموع الشعب القائمة بالثورة. وعدوا أن رحيل النظام هو الهدف الرئيس، ولم يكن لديهم البديل بعد نجاح المرحلة الأولى من الثورة، لذلك فقد تعرضت الثورة ذاتها لتقلبات شديدة، وخيارات لم يكن الثوار مدركين خطورتها على التحول الديموقراطي للدولة. في مقدمة تلك التقلبات

  1. من يحكم تونس بعد الثورة

وفي هذا المجال، فقد لعبت القيادات السياسية والحزبية أدواراً خطيرة للحفاظ على مكانتها في السلطة، دون احتساب أو فهم لأهداف الثورة الحقيقية، التي كانت تلفظ هذه القيادات نفسها إبان النظام السابق. لذلك استمرت القلاقل في الشارع التونسي.

  1. دور الجيش التونسي فيما بعد الثورة

وهو دور مهم وضع عليه الثوار آمالاً عريضة في حماية الثورة، وتحقيق أهدافها بوصفه القوة التي أقنعت النظام السابق بالرحيل، وهي التي تصدت لإجراءات الخروج عن النظام من قوات الأمن التابعة للرئيس السابق لإيقاف أعمالها الإرهابية ضد الشعب التونسي.

  1. موقف الحركات الإسلامية، وفي مقدمتها حركة النهضة

وهي حركات كانت متربصة للقفز على الحكم، وثبت أنها كانت مدعمة من القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، لحكم تونس في نطاق مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يحكم من خلال تنظيم سني واسع الانتشار.

  1. موقف المعارضة التونسية للنظام السابق

وهي معارضة كانت تعتمد على النقابات المهنية، وفي مقدمتها “اتحاد الشغل التونسي”، إلى جانب بعض الأحزاب الأخرى، ولم تحاول تلك المعارضة تجميع نفسها إلا بعد أن قفز الإسلاميون إلى السلطة.

  1. موقف الأحزاب التونسية سواء القديمة أو التي أعلنت بعد الثورة

ومعظم هذه الأحزاب كان محدود القدرة، لذلك اتسعت دائرة بناء الائتلافات الحزبية.

  1. موقف القوى العالمية من الثورة

وهو موقف كان غامضاً على الثوار وقتها، ولم يخطر ببال أحد منهم أي احتمالات لتآمرات، أو تحقيق أهداف عالمية لاستقلال الثورة في تونس، وتصرف الثوار على هذا الأساس. لذلك اصطدم مسار الثورة بالعديد من العوائق التي لم تكن في الحسبان.

  1. الموقف العربي من الثورة

وينقسم إلى العديد من التوجهات، حيث لحقت بثورة تونس ثورات شملت دول الربيع العربي، وهناك دول أخرى في المحيط الإقليمي لتونس أو بعيداً عنها اتخذت من الإجراءات ما يؤمن مسار الحكم فيها، ولكن أثر في الثورة في تونس انعكس عليها بتأثيرات متفاوتة

أولاً: مسار الأحداث بعد مغادرة الرئيس التونسي السابق

  1. مسار الحكم في تونس خلال شهر الثورة (يناير 2011)

لم يقبل المجلس الدستوري (البرلمان التونسي) إعلان الوزير الأول “محمد الغنوشي” نفسه رئيساً للبلاد، لأن ذلك يخالف الدستور، وأعلن المجلس رسمياً، في 15 يناير 2011، شغور منصب الرئيس، وطبقاً للدستور فإن المنصب ينتقل مؤقتاً إلى رئيس مجلس النواب “فؤاد المبزغ” (اُنظر صورة فؤاد المبزغ)، والذي كان أول قرار له تكليف رئيس الوزراء “محمد الغنوشي” بتشكيل حكومة جديدة، يُعلن عنها في اليوم التالي مباشرة، وبعد إجراء مشاورات مع الأحزاب القائمة ومنظمات المجتمع المدني. وكان ذلك أول إجراء تخسر فيه الثورة أهدافها، حيث ظلت الوجوه القديمة على الساحة السياسية تقود البلاد دون إدراك لأهداف الثورة، أو فكر التغيير الذي قامت الثورة من أجله، ولم يتضح لدي الثوار مغزى بقاء أقطاب النظام السابق على سدة الحكم.

أعلن رئيس الوزراء المكلف “محمد الغنوشي”، يوم 17 يناير 2011، عن تشكيل حكومة تونس بعد الثورة، بدخول قادة أحزاب المعارضة في بعض المناصب الوزارية، بينما حافظ الغنوشي على العديد من المناصب الوزارية السيادية لوزراء سابقين من حزب التجمع الدستوري الديموقراطي، الذي كان يرأسه الرئيس السابق “زين العابدين بن علي”، بما أدى إلى اندلاع تظاهرات رافضة للتشكيل الوزاري بوصفه امتداداً للدكتاتورية السابقة.

في الوقت نفسه، أعلن الناشط العلماني المعارض “المنصف المرزوقي” رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو حزب علماني يساري محظور في عهد النظام السابق، ترشحه للانتخابات الرئاسية التي ستجرى بعد شهرين (طبقا لما ينص عليه الدستور خلو منصب الرئيس).

من أجل تهدئة الموقف، قدم رئيس الوزراء “محمد الغنوشي”، والقائم بعمل رئيس الجمهورية “فؤاد المبزغ” استقالتهما من حزب التجمع الدستوري الديموقراطي، يوم 18 يناير 2011، وذلك في إطار “فصل الدولة من الأحزاب”. كما اعترف الغنوشي لأول مرة، بأن زوجة الرئيس السابق “ليلي الطرابلسي” هي التي كانت تحكم البلاد بصورة فعلية. ورفض الاتحاد العام التونسي للشغل الاعتراف بالحكومة الجديدة، ودعا الاتحاد ممثليه الثلاثة في الحكومة الجديدة للانسحاب.

في اليوم التالي تجددت التظاهرات ضد تشكيل الحكومة الجديدة، للمطالبة بإقالة كل الوزراء المنتمين لنظام “بن علي”، ومع ذلك أعلنت الحكومة تخفيض ساعات حظر التجوال. وأعلنت الحكومة التونسية البدء في مناقشة مشروع العفو العام، ومناقشة مبدأ الفصل بين الحكومة والحزب الحاكم السابق، وتم إقرار هذا القانون في اليوم التالي، ويشمل العفو عن سجناء سياسيين، والاعتراف بالحركات السياسية كافة، بما فيها حركة النهضة الإسلامية المحظورة.

تزايدت ضغوط الشارع التونسي للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء، ورفعت شعارات “ارحل”، وحاصرت مكاتب الحكومة، ولم تلتفت إلى تصريحات الغنوشي عن تقديم استقالته بعد الانتخابات التشريعية. وقد استجابت الحكومة التونسيه لمطالب الجماهير وأُعيد تشكيل الحكومة دون الوزراء من العهد الماضي، وأُعلن التشكيل الجديد، في 28 يناير 2011، من 22 وزيراً. في الوقت نفسه استمرت حملات القبض على المسؤولين السابقين وتوجيه اتهامات تراوح ما بين الفساد والخيانة العظمي، كذلك أصدر الانتربول الدولي مذكرة اعتقال في حق الرئيس التونسي السابق.

كان لبداية الثورة في مصر، في 25 يناير 2011، أثراً قوياً في دعم الثورة التونسية، وإصرار الثوار على مواصلة كفاحهم لتحقيق أهداف الثورة.

في نهاية شهر يناير 2011، عاد زعيم حركة النهضة المحظورة سابقاً “راشد الغنوشي” العضو في مكتب الارشاد العالمي لجماعة الأخوان المسلمين إلى تونس، بعد 22 عاماً قضاها في منفاه في لندن، وكان قد صدر ضده أحكام في تونس في عهد النظام السابق بالسجن مدى الحياة، وكانت عودته تستند على قرار الحكومة بالعفو العام عن السجناء السياسيين.

  1. خسائر الثورة من منظور عالمي

في بداية شهر فبراير 2011، أعلنت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عن خسائر الثورة التونسية، بأنها تقدر بـ 147 قتيلا، إلى جانب 72 فرد أمن من المسجونين قتلوا أثناء الاضطرابات، ونحو 510 مصاباً. وتُعد هذه الاحصائية تقديراً مبدئياً في هذا الوقت وليست نهائية.

ثانياً: تحول الانتفاضة في تونس إلى ثورة، وسيطرة الاسلاميين على الحكم

في تاريخ الثورات، كما هو الحال في تونس، فإن الثورة تبدأ بانتفاضة، وعندما تحقق أهم أهدافها فإنها تصنف ثورة، وتتوقف مسيرتها طبقا لإرادة الثوار أنفسهم والمناخ العام محلياً ودولياً المحيط بالثورة نفسها.

ويميز ثورة تونس أنها كانت ثورة تلقائية ضد الظلم والفساد، وتستهدف بناء حياة ديموقراطية سليمة، وقد شارك فيها الشعب كله تقريبا، بوازع من ضميره واحتياجاته، ولم تكن لها قيادة تتحكم في مسيرة تطورها. لذلك وجد التيار الديني ضالته المفقود في القفز عليها.

لم تتوقف أحداث الثورة بمغادرة الرئيس “زين العابدين بن علي” للبلاد، ولكن استمرت القلاقل والتظاهرات في أرجاء تونس، وظهر دور الجيش في محاولات حفظ النظام بعد فشل قوات الأمن في ذلك، وأحيل 30 مسؤولاً كبيراً من قوات الأمن إلى التقاعد نظراً لارتباطهم بالنظام السابق.

كان هناك ارتباك شديد في إدارة الدولة، نشأ ما بين إرادة الثوار أنفسهم في التغيير والقضاء على النظام السابق، وما بين الفراغ الناشئ في الدولة، وتمسك أقطاب هذا النظام بإدارة الدولة لعدم وجود القيادة المؤهلة لتولي المسؤولية، وأدى ذلك إلى تعدد تغيير وزراء من الحكومة، أو الحكومة نفسها.

بدأ تصاعد دور حركة النهضة الإسلامية في الحياة السياسية، حيث تقدمت، أول فبراير 2011، بملف إلى وزارة الداخلية للاعتراف بها حزباً قانونياً. وقد أُعلن عن قيام الحزب برئاسة “علي العريض”، والأمين العام “حمادي الجبالي”، وكان ذلك يمثل بداية لبعث حركة النهضة في تونس من جديد وتحقيق أهدافها، في نطاق أهداف الأخوان المسلمين للوصول إلى الحكم.

وتم إقرار قانونية عمل الحزب، في الأول من مارس 2011، ولم يخف “راشد الغنوشي” هدف الوصول للحكم، بل أنه حدده قبل مغادرته لندن إلى تونس، شارحاً تصوره للحكم في تونس، حيث أشاد بالنظام التركي الذي يسيطر عليه التيار الإسلامي (حزب العدالة والتنمية)، وذكر أن هذا النظام يجمع ما بين القيم الاسلامية والمبادئ الديموقراطية، وأن لتركيا حكومة منتخبة وإعلاماً حراً، وقضاءً مستقلاً، ودعا تركيا إلى دعم مسيرة التحول في تونس، وهو ما يشير إلى وجود علاقة بين ما يحدث في تونس، وبما يدور على مستوى مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين على مستوى العالم.

على مدار أشهر قليلة، وبعد إعلان تحول حركة النهضة إلى حزب، سارت الأحداث في تونس كالآتي

  1. بدأ حزب النهضة يشتد عوده، وخرج الإسلاميون من صمتهم أو مخابئهم التي وضعهم النظام فيها، وكونوا تياراً قوياً في الشارع التونسي، له القدرة في التصدي للقيادات الثورية، ولأجهزة الأمن ذاتها، ومن ثم فقد ازدادت القلاقل في تونس، حتى إن منتصف عام 2011 شهد صراعاً قوياً، تمكن فيه حزب النهضة من السيطرة على الأوضاع الداخلية.
  2. في مواجهة ذلك صعد الاتحاد العام للشغل من نفوذه، وحاول أن يكون نداً قوياً لحزب النهضة.
  3. تكونت جبهات معارضة من الأحزاب الليبرالية، عملت فرادى أولاً، ثم حاولت أن تتحد وتكون جبهات معارضة قوية.
  4. مع الصراعات الداخلية، بدأت الأيدي الخفية تلعب لتحقيق أهدافها، حيث أصبح الجنوب والغرب التونسي مناطق غير مسيطر عليها من النظام، وتكونت جبهة من السلفية الجهادية حركة أنصار الشريعة، للسيطرة على هذه المناطق لتشكل عبئاَ أمنياَ على الحكومة في تونس، خاصة مع إرسالها أعضاءها للقيام بعمليات اغتيال في العاصمة نفسها. حيث تتهم بأنها وراء اغتيال الناشطين اليساريين “شكري بلعيد” (اُنظر صورة شكري بلعيد)، و”محمد البراهيمي” ). في الوقت نفسه، فإن المعارضة تتهم حزب النهضة بدعمه لهذا التيار السلفي، واتخاذه وسيلة لتحقيق أهدافها ضد المعارضة.

ثالثاً: صعود حزب النهضة لحكم البلاد

مع توجه تونس إلى بناء نظام ديموقراطي، يأتي من خلال انتخابات تشريعية، فقد عمل حزب النهضة (الإسلامي) على بناء تحالف ثلاثي (ترويكا)، مع أحزاب غير إسلامية، حتى يُبعد عن نفسه شبه الحكم الاسلامي، ويحصل على أكبر أصوات انتخابية، وقد تكونت هذه الترويكا بقيادته ومشاركة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو تيار يساري وسطي، وحزب التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات وهو حزب من الاشتراكيين الديموقراطيين.

خاضت الترويكا الانتخابات التشريعية، التي أجريت في 23 أكتوبر 2011، وشابها بعض القصور نتيجة تسجيل الناخبين على عجل، وفاز حزب النهضة بأغلبية كبيرة، تلاه حليفه في الترويكا حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، لذلك توزعت المناصب بينهما، حيث تقلد “المنصف المرزوقي” (زعيم المؤتمر من أجل الجمهورية) منصب الرئاسة، بينما انفرد حزب النهضة بتشكيل الحكومة برئاسة “علي العريض”.

من خلال البرلمان، الذي يبلغ عدد أعضائه 217 عضواً، جرى انتخاب اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، والتي تتكون من 144 عضواً، أغلبها من حزب النهضة (89 عضواً)، يليه حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (29 عضواً)، ثم باقي القوائم (29 عضواً).

  1. أداء حزب النهضة في حكم تونس

في ظل النظام العالمي الجديد وثورة الاتصالات والمعلومات، فإن الشعوب تتفاعل بشدة مع ما يحدث من حولها، وربما كان أثر الثورة المصرية وتحولاتها الحادة، وكذلك الانفتاح الإعلامي على تونس، له أثر كبير في مسار الأحداث بعد تولي حزب النهضة أمور حكم البلاد.

إن حزب النهضة ليس له تجارب في الحكم، كذلك فإن كوادره ليست لها الخبرة الكافية في إدارة دولة مثل تونس، لذلك استمرت القلاقل والاحتجاجات، واستمر استخدام الأمن في التصدي للاحتجاجات والتظاهرات، كما كان عليه في النظام السابق، وشعر أصحاب الثورة في تونس أن ثورتهم ضاعت من بين أيديهم.

  1. صدام الاتحاد العام للشغل مع النظام (أحداث ديسمبر 2012)

كما هي العادة في بناء تنظيمات الإخوان المسلمين (ومنها النهضة)، فإن التنظيم الخاص يجري تكوينه وتسليحه وتدريبه لتحقيق الأهداف العليا للإخوان، ويستخدم عندما لا يراد الزّجّ بالأمن في مواقف محددة، وهذا ما حدث في 4 ديسمبر 2012، عندما كان الاتحاد يحتفل بذكرى أحد شهدائه، وقام أعضاء تنظيم حزب النهضة، الذين يطلق عليهم (رابطة حماية الثورة)، بالعدوان عليهم.

أعلن الاتحاد عن تنظيم إضراباً عاما في أرجاء تونس كافة، يوم 13 ديسمبر، ودعا كل الاحزاب والنقابات والشعب للمشاركة فيه، وقد نجح هذا الإضراب، وأصدرت رئاسة المجلس الوطني التأسيسي والمنظمات العالمية عدة بيانات عبروا من خلالها عن دعمهم للاتحاد، وتأكيدهم لضرورة حل رابطات حماية الثورة.

كان نجاح هذا الإضراب دافعاً لصعود الاتحاد العام للشغل لمرتبة متقدمة في معارضة للنظام القائم، والذي رأى فيه التونسيون نسخة طبق الأصل من النظام السابق. وبالتالي تصاعدت كراهية الشعب لنظام حكم النهضة.

رابعاً: أثر الثورة المصرية (30 يونيه 2013) على مسار الثورة التونسية

كما كان للثورة التونسية، في 17 ديسمبر 2010، أثراً بارزاً على اندلاع ثورة 25 يناير 2011 في مصر، فإن ثورة 30 يونيه 2013 في مصر، قد حولت مسار الثورة التونسيه في مجالين محددين.

الأول: يختص بالشعب التونسي ذاته، حيث تفتحت الآمال لديه وأيقن أن المقاومة وعدم الخضوع للنظام القائم، يمكن أن يحقق له آماله في تصحيح مسار الثورة التي ضلت طريقها إلى التيار الاسلامي.

الثاني: يختص بالنظام نفسه، حيث تكونت لديه العديد من الحقائق التي يجب أن يراعيها، حتى لا يحدث له كما حدث لحكم الأخوان المسلمين في مصر. وهذه الحقائق هي:

  1. تقديم بعض التنازلات إظهارا منه للاستجابة لمطالب الشعب، وأنه يعمل من أجل بناء تونس الجديدة، وليس للتمسك بالحكم.

وفي هذا المجال استجاب، في الأول من أكتوبر 2013، لمطالب خارطة الطريق التي وضعتها ائتلافات الأحزاب التونسية، وذلك بعد شهرين من الحوارات والشد والجذب، وهي تنص على بدء حوار وطني يرأسه المسؤولون الثلاثة الكبار في تونس، “المنصف المرزوقي” رئيس الجمهورية ـ “علي العريض” رئيس الحكومة  ـ “مصطفي بن جعفر” رئيس المجلس التأسيسي، وبحضور ممثلي الأحزاب السياسية الممثلة في المجلس التأسيسي للبرلمان، وممثل الاتحاد العام للتشكيل.

يشمل الحوار أربعة موضوعات، هي:

أ‌.   قبول تشكيل حكومة كفاءات ترأسها شخصية مستقلة، ولا يترشح أعضاؤها في الانتخابات المقبلة، وهذه الحكومة ستحل محل الحكومة الحالية برئاسة “علي العريض”، التي تتعهد بتقديم استقالتها فور البدء في الحوار المباشر بين الحكومة والمعارضة.

ب‌. استئناف المجلس التأسيسي (البرلمان) جلساته العامة، التي توقفت منذ اغتيال “محمد البراهيمي”، في 25 يوليه 2013، ويجري تحديد مهام المجلس التأسيسي والاتفاق النهائي على نهاية مدته، خاصة أنه مسؤول عن وضع دستور البلاد.

ج. بدء المشاورات حول الشخصية الوطنية المستقلة، التي سيُعهد اليها مهمة تشكيل الحكومة.

د. الاتفاق على خارطة محددة بشأن استكمال المسار الانتقالي، والاستعداد للانتخابات القادمة، وإصدار قوانين بها.

تحدد توقيت بدء الحوار واستقالة الحكومة في غضون ثلاثة أسابيع، وفي الوقت نفسه أعلن الاتحاد العام للشغل إنفاذ إجراءات، في 23 أكتوبر، فيما لو لم تجتمع لجنة الحوار.

وفي محاولة لتفويت فرصة الإضرابات، وتحديد فترة بقاء الحكومة، أعلن رئيس الوزراء “علي العريض”، في 20 أكتوبر، عقد اللجنة بعد ثلاثة أسابيع، والاستعداد للانتخابات القادمة، مؤكداً على أن فرصة التيار الإسلامي كبيرة جداً في الفوز في الانتخابات القادمة، التي ستتم بصورة ديموقراطية كاملة.

  1. الحقيقة الثانية التي أفرزتها الثورة المصرية، هي شن الحرب على الإرهاب، الذي تنفذه الجماعات السلفية المتشددة، وهو إجراء يحمل عدة رسائل للشعب:

أ. أن النظام لا يتحالف مع هذه التيارات التي تستمد دعمها من تنظيم القاعدة.

ب. الادعاء بأن النظام يعمل على تحقيق الأمن في ربوع البلاد.

ج. نهج تجربة مصر في محاربة الإرهاب

د. الظهور أمام العالم بأن النظام يعمل من أجل بناء تونس الدولة المدنية الحديثة.

  1. الدفاع عن صيغة الحكم الاسلامي الديموقراطي، ومن خلال ذلك هاجم “المنصف المرزوقي” رئيس تونس، ثورة 30 يونيه في مصر، موصلاً إلى الشعب التونسي أنها انقلاب عسكري مرفوض أن يتكرر في تونس.
  2. أظهر استطلاع للرأي، في نهاية سبتمبر 2013، حول المرشحين للانتخابات الرئاسية القادمة في تونس، أن “الباجي قائد السبسي” رئيس حركة ثوار تونس (اُنظر صورة الباجي قائد السبسي) (ائتلاف يجمع بين اليساريين والليبراليين) يمثل المرتبة الأولى في التصويت لانتخابات الرئاسة بنسبة 15,2%، وجاء “قيس سعيد” الخبير في القانون الدستوري في المرتبة الثانية، بنسبة 4,7%، وتراجع “حمادي الجبالي” (رئيس حكومة سابق)  إلى المرتبة الثالثة، بنسبة 3,9%، وجاء “المنصف المرزوقي” في المؤخرة بنسبة 3,5%، وهو مؤشر هام يوضح صورة حكم ترويكا النهضة لتونس.

خامساً: بداية الثورة الثانية في تونس

أعلن الاتحاد العام للشغل يوم 23 أكتوبر يوماً فارقاً، إن لم تستجب الحكومة للاستقالة، طبقاً للوعود السابقة التي أعلنتها، في 2 أكتوبر. في الوقت نفسه أعلنت الحكومة بدء الحوار في هذا اليوم، وأنها لن تُقدم استقالتها إلا بعد وضع الدستور، وتكوين لجنة الانتخابات التي ستقوم بالعملية الانتخابية، وهو ما أدى إلى احتدام الشارع التونسي كالآتي:

  1. أعلن الاتحاد العام للشغل وأحزاب المعارضة تعليق عضويتها في لجنة الحوار، وأعلنت عدم عودتها إلا بعد إعلان صريح عن استقالة الحكومة واستبدالها بحكومة كفاءات وطنيه تدير البلاد في خلال ثلاثة أسابيع.
  2. أعلن الثوار في تونس بداية الثورة الثانية لاسترداد الثورة التونسية، وإقصاء حزب النهضة عن الحكم.
  3. بدأت التظاهرات تشتعل في العديد من مدن تونس، وفي مقدمتها تونس العاصمة، حيث تجمعت التظاهرات في شارع بورقيبة.
  4. احتدمت الصدامات بين عناصر الأمن والجماعات الإسلامية السلفية الجهادية، ونتج عنها مقتل ثمانية أفراد من الأمن في ولاية سيدي بوزيد.
  5. تعالت صيحات المتظاهرين في العاصمة تونس بعبارات تدل على إمكان تكرار سيناريو الثورة المصرية، في 30 يونيه، وتقول “يا مرزوقي سيب القصر. ثورة تونس لحقت ثورة مصر”، مع تكرار شعار “ارحل”.
  6. حتى لا يزداد تصاعد الثورة، قبلت الحكومة إجراء الحوار، بشرط عودة الأعضاء المستقلين من اللجنة التأسيسية، وتعهد رئيس الحكومة كتابياً بالاستقالة في ظرف ثلاثة أسابيع.
  7. استمر الحوار على مدى أسبوعين، ثم اصطنع حزب النهضة العديد من المشكلات، حتى لا يستمر الحوار، والذي توقف وانسحب أعضاء المجلس التأسيسي من المستقلين، وتجددت الاضطرابات في تونس.
  8. في 4 ديسمبر 2013، وبعد فشل اللجنة الرباعية من تسمية رئيس الوزراء الجديد، وجه اتحاد الشغل إنذاراً نهائياً للأحزاب والمجلس التأسيسي مدته عشرة أيام للعمل على إنقاذ البلاد، وإلا سوف يتولى الاتحاد والقوى الليبرالية المسؤولية.

ومع مضي الوقت، فإن هناك متغيرات كثيرة ستحدث، ليس على مستوى تونس فقط، ولكن على مستوى دول الربيع العربي بالكامل، وربما تتعداه إلى المستوى الإقليمي أيضاً.

الفصل الثالث: نتائج وردود فعل الثورة

الثورات عبر التاريخ أدت إلى تحولات جذرية في مسار الدول، وانعكست آثارها على الكون بأبعاده المختلفة، وهناك العديد من الثورات التي غيرت تاريخ العالم، مثل الثورة الفرنسية في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، والثورة الأمريكية التي أعقبتها في القرن التاسع عشر.

كذلك فإن هناك العديد من الثورات الإقليمية والعربية التي كان لها نفس التأثير، مثل الثورة المصرية عام 1952، والثورة التونسية عام 1956، والثورة الجزائرية عام 1954، والثورتين الإيرانيتين عامي 1951 و1979.

وتأتي الثورة التونسية (2010/2011) في نطاق الثورات الوطنية الفاعلة التي يتسم بها عصر العولمة الذي نعيش فيه حالياً، نتيجة للانفتاح المعلوماتي والثقافي السائد في ربوع العالم، وهي ثورة من أجل التغيير والقضاء على نظام فاسد لا يساير طبيعة العصر، ويريد الشعب التونسي من خلالها الارتقاء بكيانه ودولته، والصعود إلى مستوى الدول المتقدمة.

وتمتاز ثورات عصر العولمة أيضاً، بأنها ثورات تلقائية، تجتمع رغبات الشعب لتفجيرها، ويتحدون ويتجمعون رافعين شعاراتها، دون اختيار قائداً لها، ولكن الجميع يتفقون على إنجاحها.

وعندما تتحقق أول أهداف الثورة، فإن الشعور بالانتصار يُنسي الجميع اختيار القيادة التي تقود الثورة وتأخذ بيدها إلى الطريق الصحيح، وعندئذ فإن بقايا النظام السابق تسعى جاهدة للاستمرار في القيادة بحجة عدم وجود البديل، كذلك فإن الفصائل الأكثر تنظيماً يمكنها القفز على الثورة وفرض آرائها، وهذا هو ما حدث في ثورة تونس.

ولا تتوقف النتائج عند هذا الحد، حيث إن الثورة تغير القيم المتداولة في أي نظام سابق، كما أنها تخرج أنبل المعاني الثورية لدي الشعب، وتكسر حاجز الخوف، وتؤكد الإحساس بالذات الوطنية، وتسعى إلى تحقيق آمال المستقبل.

في تونس على مدى ثلاث سنوات من الثورة، تجاوزت الأحداث معظم الحدود، انحرف فيها المسار نتيجة صعود التيار الإسلامي إلى الحكم، وعاد إلى تطبيق نفس الأسلوب السلطوي الذي كان يطبقه نظام الرئيس “زين العابدين بن علي”، وبما أدى إلى الشروع في تفجير الثورة الثانية، في أكتوبر 2013، لتصحيح مسار الثورة، وإجبار حزب النهضة لتصحيح المسار لبناء الدولة العصرية.

والتغير في نتائج الثورة لم يأت صدفة، ولكن نتيجة ردود أفعال، اتسم بعضها بالعنف، والآخر بالحرص على سلامة الوطن، والمحصلة هي السعي لتحقيق أهداف الثورة.

وفي تونس أيضاً، فإن مسيرة التحول الديموقراطي تعاني من صعوبات بالغة سياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً، حيث إن الرؤية الإستراتيجية لبناء الديموقراطية التي كانت شعاراً للثورة، لم تكن من الأساس لدى أصحاب القرار، كما أن تعدد الأطياف التي صعدت إلى مشهد الحكم وتصارعت أكثر مما اتفقت، أدت بدورها إلى تحطيم آمال الجماهير في ثورتها.

المبحث السابع: المسار الديموقراطي للثورة التونسية وردود الفعل حيالها

الثورة التونسية هي الثورة القائدة لثورات الربيع العربي، التي بدأت في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتفاعلت مع الثورات الأخرى، وتبادلت معها ردود الفعل، خاصة الثورة المصرية، وهي الثورة التي أيقظت الشعور الوطني لدى بعض الشعوب العربية التي عانت من نفس الأوضاع التي عاني منها الشعب التونسي، مثل سيطرة نظام الحاكم الأوحد، والفساد، والسلطوية وغياب العدالة الاجتماعية، والتخلف وغير ذلك.

أولاً: المسار الديمقراطي للثورة التونسية

نظراً لأن الثورة جاءت تلقائية وبمطالب اجتماعية وليست توجهات سياسية، ولم تكن لها قيادة تحرص على السير بها في طريق محدد بأهداف وتوقيتات، لذلك فإن تونس عاشت بعد الثورة في حالة من الصراع السياسي بين ثلاث قوى. وهي القوة المحسوبة على النظام السابق، والقوى الجديدة التي أفرزتها الثورة بما فيها التيار الإسلامي، والقوى السياسية المهمشة التي تمرست على العمل السياسي ووجدت ضالتها بعد سنوات من الحرمان، وهم مجموعات من الليبراليين واليساريين، إلى جانب اتحاد الشغل التونسي.

انعكس الصراع بين هذه القوى على الانتخابات التأسيسية، والتي أعلنت بعد أشهر قليلة من نجاح الثورة، وأريد لها أن تسير بدولة تونس إلي مسار ديمقراطي سليم، وتفاعلت الساحة السياسية في تونس مع هذه المتغيرات عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: في الفترة من 14 يناير – 22 أكتوبر 2011

وبرز خلالها تحدي تكوين مؤسسات لديها القدرة على إدارة المرحلة الانتقالية، وانحصرت في مؤسستين هما الحكومة المؤقتة والهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، التي تشكلت في 22 يناير 2011، وهي التي تعد أبرز هيئات الانتقال الديموقراطي في تونس، وتكونت من الليبراليين والمدنيين واتحاد الشغل والشخصيات المستقلة بنسبة الثلث، وكُلفت بتولي مهام السلطة التشريعية في الدولة. وبالرغم من حدوث صدام فيما بين عناصرها إلا أنها تمكنت من تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية، وشكلت علامة تشير إلى إمكان تحول تونس إلي دولة ديموقراطية.

المرحلة الثانية: في الفترة من 23 أكتوبر 2011 – 23 أكتوبر 2012

وهي مرحلة اتسمت في بدايتها بحالة من التوافق، والأمل في البناء الديموقراطي للدولة، وتحسنت صورة تونس وثورتها عالمياً بعد الإعلان عن خارطة المستقبل، التي تبدأ بإعداد الدستور، ثم انتخابات تشريعية ثم رئاسية، إلا أنه ما لبثت الأمور أن تكشفت من خلال إجراء التحالفات والاستقطابات بين النخب والأحزاب للسيطرة على أركان الدولة، ثم انتقل هذا الخلاف إلى الشارع التونسي.

وعموماً فقد تمت أولى خطوات الديموقراطية بانتخاب المجلس التأسيسي (217 عضواً) والمكلف بإعداد الدستور، إلى جانب مهام التشريع، وقد اتسم المشهد الحزبي الانتخابي بالعديد من المتغيرات على الشعب التونسي والتي أثارت الجدل إقليمياً وعالمياً، وهي:

  1. ظهور حزب النهضة الإسلامي (ممثل الإخوان المسلمين في تونس) بشدة على الساحة السياسية، واتسم برنامجه الانتخابي بالعديد من المقومات والأفكار التي جذبت الناخب التونسي إليه، وفاز بـ 89 مقعداً في اللجنة التأسيسية.
  2. جدد حزب المؤتمر من أجل الجمهورية فعالياته من خلال برنامج متوازن، وحصل على 30 مقعداً.
  3. تكوين “الجبهة العريضة الشعبية” المستقلة ويمثلها حزب المحافظين التقليديين، وتمكنت من فرض نفسها من خلال برنامج توافقي إسلامي اجتماعي، وحصلت على 26 مقعداً.
  4. بروز حزب التكتل من أجل العمل والحريات (يسار وسط)، الذي اكتسب مزيداً من الشعبية خلال برنامجه الانتخابي، وحصل على 21 مقعداً.
  5. استمر الحزب الديموقراطى التقدمي بنفس وتيرته، وحصل على 16 مقعداً.
  6. ظهور تكتل “القطب الديموقراطي الحداثي”، ويتكون من 11 حزباً يسارياً، وقدم نفسه من خلال برنامج علماني متطرف مستهدفاً مواجهة الإسلاميين، وفاز بخمسة مقاعد.
  7. فاز حزب المبادرة بخمسة مقاعد، وحزب آفاق تونس بأربعة مقاعد، بالإضافة إلى حصول المستقلين على 20 مقعداً.

شهدت هذه المحصلة أيضاً تروبيكا التحالف (النهضة ـ المؤتمر من أجل الجمهورية ـ التكتل من أجل العمل والحريات)، حيث وزعت المناصب العليا للدولة عليها.

إن أهم توجهات هذه المرحلة، كان عدم الوفاء بالوعد، حيث تحدد توقيت إعلان الدستور بعد عام واحد، أي في أكتوبر 2012، ثم إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية. ولكن الرئاسة والحكومة والمجلس التأسيسي لم تف بعهودها، وبما أدى إلى بداية لفقد ثقة الشعب في قيادات الدولة.

إلى جانب أن النظام شرع في السيطرة على مفاصل الدولة، وتحييد الجيش، واستبدال أهل الخبرة بأهل الثقة، ولم يلتفت إلى مطالب الجماهير، ومن ثم فقد ساءت الأوضاع في تونس اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

المرحلة الثالثة: الفترة من 22 أكتوبر 2012 – 31 ديسمبر 2013

وهي مرحلة ساد فيها عدم الاستقرار، والصدام بين الجماهير والنظام، ووصل إلى حد المطالبة بالقيام بالثورة الثانية في تونس. وأصبحت الوحدة الوطنية مهدده في تونس بشدة، وارتكبت خلالها كل من السلطة الحاكمة والمعارضة أخطاء جسيمة أدت إلى الارتداد عن المسار الديموقراطي للدولة، في مقدمتها:

  1. عدم القدرة على علاج مشكلات الحياة اليومية للجماهير، فعادت من ثَم الأمور المعيشية للشعب التونسي إلى مرحلة ما قبل الثورة.
  2. استمرار الفساد في إدارة الدولة نتيجة لعدم اقتلاع جذور الفساد السابق، إلى جانب ظهور فاسدين جدد من السلطة الحاكمة، وهو ما يؤثر على مسار الدولة.
  3. عدم وجود رؤية إستراتيجية لبناء الدولة الحديثة، وكل قرارات الحكومة هي ردود فعل للأحداث دون بناء نظام مؤسسي مستقبلي.
  4. بطء الأداء على كل المستويات دون اكتراث لطبيعة الثورة، التي تتطلب الاندفاع نحو تحقيق الأفضل.
  5. رغبة شخصيات من المعارضة إلى الوصول إلى السلطة ـ أو المشاركة فيها على الأقل ـ وهو ما يقف أمامه التيار الإسلامي حتى لا يفقد السلطة. وما زاد من حدة الصراع على السلطة في الدولة.
  6. ظهور قوى سياسية من النظام السابق على الساحة، وقبول الجماهير والمعارضة بها للمشاركة في الحكم ضد رغبة التيار الإسلامي.
  7. تصاعد عمليات الإرهاب والجريمة المنظمة، ما أدى إلي إرباك الاستقرار الداخلي وإرباك دولاب العمل على مستوى الدولة.
  8. تخوف النظام من ظهور الجيش على الساحة مؤيداً لرغبة الشعب.

إن أهم أحداث هذه المرحلة جاءت في الربع الأخير من عام 2013، حيث تحالفت قوى المعارضة مع اتحاد الشغل التونسي والنقابات المهنية والمستقلين، للضغط على النظام من أجل تنفيذ خريطة المستقبل، أو تصعيد الثورة الثانية في تونس، أو المشاركة الفاعلة للتيار المدني والمعارض في الحكم.

من كل ما سبق فإن المسار الديموقراطي في تونس لم يتحقق بالشكل المناسب خلال ثلاثة أعوام من بدء الثورة، وهو ما تأثرت به الجماهير التونسية. بما أدى لحدوث ردود فعل راوحت شدتها بين الترقب والعنف، ولكنها جميعاً تشير إلى أن مستقبل تونس الديموقراطي لن يتحقق على المدى القريب. فعلى مدار سنوات ثلاث تغيرت وتبدلت ردود الفعل، سواء في تونس أو حولها، وكلها أثرت في مسار الثورة التونسية.

ثانياً: ردود الفعل على المستوى الداخلي

جاءت أهم ردود الفعل على المستوى الداخلي من الشعب التونسي نفسه، حيث أدى نجاح الثورة إلى كسر حاجز الخوف الذي طوق به النظام السابق رقاب الشعب التونسي، وأكد أن الشعب قادر على الفعل متى أراد، طالما جاء الأمل والإصرار ولاحت الفرصة بذلك، وتأكد أن الشعب هو صاحب السلطات، وتمسكه بحقوقه في الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية هو تكليف من الشعب لنظام الدولة.

صار سيناريو تفجير الثورة التونسية مثالاً يحتذى به في دول ثورات الربيع العربي، فإحراق الشاب بو عزيزي لنفسه تكرر في مصر، ليشعل ثورة 25 يناير 2011، ونفس الأمر تكرر في مناطق أخرى، بمعنى أن نموذج التخلص من الحياة بأبشع صورة كان هو الأداة لتحريك الجماهير للثورة والإعلان عن فساد النظام، وأصبح نموذجاً ثورياً تونسياً لتصدير الثورات إلى الخارج.

بالرغم من محاولات حزب النهضة السيطرة على الدولة، إلا أن التيارات الشعبية الثورية، واتحاد الشغل التونسي، والنقابات المهنية تصدت لمحاولات سيطرة الحزب الواحد على الحكم، وكونت معارضة قوية ضد هذا النظام الذي يحاول السيطرة على مفاصل الدولة، وتوظيف كوادره في المناصب الرئيسة والفرعية على السواء، من أجل تحقيق أهدافه، وهو ما يؤدي إلى تكرار توجهات النظم السابقة بسيناريوهات جديدة.

وحرص حزب النهضة، كما هو الحال في النظام السابق، على إبعاد الجيش عن السياسة، حتى لا يكون طرفاً يقاوم إحكام سيطرة النظام على الحكم، وحتى لا يكون أداة يستخدمها الثوار ضد النظام الجديد الذي قفز على السلطة، وهو أمر يخالف تماماً ما حدث في الثورة المصرية، حيث كان الجيش هو المؤسسة الفاعلة في حماية الأمن الوطني والتصدي للأهداف التي لا تتمشي مع إرادة الشعب.

ومع ذلك فقد اشتعلت الأزمة في تونس، وطالب الشعب تؤيده المعارضة واتحاد الشغل لتصحيح الأوضاع، وقرر التظاهر والعودة بالثورة من جديد، في 23 أكتوبر 2013، إن لم تتحقق مطالبه في استقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة تكنوقراط وطنية لتولي الأمور والإعداد لانتخابات نزيهة، والسير في تحقيق أهداف الثورة.

كان أهم ردود الفعل أيضاً، التطور الواضح في السياسة الإعلامية التونسية، حيث بدأت الوسائل الإعلامية المختلفة تدرك جدية رسالتها، وتعمل على طرح العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي كانت من المحرمات فيما قبل الثورة، بل أن التطرق فيها كان من الكبائر التي تدعو إلى المحاسبة.

ويمكن القول أن الإعلام التونسي ـ خاصة الإعلام الخاص ـ قد قارب من مستوى عولمة الإعلام، حيث التوسع في الانفتاح الإعلامي، والاستخدام الموسع للإنترنت وقنوات التواصل الاجتماعي، كما زادت مساحة التحليلات والتواصل الإعلامي بين الشعب ومسؤولي الدولة، وبما يمكن الشعب من طرح أفكاره ومشكلاته على الإدارة التونسية.

على المستوى الأمني، فإن المتغيرات التي صاحبت الثورة، وعدم سيطرة النظام على الدولة مع الانفلات الذي حدث على المستوى العام، فإن ذلك تسبب في الآتي:

  1. تصاعد أعمال الإرهاب خاصة في المناطق البعيدة عن سيطرة العاصمة، ويذكر في هذا المجال أن حزب النهضة استعان ببعض تيارات السلفية الجهادية في إشاعة الفوضى، من أجل إحراج الجيش والشرطة والزج بهما في صراع مع تلك الميليشيات لإبعادهما عن المسار الشعبي الذي يريد تصحيح مسار الثورة.
  2. تصاعد أعمال الفوضى وتحدي القوانين، نتيجة شعور الشعب التونسي أن الثورة قد سرقت منه، وتنعكس أفعاله في صورة احتجاجات أو تظاهرات، أو الإضرار بالنظام نفسه سواء في الشارع أو في العمل بأي صورة كانت.
  3. انشقاق الشعب التونسي إلى تيار ليبرالي وآخر إسلامي، وهو ما يشكل خطورة على كيان الدولة ومسارها في المستقبل.
  4. لجوء حزب النهضة إلى تفعيل الميليشيات المسلحة التابعة للتنظيم، وهو موروث تاريخي للإخوان المسلمين منذ عام 1936، وخطورة هذه الميليشيات أنها تشكل جيشاً موازياً للقوات المسلحة والأمن، واستخدامها يكون لتقليص قدرتهما على حفظ الأمن، كذلك إجراء عمليات القهر للشعب.

ثالثاً: دور الجيش التونسي في الحياة السياسية بعد الثورة

في أثناء الثورة أدى الجيش التونسي دوراً رئيساً في إنهاء الأزمة الداخلية وإقناع الرئيس السابق بالتنحي عن الحكم، في 14 يناير 2011، وقد جاء هذا الدور متأخراً بعض الوقت نتيجة لعدم وجود نصوص في الدستور التونسي لتكليف الجيش بمهام في حفظ النظام الداخلي، فلم يكن الجيش مدرباً على إجراءات التصدي للتظاهرات أو حماية الشرعية الدستورية.

في أعقاب نجاح الثورة نفذ الجيش العديد من المهام التي دعمت الثورة، أهمها:

  1. إحكام الجيش التونسي سيطرته على مطار قرطاج (مطار تونس الدولي)، وإغلاق المجال الجوي، ومنع أي مسؤولين في النظام السابق من مغادرة البلاد.
  2. تصدى الجيش التونسي لما يفعله أفراد الأمن التابعين للنظام السابق من التعدي على الشعب، وأعمال التخريب ضد الأهداف الحيوية. وتمكن من إيقاف عمليات الفوضى والخروج عن القانون التي أعقبت سقوط النظام.
  3. في مواجهة محاولة بقايا النظام التمسك بالحكم والسيطرة على مقدرات الدولة وجه الجيش التونسي ضربات قوية ضد الأمن الرئاسي التونسي، الذي كان يسيطر على القصر الرئاسي في قرطاج، ويدير أعمال تخريب ضد منشآت الدولة، وقد تمكنت قوات الجيش من حصار القصر ومقر الأمن الرئاسي، وألقي القبض على وزير الداخلية السابق، وبعض المسؤولين عن الأمن الرئاسي.
  4. بدأ التواصل بين الجيش وجماهير الشعب، منذ 25 يناير 2011، وبعد تحقيق هدوء نسبي؛ حيث ظهر القائد العام للجيش التونسي الجنرال رشيد عمار لأول مرة منذ الإطاحة بالرئيس السابق وتحدث لمئات المتظاهرين أمام قصر الحكومة بالقصبة وأكد أن الجيش التونسي سيحمي الثورة، وحذر من أن الثورة تواجه تحديات ومخاطر كبيرة، ودعا الجماهير إلى العودة إلى العمل وكان ذلك إعلاناً عن مشاركة فعالة للجيش في الثورة.
  5. في محاولة لحسم الأمور ومنع الفوضى في الشارع التونسي أطلقت عناصر الجيش، يوم 25 يناير، الرصاص في الهواء وعملت على فض تجمعات المتظاهرين التي تحاول اقتحام بعض المنشآت الحيوية، وتولى الجيش بعدها تأمين المنشآت الحيوية خاصة في العاصمة.
  6. في أعقاب تشكيل الحكومة الجديدة، حدد وزير الدفاع التونسي الجديد “عبدالكريم الزبيدي”، في أوائل فبراير 2011، دور الجيش بأنه مسؤول عن حفظ النظام العام وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة، وأبرز أن تونس دخلت مرحلة جديدة تتمثل في إرساء أسس مجتمع ديموقراطي يستند على حريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وهو ما يؤكد على اضطلاع الجيش بدور رئيس في حكم البلاد، ويعد هذا التوجه مخالفاً تماماً لما كان عليه الجيش قبل الثورة. وبهذا فقد كلف الجيش بالتصدي للعديد من التظاهرات وحماية المنشآت الحيوية فيما بعد ذلك.
  7. بعد تشكيل حكومة حزب النهضة، فطنت إلى الدور الجديد الذي يحاول الجيش أن يلعبه وقررت إحباطه، وعملت على تقليص دور الجيش في الحياة السياسية تدريجياً، وعودته إلى ثكناته، على أن تتولى ميليشيات النهضة التصدي للاحتجاجات الشعبية.
  8. اتخذت الحكومة قرار التصدي للإرهاب، وكلف الجيش بمهام عديدة للقضاء على البؤر الإرهابية خاصة في غرب تونس وجنوبها، حيث خرجت التيارات الإسلامية السلفية، التي استعان بها حزب النهضة في مسيرة حكمه، عن الخط العام للحزب، كما أنه كان من مصلحة هذا الحزب إشغال الجيش بمهام تبعده عن الأوضاع الداخلية وتمنعه عن الالتقاء بالثوار.

رابعاً: موقف الاقتصاد التونسي بعد الثورة

تأثر الاقتصاد التونسي بشدة، خاصة أن هذا الاقتصاد يعتمد في جزء كبير منه على السياحة، والتي تتطلب الأمن والاستقرار شرطاً لنموها. وقد سعت تونس للحصول على قروض من المؤسسات المالية الدولية، ومن الشريك الأوروبي، بما يمكنها من تجاوز الأزمة الراهنة.

نجحت تونس في الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، يبدأ أول أقساطه في بداية عام 2014، كما سعت إلى الحصول على قرض من الاتحاد الأوروبي بواقع 300 – 500 مليون يورو. وتواجه تونس العديد من المشكلات الاقتصادية، أولها عجز الموازنة الذي يبلغ حوالي 6.5%، كذلك شروط صندوق النقد الدولي التعجيزية من أجل إقرار القرض.

خامساً: ردود الفعل العربية تجاه الثورة التونسية

  1. كانت مصر أول من أعلنت حق الشعب التونسي في اختيار قياداته ومستقبله، في الوقت نفسه، فإن العديد من الدول العربية بدأت تأخذ حذرها مما حدث في تونس، وتحاول اتخاذ إجراءات مسبقة لمنع وصول أحداث الثورة إلى أراضيها، وقد أُعلن في العديد من الدول العربية عن قرارات لمكافحة الفساد، وإيجاد فرص عمل للشباب، إلى جانب اتخاذ إجراءات أمنية مشددة للحفاظ على النظام القائم.
  2. بدأت الدول العربية تعلن عن موقفها من الثورة التونسية، اعتباراً من 19 يناير 2011، حيث صرح أمير الكويت أثناء عقد القمة الاقتصادية العربية في شرم الشيخ “أن الكويت تتطلع لجهود تهدف للتضامن مع تونس لتجاوز هذه المرحلة وتحقيق الاستقرار والأمن”.
  3. عبر الرئيس الجزائري عن تمنياته للرئيس الانتقالي في تونس، بتمام التوفيق في نقل دولة تونس إلى بر الأمان. في السياق نفسه، اتخذت الجزائر العديد من الإجراءات الأمنية، والقرارات السياسية والاقتصادية بما لا يؤدي إلى وصول الثورة إلى الجزائر.
  4. على عكس المناخ العام، وفي الأيام الأولي لنجاح الثورة، وجه الرئيس الليبي “معمر القذافي” كلمة إلى الشعب التونسي يعرب فيها عن أسفه الشديد لخسارة تونس لرئيسها “بن علي”، وذكر أن تونس لن يتسنى لها وجود رئيس مثل “بن علي” في المستقبل.
  5. في العديد من الدول العربية، اتخذت الحكومات قرارات اقتصادية من أجل إرضاء شعوبها.
  6. كان لاندلاع الثورات العربية التي أعقبت الثورة التونسية، أثره الكبير على انشغال العالم العربي بمواقفه الداخلية، ومن ثم فإن الدعم العربي للثورة التونسية كان محدوداً.

سادساً: موقف جامعة الدول العربية بعد قيام الثورة

أعرب المتحدث الرسمي باسم الجامعة عن قلقه من الأوضاع في تونس، وأكد أن الجامعة تراقب الأوضاع في تونس، ودعا جميع الأطراف إلى التوصل للإجماع الوطني الذي يخرج البلاد من أزمتها. ومع مرور الوقت وتعدد الثورات العربية فإن اهتمام الجامعة بالثورة في تونس بدأ يتقلص.

في الوقت نفسه، أكد الأمين العام للجامعة العربية “عمرو موسي”: “أن الدول العربية يجب أن تأخذ العبر من درس تونس، التي أُطيح برئيسها في احتجاجات على تردي الأوضاع المعيشية، وعلينا أن نتابع عن قرب ما يحدث في تونس، ونأمل أن ينتهي المطاف بالشعب هناك إلى بناء النظام الذي يريده، ومن الطبيعي أن هناك درساً، وأن هناك رسالة مما حدث في تونس”.

سابعاً: ردود الفعل الأمريكية

يتضح من مسار الأحداث أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تراقب الثورة، وتؤيدها برغم العلاقة السابقة بين النظام التونسي وأمريكا.

كان أول رد فعل مٌعلن، يوم 9 يناير 2011، حيث استدعت وزارة الخارجية الأمريكية السفير التونسي في واشنطن “محمد صلاح تقية”، وسلمته رسالة تعبر عن القلق الأمريكي من الطريقة التي تم التعامل بها مع الاحتجاجات في تونس.

رداً على ذلك استدعت وزارة الخارجية التونسية السفير الأمريكي لدى تونس، وأبلغته دهشتها من الموقف الذي عبر عنه الناطق باسم الخارجية الأمريكية، على خلفية الاحتجاجات الشعبية في تونس.

تطور الأمر، حيث أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، في 12 يناير 2011، “أن إدارة الرئيس “بارك أوباما” قلقة جداً بسبب تقارير عن الاستخدام المفرط للقوة من قِبل الحكومة التونسية ضد المحتجين”.

على إثر مغادرة الرئيس “بن علي” تونس، يوم 14 يناير 2011، وجه الرئيس الأمريكي رسالة تهنئة للشعب التونسي على شجاعته وكرامته، وقال أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب المجتمع الدولي، للشهادة على هذا النضال الشجاع من أجل الحصول على الحقوق العالمية التي يجب أن نحافظ عليها، وأنه سيذكر على الدوام صور الشعب التونسي الذي يسعى لإسماع صوته، ودعا الرئيس أوباما إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة في تونس، وأن يلتزم الشعب التونسي بالهدوء.

أعلن “ستيفن كوك” المسؤول عن مكتب الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن الجيش التونسي هو من أقال الرئيس “بن علي”، وأن الجيش مسيطر على البلاد. ثم اردف: “أنه ليس المهم أن يكون قادة الجيش ديموقراطيين أم لا، ولكن المهم هو تصميمهم على إزالة الفساد والنهب”. وقال: “إن الثورة ضد “بن علي” كانت خالية من الإسلاميين، وهذا يطمئن المتخوفين من أن القوة الإسلامية هي القوة الاجتماعية القوية الوحيدة في المنطقة”. وذكر كوك أن تونس ليست لها أهمية إستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، على العكس من وضع مصر والجزائر والأردن، لذلك فهو يشكك في أن تمتد موجة الثورات إلى دول عربية أخرى.

مع تأكد الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح الثورة، استخدمت نفوذها في تحويل مسار الثورة إلى أهدافها الحقيقية في بناء الشرق الأوسط الجديد. ومع تصاعد الثورات في المنطقة، فإن اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بالثورة التونسية تقلص بعض الشيء، اعتماداً على أن الاهتمام الأوروبي بتونس ـ خاصة فرنسا ـ سوف يملأ الفراغ الناجم عن ابتعادها عن الصورة.

ثامناً: ردود الفعل الأجنبية الأخرى

  1. تعددت التصريحات والبيانات الصادرة من القوى العالمية، خاصة الدول الأوروبية، التي أبدت اهتماماً زائداً بأحداث الثورة التونسية، إلى جانب اهتمام فرنسي خاص. وأعلن السكرتير العام للأمم المتحدة عن قلقه بازدياد التطورات الجارية في تونس، وأسفه للخسائر في الأرواح، ودعا إلى البحث عن تسوية للأزمة واحترام حرية التعبير.
  2. في السياق نفسه، فإن معظم دول العالم أجلت رعاياها من تونس، جواً أو بحراً، مبعدة إياهم عن الأخطار المحدقة بالشارع التونسي.
  3. تباينت ردود فعل القوى الإقليمية (إسرائيل ـ إيران ـ تركيا)، وخرجت من كل منها تصريحات تتناسب مع مصالحها، وما قد يحدث في تطور العلاقات بينها وبين تونس.
  4. أبدت العديد من القوى العالمية استعدادها لدعم الثورة التونسية سياسياً واقتصادياً، كالآتي:

أ. أعلن مستشار الرئيس الأمريكي لمكافحة الإرهاب “جون برينان”، أن بلاده مستعدة لمساعدة الحكومة التونسية على تنظيم انتخابات حرة تعكس إرادة الشعب.

ب. أعلنت بريطانيا عن دعمها لتونس، وذكرت الصحف البريطانية أن سقوط الرئيس التونسي هو مثال على التحولات والأحداث غير المتوقعة، وأن تونس تعيش لحظة تاريخية.

ج. أدانت فرنسا أعمال الترويع والعنف التي تقوم بها عصابات إجرامية في تونس، وطالبت السياسيين بالإسراع في العملية الانتقالية، وأعلنت أنه ليس هناك تجميد لأي أرصدة تونسية في فرنسا.

  1. مع بداية الثورة المصرية، وتحول الاهتمام العالمي إلى ما يحدث في مصر، انحسرت التصريحات التي يدلي بها المسؤولون في النظام العالمي عن الوضع في تونس، وإبعاد شبهة مشاركتهم فيما يحدث في المنطقة.

فبينما شككت الولايات المتحدة الأمريكية، على لسان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، أن سيناريو الثورة التونسية يمكن أن يتكرر في إحدى دول المنطقة، فإن فرنسا دافعت عن نفسها بشدة فيما يتعلق برفض استقبالها للرئيس “بن علي”، وقالت وزيرة الخارجية الفرنسية “اليو ماري” أن الرئيس السابق لم يطلب اللجوء إلى فرنسا. وفي ألمانيا أعلن الترحيب بنتائج الثورة، وأيدت الخارجية الألمانية استعدادها لتقديم الدعم لتونس من أجل التحول الديموقراطي.

في السياق نفسه بدأ المسؤولون في الخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبي في الوصول إلى تونس، كذلك قدمت فرنسا عروضاً لمساعدات لدعم التحول الديموقراطي في تونس، خاصة المساعدات الاقتصادية.

المبحث الثامن: النتائج التي حققتها الثورة

في أعقاب مسيرة قاربت ثلاث سنوات، بدأت ملامح ثورة الياسمين (17 ديسمبر 2010) تؤتي ثمارها، وأيقن الشعب التونسي أنه صاحب الحق في وطنه، وأن أي إدارة تقود البلاد لابد أن تخضع لرؤية الشعب وأهدافه في الكرامة والحرية والعيش الآمن، وبما يتطلب أن يتحد الشعب من أجل استكمال بناء تونس الجديدة وعدم تمكين أي فصيل أن يستولي على مقدرات الوطن، ونتائج الثورة يمكن استشرافها من مسارها الحقيقي.

أولاً: النتائج التي تحققت عبر مسار الثورة

مرت الثورة بثلاث مراحل متتالية، كان لكل منها أسبابه، والقوى الفاعلة فيه ومن ثم النتائج التي تحققت على أرض الواقع وانعكست آثارها على الثورة نفسها.

  1. المرحلة الأولى:الفترة من 15 يناير – 22 أكتوبر 2011

وتمثل توابع الثورة، وهي مرحلة تعقب أية ثورات أو أحداث كبرى، وشملت مرحلتين فرعيتين:

أ. الأولى بدأت في 15 يناير 2011

عقب تخلي الرئيس “بن علي” عن الحكم، واستمرت حتى 27 فبراير من العام نفسه، بإجمالي فترة زمنية 43 يوماً، واتسمت بردود فعل ثورية شاركت فيها جماهير الشعب، خاصة الثوار واتحاد الشغل والاتحادات المهنية، وانتهزت التيارات الإسلامية الفرصة ـ خاصة حزب النهضة ـ للقفز على الثورة والإعلان عن عودته للحياة السياسية.

وشهدت تونس العديد من الأحداث في تلك المرحلة، خاصة أن إدارة الحكم آلت إلى نفس وجوه النظام السابق، بنفس الأساليب، ويزيد عليها انعدام السيطرة الأمنية. وأدى ذلك إلى العديد من المتغيرات على الساحة التونسية أهمها:

(1) إجراء ثلاثة تعديلات في الحكومة، للتخلص من أعضاء الوزارة في النظام السابق، أو رفض الثوار لبعض الوزراء الذين شملتهم التغيرات الوزارية.

(2) توسع تدخل الجيش لحفظ النظام وتأمين المنشآت الحيوية، وهي مهام لم يتعود الجيش توليها أو التدريب عليها، ولكنه فعلها مجبراً ونجح في الاختبار.

(3) مثل اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير 2011، ثم الثورة الليبية في 17 فبراير 2011، عاملين مهمين في تقوية الثورة التونسية على المستوى الداخلي من جانب، وتقليل الاهتمام بها عالمياً وإقليمياً من جانب آخر، وكان لذلك تأثير مباشر على مسار الثورة في الداخل، والذي منح حزب النهضة فرصة تاريخية كي يعلن عن نفسه ويحصل على الشرعية، مع حلول شهر مارس 2011.

(4) في السياق نفسه، فإن وعود دول الغرب بدعم الثورة التونسية بدأت تتبخر هي الأخرى، نتيجة تعدد الثورات جنوب البحر المتوسط، والانتظار لما ستستقر عليه الأمور.

(5) تحمل مسؤولية إدارة هذه المرحلة رئيس الوزراء (الوزير الأول) “محمد الغنوشي”، ورئيس الجمهورية المؤقت الرئيس السابق للبرلمان “فؤاد المبزع”.

ب. الثانية: مرحلة التغير الرئيس في تونس (27 فبراير- 23 أكتوبر 2011) لنحو ثمانية أشهر

وهي مرحلة حساسة في تاريخ تونس سادها صراع غير متوازن، ومحاولات حزب النهضة والتيارات الإسلامية، والأحزاب المتحالفة معه للسيطرة بالقوة على أركان الدولة، وإضعاف قوى الأمن، وتقليص قدرة فصائل المعارضة بما يمكنهم من السيطرة على أركان الدولة.

تولى مسؤولية إدارة هذه المرحلة رئيس الوزراء (الوزير الأول) “الباجي قائد السبسي”، وهو سياسي مخضرم سبق أن تولى منصب وزير خارجية تونس في عهد الرئيس السابق “الحبيب بورقيبة”، ولديه شعبية وثقه من الجماهير، وقد اضطر رئيس الدولة إلى تعيينه خلفاً للوزير الأول “محمد الغنوشي” من أجل تهدئة الموقف الداخلي، ولكن التيار الاسلامي الصاعد لم يمكنه من ذلك، وشهدت هذه الفترة من مايو وحتى نهاية يوليه 2011 تظاهرات واعتصامات ومواجهات مسلحة مع عناصر الأمن. حتى إن الوزير الأول “الباجي قائد السبسي” وجه خطاباً للشعب، في 18 يوليه 2011، يتهم أطرافاً سياسية لم تسمح بالسعي للتحريض على اضطرابات أمنية، وأشار إلى أن هذه الأطراف غير مهيأة لخوض المعركة الانتخابية، وتهدف إلى إفشال الانتخابات القادمة، مؤكداً على التزام الحكومة بإجراء الانتخابات في موعدها 23 أكتوبر 2011.

ولم تكن تقديرات الوزير الأول في محلها، حيث نجح التيار الإسلامي في الحشد وإقناع الجماهير بأنه الأجدر في تولي السلطة في البلاد، بل أنه تمكن من بناء تحالفات مع حزبين أحدهما يساري، والأخر يساري وسط من أجل الحصول على أكبر نسبة أصوات في الانتخابات، إلى جانب إنكار التوجه لحكم إسلامي.

  1. المرحلة الثانية: تمكن الإسلاميين من الحكم في تونس (23 أكتوبر 2011- يوليه 2013)

تُعد هذه المرحلة من أخطر مراحل الثورة التونسية، بعد تمكن حزب النهضة من الفوز في الانتخابات التشريعية، والحصول على أغلبية في البرلمان، وتشكيل حكومة من التحالف الثلاثي، برئاسة الوزير الأول “علي العريض” (رئيس حزب النهضة)، كما تولى “المنصف المرزوقي” (رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية المتحالف مع النهضة)، منصب رئيس الجمهورية.

من خلال البرلمان المنتخب، جرى انتخاب اللجنة التأسيسية المكلفة بإعداد الدستور (144 عضواً)، وتحدد لها عام واحد لإنهاء هذه المهمة، ولكنها لم تحقق الهدف، نتيجة الخلافات.

أدى اغتيال الناشط “شكري بلعيد”، في فبراير2013، ثم اغتيال الناشط “محمد البراهيمي”، في 25 يوليه 2013، والذي أدى إلى ردود فعل شعبية جارفة، أدت بدورها إلى الانتقال لمرحلة جديدة من مراحل تطور الثورة ونتائجها، حيث استقال النواب المستقلون والمعارضون من اللجنة التأسيسية للدستور خلال هذه المرحلة.

في الوقت نفسه حدثت العديد من المتغيرات الإقليمية والعالمية التي انعكست آثارها على مسار الثورة التونسية، سواء بالسلب أو الإيجاب، وفي مقدمتها

أ. ثورة 30 يونيه 2013 في مصر، والتي أزاحت حكم الأخوان المسلمين عن الساحة، ومنها حرص حزب النهضة ألا تتكرر التجربة معه على نمط ما حدث في مصر، وآثر السلامة بمحاولات التغيير في سياساته من أجل تحقيق بعض مطالب الجماهير، والابتعاد عن شبهة السيطرة الإسلامية على الحكم.

ب. تنامي الأحداث في ليبيا بما يحدثه ذلك من تأثير سلبي على الأمن الوطني التونسي، كذلك تنامي الأحداث في سورية، والاتهامات الموجهة للإسلاميين بالضلوع في تلك الأحداث.

ج. نشاط تنظيم القاعدة في المغرب العربي، واتصاله بالجماعات السلفية الجهادية في تونس، خاصة في مناطق الجنوب والغرب، ما أدى إلى تهديد الأمن الوطني التونسي، وهو ما جعل الحكومة التونسية تدفع بعناصر الجيش والأمن على الحدود الغربية (الحدود مع الجزائر)، للسيطرة عليها ومنع الإرهابيين من التسلل إلى تونس.

د. بدايات تحول الغرب من الدعم المطلق للتيار الإسلامي السني في دول الربيع العربي نتيجة للأحداث في مصر، والإحساس بخطأ التقدير الاستراتيجي للإدارة الأمريكية والإدارات الغربية الحليفة لها، وبما جعل النظام في تونس مضطراً إلى إعادة تقدير موقفه الداخلي.

انتهت هذه المرحلة ببدايات قيام ثورة تصحيح، أو ما أُطلق عليها “الثورة الثانية في تونس”.

  1. المرحلة الثالثة: الثورة الثانية أو تصحيح مسار الثورة (أغسطس – أكتوبر 2013، وما بعد ذلك)

انعكاساً لأحداث المرحلة الثالثة، واغتيال البراهيمي، والثورة المصرية، بدأ الشعب التونسي يعيد تنظيم نفسه، ويطالب بتحقيق أهداف الثورة، ويرفض توجهات تحالف التيار الإسلامي في السيطرة على الدولة، وتهميش دور الثوار الحقيقيين وباقي الأطياف الليبرالية الأخرى.

كان إعداد الدستور وتصحيح مسار الثورة هما الذريعتان الرئيسيتان للانتفاضة التونسية الجديدة، حيث إن الدستور هو بداية خريطة المستقبل لتحقيق أهداف الثورة التي ضحى من أجلها الشعب التونسي. في السياق نفسه، فقد استعاد اتحاد الشغل التونسي والنقابات المهنية عافيتها من أجل مواجهة التحالف الثلاثي القائم بالحكم، والذي أحكم سيطرته على الدولة.

كذلك حركت الأحداث الإرهابية وعدم شعور المواطن التونسي بالأمن الجماهير من أجل التظاهر من جديد، ورفع صوتها الاحتجاجي والمطالبة بتحقيق أهداف الثورة. لاقت هذه الانتفاضة مقاومة من النظام في البداية، إلا أن ذاكرة أحداث ثورة 30 يونيه 2013 في مصر، غيرت من هذه المقاومة إلى محاولة التفاهم للوصول إلى حلول وسط.

وهو ما حدث فعلاً، في بداية أكتوبر 2013، من الاتفاق على عقد جلسات الحوار تحت إشراف الرئاسات الثلاثة (رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس اللجنة التأسيسية)، وكانت أهم بنود الاتفاق تشكيل حكومة كفاءات وطنية، واختيار رئيس جديد للحكومة يتفق عليه الجميع، واستقالة الحكومة الحالية في ظرف ثلاثة أسابيع.

ماطلت الحكومة في تنفيذ الاتفاق، بل إن رئيس الحكومة “علي العريض” أدلى بتصريح مستفز في أنه يؤيد إجراء انتخابات جديدةـ لأنه واثق من فوز حزب النهضة بها بأغلبية كبيرة.

بمرور ثلاثة أسابيع ولم تعقد جلسات الحوار، قرر اتحاد الشغل وأحزاب المعارضة القيام بتظاهرات في أنحاء تونس، في 23 أكتوبر 2013، وقد لاقى هذا القرار صدى على مستوى الشعب للمشاركة فيه، وبما أدى إلى مراجعة الحكومة لموقفها، والإعلان عن بدء أولي جلسات الحوار في هذا اليوم (23 أكتوبر).

في أول جلسة حوار حرص المجتمعون على انجاحها، حيث حرر رئيس الحكومة إقراراً كتابياً باستقالة الحكومة في مدى ثلاثة أسابيع، واستمرار جلسات الحوار. ومن جانبها قررت أحزاب المعارضة واتحاد الشغل عودة أعضائها المستقيلين من اللجنة التأسيسية لكي يكتمل وضع دستور الدولة.

استمرت المفاوضات في اتجاه واحد، وهو اختيار رئيس جديد للحكومة يقبله الجميع، ويشكل حكومة وحدة وطنية تدير أمور الدولة لحين إتمام صياغة الدستور واجراء انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة. وفى محاولة لاستقطاب المعارضة، تم الاتفاق على أن يكون الإشراف رباعياً بتمثيل المعارضة فيه، من خلال اتحاد الشغل التونسي.

استمرت الاجتماعات بطرح أسماء عديدة يختلف عليها الأطراف الأربعة، وكان هذا الاختلاف مقصوداً من التيار الإسلامي حتى لا يفقد السلطة وانتظار تطورات الأمور.

مع نهاية شهر نوفمبر 2013، وأمام الارتباك السياسي، اشتعلت انتفاضات عديدة اتسمت بالعنف، وإحراق مقار حزب النهضة والمنشآت الحكومية، وانسحب أعضاء المعارضة من اللجنة التأسيسية، وشاعت فكرة “الثورة الثانية في تونس” لدى التيار المدني، بينما أحكم التيار الإسلامي قبضته على الحكم.

هذه المتغيرات تشير إلى أن الديموقراطية في تونس لن تتحقق في المدى الزمني القريب، بل ستحتاج إلى جهود لبناء تحالف وطني بين أطياف المجتمع التونسي للتفاهم على بناء دولتهم.

ثانياً: النتائج في مجال السياسة الداخلية

  1. لم تتحقق حتى الآن أهداف الثورة التي قام بها الشعب التونسي، والتي تعد مقدمة لثورات الربيع العربي، وظلت الأوضاع كما هي من فساد، وبطالة، وازداد عليها انعدام الأمن وظهور عصابات الجريمة المنظمة والإرهاب.
  2. استشعر الشعب الثائر أن ثورته سُرقت منه، وأن جماعات كانت محظورة إبان النظام السابق ولم تشارك في الثورة هي التي استولت على الحكم، وأنها تقود البلاد بأسلوب مقارب لما كان يفعله النظام السابق، وزاد عليه تمكين أفرادها وكوادرها من شغل المناصب الرئيسة للسيطرة على الدولة وعلى الشعب.
  3. تقلص فاعلية المعارضة، وانحسار قدرات اتحاد الشغل نتيجة للمراقبة الأمنية على أعضائه، وبما أتاح لكوادر حزب النهضة في التصرف في مقدرات الدولة.
  4. ازداد غليان الشعب التونسي، خلال النصف الثاني من عام 2013، وبالتحديد في أعقاب اغتيال الناشط السياسي “محمد البراهيمي”، واستعاد قدراته على المقاومة والمطالبة بالحقوق السياسية والدستورية والإنسانية التي سلبت منه.
  5. انقسم الشعب التونسي إلى العديد من الفئات ثورية ـ ليبرالية ـ مهنية، يمثلها اتحاد الشغل، والنقابات الفنية والدينية التي تمثل التيار الإسلامي مكان المناطق الحدودية، الذين يحاولون البعد عن السياسة، ويركزون على التعامل مع دول الجوار، خاصة في مجال التهريب للبضائع والسلاح وغير ذلك، ثم فئات الخارجين عن القانون، ومنهم الإرهابيون والجماعات السلفية الجهادية.
  6. تقلصت قدرات الأمن في السيطرة على أركان الدولة، وتصاعد دور جديد للميليشيات التابعة لحزب النهضة، التي تنفذ مهام لصالح الحزب في مواجهة الفئات الأخرى.
  7. المحصلة النهائية أن الأوضاع الداخلية في تونس ازدادت سوءاً عما كانت عليه قبل الثورة، خاصة في مجال الأمن، مع ارتفاع أسعار الاحتياجات الرئيسة، والتأثير على الروح المعنوية للجماهير، نتيجة لانعدام الرؤية في مستقبل تونس، إلى جانب ما يحدث في دول الجوار، خاصة دول الربيع العربي الذي يؤثر تأثيراً مباشراً على الأوضاع في تونس.
  8. أدت هذه الأوضاع إلى تفجر ثوري آخر، وعودة الوعي التونسي، واستعادة فاعلية اتحاد الشغل وأحزاب المعارضة، واتخذوا من الأوضاع في مصر مثلاً وقدوة، وكان اتفاقهم على مبدأ الحوار، وخروج تونس من أزمتها، في أكتوبر 2013، خطوة على الطريق الصحيح في مسار الثورة، واستقرار الدولة.
  9. على جانب آخر، فقد تصاعدت مظاهر سلبية خطيرة أهمها:

أ. لجوء بعض أفراد الشعب التونسي إلى الانتحار، نتيجة سوء الأوضاع المعيشية والأمن، وهو ما يعيد بالذاكرة لبداية الثورة التونسية.

ب. نشاط الإرهاب الذي تقوم به مليشيات من الإسلاميين الجهاديين، سواء بمبادرة منهم أو بالتنسيق مع حزب النهضة، والنتيجة هي شغل الجيش والأمن واستنزاف جهودهما، بما يمكن الميليشيات الإسلامية من السيطرة على الدولة، وردع أية معارضة للنظام الإسلامي.

ثالثاً: النتائج في مجال السياسة الخارجية

خلال سنوات الثورة الثلاث، لم تحقق تونس أي تأثير في مجالها الحيوي، وكان لأحداث الداخل انعكاسات سلبية شديدة على سياستها الخارجية، كما كان للمتغيرات الإقليمية والعالمية تأثير على تلك النتائج.

  1. على المستوى الإقليمي

إن ثورات الربيع العربي كان لها أثر على توجه جامعة الدول العربية، والدول العربية النفطية، في دعم الثورة التونسية، كما كان للثورة الليبية، وانهيار الأمن على الحدود الليبية ـ التونسية أثره على الأمن الوطني التونسي، والعلاقات مع أحد أهم دول الجوار لتونس، الذي كان يتلقى منها دعماً معنوياً واقتصادياً.

وتأثرت العلاقات بين الجزائر وتونس، لخشية الجزائر أن تنتقل عدوى الثورة إلى أراضيها، وخوف تونس من تسلل عناصر القاعدة، التي تتخذ جنوب الجزائر قاعدة لها، إلى أراضيها.

وكان لموقف المملكة العربية السعودية، التي استقبلت الرئيس التونسي السابق بعد هروبه من تونس، يمثل صدمة للنظام في تونس، التي حاولت إعادة الرئيس “بن علي” لمحاكمته، ولم توافق المملكة لظروف سياسية وإنسانية.

  1. على المستوى الدولي

صُدمت الحكومات التونسية من التحول في علاقات الغرب معها، وتوجيه اهتماماتهم نحو دول أخرى جنوب المتوسط (مصر والجزائر والمغرب وليبيا)، أكثر من توجهاتهم للاهتمام بها.

وكان تركيز التنظيم الدولي للإخوان المسلمين على إنجاح تجربتهم في تونس، وتحويلها إلى حكم إسلامي، مجالاً لتخوف الكثير من الدول من الانفتاح على تونس، والانتظار إلى أن تستقر الأوضاع في تونس ثم تقرر طبيعة العلاقات معها.

في السياق نفسه، فإن أمن البحر المتوسط ـ من وجهة النظر الأوروبية ـ في عدم استخدامه للهجرة غير الشرعية من دول الجنوب والدول الإفريقية عبر تونس، كان مثار تهديد للدول الأوروبية، نتيجة افتقاد السيطرة التونسية على شواطئها، وانعكس ذلك في العلاقات بين تونس والعديد من الدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط.

وتبقى الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة إستراتيجية الشرق الأوسط الجديد، والتي كانت تعمل على دعم النظام الذي يقوده حزب النهضة، والذي أدى إلى إحساس الشعب التونسي بتهديد أمريكي لهم، ومن ثم تصاعدت انتقادات الشعب التونسي للولايات المتحدة الأمريكية.

رابعاً: النتائج على المستوى الاقتصادي

الاقتصاد ـ دائماً ـ هو الذي يصاب بأكبر الأضرار، بسبب الثورات، وذلك نظراً لغياب الأمن، وتوقف الإنتاج، وابتعاد الاستثمار، والتأثير على العديد من المجالات التي تنعش الاقتصاد، مثل الحركة السياحية، وتحويل أموال المغتربين إلى الوطن، وتجارة الترانزيت، وغير ذلك.

في السياق نفسه، فإن الحكومة عادة ما تضطر إلى السحب من الاحتياطي النقدي العام لتصريف أمور الدولة، والاستجابة لبعض مطالب الثوار. ويزيد على ذلك أن الرئيس التونسي السابق، حمل معه أثناء هروبه جزء غير قليل من احتياطي الذهب واحتياطي العملة في تونس.

ونظراً لأن عائلة الرئيس السابق وأصهاره وزوجته، كانوا يمتلكون زمام الاقتصاد التونسي، خاصة المصانع والبنوك والأراضي الزراعية، والتي توقفت أو نُهبت بعد الثورة، فقد أدى ذلك إلى إضعاف آخر للاقتصاد التونسي.

ولم تتلق تونس الدعم الاقتصادي، الذي تسارعت بعض الدول الغربية والعربية بتقديم الوعود به، بعد نجاح الثورة وفي مراحلها الأولى، ولكن كانت المعونات قليلة ولم تتناسب مع المطالب الحقيقية لدعم الاقتصاد الوطني، ما أدى إلى لجوء تونس للخضوع لشروط صندوق النقد الدولي، الذي قرر دعم الاقتصاد التونسي بحوالي نصف مليار دولار، بدءاً من بداية عام 2014.

انعكست النتائج الاقتصادية على تونس كالآتي:

  1. الاقتراب من أزمة اقتصادية تهدد موارد الدولة، ويحتاج معالجتها إلى عدة سنوات، بشرط الاستقرار والإدارة العلمية للاقتصاد الوطني.
  2. ارتفاع معدل التضخم الذي يعاني منه الشعب، والذي قد يؤدي مستقبلاً إلى انتفاضات أو تظاهرات أخرى للمطالبة بتحسين أحوال المعيشة، وهي في نفس الوقت تزيد من أعباء تدهور الاقتصاد.
  3. عدم وضوح مستقبل تونس، وهل ستؤدي الانتخابات القادمة إلى عودة التيار الإسلامي أو إبعاده، وذلك يمثل تهديداً للاقتصاد، وثقة المستثمرين، ومؤسسات التمويل الدولية في التعامل مع تونس.
  4. تمثل إعادة هيكلة الاقتصاد التونسي، وتحويل المؤسسات التي كانت تمتلكها أسرة الرئيس السابق إلى أملاك للدولة قضية مهمة قد تتحول إلى أبعاد عالمية في القضاء والحقوق.

كذلك فإن الأموال التونسية المهربة للخارج تمثل قضية أخرى في محاولة إعادتها، لأن النظام العالمي الحالي يخضع لشروط قاسية في إعادة هذه الأموال، كذلك فإن هناك شركات ومؤسسات غير سوية تدير محافظ أموال المهربين ولا يمكن اكتشاف أسرارها.

خامساً: النتائج في المجال الاجتماعي

تأثر المجتمع التونسي بالثورة إيجاباً وسلباً، ويمكن القول بأن الآثار الاجتماعية كانت هي أهم نتائج الثورة في تونس. والمعروف عن المجتمع التونسي، أنه مجتمع منفتح على الغرب بثقافاته وحضارته، كما أنه مجتمع متعلم بدرجة كبيرة، وتكاد الأمية تختفي في العديد من المدن التونسية، وبالرغم من ذلك فإن النظام السابق تمكن من السيطرة الأمنية على هذا المجتمع من خلال القهر والإعلام السلطوي، وسيطرة أصحاب رؤوس الأموال على الشعب، لدرجة أن فرصة العمل لا تتحقق إلا لمن يخضع للنظام ويتجه له بالولاء.

  1. النتائج الإيجابية للثورة في المجال الاجتماعي

أ. إدراك الشعب أهمية  التغيير والمحافظة على الوطن، وبناء دولة ديموقراطية حديثة تتواكب مع الحضارة التونسية القديمة التي كان لها شأن كبير حيث تنخرط من الحضارة الفينقية والقرطاجية.

ب. اندماج الشعب في العولمة بمجالاتها المختلفة، حيث تونس قريبة من دول الاتحاد الأوروبي، كذلك فإن أعداد المهاجرين التونسيين إلى أوروبا ليست بالقليلة.

ج. امتلاك الذات، ورفض الحكم السلطوي والسعي للوحدة الوطنية.

د. تحول الإعلام من إعلام سلطوي إلى إعلام ليبرالي، يمكن التعبير من خلاله عن القضايا المختلفة.

من كل ما سبق فإن الشعب التونسي قد خرج من الإطار السلطوي الذي وضع فيه منذ الاستقلال، عام 1956، وحتى قيام ثورة الياسمين، وأن هذا الشعب لا يمكن أن يتقبل أي حكم سلطوي بعد الثورة، ولا يمكن أن يتعايش مع نظام يقيد من حريته.

  1. النتائج السلبية للثورة في المجال الاجتماعي

أ. عدم وجود قيادة للثورة عكس آثاره في فقد الهدف الرئيس الذي شبت من أجله الثورة، بحيث تم تداول الحكم بين نظام قديم، ثم نظام آخر قفز على السلطة، نتيجة عدم وضوح الهدف.

ب. الانفلات الأمني الذي انتشر في ربوع تونس بعد الثورة، وأدى إلى عدم شعور الغالبية من الشعب بالأمان، خاصة مع انتشار الميليشيات التابعة للتيارات الإسلامية.

ج. ضعف الإنتاج وتقلص السياحة، وانحسار فرص العمل، وكلها تزامنت مع غلاء الأسعار، ما أدى إلى إرهاق المجتمع وازدياد المشكلات المجتمعية، وانتشار الفقر، ومن ثم السخط على الأنظمة الحاكمة الجديدة.

د. شعور المجتمع التونسي أن ثورته قد سلبت منه بصعود التيار الإسلامي ـ المحظور سابقاً ـ إلى الحكم، وتوجه هذا التيار إلى السيطرة على مفاصل الدولة، وهو ما لم يقبله المجتمع التونسي، وثار عليه في أكتوبر 2013.

هـ. انتشار عمليات التهريب، وتحول المناطق الحدودية (شرقاً وغرباً) إلى مجتمعات متخصصة في تهريب ونقل البضائع بكل أنواعها، بدءاً من السلاح حتى المواد الغذائية، وقد أثر ذلك تماماً على الأمن الوطني التونسي.

ربما تزول معظم الآثار السلبية، نتيجة لانتفاضة الشعب، بدعم من اتحاد الشغل والنقابات المهنية، في أكتوبر 2013.

المبحث التاسع: تأثير تونس في مجالها الحيوي بعد الثورة

من المعروف أن تأثير الدولة في مجالها الحيوي ينبع من قدرتها العسكرية والاقتصادية، وينبع من جغرافيتها السياسية ومكانها على خريطة العالم، إلى جانب ما صنعته للتاريخ والبشرية من حضارة وعلم، وكل ذلك ينعكس بالإيجاب أو السلب على قدرتها السياسية، وفاعليتها في محيطها الإقليمي والعالمي.

والدولة تكون قادرة على التأثير في القضايا المحيطة بها عندما تمتلك القدرة المناسبة للدفاع عن نفسها وردع أي تهديدات موجهة إليها. وتتمتع باستقرار داخلي، وتاريخ يحترمه الآخرون.

وينعكس تأثير قوة الدولة إيجاباً أو سلباً على تحقيق مصالحها في محيطها الإقليمي والعالمي، ويقاس بمدى توسع هذه المصالح، بما يحقق الرخاء للشعب والاستقرار الأمني، كما يتأثر الشعب بقدرة الدولة على حمايته، وإشاعة الأمن بين ربوعه وتطبيق العدالة الاجتماعية بين طوائفه.

واحترام الدولة لشعبها في الداخل ينعكس بشدة على مدى احترام الآخرين في الدول الأجنبية لأفراد هذا الشعب، والتعامل معهم بندية وثقة مشتركة.

إن الغايات القومية والإستراتيجيات الحديثة للدول المتقدمة تسعى إلى التأثير في مجالها الحيوي، من أجل تحقيق مصالحها، ويكون ذلك باستمرار على حساب مصالح الدول النامية ـ خاصة الدول ذات الموقع الإستراتيجي ـ وهو ما تحاول الدول متوسطة القوى تحقيقه، ومنها الدول العربية.

أولاً: تأثير تونس في مجالها الحيوي قبل الثورة

في أعقاب استقلال تونس، عام 1956، فإن الأنظمة التي حكمتها آثرت التوجه نحو البناء الداخلي للدولة، والبعد ـ بقدر الإمكان ـ عن الصراعات الإقليمية أو التحالفات الدولية، والزهد في اعتلاء دور قيادي فاعل في محيطها الإقليمي، بل آثرت الانغلاق في سبيل البناء الداخلي.

واستعاضت عن ذلك ببعض الأمور الجاذبة للاهتمام، ولإيجاد مكان للدولة في محيطها، مثل الظهور على خريطة السياحة الدولية والإقليمية، وتصدير بعض المنتجات المتميزة التي تحمل شعار تونس، إلى جانب اتخاذها موقفاً سياسياً أشبه بعدم الانحياز أو الحياد الإيجابي في مواجهة الأحداث المحيطة بالشرق الأوسط، والسيطرة على الإعلام، وتفعيل دور الأمن بشدة لحماية النظام، وإبعاد الجيش عن السياسة.

كان لهذا التوجه السياسي بعض الايجابيات، وبعض السلبيات أيضاً، والتي أثرت على المسار التاريخي لتونس.

  1. أهم الإيجابيات

أ. التركيز على دفع الاقتصاد القومي نحو التنمية، وتوفير أقصي قدر من نفقات الدفاع، واستغلالها في مشروعات تنموية.

ب. البعد عن المخاطر (أو الحياد الإيجابي)، خاصة في منطقة المغرب العربي غير المستقرة حيث يحيط تونس دولتان ثوريتان ليبيا والجزائر، ولكل منهما تطلعاتهما الثورية، والرغبة في التأثير في مجالهما الحيوي. ولكن تونس آثرت التهدئة مع كليهما، ولم تنزلق في صراع حدودي معهما، بل فتحت حدودها معهما في مجال الجذب السياحي والتبادل التجاري.

ج. من خلال سياسة الحياد التي اتبعتها، فإنها قبلت استقبال العديد من المضطهدين سياسياً في مناطقهم، ومن بينهم قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، ما دفع بإسرائيل إلى شن غارة ناجحة اغتالت فيها بعض هذه القيادات في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي.

د. لثقة الدول العربية في تونس، فإن القادة العرب قرروا نقل مقر جامعة الدول العربية، في أعقاب اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية إلى تونس، عام 1979، ثقة منهم في حيادها.

هـ. ظلت تونس على مدى سنوات طويلة قبلة للسياح العرب، ومنتدى للفنون والآداب العربية، وفتحت تونس أبوابها لمختلف الدول العربية والأجنبية في آن واحد.

و. وضعت الدولة خططاً فاعلة للقضاء على الأمية، وتحرير المرأة وتمكينها من الحصول على حقوقها في المجتمع، وأصبحت المرأة التونسية هي الأكثر ـ عربياً ـ في فاعلية دورها في المجتمع، كما أصبحت تونس في مقدمة الدول العربية قضاءً على الأمية.

تلك الإيجابيات حققت لتونس العديد من المزايا الاقتصادية، وفي مقدمتها جذب الاستثمارات، وتدفق السياح.

  1. أهم السلبيات

أ. سياسة الانغلاق على الذات أدت إلى صعود الحكم السلطوي بالتدريج، بدءاً من عهد الرئيس “بورقيبة”، مروراً بعهد الرئيس “بن علي”، وإدارة الدولة من خلال حكم فاسد انعكست آثاره على الشعب التونسي، خاصة الطبقات محدودة الدخل، دون أن يتخذ النظام الحاكم القرارات السياسية الفاعلة للقضاء على هذا الفساد.

ب. سياسة التهدئة والابتعاد عن المخاطر أدت إلى إضعاف الجيش التونسي إلى أقصي درجة، بل أن الجيش أُبعد تماماً عن السياسة وعن تكليفه بمهام تأمين الداخل، ضماناً من النظام لعدم قيام الجيش بانقلابات عسكرية. وهو ما أدى في النهاية إلى أن تصبح تونس مهددة ضد أي غزو خارجي، إلى جانب أن الجيش لم يتمكن من تأمين النظام ذاته في بداية الثورة، لعدم تكليفه بمثل هذه المهام دستورياً.

ج. أدى الانغلاق وفساد الحكم إلى تمكين أقطاب النظام وأسرهم من امتلاك مقدرات الدولة، وإدارتها لصالحهم، بل إن عائلة الرئيس وأصهاره امتلكت أكبر البنوك والمؤسسات الصناعية والأراضي الزراعية، وتركت الشعب يئن من الفقر.

د. اهتمام النظام بالسيطرة الأمنية على مقدرات الدولة، والتصرف بقسوة مع الشعب حتى لا يمس بأمن النظام، أدى إلى غليان مستمر، انفجر عدة مرات في وقفات احتجاجية، ثم كان الانفجار الأكبر في ثورة الياسمين.

هـ. عدم تحقيق التوازن المجتمعي على مستوى الدولة بالكامل، سواء في مجال العقائد الدينية، حيث تم عزل حزب النهضة باعتباره حزباً محظوراً دون القضاء على قواعده في الداخل، وتم حظر الأحزاب اليسارية أيضاً دون وضعها تحت المراقبة، وعدم تحقيق أي نوع من العدالة الاجتماعية، إذ ازداد الأغنياء غنىً وازداد الفقراء فقراً، وكان ذلك هو أحد أسباب الثورة.

و. عدم الاهتمام بوجود نظام متكامل لإدارة الأزمات، يبدأ بحشد وتحليل المعلومات والإنذار والتصرف حيال الأزمة، ولكن اعتمد الرئيس على ثقته بقيادات الأمن الذين اعتمدوا بدورهم على القمع وسيلة لتحقيق الأمن، ولم يقدروا أن الشعوب قادرة ـ في لحظة تاريخية ـ أن تثور وتجابه هذا القمع وتهزمه، وهو ما حدث في ثورة تونس.

ثانياً: دلالات تأثير تونس السابق في مجالها الحيوي

مما سبق يتضح أن تأثير تونس في مجالها الحيوي كان تأثيراً محدوداً، وهو ما أشار إليه “ستيفن كوك” المسؤول عن مكتب الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بعد قيام الثورة، حيث قال “أن تونس ليست لها أهمية إستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، على العكس من مصر والجزائر والأردن”.

ونبه نفس المسؤول الأمريكي إلى أن وضع تونس الإستراتيجي لا يمكنها من نقل ثورتها إلى دول أخرى في المنطقة، وكان تقديره خاطئاً، حيث إن تونس لم تعمل لنقل ثورتها، بل أن شعوب هذه الدول الأخرى كانت في درجة من الغليان تؤهلها للانفجار بثوراتها، بمعني أن تونس لم تصدر الثورة ولكن أحداث ثورتها كانت هي الشرارة التي أشعلت ثورات الشعوب الأخرى.

الأمر نفسه يتعلق بتأثير تونس في المجال الأوروبي، فبالرغم من أن علاقات تونس بالعديد من دول أوروبا شمال المتوسط كانت علاقات قوية، ويعيش مئات الآلاف من المهاجرين التونسيين في هذه الدول، إلا أن دلالة رفض فرنسا وإيطاليا وقبرص وأسبانيا وغيرها استقبال الرئيس السابق “بن علي” بعد هروبه، يدل دلالة قاطعة على أن علاقات النظام السابق بأوروبا لم تكن على مستوى التنسيق المناسب.

وبرز التأثير عربياً، بدلالة أنه عندما انتقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس، عام 1979، واستمر 11 عاماً، فإن جامعة الدول العربية أصابها ضعف شديد، بل أدى هذا الانتقال إلى تشكيل تجمعات عربية بديلة، منها مجلس التعاون الخليجي عام 1981، ومجلس التعاون العربي، ومجلس التعاون لدول المغرب العربي عام 1989، والسبب هو أن مقر الجامعة انتقل من مكانه الطبيعي في مصر إلى دولة أقل قدرة في تفعيلها عربياً وإقليمياً.

لم يتمكن الجيش أو الأمن التونسيان من التصدي للغارة الإسرائيلية لتصفية قيادات من منظمة التحرير الفلسطينية المقيمين على أرضها، بالرغم من طول المسافة بين إسرائيل وتونس، كما أن تونس لم ترد على هذا العدوان الذي وقع على أرضها، ويمثل ذلك انتقاصاً من تأثير الدولة.

ثالثاً: تأثير تونس في مجالها الحيوي بعد الثورة

كأي ثورات كبرى حدثت على مدى التاريخ، فإنه يعقبها تداعيات مختلفة الشدة حتى تستقر وتأخذ مكانتها داخلياً وخارجياً. والثورة التونسية ـ كما هو الحال في ثورات الربيع العربي بالكامل ـ لم يتحقق لها الاستقرار بعد، ولم تحقق أهدافها التي نشبت من أجلها، وهو ما أدى إلى تدهور الثقة بين الشعب والنظام.

في تونس حاول ستة من مصابي ثورة الياسمين الانتحار الجماعي، خلال شهر أكتوبر 2013، احتجاجاً على أن الثورة لم تسفر عن عائد إيجابي على الشعب، ومازالت الأسباب التي قامت من أجلها الثورة من ظلم وتهميش وتردي الأحوال الاقتصادية وغياب الأمن، وغير ذلك الكثير سائداً على مستوى الدولة، وهو مؤشر سلبي في مسار الثورة التونسية.

إن النظام الإسلامي الذي قفز على الحكم، لم يقدم سوى وعود جوفاء، وتصرف بعناد وتجاهل لمطالب المواطنين. وعندما تحركت الجموع، في الثلث الأخير من أكتوبر 2013، تطالب بخريطة مستقبل ودستور وحكومة وطنية، حرك النظام في تونس أيادي الإرهاب لشغل الجيش والأمن وتهديد الشعب. وهو سيناريو لنظم ضعيفة في الاستيلاء على الدولة. ومن ثم فهم يرتكبون الأخطاء نفسها التي ارتكبها النظام في مصر، وأحبطها الشعب وقواته المسلحة.

إن تأثير الدولة في مجالها الحيوي يبدأ أولاً من تماسك الجبهة الداخلية، وتوحد الهدف بين النظام والشعب، والتوجه نحو بناء القوة، وهو ما لم يحدث في تونس حتى الآن. ويمكن استشراف قوة وحدود هذا التأثير من خلال مراحل متتالية ترتبط بمسار الأحداث والقدرة على بناء الدولة الحديثة كالآتي:

  1. التأثير في المجال الحيوي على المدى القريب (حتى خمس سنوات)

أ. القوى المؤثرة

(1) الشعب التونسي: بما له من حراك وقدرة على الفعل وتمسكه بتحقيق أهداف ثورته، يدعمه في ذلك اتحاد الشغل والنقابات المهنية، وتزداد تأثير قوى الشعب عندما يختار قيادة ثورية وطنية تعمل على الأخذ بيده إلى بناء تونس الجديدة وتكون له القدرة على الصمود في مواجهة التحديات وأهداف القوى المضادة.

(2) حزب النهضة والتيارات المتحالفة معه: وهي تيارات ذات توجهات خاصة تسعي في الوقت الحالي إلى السلطة، وتتحالف مع أي قوى خارجية أو داخلية تحافظ لها على استمرار سيطرتها على الحكم، وتوفر لها الدعم المادي لذلك.

(3) القوى الأجنبية: وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، وهي تبحث عن مصالحها فقط، وتتحالف مع من يؤمن لها تلك المصالح، وحزب النهضة يحقق لها ذلك، فهي تؤيده.

(4) الدول العربية: وفي مقدمتها دول الجوار التونسي، ومواقفها تتباين من وجهة النظر التونسية:

(أ) فالجزائر تأخذ الحيطة والحذر حتى لا تطول الثورة أراضيها، كذلك فإن الحكم الإسلامي في تونس يتحالف مع المنظمات الجهادية في المغرب العربي، وهو يمثل خطراً على الجزائر.

(ب) ليبيا مهمومة بأوضاعها، ولكنها تعد مورداً مهماً للأسلحة والبضائع المهربة، وهو ما يمثل خطراً محدقاً في الداخل التونسي.

(ج) مصر أصبحت هي القدوة والمثل للثوار في تونس، من خلال الخطوات التي اتخذتها نحو تحقيق أهداف الثورة والقضاء على الإرهاب، وتحدي القوى التي تتآمر عليها مع الإخوان المسلمين.

ب. انعكاس آثار تلك القوى

(1) استمرار الارتباك في الداخل التونسي لفترة غير قصيرة.

(2) لاشك أن الشعب سيحقق النصر في النهاية، ويزيل آثار الفوضى والارتباك خلال المرحلة السابقة.

(3) الشعب لديه مطلق الحرية في اختيار النظام الذي يدير الدولة، كذلك القيادة التي تأخذ بيده لتحقيق أهداف الثورة.

ج. حجم التأثير التونسي في مجاله الحيوي خلال تلك المرحلة

(1) تأثير محدود يتزايد بقدر الاستقرار الداخلي.

(2) تبتعد تونس عن المتغيرات على الساحة الإقليمية والعالمية.

(3) قد تتعرض وحدة الأراضي التونسية للتقسيم إلى قسمين، شمالي يشمل دول الساحل ودول الوسط، وجنوبي يضم إقليم الجنوب والمناطق الأكثر فقراً، فيما لو حاول الإسلام الراديكالي التغلغل فيها، ولم يتمكن الجيش ـ بقدراته المحدودة حالياً ـ في السيطرة على مؤامرات التقسيم.

(4) يمكن تقليص فترة تحقيق الاستقرار فيما لو تكونت جبهة متحدة من الشعب والجيش وقوات الأمن لمواجهة العناصر الطامعة في فرض سلطانها على الدولة، وعندها سيزيد تأثير تونس في مجالها الحيوي.

(5) أهمية أن يوجه الشعب التونسي كل الاهتمام لما يحدث على حدود دولته من متغيرات، نظراً لاشتعال الموقف في منطقة المغرب العربي بحيث لا ينكفئ على الداخل، ويفاجأ بأحداث في دول الجوار تقلب الموازين فيما يحققه من إنجازات.

  1. التأثير في المجال الحيوي على المدى المتوسط (5 – 10سنوات)

وهي مرحلة تلي المدى القريب وتنطلق من القواعد والإنجازات التي أفرز عنها هذا المدى، ومن ثم ففي حالة الإنجاز الإيجابي نحو التحرك لتحقيق أهداف الثورة، فسيكون التأثير إيجابياً، ولو حدث العكس فسيكون التأثير سلبياً.

أ. العوامل التي تؤدي إلى إيجابية التأثير

(1) تحقيق الاستقرار الداخلي، وتوحيد الجهود نحو هدف واحد يراد تحقيقه.

(2) تقليص حجم الانفلات الأمني والعمليات الإرهابية.

(3) استقرار الأوضاع في دول الجوار التونسي.

(4) توجه القوى العربية والعالمية لدعم الشعب التونسي لبناء دولته على أسس من الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والاندماج في العولمة.

ب. يتحقق التأثير بعد تحقيق الاستقرار في الداخل من خلال خريطة مستقبل يرسمها الشعب وتشارك فيها كل أطيافه بوضع دستور يحدد هوية الدولة ونظام العمل بمؤسساتها والحفاظ على أمنها، وانتخاب حكومة ورئاسة يرضى عنها الشعب ويتحالف معها لتحقيق آماله وأهداف ثورته.

ج. يتحقق التأثير أيضاً من خلال مناخ إقليمي حاضن للاستقرار، مندمج في العولمة تتعاون أنظمته وشعوبه من أجل تبادل المصالح والسعي لتحقيق الرفاهية والخير لشعوبها. ويعني ذلك:

(1) أن التأثير الإقليمي التونسي يتحقق بدرجات متدرجة طبقاً للأوضاع في دول الجوار المباشر (ليبيا والجزائر)، والأوضاع في دول التأثير غير المباشر (مصر ـ السعودية ـ المغرب)، كذلك توجهات الدول الأخرى نحو تونس.

(2) يزداد التأثير باقتناع النظام الدولي في دعم تونس ومساندتها في بناء الدولة الحديثة.

د. يزداد التأثير بقدرة تونس على بناء قوة الدولة والذي يتحقق من خلال الآتي:

(1) أمن مجتمعي يعتمد على العدالة الاجتماعية وتطبيق القانون (وهو أحد أهداف الثورة).

(2) أمن اقتصادى يتأسس على استغلال الموارد وتعدد المصادر والتعاون المؤسسي على تبادل المصالح مع الدول كافة، يتوقف على مدى استقرار الدولة وثقة المستثمرين فيها.

(3) قدرة عسكرية مناسبة يتحقق من خلالها تأمين الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية، والمحافظة على الشرعية الدستورية، ودعم قدرة الدولة في الحفاظ على مصالحها الخارجية والداخلية، وهو ما يتطلب إعادة بناء الجيش التونسي على أسس تساير الثورة في الشؤون العسكرية، والإستراتيجيات الحديثة.

بما يعني أن التأثير في المحيط الإقليمي والدولي لا يتحقق بالأمنيات، ولكن من خلال تخطيط دقيق ورؤية إستراتيجية متكاملة، ومشاركة بين النظام والشعب ومؤسسات الدولة. وكل ذلك يتطلب سرعة تحديد خريطة المستقبل والعمل على استقرار الداخل والفهم الدقيق لمعني الثورة والدولة والوطن.

فالثورة هي حراك من أجل التغيير ومن أجل تحقيق هدف تتطلع إليه الجماهير، والدولة هي المنظومة المؤسسية التي تحدد العلاقة بين النظام والشعب في الداخل، وبين الدولة والدول الأخرى على المستويين الإقليمي والعالمي.

أما الوطن فهو المظلة التي يجتمع تحتها الشعب بكل طوائفه، وهو الذي يتطلب الحماية والأمن والذود في سبيل حماه. ومن الوطن تنبع الوطنية وهي الولاء والانتماء للأرض والعقيدة والحفاظ على التراث وتنمية قدرات الشعب.

هـ. القوى المؤثرة في تلك المرحلة

نفس القوى المؤثرة في المرحلة الأولى، ولكن باختلاف الأهداف والوسائل، نظراً لما سيتحقق من إنجازات خلال المرحلة الأولى، كذلك ما قد يحدث من متغيرات على المستويين الإقليمي والعالمي، وهناك عدة احتمالات لصورة النظام التونسي في تلك المرحلة، ولكل منها عوامل تأثيره كالآتي:

(1) نظام الحكم الليبرالي: وهو النظام الذي قد يرتضيه غالبية الشعب التونسي بعد تجربة الثورة، وتجربة حكم حزب النهضة، كما أن هذا النظام سوف يساير توجهات الدول الأوروبية، ويساير أهداف بناء نظام عربي حديث تباركه معظم الدول العربية.

أما السلبية الرئيسة فتأتي من استمرار وجود التيارات الإسلامية المتشددة، خاصة بعد فشل المشروع الأمريكي في بناء شرق أوسط جديد طبقاً لإستراتيجيتها في تجميع تيار الإسلام الراديكالي في مناطق محددة، ليبتعد عن الغرب بما يحمله من تيارات إرهابية.

(2) نظام الحكم الإسلامي: وهو النظام الذي يسيطر عليه حزب النهضة ويدعمه تنظيم الإخوان المسلمين العالمي، وتؤيده الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن احتمال استمرار هذا النظام في الحكم ضعيفاً.

(3) النظام الديموقراطي المشترك: حيث تتضامن كل التيارات والطوائف للحفاظ على الوطن تحت مظلة ديموقراطية يحكمها دستور قوي، ويراقبه الشعب ويشارك في بنائه وإدارته.

وربما يكون هذا النظام هو الذي ستستقر إليه الأمور فيما لو تراجع حزب النهضة عن أهدافه في الاستيلاء على الحكم، وفيما إذا فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذ إستراتيجيتها في بناء الشرق الأوسط الجديد وفيما إذا نجحت جمهورية مصر العربية في بناء نموذج صحيح لهذا النظام بأسرع ما يمكن وتحتذي حذوه تونس ودول ثورات الربيع العربي.

و. حجم التأثير التونسي في مجاله الحيوي في هذه المرحلة

(1) مع الاستقرار وتحقيق أهداف الثورة يمكن أن تكون تونس نموذجاً للبناء الديموقراطي ومن ثم فإن تأثيرها سيتحقق في مجالها الحيوي.

(2) سيزداد تأثير تونس في مجالها الحيوي من خلال الآتي:

(أ) نجاح ثورات دول الربيع العربي واستقرارها.

(ب) قدرة جامعة الدول العربية في تطوير العمل العربي بما يتناسب مع متغيرات العصر.

(ج) حجم التحالفات والتنسيق الذي يمكن أن تحققه تونس في محيطها الإقليمي.

(د) قدرة الشعب التونسي في بناء القوة الداخلية لدولته في جميع المجالات.

(3) في حالة عدم الاستقرار أو صعود نظام تونسي يحمل عداءً لدول الجوار أو النظام العربي أو يعمل على نشر أيديولوجية معينة. فإن ذلك سوف يؤثر سلباً على تأثير تونس في مجالها الحيوي (وهو يمثل احتمالاً ضعيفاً، ولكنه احتمال موجود).

  1. التأثير التونسي في مجاله الحيوي على المدى البعيد (أكثر من 10 سنوات):

يرتبط هذا التأثير بالمتغيرات الإقليمية والعالمية، كما يرتبط بقدرة الشعب التونسي بإدارة دولته وتحقيق الاستقرار، والتعاون مع دول المجال الحيوي والاندماج في العولمة.

ومن المعروف أن العولمة ستتطور خلال العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين إلى شعار الحكمة، وهي التي يلعب فيها العلم والأفكار الدور الرئيس في بناء الدولة، وستكون التحديات الرئيسة تتعلق بالتطبيقات التكنولوجية، ومدى ما وصلت إليه كل دولة من تطبيقات متقدمة في مجال العلوم الفضائية والطبية والهندسية، والاستغلال الأمثل للطاقات الطبيعية والخامات في أعماق البحار والمحيطات وفي الكواكب وغيرها، كما أن الحروب ستصبح حروب أفكار أكثر منها تصادماً بين أسلحة وجيوش.

من خلال هذه المنظومة سيتحد تأثير الدول في محيطها الحيوي، وهو ما يتطلب العمل ـ من الآن ـ لإدارة الدولة بعد عشر سنوات، حيث إن متطلبات التغيير شديدة التعقيد، ولن تتحقق إلا بتعاون عربي مشترك.

بمعني أن التأثير التونسي في مجاله الحيوي لن يتحقق إلا من خلال نظام عربي ـ إقليمي متكامل، ليكون له القدرة على الانطلاق نحو مستقبل أفضل ويتخطى تحديات العصر.

في السياق نفسه، فإن الحكم الديموقراطي لن يكون من قبيل الرفاهية ولكنه الخيار الوحيد لمستقبل عالمي سيحترم الأقوياء ويهمش الضعفاء.

تأثير الثورة التونسية على الدول العربية

مع اندلاع الثورة التونسية بدا أن المنطقة العربية مقبلة على زلزال شديد لم يكن حتى أكبر مراكز الرصد والدراسات يتوقعه، ولم يمض وقت طويل حتى تحولت الثورة التي انطلقت من تونس إلى كرة ثلج عملاقة جرفت وهددت عروشا مهيبة، وفتحت أبوابا واسعة من الأمل لشعوب المنطقة.

فأخذت المنطقة العربية تمور من شرقها إلى غربها بثورات شعبية نجح بعضها في اقتلاع أنظمة حكمت عقودا طويلة بالحديد والنار، وتكابد شعوب أخرى وتغالب بطش أنظمة تعتقد أنها قادرة على كسر إرادة شعوبها في الحرية والعيش الكريم، لتبدو وكأنها تولد من جديد، أو كأنما تفتح صفحة جديدة من تاريخها مختلفة تماما عما سبقها.

أشهر الكتب الصادرة حول الثورة التونسية

  1. قصة تونس، كتاب لمؤلفه الدكتور راغب السرجاني، كتاب تاريخي لتونس بدءا من تاريخها القديم وانتهاء بثورة يناير، حيث يحلل الدكتور راغب السرجاني ثورة الياسمين واشتياق التونسيين إلى الحرية مع نظرة إلى مستقبل هذا البلد العربي الصغير ذي التاريخ الكبير. يبدا الكتاب بلمحة عن تونس ثم تاريخ الفترات التي مر بها هذا البلد من الحكم الروماني والدولة القرطاجية إلى الفتح الإسلامي ثم تاريخ تونس الحديث فعهد زين العابدين بن علي فثورة الياسمين.
  2. ديقاج (ارحل)، وارحل هو أول كتاب يصدر عن الثورة التونسية في باريس، صدر عن دار نشر لايور ويقع في 240 صفحة.
  3. رواية الثورة التونسية، كتاب لمؤلفه الباحث نزار شقرون يسجل من خلاله ما عايشه عن قرب خلال الثورة التونسية. يقع الكتاب في أحد عشرا فصلا يجمع شتات ما تناثر من احداث الثورة منطلقا من موقع التواصل الاجتماعي فاسبوك الذي يعد مهد الثورة المباركة التي اعادت للتونسيين كرامتهم.
  4. تونس.. ثورة عربية، كتاب صدر باللغة الفرنسية في باريس لمؤلفه الصحفي الفرنسي بيير بيشو.
  5. الثورة التونسية رسائل من وإلى، صدر في الأردن الثورة التونسيــــة من وإلى…للكاتبين والباحثين مالك خلف البزيرات القرالة وأحمد عبد الوهاب الختاتنة. كتاب مهدى إلى شهيد الثورة محمد البوعزيز. ويرتكز مضمون كتاب (الثورة التونسية رسائل من وإلى…) على تحليل الثورة التونسية، ويستخلص الكاتبين من الثورة التونسية مجموعة من الرسائل التي يمكن أن تكون عناوين مشتركة في ما بين الثورة التونسية وما يجري في البلاد العربية، نشر في موقع صحيفة الكرك.
  6. أنظمة في وجه الاعصار: ثورة تونس نموذجا، كتبه الشيخ أبوجرة سلطاني رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية، من334 صفحة وهو محاولة لفهم ما يجري من تحولات في عالمنا العربي.
  7. الثورة التونسية ثورة الهامش على المركز، كتبه الدكتور رضا الزواري أستاذ محاضر في الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس تونس، من 284 صفحة والكتاب هو عبارة عن عمل نظري ذا بعد سياسي فهو تتبع لما حدث يستند إلى مشاركة الكاتب في بعض هذه ومتابعتها في مختلف وسائل الاعلام
  8. 14 جانفي، التحقيق : كتاب استقصائي ألفه الكاتب والناشر التونسي عبد العزيز بلخوجة بمعية الناشط الإعلامي طارق شيخ روحو. الكتاب هو أول عمل توثيقي لما جرى أيام الثورة التونسية خصوصا يوم 14 جانفي 2011 وكيفية رحيل بن علي وفيه استقصاء للدور الحقيقي الذي لعبه السياسيون وأجهزة الأمن وقتها مما سرّع سقوط بن علي كما أنه يكشف حقائق أمنية وتقنية وسياسية هامة وهو صادر عن دار أبولونيا للنشر في مارس 2013.
  9. معالم الثورة المضادة في تونس … الاعلام نموذجا للكاتب التونسي عادل السمعلي صدر في شهر ماي 2013 عن دار المغاربية للنشر في 193 صفحة وهي مقالات متفرقة حاولت تفكيك بنية الثورة المضادة في تونس التي تم تقسيمها إلى أربع محاور رئيسية سياسية وإعلامية واقتصادية ومخابرات أجنبية.

مصر

وبعد نحو عشرة أيام من سقوط النظام التونسي، وبعد دعوات أطلقها نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، تظاهر الآلاف من المصريين في 25 يناير/كانون الثاني 2011 م مطالبين بالإصلاحات ثم برحيل النظام، لكن الشرطة تصدت لهم بالهري ومسيلات الدموع وبالدهس أحياناً.

لم ينكفئ المتظاهرون أمام قمع الأجهزة الأمنية، وواصلوا الاحتجاجات في أغلب المدن المصرية، ودخلوا في اعتصام دائم ومفتوح شارك فيه الملايين بميدان التحرير وسط القاهرة، ونظموا مظاهرات حاشدة في المدن الرئيسة الأخرى، ولم تفلح سياسات الوعد والوعيد والإغراء والتهديد التي انتهجها حسني مبارك في وقف الثورة التي نجحت في الإطاحة به في 11 فبراير/شباط 2011 م بعد 18 يوما من انطلاقتها.

ليبيا

وعلى نفس الشاكلة لكن مستفيدة هذه المرة من نجاح الثورتين انطلقت الثورة الليبية في 17 فبراير/شباط 2011 م بدعوات للتظاهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، مطالبين بإسقاط نظام العقيد معمر القذافي، وشيئا فشيئا -ومع سقوط قتلى وجرحى- تمكن الثوار الليبيون من بسط سيطرتهم على مناطق الشرق الليبي، وبعض مناطق الغرب والوسط، وفي 17 مارس 2011 أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يَقتضي فرض عدة عقوبات على حكومة القذافي الليبية تتضمن حظر الطيران فوق ليبيا وتنظيم هجمات مُسلحة ضد قوات القذافي الجوية لمنعها من التحليق في الأجواء الليبية وإعاقة حركتها، وأخيرا سقطت العاصمة طرابلس بين أيديهم ولا زال الثوار يبحثون عن أقارب القذافي الذين فر البعض منهم إلى الجزائر، يذكر أن القذافي بدا أعنف وأقسى في التعاطي مع مطالب شعبه، مستخدما مختلف أنواع الأسلحة بما فيها سلاح الجو ضد مواطنيه العزل. واستمر القتال إلى أن سقط القذافي في أيدي الثوار التابعين للمجلس الانتقالي في يوم 20 أكتوبر بقصف من طائرات حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وقتل القذافي في نفس الواقعة برصاص الثوار الليبيون معلناً انتهاء الثورة.

اليمن

وبالتزامن مع اندلاع الثورة الليبية كان عدد من المدن اليمنية الكبرى تغلي من تحت حكم الرئيس علي عبد الله صالح الذي قدم -أسوة بزعماء عرب- تنازلات عدة، بدءاً من التخلي عن التمديد والتوريث، مرورا باقتراح تعديلات دستورية ترضي المعارضين، وانتهاء بالمزاوجة بين قتل المتظاهرين وأمر الجيش بحمايتهم.

لكن الثوار اليمنيين رفضوا الإذعان وواصلوا التظاهر في أغلب الميادين، مخيرين صالح بين التحول إلى رئيس سابق، أو إلى رئيس مخلوع واحالتة إلى المحكمة.

البحرين

كما لم تفلح الإجراءات التي أعلنها ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في وقف المظاهرات والاحتجاجات التي راوحت في الأيام الماضية بين الدعوة إلى الإصلاح وإسقاط النظام، وواصلت كتلة الوفاق الشيعية مقاطعتها لمجلس النواب، وربطت الاستجابة للحوار بإقالة الحكومة، وإجراء تعديلات مهمة في النظام.

الأردن

وبدرجة أقل عنفا وزخما من البلدان السابقة، خرجت مظاهرات تطالب بالإصلاح السياسي وتحسين الأوضاع المعيشية في الأردن، ورفع الرواتب وتوفير فرص عمل وتخفيف الضرائب، واستمرت المظاهرات لعدة جُمَع، ورفع المحتجون سقف مطالبهم حتى طالبوا بتحول النظام إلى ملكي دستوري، وإسقاط اتفاقية وادي عربة للسلام مع إسرائيل.

كما بادر ملك الأردن إلى تعيين حكومة جديدة، وأمر برفع رواتب الموظفين وتخفيض الضرائب، كما التقى بقادة الإخوان المسلمين لأول مرة منذ استلامه السلطة.

العراق

وفي العراق تداعى نشطاء موقع فيسبوك إلى مظاهرات، فشهدت عدة مدن احتجاجات حاشدة مطالبة بإصلاحات وتحسين ظروف المعيشة وتوفير الماء الصالح للشرب والكهرباء وتوفير الوظائف.

الجزائر

وجراء ضغط الاحتجاجات وخشية من تفاقمها، ألغى النظام الجزائري حالة الطوارئ المفروضة منذ 19 عاما في البلاد، وأعلن جملة إجراءات في مجالات العمل والإسكان ومكافحة الفساد، بعد عدة احتجاجات ومظاهرات دامية خلفت خمسة قتلى وعشرات الجرحى، لكن المعارضة لم تعبأ بذلك، واعتبرته ذرا للرماد في العيون، وتعهدت بالاستمرار في النزول إلى الشارع.

عُمان

وفي سلطنة عمان أجرى السلطان قابوس بن سعيد تعديلا وزاريا، ورفع سقف الأجور، ووفر 50 ألف فرصة عمل جديدة، ومنح كل عاطل قرابة (400) دولار، بعد خروج مظاهرتين مطالبتين بتحسين الأوضاع المعيشية في بلاده وتوفير الوظائف ومحاربة المفسدين وخاصة الوزراء منهم. وقد تم اخماد نار الثورة بقراراته الحكيمة التي سرعان ما تحولت إلى مسيرات ولاء وعرفان..

السعودية

واستباقا لقطار الثورة المهدد لأغلب عروش المنطقة، بادر قادة أغلب الدول العربية إلى اتخاذ إجراءات سياسية واجتماعية لتفادي ما هو أسوأ. فقد بادر الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز -فور عودته من رحلة علاجية- للإعلان عن حزمة مساعدات اجتماعية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.

وكان نحو 2000 مثقف سعودي طالبوا في ثلاث وثائق منفصلة بالإسراع في إقرار إصلاحات واسعة تضمن تطوير نظام الحكم، وتمكن من التحول إلى ملكية دستورية، كما خرجت مظاهرات سلمية واعتصامات عديدة في مناطق مختلفة تطالب بإطلاق سراح سجناء، واعتقلت الأجهزة الأمنية خطيب الجمعة الشيخ توفيق العامر في منطقة الأحساء بعد دعوته إلى التحول إلى ملكية دستورية والمساواة في الحقوق كما اعتقل يوسف الأحمد بعد مطالبته بمحاكمة من تعتقلهم السلطات الأمنية هذا بالإضافة إلى اعتقال العديد ممن طالبوا بالإصلاح وتعديل نظام الحكم.

المغرب

وفي المغرب أجبرت الاحتجاجات الشعبية الملك محمد السادس الاستجابة لأبرز طلب للاحتجاجات وهو تعديل الدستور لترسيخ فصل السلطات.

سوريا

وفي سوريا انطلقت الاحتجاجات يوم الثلاثاء 15 آذار/مارس عام 2011 م ضد القمع والفساد وكبت الحريات وتلبية لصفحة: الثورة السورية ضد بشار الأسد.. على فيسبوك.على الفيسبوك في تحد غير مسبوق لحكم بشار الأسد متأثرة بموجة الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 م وبخاصة الثورة التونسية و‌ثورة 25 يناير المصرية اللتين أطاحتا بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك. قاد هذه الثورة الشبان السوريون الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية ورفعوا شعار: “حرية… حرية”، لكن قوات الأمن والمخابرات السورية واجهتهم بالرصاص الحي فتحول الشعار إلى “إسقاط النظام”.

دول أخرى

كما شهدت كل من و‌السودان و‌موريتانيا و‌الكويت و‌لبنان و‌جيبوتي مظاهرات متقطعة طالبت بإصلاحات سياسية وبتحسين ظروف المعيشة.

إحراق الذات

أدى انتحار محمد البوعزيزي إلى وقوع عدد من عمليات الانتحار حرقاً بالنار، في الوطن العربي ولاسيما في الجزائر و‌مصر و‌المغرب[34] و‌السودان و‌موريتانيا،[35] وعلى الرغم من كون هذه الطريقة في الانتحار ليست من العادات المعروفة في هذه البقعة من العالم، فهي تترجم بحسب عدد من المراقبين إلى درجة اليأس الحادة التي أصابت شرائح واسعة من المجتمعات العربية.[36][37][38] وقد أطلق بعض علماء الاجتماع والكتاب الصحفيون اسم “الظاهرة البوعزيزية”[39] على تلك الحوادث المتكررة التي أحرق فيها المحتجون أنفسهم تقليدًا لمحمد البوعزيزي احتجاجًا على البطالة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السيئة.

رسمة للرسام كارلوس لطوف يظهر فيها كوبيه غيفارا (القبعه العسكرية) على شكل العلم التونسي، وتعنى تضامن هذه الثورة مع ما أراده غيفارا لدول العالم.

دور الإعلام والإنترنت

محرك بحث قوقل يوم 23 أكتوبر 2011، برموز صندوق الإقتراع والعلم التونسي، بمناسبة السعي إلى إنجاز أول إنتخابات ديموقراطية بعد الثورة والإطاحة بنظام بن علي.

يرى باحثون أن الإنترنت و(المدونون تحديدا) كان لهم النصيب الأكبر في إسقاط الحكومة التونسية، حيث ساهم المدونون التونسيون في توفير تغطية مباشرة عن أعمال الشغب وأماكن التظاهرات، وعند إطلاعهم على محتوى تسريبات ويكيليكس اكتشفوا أن الأميركيين يشاركونهم الرأي في فساد رئيسهم وأسرته.[40]

وقد شاهد العالم العربي الثورة التي أطاحت بالرئيس التونسي عبر قناة الجزيرة وقناة العربية اللتين كانتا تغطيان المظاهرات عن كثب. ولم تحظ أحداث تونس باهتمام كبير في وسائل الإعلام خارج منطقة الشرق الأوسط والمنطقة الفرانكوفونية، على عكس ما حظيت به الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009. فعندما اندلعت مظاهرات سيدي بوزيد كان تركيز المناطق الناطقة بالإنكليزية ينصب على عطلة عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة.[41]

تلعب التكنولوجيا دورًا رئيسيًا في الحركات الثورية الوليدة، حيث تتيح مواقع التواصل الاجتماعي الفرصة للثوار للتواصل وتبادل المعلومات والتعرف على القادة المحتملين، بيد أن حسم تلك الثورات في نهاية المطاف هو نزول الجماهير للشوارع ومخاطرتها بحياتها ضد قوات الأمن. ويبدي بعض الباحثين المتخصصين بالإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي تشككًا في قدرة تلك الأدوات على ذلك، أحدهم هو يفجيني موروزوف مؤلف كتاب “الوهم الخالص”، الذي يرى أن فكرة ترويج الديمقراطية عبر الإنترنت هي مجرد وهم ومحض هراء.[42]

ردود الفعل الدولية الأولية

  •  الاتحاد الأوروبي: دعا إلى حل ديمقراطي ودائم، كما دعا إلى الهدوء بعد خروج زين العابدين بن علي.[43]
  •  جامعة الدول العربية: أكد المتحدث باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية أن الجامعة قلقة من الأوضاع في تونس، وإنها تراقبها عن كثب، ودعا جميع الأطراف العمل على التوصل لاجماع وطني يخرج البلاد من أزمتها.[44]
  •  الأمم المتحدة: أعرب أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون عن قلقه إزاء التطورات الجارية في تونس وأسفه للخسائر الحاصلة في الأرواح، ودعا إلى البحث عن تسوية ديمقراطية للأزمة والاحترام الكامل لحرية التعبير والتجمع.[43]
  •  الولايات المتحدة: أشاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشجاعة الشعب التونسي، وقال إن الولايات المتحدة تقف إلى جانب المجتمع الدولي للشهادة على هذا النضال الشجاع من أجل الحصول على الحقوق العالمية التي يجب أن نحافظ عليها، وإنه سيذكر على الدوام صور الشعب التونسي الذي يسعى لإسماع صوته.[43]
  •  فرنسا: رفضت الحكومة الفرنسية قدوم الرئيس بن علي إلى فرنسا وذلك لعدم رغبتها في إثارة استياء الجالية التونسية المقيمة فيها.[43] كما أعلن مكتب الرئيس نيكولا ساركوزي عن إن فرنسا اتخذت الخطوات الضرورية لضمان منع أي تحركات مالية مشبوهة للأصول التونسية في فرنسا إداريًا، وأكد على الاستعداد لتلبية أي طلب للمساعدة على ضمان سير العملية الديمقراطية بطريقة لا تقبل الجدل، كما دعا البيان إلى إجراء انتخابات حرة بأسرع ما يمكن.[45]
  •  مصر: أعلنت في بيان لوزارة الخارجية إنها تؤكد احترامها لخيارات الشعب في تونس الشقيقة، وإنها تثق في حكمة الأشقاء التونسيين وقدرتهم على تثبيت الوضع وتجنب سقوط تونس في الفوضى.[46] أما على الصعيد الشعبي، فقد تظاهر عشرات النشطاء السياسيين المصريين أمام نقابة الصحفيين بالقاهرة للتعبير عن دعمهم للثورة الشعبية في تونس، رافعين الأعلام المصرية والتونسية.[47]
  •  السعودية: رحب الديوان الملكي السعودي بقدوم بن علي وأسرته إلى الأراضي السعودية[14]، وأصدر الديوان الملكي بيانا ذكر فيه: “تقدير حكومة المملكة العربية السعودية للظروف الاستثنائية التي يمر بها الشعب التونسي الشقيق وتمنياتها بأن يسود الأمن والاستقرار في هذا الوطن العزيز على الأمتين العربية والإسلامية جمعاء وتأييدها لكل إجراء يعود بالخير للشعب التونسي الشقيق.[14]
  •  ليبيا: أعلن الزعيم معمر القذافي أن الشعب التونسي تعجل الإطاحة بالرئيس بن علي واصفًا إياه بأنه أفضل شخص يحكم تونس[48]، وقال إنه “لا يوجد أحسن من الزين أبدًا في هذه الفترة، بل أتمناه ليس إلى عام 2014، بل أن يبقى إلى مدى الحياة”، وأن النمو الاقتصادي الحاصل في عهده استثنائي وتاريخي وأنه كان من الممكن محاكمة أي مسؤول متورط في قضايا فساد وإجراء استفتاء على رئاسته أو الانتظار إلى سنة 2014 حيث نهاية فترته الرئاسية والتي كان الرئيس بن علي قد تعهد أن تكون آخر ولاية رئاسية له، كما حذر من انزلاق تونس في دوامة عنف.[49][50]
  •  الجزائر: اعترف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالرئيس التونسي المؤقت بعد أيام من توليه السلطة وذلك أثناء مروره بالأجواء التونسية أثناء توجهه لمصر لحضور القمة الاقتصادية العربية الثانية، وقال في رسالة بعثها للمبزع إنه يثق في نجاح العبقرية التونسية من تحقيق رفاهية الشعب التونسي.[51] وسبق ذلك بأيام دعوة وزير الدولة عبد العزيز بلخادم إلى احترام إرادة الشعب التونسي، وقال إنه سيد في أن يختار من يريد ليكون مسؤولًا عنه.[51]
  •  قطر: أعلنت حسب مصدر مسؤول في وزارة الخارجية إنها تراقب الأحداث الجارية في تونس وتحترم إرادة الشعب التونسي وخياراته، وتؤكد على الالتزام بعلاقتها المتينة مع الشعب التونسي وحرصها على علاقاتها المميزة مع الجمهورية التونسية.[44]
  •  الكويت: أعلنت على لسان وزير الخارجية الشيخ محمد الصباح إنها تحترم خيارات الشعب التونسي وتمنياتها بأن يعود الأمن والاستقرار إلى ربوع تونس، وأن يعمل أبناء تونس على تجاوز هذه المرحلة الدقيقة بما يحقق لهم الأمن والاستقرار والوصول إلى توافق وطني يحفظ المصالح العليا للوطن وابنائه وينأ بهم عن أجواء الفوضى.[52]
  •  المملكة المتحدة: أعلنت في بيان صادر عن وزارة الخارجية إن تونس تعيش لحظة تاريخية، وإن الشعب التونسي عبر خلال الأسابيع الماضية عن تطلعاته.[43]
  •  روسيا: أكدت الخارجية الروسية على لسان الناطق الرسمي باسم الوزارة على أهمية استعادة السلام والاستقرار في تونس بأسلوب الحوار الديموقراطي وفي أطر الدستور، مع التشديد على أن إعادة الأوضاع إلى مجراها الطبيعي في أسرع وقت ممكن هو من مصلحة أبناء الشعب التونسي، وأعرب عن القلق الشديد إزاء التطوارات الأخيرة في تونس.[53]
  •  الصين: عبر وزير الخارجية عن قلق بلاده من الأوضاع، وأعلن عن الأمل باستقرار الأوضاع في أقرب وقت ممكن، ووصف تونس بأنها صديقة للصين.[54]
  •  ألمانيا: دعت جميع الأطراف للحوار ولإيجاد حلول سلمية والحد من وقوع مزيد من الضحايا والأضرار[43]، كما نقل عن المستشارة ألمانية أنغيلا ميركل دعوتها إلى تأسيس ديمقراطية في تونس[45] وتقول إن هناك الآن فرصة لبداية جديدة في تونس، وأنه يتعين على تونس أن تتخذ خطوات باتجاه الديمقراطية والحقوق الأساسية مثل حرية الصحافة والتجمع، معربة عن استعداد بلادها للمساعدة في ذلك.[45]
  •  إيطاليا: دعا وزير الخارجية فرانكو فراتيني مؤسسات الدولة والمجتمع التونسي بضبط النفس والهدوء والحوار للتوصل إلى طريق للخروج من هذه الأوضاع الصعبة.[45]
  •  إيران: أعلنت في بيان صادر عن وزارة الخارجية إن المهم هو تنفيذ مطلب الأمة التونسية بأفضل شكل ممكن بصفتها دولة يمكنها أن تلعب دورا فعالًا في العالم الإسلامي.[45]
  •  تركيا: أعربت وزارة الخارجية التركية عن قلقها وأسفها العميقين إزاء الأحداث في تونس، وأعربت عن أملها بألا يتصاعد التوتر أكثر، وأن تتم استعادة النظام والهدوء في البلاد.[55]
  •  سوريا: في البداية كان هنالك تجاهل واضح للاحتجاجات في تونس (خوفا من مصير مشابه) ولكن أعربت الحكومة السورية في النهاية عن رأيها بأهمية عدم تصاعد الأضرار الناتجة عن الأحداث في تونس

كتب عن الثورة

  • ضحى كثيري (2011). الثورة على لسان جبان (باللغة عربية). تونس العاصمة: نقوش عربية. ISBN 978-9938-801-82-8.
  • عبد القادر المعالج (2011). صفحات من وحي الثورة (باللغة عربية). تونس العاصمة: الدار التونسية للكتاب. ISBN 978-9938-839-12-8.
  • التهامي الهاني (2011). الثورة في تونس 17 ديسمبر و الدور الوطني للإتحاد العام التونسي للشغل (باللغة عربية). تونس العاصمة: الأطلسية للنشر. ISBN 978-9973-02-766-5.
  • نزار شقرون (2011). رواية الثورة التونسية (باللغة عربية). صفاقس: دار محمد علي الحامي للنشر. ISBN 978-9973-33-317-9.
  • عبد المجيد الشرفي (2011). الثورة والحداثة والإسلام (باللغة عربية). تونس العاصمة: دار الجنوب للنشر. ISBN 978-9938-01-053-4.
  • اتحاد الكتاب التونسيين (2011). ديوان الثورة (الجزء الأول) (باللغة عربية). تونس العاصمة: دار المسار للنشر والتوزيع. ISBN 978-9973-02-626-2.
  • حسن أحمد جغام (2012). خواطر من وحي الثورة حول قضايا ساخنة (باللغة عربية). تونس العاصمة: دار المعرفة للطباعة والنشر. ISBN 978-9973-60-064-6.
  • محمد مصمولي (2012). ها أنت….أيتها الثورة (باللغة عربية). تونس العاصمة: الدار التونسية للكتاب. ISBN 978-9938-839-23-4

مسير الأحداث المهمة

الحدث التاريخ
أولاً: أحداث سبقت الثورة
انتفاضة عمال مناجم “الرويف” جنوبي غربي تونس احتجاجاً على اختبارات الحصول على وظائف. أوائل عام 2008
انتفاضة التجار في “بن قروان” جنوبي شرقي تونس احتجاجاً على تضييق الحكومة التجارة مع ليبيا. أغسطس 2010
ثانياً: أحداث الثورة: (17 ديسمبر 2010 – 14 يناير 2011)
الشاب الجامعي “محمد بوعزيزي” يشعل في نفسه النار أمام مقر ولاية سيدي بوزيد نتيجة لإحساسه بالضياع. 17 ديسمبر 2010
استمرت التظاهرات في ولاية بوزيد. 18 ديسمبر 2010
شاب آخر يشعل النيران في نفسه في الولاية نفسها احتجاجاً على الأوضاع المتردية. 19 ديسمبر 2010
بدأت التظاهرات تنتقل إلى الولايات القريبة من ولاية سيدي بوزيد. 23 ديسمبر 2010
امتدت موجات الاحتجاج إلى معظم ولايات تونس، وقام الإعلام الرسمي للدولة بتشويه صورة التظاهرات، والشرطة تستخدم الأسلحة النارية ضد المتظاهرين. 27 ديسمبر 2010
ألقى الرئيس التونسي خطاباً، كان تسجيله مسبقاً اتهم فيه المتظاهرين بالعمالة. ويعدهم بمحاكمات. 30 ديسمبر 2010
حملات إعلامية تنشها المعارضة وتدين السلطة للجوء إلى القوة في مواجهة المتظاهرين. 31 ديسمبر 2010
انتشار موجات العنف في أنحاء متفرقة من البلاد. وتطور مطالب المتظاهرين من عيش كريم وفرص عمل والقضاء على الفساد إلى إسقاط النظام. 1 يناير 2011
الرئيس التونسي يزور الشاب بوعزيزي في المستشفى. 2 يناير 2011
بدأت موجه جديدة من الاحتجاجات بحرق مقرات الحزب الحاكم في العديد من المدن. 3 يناير 2011
وفاة الشاب بوعزيزي في المستشفى متأثراً بآثار الحروق. 5 يناير 2011
اقتربت التظاهرات من العاصمة، واستمرت قوات الأمن في استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين. 7 يناير 2011
·   بلغت أعداد ضحايا نيران قوات الأمن حوالي 50 قتيلاً. مع التوسع في تجنيد القناصة لقتل المتظاهرين.

·      تصاعدت انتقادات دول العالم خاصة دول الغرب للنظام الحاكم في تونس

9 يناير 2011
ألقى الرئيس زين العابدين بن علي خطاباً وصف فيه الاحتجاجات بأنها أعمال إرهابية. وأعلن عن حزمة قرارات لتصحيح الأوضاع. 10 يناير 2010
انتشرت التظاهرات في العاصمة تونس ومعظم المدن الساحلية بصورة لم يكن النظام يتوقعها. 11 يناير 2011
·      صدور الأوامر لقوات الجيش بالانتشار في العاصمة للسيطرة على الموقف.

·      إقالة وزير الداخلية “رفيق بلحاج” لتهدئة الموقف.

·      أعلن عن الإفراج عن المعتقلين غير المتورطين في أعمال عنف.

·      أعلن فرض حظر التجول ليلاً لمحاولة فرض السيطرة علي الموقف.

·      فرض قيود علي الإعلاميين لمنع تسريب أخبار عن ما يحدث في تونس.

12 يناير 2011
·   اشتدت الاحتجاجات في العاصمة وأضطر الجيش إلى الانتشار في الأطراف للسيطرة على الأحياء التي يأتي منها المتظاهرون.

·   تعالت الاحتجاجات الدولية – خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية على ما يحدث في تونس.

·   ألقى الرئيس التونسي خطابه الثالث معلناً عدم ترشحه في انتخابات 2014، ووعد بإصلاحات ديموقراطية وحريات عامة.

13 يناير 2011
اتخذت العديد من القرارات أهمها:

·      إعلان حالة الطوارئ في البلاد.

·      حل الحكومة وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة.

·      منع التجمعات التي تزيد عن ثلاثة أفراد.

·      تقييد النشر في وسائل الإعلام.

14 يناير 2011
قبل نهاية اليوم هرب الرئيس التونسي من البلاد على متن طائرة ليبية خاصة. بعد أن طلب الجيش منه ذلك. 14 يناير 2011
ثالثاً: أحداث ما بعد 14 يناير 2011: (ما بعد رحيل الرئيس التونسي)
إعلان الوزير الأول “محمد الغنوشي” نفسه رئيساً للجمهورية بعد مغادرة الرئيس السابق. 14 يناير 2011
رفض البرلمان قرار الغنوشي لأنه يخالف الدستور، وتم تعيين رئيس البرلمان “فؤاد المبزغ” رئيساً مؤقتاً، والذي كلف الغنوشي بتشكيل أول حكومة بعد الثورة. 15 يناير 2011
·   تشكيل أول حكومة بعد الثورة برئاسة الوزير الأول محمد الغنوشي وتضم وزراء سابقين وبعض القوى الثورية، منهم 3 أعضاء في إتحاد الشغل، بما أدى إلي رفضها شعبياً.

·   ظهور الناشط العلماني “منصف المرزوقي” على الساحة وإعلانه عند ترشيح نفسه للرئاسة.

17 يناير 2011
·   قدم رئيس الجمهورية المؤقت “فؤاد المبزغ”، والوزير الأول محمد الغنوشي استقالتهما من الحزب الحاكم السابق في إطار فصل الدولة عن الأحزاب.

·   رفض الاتحاد العام للشغل الاعتراف بالحكومة الجديدة ودعا ممثليه الثلاثة في الحكومة على الاستقالة.

18 يناير 2011
اشتعال التظاهرات للمطالبة بإقالة الوزراء السابقين، كما طرحت الحكومة العديد من المبادرات لتهدئة الموقف، دون أي استجابة من الجماهير. 19 يناير 2011
تكوين “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة”، التي تسعى لتحقيق أهداف الثوار، وأعضاؤها من التيارات الليبرالية التي أججت بالثورة فعلاً. 22 يناير 2011
·   أعلن الوزير الأول “محمد الغنوشي تشكيل حكومته المعدلة من 22 وزيراً بعد إقالة الوزراء من العهد السابق.

·      استمرار حملات القبض علي المسؤولين السابقين.

·      صدور مذكرة اعتقال من الإنتربول الدولي بالقبض على رئيس تونس السابق.

28 يناير 2011
عودة زعيم حزب النهضة “راشد الغنوشي” إلى تونس بعد أن قضى في منفاه في بريطانيا 22 عاماً. 31 يناير 2011
·   إعلان لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة حجم الخسائر البشرية في تونس وقدرتها بحوالي 219 قتيلاً، و510 جريحاً.

·   تقدمت حركة النهضة بملف إلى وزارة الداخلية في تونس لاعتمادها حزباً سياسياً بقيادة علي العريض، وأمانة حمدي الجبالي.

أول فبراير 2011
قدم الوزير الأول “محمد الغنوشي” استقالة حكومته لعدم تمكنها من السيطرة على الأحداث في تونس. 27 فبراير 2011
كلف رئيس الجمهورية المؤقت “فؤاد المبزغ” السياسي المخضرم “قائد السبسي” بتشكيل الحكومة الجديدة. 28 فبراير 2011
الإعلان عن قانونية عمل حزب النهضة في تونس. 9 مارس 2011
أعدت وزارة العدل قائمة اتهامات للرئيس السابق تتضمن العديد من الجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام. 14 أبريل 2011
بدايات الصدام ما بين التيار الإسلامي الذي يهدف إلى السيطرة على الدولة، وما بين التيارات المدنية التي أشعلت بالثورة، وتصاعدت أعمال العنف بشدة في أرجاء البلاد. أول مايو 2011
·   فرقت الشرطة بالقوة جموع المعتصمين في ساحة القصبة أمام مقر الحكومة في العاصمة تونس.

·   بدأت التظاهرات تحمل شعارات سياسية بدلاً من المطالب الاجتماعية مثل حزب الأحزاب التي تنتمي إلي النظام السابق، وعودة الثورة لتحقيق أهدافها. والمطالبة بإقالة الحكومة.

15 يوليه 2011
·   أضرم المتظاهرون النار في العديد من أقسام الشرطة في العاصمة وبعض الولايات الأخرى، وذكرت الشرطة أن هؤلاء المتظاهرين كانوا من التيار الإسلامي.

·   اتهم الوزير الأول “قائد السبسي” أطرافاً سياسية – لم يمسها – بالسعي للتحريض على الاضطرابات.

17 يوليه 2011
فرضت السلطات التونسية حظر التجول في ولاية سيدي بوزيد عقب أعمال العنف والشغب التي شهدتها الولاية. 19 يوليه 2011
في محاولة لإيقاف تدهور الموقف أعلنت الحكومة عن برنامج الانتخابات التشريعية والرئاسية وحددت 23 أكتوبر للانتخابات. 20 يوليه 2011
·   مع استمرار حالة الفوضى في البلاد أعلن “قائد السبسي” تشديد تطبيق قانون الطوارئ في البلاد مؤكداً على تنظيم الانتخابات في موعدها.

·   قيام قوات الأمن بحملة تمرد على النظام والإعلان عن عزل قائدهم ولكن الوزير الأول “قائد السبسي” رفض ذلك.

5 سبتمبر 2011
تنظيم الانتخابات في تونس حيث حصل حزب النهضة بالأغلبية في الجمعية التأسيسية (89 مقعداً من إجمالي 217 مقعداً).

وتم انتخابات اللجنة التأسيسية لوضع الدستور من 144 عضواً على أن يتم صياغته في مدة عام واحد. (ولم يتحقق ذلك). وبما أعاد التظاهرات وافتقاد الثقة بين النظام والشعب.

23 أكتوبر 2011
اغتيال الناشط السياسي شكري بلعيد مع إتهام التيارات المدنية أن التيار الإسلامي هو الذي نفذ عملية الاغتيال. 5 فبراير 2013
اغتيال الناشط محمد البراهيمي والذي أدى على ردود فعل شديدة. 25 يوليه 2013
أعلنت التيارات المدنية استقالة أعضائها في الجمعية التأسيسية وعادت الاضطرابات في أرجاء تونس مطالبة بسرعة إعداد الدستور وإجراء انتخابات جديدة. 26 يوليه 2013
في محاولة لتشتيت الجهود، نقل حزب النهضة الأحداث إلى أطراف الدولة بتنسيق متكامل مع السلفية الجهادية، حيث حدثت اضطرابات على الحدود مع كل من الجزائر وليبيا أججتها عناصر جهادية، وأدت إلى استشهاد أفراد من الأمن، ثم دفع قوات من الجيش والشرطة للسيطرة عليها. 25 أغسطس 2013
بوصفه درساً مستفاداً من ثورة 30 يونيه في مصر حاولت الحكومة السيطرة على الأحداث بالإعلان عن إجراء حوار سياسي – مجتمعي للاتفاق على مسار الحكم على أن تبدأ أولى جلسات الحوار في 23 أكتوبر 2013 تحت رعاية ثلاثية من رئيس الجمهورية – الوزير الأول – رئيس الجمعية التأسيسية وعاد أعضاء الجمعية التأسيسية المستقلين إلى اللجنة. أول أكتوبر 2013
بضغط من المعارضة عقدت أولى جلسات الحوار، وحرر رئيس الوزراء (الوزير الأول) تعهداً بتقديم استقالته في غضون ثلاثة أسابيع يستغرقها فترة الحوار من أربعة أطراف بزيادة “التيار المدني المتمثل في الاتحاد العام للشغل”. 23 أكتوبر 2013
لم يصل الحوار إلى أي نتائج. وكرر الأعضاء المدنيون استقالاتهم من الجمعية التأسيسية. 27 نوفمبر2013
عادت الاضطرابات في أنحاء تونس، وركز المتظاهرون جهودهم في إحراق مقار حزب النهضة في الولايات. 30 نوفمبر2013
مع فشل اللجنة الرباعية في الاتفاق على تسمية رئيس الوزراء (الوزير الأول) لتشكيل حكومة تتحمل مسؤولية المرحلة القادمة. فقد وجه الإتحاد العام للشغل إنذاراً بإمهالها فترة عشرة أيام لاختيار رئيس الوزراء تنتهي في 14 ديسمبر. 4 ديسمبر2013

المصادر والمراجـع

  1. شبكة الانترنت (عدة مواقع).
  2. الصحافة العربية (الفترة من 15 ديسمبر 2010 حتى 31 أكتوبر 2013).
  • صحيفة الحياة اللندنية.
  • صحيفة الشرق الأوسط.
  • صحيفة الأهرام (القاهرة).
  1. أطلس العالم (بيروت) 2010.
  2. وكالات الأنباء.
  3. إصدارات الهيئة العامة للاستعلامات.
  1.  Tunisian prime minister Mohamed Ghannouchi resigns amid unrest | World news | The Guardian نسخة محفوظة 06 يوليو 2013 على موقع واي باك مشين.
  2. ^ “Tunisia forms national unity government amid unrest”. BBC News. 17 January 2011. مؤرشف من الأصل في 12 أكتوبر 2017.
  3. ^ “Tunisia dissolves Ben Ali party”قناة الجزيرة الإنجليزية. 9 March 2011. مؤرشف من الأصل في 30 سبتمبر 2011. اطلع عليه بتاريخ 09 مارس 2011.
  4. ^ Beaumont, Peter (19 January 2011). “Tunisia set to release political prisoners”. London: The Guardian. مؤرشف من الأصلفي 11 مارس 2013.
  5. ^ “Tunisia election delayed until 23 October”. Reuters. 8 June 2011. مؤرشف من الأصل في 01 أكتوبر 2015. اطلع عليه بتاريخ 08 يونيو 2011.
  6. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب https://apnews.com/article/f91b86df98c34fb3abedc3d2e8accbcf
  7. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب Report: 338 killed during Tunisia revolution[وصلة مكسورة] نسخة محفوظة 8 أبريل 2020 على موقع واي باك مشين.
  8. ^ attounissia.com.tn نسخة محفوظة 24 نوفمبر 2012 على موقع واي باك مشين.
  9. ^ بن علي يعد بإصلاحات ديمقراطية، الجزيرة نت، دخل في 14 يناير 2011 نسخة محفوظة 18 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  10. ^ الرئيس التونسي يتخلى عن السلطة ويغادر البلاد إلى المملكة العربية السعودية نسخة محفوظة 04 نوفمبر 2011 على موقع واي باك مشين.[وصلة مكسورة]
  11. ^ مسلسل الأحداث منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في تونس، الحوار، دخل في 14 يناير 2010 نسخة محفوظة 07 سبتمبر 2017 على موقع واي باك مشين.
  12. ^ Le passage au passage : Manifestation pacifiste du 10 janvier 2011 – Tunis | To be good again نسخة محفوظة 20 مايو 2012 على موقع واي باك مشين.
  13. ^ المملكة تستقبل بن علي وتتمنى لتونس الأمن والاستقرار، سبق، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 04 نوفمبر 2011 على موقع واي باك مشين.[وصلة مكسورة]
  14. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب ت وكالة الانباء السعودية: رئيس تونس السابق يصل إلى السعودية، رويترز، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 03 فبراير 2016 على موقع واي باك مشين.
  15. ^ بن علي يغادر تونس والغنوشي يتولى الحكم، بي بي سي العربية، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 15 يناير 2014 على موقع واي باك مشين.
  16. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب ت المبزع يؤدي اليمين رئيساً “مؤقتاً” لتونس، سي إن إن العربية، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 15 يناير 2014 على موقع واي باك مشين.
  17. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب ت ث تونس.. مشاركة لزعماء المعارضة وفصل للدولة عن الأحزاب وانتخابات خلال 6 أشهر، العربية نت، دخل في 17 يناير 2011 نسخة محفوظة 04 مارس 2016 على موقعواي باك مشين.
  18. ^ محللون: الجيش وجه الضربة القاصمة لـ«بن علي» وليبيا ساعدته على الهرب، المصري اليوم، دخل في 18 يناير 2011 نسخة محفوظة 22 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  19. ^ ضابط تونسي: رئيس الأركان الفريق أول رشيد عمار تلقى تعليمات أمريكية بالاستيلاء على السلطة، المنبر، دخل في 18 يناير 2011 نسخة محفوظة 16 ديسمبر 2019 على موقعواي باك مشين.
  20. ^ تونس: اعتقال 33 من أقارب بن علي والاجتماع الأول للحكومة يحضّر لإعلان عفو عام، دار الحياة، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 22 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  21. ^ وزير داخلية تونس يؤكد اعتقال “الطرابلسى” وملاحقة عائلة بن علي بالخارج، الأهرام، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 26 فبراير 2011 على موقع واي باك مشين.
  22. ^ الداخلية التونسية تؤكد اعتقال مدير جهاز أمن الرئيس المخلوع، الأهرام، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 26 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  23. ^ احتجاز 3 من مساعدي بن علي ومدير قناة “حنبعل”، والمظاهرات لا تزال مستمرة، روسيا اليوم، دخل في 24 يناير 2011[وصلة مكسورة] نسخة محفوظة 8 أبريل 2020 على موقعواي باك مشين.
  24. ^ تونس تعتقل مالك تلفزيون حنبعل لاتهامه “بالخيانة العظمى، رويترز، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 05 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  25. ^ الانتربول يصدر مذكرات اعتقال دولية بحق بن علي و6 من أقاربه، دار الحياة، دخل في 26 يناير 2011 نسخة محفوظة 27 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  26. ^ قيادة الجيش والشرطة تخلّت عن بن علي وانتقام القذّافي همّ التونسيين الأكبر، شفاف الشرق الأوسط، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 09 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  27. ^ عودة أكبر مناهضي نظام بن علي إلى تونس نوفوستي، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 8 أبريل 2020 على موقع واي باك مشين.
  28. ^ تونس: راشد الغنوشي يعود من لندن والآلاف يستقبلونه، بي بي سي العربية، دخل في 7 فبراير 2011 نسخة محفوظة 21 يونيو 2012 على موقع واي باك مشين.
  29. ^ تونس: كل السجناء السياسيين أفرج عنهم، دي برس، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 12 مارس 2020 على موقع واي باك مشين.[وصلة مكسورة]
  30. ^ تونس: عفو عام عن السجناء السياسيين والاعتراف بكافة الأحزاب السياسية، دويتشه فيله، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 26 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  31. ^ تونس: قانون العفو العام قد يطال 30 ألفا والأحزاب المرخصة ستزيد على 12، الشرق الأوسط، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 02 مارس 2011 على موقع واي باك مشين.
  32. ^ تونس تفتح الباب أمام عودة إسلاميي «النهضة»، دار الحياة، دخل في 24 يناير 2011 نسخة محفوظة 23 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  33. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب ت حصيلة قتلى ثورة الشعب بلغت 219 قتيلا بحسب الأمم المتحدة، فرانس 24، دخل في 18 فبراير 2011 نسخة محفوظة 04 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  34. ^ الانتحار احتجاجاً تقليد «راسخ» وغير مجدٍ في المغرب، دار الحياة، دخل في 26 يناير 2011 نسخة محفوظة 28 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  35. ^ موريتانيا: ثاني عملية انتحار لشاب في أقل من أسبوع، تريند، دخل في 26 يناير 2011 نسخة محفوظة 14 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.[وصلة مكسورة]
  36. ^ الانتحار حرقا دليل على المشاكل الاجتماعية والسياسية والفكرية في العالم العربي، فرنس24، دخل في 26 يناير 2011 نسخة محفوظة 05 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  37. ^ محاولات الانتحار حرقا مستمرة.. اصابة شخص بحروق ومصرع آخر في مصر، روسيا اليوم، دخل في 26 يناير 2011[وصلة مكسورة] نسخة محفوظة 8 أبريل 2020 على موقع واي باك مشين.
  38. ^ رابع محاولة للانتحار حرقاً في المغرب، اليوم السابع، دخل في 26 يناير 2011 نسخة محفوظة 29 يناير 2011 على موقع واي باك مشين“نسخة مؤرشفة”. Archived from the original on 29 أغسطس 2011. اطلع عليه بتاريخ 16 ديسمبر 2019.
  39. ^ الظاهرة البوعزيزية وسقوط الحل الأمني، دخل في 20 يناير 2011 نسخة محفوظة 07 أبريل 2016 على موقع واي باك مشين.
  40. ^ ثورة تونس والمناطق المهمشة، دار الحياة، دخل في 26 يناير 2011 نسخة محفوظة 05 مارس 2011 على موقع واي باك مشين.
  41. ^ هل الثورة التونسية أولى ثورات تويتر؟، الجزيرة نت، دخل في 26 يناير 2011 نسخة محفوظة 03 سبتمبر 2011 على موقع واي باك مشين.
  42. ^ ثورة تونس… بالمتظاهرين وليس “التويتر”، رأي نيوز، دخل في 26 يناير 2011 نسخة محفوظة 8 أبريل 2020 على موقع واي باك مشين.
  43. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب ت ث ج ح ردود فعل دولية على أحداث تونس، الجزيرة نت، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 18 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  44. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب وسط صمت رسمي: ترحيب شعبي عربي بتغيير تونس، الجزيرة نت، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 18 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  45. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب ت ث ج تواصل ردود الفعل الدولية عن تونس، الجزيرة نت، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 18 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  46. ^ الشعوب العربية ترحب: تثاقل بالرد العربي الرسمي حول تونس، الجزيرة نت، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 18 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.
  47. ^ مظاهرات بمصر احتفاء بثورة تونس، الجزيرة نت، دخل في 18 يناير 2011 نسخة محفوظة 15 أغسطس 2011 على موقع واي باك مشين.
  48. ^ القذافي: الرئيس التونسي المخلوع زين العابدي الأفضل لتونس، الجزيرة نت، دخل في 18 يناير 2011 نسخة محفوظة 03 مارس 2011 على موقع واي باك مشين.
  49. ^ القذافي يقول ان تونس تعجلت في الاطاحة بزين العابدين بن علي، رويترز العربية، دخل في 16 يناير 2011 نسخة محفوظة 22 مارس 2011 على موقع واي باك مشين.
  50. ^ القذافي: تونس تعجلت الإطاحة ببن علي، الجزيرة نت، دخل في 16 يناير 2011 نسخة محفوظة 03 مارس 2011 على موقع واي باك مشين.
  51. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب بوتفليقة يخرج عن صمته ويعترف بالرئيس التونسي المؤقت، جريدة القبس، دخل في 19 يناير 2011 نسخة محفوظة 8 مارس 2016 على موقع واي باك مشين.
  52. ^ الشيخ محمد الصباح..الكويت تحترم خيارات الشعب التونسي وتتمنى عودة الاستقرار، وكالة الأنباء الكويتية كونا، دخل في 15 يناير 2011 نسخة محفوظة 12 مارس 2020 على موقع واي باك مشين.
  53. ^ روسيا اليوم: موسكو تؤكد أهمية استعادة السلام والاستقرار في تونس، روسيا اليوم، دخل في 15 يناير 2011[وصلة مكسورة] نسخة محفوظة 8 أبريل 2020 على موقع واي باك مشين.
  54. ^ China hopes stability in Tunisia restored: FM[وصلة مكسورة]، وكالة شينخوا، دخل في 15 يناير 2011 “نسخة مؤرشفة”. Archived from the original on 31 يناير 2011. اطلع عليه بتاريخ 15 يناير 2011.
  55. ^ دعوة غربية لانتقال سلمي بتونس، الجزيرة نت، دخل في 18 يناير 2011 نسخة محفوظة 20 يناير 2011 على موقع واي باك مشين.