نظرية العلاقات الدولية

الجذور الماركسية في نظرية فالرشتاين: النظام العالمي الحديث (The Modern World- System Theory)

الجذور الماركسية في نظرية فالرشتاين “النظام العالمي الحديث”  (The Modern World- System Theory)

استهلال

هل نحن بحاجة إلى نظريات تفسيريه جديدة في العلاقات الدولية، ألا تكفي النظريات الموجودة لتفسير عالم السياسية لنا ؟ وهل تفسر هذه النظريات عالمنا كما ينبغي .

بوسعي القول بأن حاجتنا لا تتوقف عن البحث عن التفسير والإرشادات التي تمكننا كبشر –خاصة في عالمنا العربي والإسلامي – من فهم هذا العالم المتوحش في الحقبة الحالية من العولمة .

نحن بحاجة إلى نظريات تحلل وتنتقد النظريات الوضعية السائدة والمسيطرة في نظرية المعرفة السياسية، مثل النظرية الواقعية بتفريعاتها والنظرية الليبرالية بتفريعاتها ، وبحاجة إلى نظريات نقدية تفسيريه كبيرة كنظرية “النظام العالمي الحديث ” للمنظر الاجتماعي السياسي الأمريكي / إيمانويل فالرشتاين .

وأعتقد ؛ بأنه ومنذ نشر فالرشتاين نظريته عام 1974م  (The Modern World-System، 1974، 1980، 1989 لم تنشر أية نظرية نقدية في العلاقات الدولية  أو غير النقدية تنافسها تأثيرا وعمقا ؛ رغم العمل المهم الذي أنجزه المنظر السياسي الأمريكي من أصول المانية ألكسندر فيندت  من خلال كتابه ” النظرية الاجتماعية للسياسية الدولية ،1999م ” متأثرا بالمنظر الاجتماعي البريطاني الشهير أنطوني جيدنز، والذي يعد حسب آخر مسح 2011م لمنظري العلاقات الدولية في أمريكا وكندا الأهم والأول في حقل العلاقات الدولية خلال العقدين الماضيين ، والذي طور بالاشتراك مع آخرين مثل : نيكولاس أنوف ، وجون ريجي ، وبيتر كاز نتشين ، ومارثا فينيمور ، ما يسمى نظرية ” البنائية الاجتماعية ” .

وتهدف هذه المقالة (على أمل أن يتبعها مقالات أخرى )إلى محاولة تحليل مختصر للواقع الحالي لفرضيات نظرية (إيمانويل  فالرشتاين) “النظام العالمي الحديث ” وجذورها الماركسية . ولقد  خَلُصتُ إلى النتائج التالية:

أ‌- هناك عدد من الرواسب والروافد الفكرية والنظرية التي ساهمت في بناء نظرية فالرشتاين “النظام العالمي الحديث ” ومن مختلف الأطياف والمشارب الفكرية، غير أن هناك اتفاقا لدى غالبية المفكرين بأن أهم هذه الروافد هي الماركسية- اللينينية، ومدرسة التبعية، ومدرسة الحوليات الفرنسية وبالذات المؤرخ الفرنسي الشهير فرناند بروديل الذي قام فالرشتاين بإهدائه الجزء الثاني من دراسته “النظام العالمي الجديد،1980م” واستشهد به (كمرجع:Reference) (58) مرة في الجزئين الأول والثاني. ولقد اعترف فالرشتاين شخصيا بأن هناك ثلاثة مفكرين أثروا على المنظومة المعرفية، وهم : فرانز فانون ، فرناند بروديل ، وإيليا بريجوجين .

ب‌- هناك الكثير من الباحثين ممن لا زالوا يعتقدون بأن نظرية فالرشتاين تكييف لنظرية التبعية بثوب جديد. فيما رأى البعض بأن هناك نماذج نظرية حول النظر إلى الرأسمالية كنظام عالمي أسبق من نظرية فالرشتاين ولكن لم تأخذ حظها من الاهتمام والدراسة، مثل: نظرية (أوليفر كرمويل كوكس) .

جـ- هناك اتفاق لدى الكثير من الباحثين بأن “نظرية التبعية” و “نظرية النظام العالمي الجديد” شكّلتا “مسلمة” جديدة معارضة للفكر الغربي الأنجلو- أمريكي، وتحدياً لنظرية التنمية الوضعية التي كان يبشّر بها هذا الفكر.

د- هناك تأثير كبير جداً لمنظري مدرسة التبعية، ومدرسة الحوليات على فالرشتاين تخلل في كل مفاصل نظريته، وقد تفاوت هذا التأثير على المستوى الشخصي من مُنَظّرٍ إلى آخر؛ فمنهم من اعترف صراحة فالرشتاين بتأثيره عليه، ومنهم من نقبت وبحثت عن  تأثيره من خلال استخدام المنهج الوصفي التحليلي، والمتابعة والمقارنة وتحليل المضمون .

جذور نظرية فالرشتاين:

“إن التغيير سرمدي، ولا شيء  يتغير أبدا.

كلا العبارتين (Clichés) صحيحة، إن الهياكل هي تلك الحيود المرجانية للعلاقات الإنسانية التي لها وجود مستقر على مدى مرحلة طويلة نسبيا من الزمن، لكن الهياكل بنفس الوقت تُولد، وتنمو، وتموت” (Wallerstein،  1974،  P.3).

تنتصب أمام الباحثين والمهتمين بنظريات العلاقات الدولية ، والسياسة العالمية مهمات غاية في الصعوبة ووعورة المسالك في ظل التسارع الكبير ؛ الواسع  والعميق للأحداث العالمية التي اتسمت بتأثير من سيرورة العولمة بالصراع الشديد ، والتماهي مع بعضها البعض بشكل غير مسبوق، حيث أصبح تلمس وعزل الشأن الاقتصادي عن السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي وفصل متغيراته عن بعضها البعض ضرباً من المستحيل، وإن تم فإن نصيبه التهافت والخسران.

ولقد سعى أصحاب المناهج الوضّعية، وما بعد الوضعية، لبناء نظرية تساعد المهتمين والباحثين والسياسيين لفهم الواقع الحالي أو التنبؤ به كلٌ حسب وجهة نظره وتحليله للأمور.

وفي عالمٍ عدد سكانه حسب تقديرات مستقلة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، تجاوز 7 مليار في 31 أكتوبر 2011.،  50% منهم يقطنون المدن، فيما سيصل المستوى العالمي 60% بحلول عام 2030م. يبدو الخلاف في وجهات النظر؛ لا بل الصراع والتصادم شيئاً من المسلمات.(توفلر2006م ص58وفلافن1999م ص47).

وتتسم بعض النظريات بنوع من الإجرائية والعمّلية إلى درجة إمكانية وصفها بالحتمية أو الجبرية والغائية، بمعنى أن ينسب إلى الأحداث معنىً ما، أو غرضا ما. (بيليس وسميث،2004م، ص288).

ولقد جاءت نظرية النظام العالمي لـ فالرشتاين، والتي  عبرت عنها كتاباته منذ صدور المجلد الأول لكتابه النظام العالمي الحديث عام 1974م كفتح جديد في حقل العلاقات الدولية، وتغيرٍ جديدٍ في الكثير من المسلمات.

لقد كان هناك إدراك واسع في الأوساط الأكاديمية  للتسارع الحاصل في العالم منذ أن اكتشف (ماركس)  في كتابه رأس المال حتمية اشتداد التناقضات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية للرأسمالية (راكيتسكي، 1979م، ص27)  .

وترافق مع ذلك إدراك وتقدير أكثر  للتفاعلات المتبادلة بين البلدان الرأسمالية المتقدمة (دول المركز) والبلدان المستعمرة وشبه المستعمرة (دول الأطراف وشبه الأطراف) أو الجنوب أو دول العالم الثالث منذ أن ظهرت هذه التسمية في الأربعينيات من هذا القرن، (التي أصبح منطق التراكم الرأسمالي يخضها لسيطرته (. Murphy،  1997،  p.201).

ثم جاء( فلاديمير لينين )وطوّر ما أصبح يعرف  بالإمبريالية –من خلال كُتيبّه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”1916م،  الذي ركز فيه  على التناقضات التي تحدثها الظاهرة بين البلدان الرأسمالية المتقدمة (المركز) نفسها؛ بمعنى أن النظرة كانت أحادية الجانب باقتصارها على دول المركز.

لكن أحداث عالمية وتطورات على المسرح الدولي جرت فغيرت المشهد كبروز حركات التحرر ونهوض دور الدول المستقلة بعد الاستعمار وانطلاق ثورات العالم الثالث (الأطراف وشبه الأطراف –بعد الحرب العالمية الثانية) ، وكان أن التقط الزعيم الصيني ماوتسي تونج وغيره هذه التداعيات وأسس عليها.(منصور، 1999م، ص2).

وهناك اتفاق بين معظم منظري العلاقات الدولية على أن جذور هذه النظرية تضرب عميقا في الفكر الماركسي- اللينيني، فمن خلال  الاتكاء على إرثٍ ماركسي- لينيني،  سبقه إليه العديد من المنظرين الماركسيين وغير الماركسيين،  والماركسيين الجدد ضمن ما يسمى بمنظري مدرسة التبعية،  استطاع فالرشتاين بناء إطار نظري يتسم بالكلاّنية لدراسة العلاقات الدولية وبحثها في إطار بنية الرأسمالية العالمية، وبأن السياسة العالمية لا يمكن فهمها بشكلها الصحيح إلا إذا بحثت في سياق بنية نظام عالمي هو الرأسمالية العالمية من خلال استمرار عملية التراكم الرأسمالي.

إن فالرشتاين وهو يشير إلى منطلقات الصراع الطبقي والتمايز بين الفقراء والأغنياء،  فإنما هو مدينٌ بذلك لآليات التفكير التي وضعها ماركس في معظم إنتاجه الفكري خاصة مؤلفه الشهير “رأس المال ” وإن كان ( هوبدن و وجونز،2004م) يريان بأن ماركس ” لم يتحدث عن البعد الدولي في الحدود ومعالم الرأسمالية ” وترى الماركسية – اللينينية بأنه حين تطرأ تغيرات مهمة في العملية التاريخية على طبيعة القوى المنتجة وبنيتها وحين ينشأ تناقض موضعي بين القوى المنتجة الجديدة وبين علاقات الإنتاج الموجودة ، وبين البنية الاجتماعية وطابع الاقتصاد عند ئذ لا يصبح التقدم في تطور الإنتاج والمجتمع ممكناً إلا عن طريق الاستبدال الثوري لعلاقات الإنتاج القديمة بعلاقات جديدة تتلاءم  مع القوى المنتجة الجديدة. وإلا فسوف يتباطأ  تطور المجتمع ويحدث انقطاع بين حاجات المجتمع وبين الإنتاج ، وتضرب وتعصف الأزمة بالنظام الاجتماعي بأسره . ولا يتم التغلب على هذه الأزمة و نشوء علاقات جديدة إلا بفضل التغيرات الملائمة في البناء الفوقي : في العلاقات السياسية والأيديولوجية وفي أشكال الوعي الاجتماعي ومؤسساته . وتتكون التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الجديدة كمنظومة اجتماعية كاملة متطورة، حيث تطرأ تغيرات على كافة عناصر البناء الفوقي تتلائم مع التغيرات في البناء التحتي . ونلاحظ بان هذه التحليلات الماركسية- اللينينية هي جوهر فرضيات فالرشتاين  ( زاموشكين ،1982م،ص246).

أما عن حديث ( هوبدن ،وجونز،2004م) عن أن ماركس لم يتحدث عن البعد الدولي في تحديد معالم الرأسمالية ( هوبدن ،وجونز،2004م ص267) فإن تحليل بعض نصوص ماركس تحديداً يمكن أن يفهم منها العكس، ذلك أنه إذا كان فالرشتاين يتحدث عن بنية ” النظام العالمي” متجسداً بالرأسمالية ، فإن ” ماركس ” أسس تحليله أصلاً لنقد الرأسمالية ثم إنه كان يتحدث عن” البشرية ” بشكل عام، وبالتالي يمكن أن يعادل أو يساوي مفهوم البشرية ما يقصده فالرشتاين  بالنظام العالمي لذلك يرى ( زاموشكين ،1982م) أن ماركس وفي معرض تلخيص لنتائج عمله النظري الشهير ( نقد الاقتصاد السياسي ) كانون الثاني عام 1859م كتب يقول: في مرحلة معينة من تطورها تدخل قوى المجتمع المنتجة في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة ، أو ، وهذه هي التعبير الحقوقي عن تلك، مع علاقات الملكية التي كانت تتطور داخلها حتى الآن . فتتحول هذه العلاقات من أشكال لتطور القوى المنتجة إلى قيود لها. وحينها ينفتح عهد الثورة الاجتماعية، فمع تغير الأساس الاقتصادي يجري على نحوٍ سريع إلى هذا الحد أو ذاك انقلاب في البناء الفوقي الهائل بأسره.. إن تشكيلة اجتماعية واحدة لا تزول قبل أن تتطور القوى المنتجة التي تتيح لها مجالاً كافياً للتطور ، ولا تظهر علاقات إنتاج جديدة أرفع قبل أن تنضج الظروف المادية لوجودها في أحشاء المجتمع القديم . ولذا فالبشرية- ( يعادلها عند فالرشتاين النظام العالمي ) تطرح أمامها المهام التي يمكنها أن تحلها ، لأنه لدى النظر عن كثب يتبين دائماً أن المهمة ذاتها لا تبرز إلا حين تتوفر الظروف المادية لحلها ، أو على الأقل تكون في مرحلة التكوين .( زاموشكين ، 1984م،ص ص 246-247 ).

المثال الآخر الذي يمكن طرحه للتدليل على مدى تغلغل جذور الماركسية إلى فالرشتاين ، ببعدها الدولي ، بما ينفي توصيف هوبدن وجونز أعلاه ، هو تحليل ماركس للعملية الثورية ، وأزمة النظرة الميتافيزيائية- المثالية إلى العالم – المثالية القائمة على أساس المذهب العقلي ويتجلى ذلك حسب زاموشكين ،1984م من خلال الأحداث الثورية التي وقعت في فرنسا في سنوات 1848- 1851م ، والتي حللها ماركس تحليلا عميقاً في كتابيه ” الصراع الطبقي في فرنسا ” و ” الثامن عشر من برومير لويس بونابارت ” لاحظ بأن ( هوبدن ، وجونز ، 2004م ، ص267) يجادلان بأن ” ماركس نفسه كتب بغزارة عن الشؤون الدولية إلا أن معظم كتاباته تلك كانت ذات صبغة صحافية “؛ فهل  ما كتبه ماركس في كتابيه عن تلك الأحداث التاريخية في ذلك الزمان هو كتابة صحفية ؟!

لكن ماذا يقول ماركس في تحليلاته تلك؟!

باختصار شديد يقول ماركس، إن القضايا الأساسية لثورة 1848-1851م في أوروبا كانت منذ البداية قضايا طبقية اجتماعية- لا جديد عند فالرشتاين عن ذلك – فتحطيم الأنظمة الملكية لم يكن مهمة للنضال ضد الإقطاعية بقدر ما كان مهمة للتغلب على السيادة المنفردة لشريحة واحدة من شرائح البرجوازية، ألا وهي البرجوازية المالية بهيأتها السياسة، أي النظام الملكي لكن إسقاط النظام الملكي مع الإبقاء على مجمل بنية سلطة البرجوازية المالية كان يعني في تلك الظروف عدم الوصول حتى إلى منتصف الطريق.

لقد شهد مطلع القرن التاسع عشر إنجاز الفكر النظري والعمل الاجتماعي فيما يتعلق بإظهار دور الطبقات والصراع الطبقي في التطور التاريخي، والملاحظ هنا بأن هذا الفكر النظري لم يكن ماركسي المنشأ.

لقد أكد ماركس في رسالته إلى فيديماير بتاريخ  5 آذار عام 1852م، على أن “قضية الطبقات كانت قد طرحت نظريا للمرة الأولى في ثلاثينيات القرن التاسع عشر من قبل المؤرخين الفرنسيين من عصر عودة الملكية (غيزو، ميني، تيري) الذين نظروا إلى التاريخ ليس كنتيجة لأعمال بعض الشخصيات البارزة، بل يتوجه الاهتمام الرئيس إلى المصالح الاقتصادية، وكان هؤلاء المؤرخون المدافعون عن الملكية الدستورية آنذاك، قد أعلنوا أن الثورة ظاهرة اجتماعية تعود إلى الماضي بلا رجعة على حد زعمهم لكن هؤلاء المؤرخين (يقول ماركس) لم يروا آنذاك وراء التناقضات الاقتصادية، المميزة للمجتمع البرجوازي المعاصر لهم، التناحر بين الرأسمالي والعمل المأجور. لكنهم أدركوا بشكل عام ديناميكية النزعات الطبقية وتأثيرها على الظواهر: السياسية، والاجتماعية، والروحية، والأيديولوجية والعنصر التاريخي الملموس، أي بمعنى آخر التفكير بمنظور كلاني حسب فالرشتاين (زاموشكين،1984م، ص ص 48-51).

وعلاوة على ذلك، فإن ماركس في كتابه “نقد الاقتصاد السياسي” كان يعتبر أن العلاقات الدولية في مجال الإنتاج وتقسيم العمل الدولي والمبادلات العالمية، من العناصر التي لا غنى عنها لدراسة الاقتصاد السياسي الرأسمالي” .(زبيدة، 1975م، ص20)

وبالطبع، فإن الحديث عن الجذور الأيديولوجية، والمعرفية للنظرية يكتسب أهمية بالغة هنا؛ لأنه المفتاح لفهم فالرشتاين، مثلما هو بالنسبة إلى منظري مدرسة التبعية: فرانك، كاردوسو، أمين، جانفري ارجيري، جيريفي، باران، جارامون، باربيش، وتشيس دن.

ويرى (هوبدن، وجونز، 2004م) بأن أهم المناظرات النقدية للإفادة من الماركسية في مجال تحليل المجال الدولي للرأسمالية الإمبريالية، كانت دراسة لينين “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” ، وإضافة لينين الرئيسة، والتي تم تشيد صرح كافة نظريات “التبعية والنظام العالمي” هي مقاربته بأن “الرأسمالية أحدثت بنية من مستويين ضمن الاقتصاد العالمي، حيث توجد نواة مركزية مهيمنة  تستغل من هم على الأطراف من المجموعات الأقل تطورا”.(هوبدن، وجونز، 2004م، ص 269).

ويؤكد (هوبدن، وجونز،2004م) بأن التطورات التي حدثت في العالم الواقعي للسياسة العالمية هي التي أدت إلى بروز الاهتمام مجددا بالتحليلات المتأثرة بالفكر الماركسي. وأن الركود الاقتصادي العالمي العميق والصدمات النفطية في سبعينيات القرن العشرين ثم الانفراج بين الشرق والغرب، أسهمت في دفع الهموم والمشاكل الاقتصادية إلى واجهة القضايا العالمية وفي غمرة هذه الظروف عادت الأفكار المتأثرة بالماركسية كآليات للتحليل للرواج. ويمكن القول بأن  فالرشتاين، من أبرز وأشهر الذين أفرزها خضم ذلك التفاعل الفكري. (هوبدن ،وجونز،2004م،ص271).

وتجدر الإشارة إلى أن سمير أمين في دراسته: “ما بعد الرأسمالية، 1988م، لم يخف نقده الشديد لبعض مقاربات الماركسيين الجدد في الغرب، بحجة أنهم يستخدمون الماركسية شكليا، وخص بالذكر ارجيري (Arghiri Emmanuel) صاحب نظرية “التبادل غير المتكافئ، والذي يعد من أبرز من  تركوا أثرا كبيرا في أوساط منظري النظام العالمي (هوبدن، وجونز، 2004م، ص283) . و يرى (سمير أمين، 1988م) بأن ارجيري كان يدافع عن دور التكنولوجيا التي تدخلها الشركات المتعددة الجنسيات إلى دول الأطراف في العالم الثالث.(أمين، 1988م، ص 62-63).

كذلك، فإن (أمين، 1988م) لا يخفي نقده لاستخدام المفهوم “نظرية التبعية” أو “نظرية العالم الثالثية” حين نطلق هذا المفهوم على أي تحليل يهتم بخصوصيات التوسع الرأسمالي في الأطراف، ويصف هذا الخلط بالجدل الصحفي وغير العلمي (أمين، 1988م، ص73) .خاصة وأن الرأسمالية كنمط إنتاج تتغير ملامحها وأساليبها في الاستغلال عبر الزمن وتطور التاريخ (عبد الله، 1997م، ص3).

وكان (فالرشتاين، 1979م)، نفسه يرى بأن إحدى أهم نقاط القوة الكبيرة في الماركسية هي كونها مذهبا معارضا انتقاديا، وبذلك استدعت الاهتمام بنقد تناقضات النظام القائم وأيديولوجياته، ورغم الكثير من الصيغ المختلفة وغالبا المتناقضة للماركسية، فإنها تبقى الأفضل لوصف الواقع الاجتماعي. (هايت، وروبيرتس،2004م ، ص 24).

على صعيد آخر، يرى (هنتر:Hunter، 1985) بأن مفهوم الرأسمالية “كنظام عالمي” لم يكن اكتشافاً حديثاً . وأن هذا المفهوم انتشر على يد فالرشتاين في –حقل علم الاجتماع الأمريكي- خلال عقد السبعينيات بعد أن نشر فالرشتاين دراسته “النظام العالمي الحديث 1974″ ثم حصوله بعد سنة 1975 على جائزة سوركين للاجتماع ، من الجمعية الأمريكية للاجتماع.

لكن المفاجئ أن هناك اهتماماً قليلاَ ذهب إلى مساهمة أقدم من ذلك كانت على يد(أوليفر كرمويل كوكس) من خلال دراساته لمفهوم الرأسمالية “كنظام عالمي” وهي: جذور الرأسمالية 1959م (Foundation of Capitalism ) ، “الرأسمالية والقيادة الأمريكية 1962م” و”الرأسمالية كنظام 1964م”.

هذا يعني  بالنسبة إلي أن كوكس سبق فالرشتاين بعقدين من الزمن تقريباً .

ويضيف(هنتر:Hunter، 1985) (وهو يتحدث هنا باستغراب  شديد) أنه لا توجد الكثير من عمليات الرجوع و العودة الأكاديمية كمرجع لدراسات (كوكس) لدى الباحثين ، على الرغم من أن المفاهيم التي استخدمها عند توصيفه للنظام العالمي هي من أساسيات النظرية عند فالرشتاين مثل: نمو،  تطور الرأسمالية. وإلى جانب هذا الإهمال لكوكس(كمرجع) فليس هناك دراسات تحليليه لمساهمته أيضا.(Hunter، 1985، p.1).

المهم في الأمر أن (هنتر) من خلال دراسته التي نحن بصددها( نظرية النظام العالمي عند أوليفر كوكس، 1985م) يحاول رد الاعتبار لكوكس كمنظر في علم الاجتماع وكأحد المؤسسين للنظرية، ويدعو إلى عدم تجاهله للنظام العالمي فينبع إنتاج(كوكس) حول الموضوع منذ عام 1940م ويخلص بالأدلة إلى أن (كوكس) سبق (فالرشتاين) في هذا المجال،  وأن الخلاف الوحيد الذي (قد يبدو) بين الاثنين هو في تاريخ الاثنين لبداية هذا النظام ففي الوقت الذي يرى (كوكس) بأنه بدأ في القرن الثالث عشر في مدينة (البندقية)، حيث وجد الإقطاع والرأسمالية معاً؛  يرى(فالرشتاين) أن “النظام العالمي” بدأ في القرن السادس عشر ، ولكن على أنقاض نمط الإنتاج الإقطاعي بعد فشله أمام بزوغ الرأسمالية.(Hunter، 1985، p.p2-5)).

كذلك يرى (كندي، 1998م) بأن شعوب أوروبا أدركت عام (1500م – وهي السنة التي شكلت وفقاً لآراء اغلب الدارسين الحد الفاصل بين العصرين الحديث وما قبله- إن القدر قد شاء لقارتها الهيمنة على اغلب العالم )، (كندي، 1998م، ص21).

ويرى (هنتنغتون، 1999م) أن الميل نحو التفكير في وجود عالمين يعود إلى الأذهان عبر التاريخ الإنساني، بينما التوافقات عن عالم واحد تبدو في نهاية الصراعات الكبرى ، وذلك بحجة أن الشعوب لا زالت تحت إغراء تقسيم بعضها البعض إلى (نحن) و(هم) (أنا) و(الآخر) ، (حضارتنا) و(أولئك البرابرة) ثم عمل الباحثون على تحليل العالم على شكل :الشرق والغرب ، الشمال ، والجنوب ، المركز والهامش،  ويخلص (هنتنغتون) إلى نتيجة يدعي بأنها قد تكون مطابقة مع الحقيقة ، حيث يقول: “واعتماداً على الكيفية التي نقسم بها الأجزاء ، فإن الصورة عن عالم مكون من جزئين ربما تكون إلى –حد ما- متطابقة مع الحقيقة” .ذلك أن أغلب التقسيمات الشائعة،  هي بين الدول الغنية (الحديثة،  المتقدمة)،  والدول الفقيرة (التقليدية،  المتخلفة أو الآخذ في النمو).

ويضيف (هنتنغتون، 1999 م) بأنه يرتبط تاريخيا بالتقسيم الاقتصادي ، التقسيم الثقافي بين الشرق والغرب ، حيث التأكيد يقع بشكل أقل على الاختلافات في الثراء الاقتصادي وبشكل أقوى على الاختلافات على الفلسفة، والقيم، وأسلوب الحياة. وبأن التقسيم الثقافي الثنائي للعالم لا يزال محدود الفائدة “.إن وحدة العالم غير الغربي وثنائية الشرق والغرب هي من “الأساطير التي ابتدعها الغرب”، وهي تعاني من مثالب الاستشراق الذي انتقده إدوارد سعيد”.(هنتغتون، 1999م، ص87-86).

إن المحامين عن هذه النظرية لم يكونوا كلهم بالضرورة  من الماركسيين، لا بل إن بعضهم يختلف عن الماركسيين في الكثير من المفاهيم والرؤى ، لكن تبقى النظرية تستند إلى أرضية ماركسية؛ وذلك بسبب تركيزها على الفضاء الاقتصادي وصراع الطبقات ويرى(Kauppi&Viotti، 2001) أنه بدلاً من التركيز على بنية الطبقات الداخلية المحلية كما فعل ميردال(Gunnar Myrdal) ، تركز النظرية على مسألة التراتبيــــــــــــة العالمية(International Hierarchy) والصراع بين الطبقات فوق العالمية. Kauppi&Viotti،  p.p.316-317 and Murphy،  1997،  p.205)).

ودليل ذلك من تتبع وتحليل بنية النظرية نفسها؛ فلقد تبين للينين  أن “المطامح المتناقضة يولدها تباين الأوضاع وظروف الحياة لدى الطبقات التي ينقسم إليها كل مجتمع″ وسمى لينين صراع الطبقات بـ” البطانة الحقيقة للحوادث”. أما حول ماذا يدور الصراع الطبقي ، وما هي الأهداف النهائية التي تسعى إليها الطبقتان المتصارعتان الرئيستان في العالم المعاصر :طبقة الرأسماليين وطبقة البروليتاريا؟ فهو أن الرأسماليين يسعون بكل الوسائل للحفاظ على وضعهم الامتيازي في المجتمع ولتعزيزه .أما البروليتاريا، فهي تسعى على العكس من ذلك للقضاء وإلى الأبد على كل أنواع عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع؛ أي تصفية التقسيم إلى الأبد .ولأن النظام الرأسمالي يتواجد جنباً إلى جنب مع الاشتراكية على وجه الأرض،  فإن الصراع يدور بين النظامين على الصعيد العالمي ، حيث يشكل الاقتصاد الجبهة الحاسمة في هذا الصراع″ ومهما كانت الزاوية التي ينظر منها الاقتصاد، فإن تطويره يبدو،  بدون شك قضية سياسية،  أو كما قال لينين: ما السياسة إلا التعبير المكثف عن الاقتصاد ” (راكيتسي، 1979، ص ص3-7) .

ويرى (راكيتسي، 1979) إن أحد أهم الأفكار التي تنبثق من صيغة لينين أعلاه هو أن الشرط الحاسم لنجاح السياسة يتلخص في واقعيتها وتطابقها مع قوانين التطور الاجتماعي الاقتصادي الموضوعية، ومهما كانت ظروف النضال السياسي متنوعة في الدول الرأسمالية فإن الصلة الداخلية العميقة بين الاقتصاد والسياسة تعتبر شرطاً حاسماً وضرورياً .

ويلفت (راكيتسي، 1979م) النظر إلى أن (ماركس) كان قد أشار إلى ضرورة أن يكون المتابع والمحلل لعلاقة الاقتصاد بالسياسة ثورياً “أن يكون ثورياً ” ذلك يعني أن تفهم الشيء هو الصلة المتبادلة بين المهام السياسية والحالة الموضوعية للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية ، وفهم تطابقها بالدرجة اللازمة (راكيتسي، 1979م، ص ص13-14).

لكن ماذا يعني ذلك ؟ وماذا يهمنا من العرض السابق ؟

بالطبع ليس استعراض الأدبيات الماركسية اللينينية فقط . لكنه محاولة لترسيخ فهمنا للأسس الأيديولوجية الماركسية لنظرية فالرشتاين ، ولعل هذا ما أكده سمير أمين في دراسته(ما بعد الرأسمالية، 1988، ص ص 11-193) و هوبدن وريتشارد ، في دراستهما (نظرية النظام العالمي، 2004م، ص ص 265-270).

المراجع :

1- أمين، سمير ، ما بعد الرأسمالية، سلسلة كتب المستقبل العربي، بيروت، كانون الثاني/1988م.

2 – بيليس، جون وسميث، ستيف،  عولمة السياسة العالمية،  ترجمة ونشر مركز الخليج للأبحاث الطبعة الاولى، 2004م.

3- هنتنغتون،  صموئيل،  صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي،  نقله إلى العربية،  مالك أبو شهيرة،  محمود محمد خلف،  الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان، الطبعة الاولى، مصراته، ليبيا، 1999م.

4- زبيدة كمال، محمد، مجموعة من الاقتصاديين والمؤرخين السوفيات،  لم تذكر أسماءهم، الاقتصاد السياسي للرأسمالية الاحتكارية المعاصرة، الجزء الأول: موقع الاستعمار في العصر الراهن، مترجم عن اللغة الألمانية، دار  (Dietz Verlay،  Berlin 1972) مطابع الف- باء – الأديب دمشق، توزيع مكتبة ميسلون، دمشق، الطبعة الأولى، 1975م.

5- زاموشكين، سولوفيوف، موتروشيلونا، الفلسفة والعملية الثورية، ترجمة: فهد كم نقش، دار التقدم، الطبعة الأولى، موسكو،1982م

6- فلافن، كريستوفر، شرعية قمة ريو،  في أوضاع العالم لعام 1997، تقرير معهد ويرلدوتش حول التقدم نحو مجتمع قابل للبقاء ، الذي يرأسه ليستر  بروان،  ترجمة علي حسين حجاج ، مراجعة ، فؤاد سروجي،  الدار الأهلية للنشر والتوزيع،  الطبعة الأولى ، عمان، 1999م.

7- عبدالمعطي، عبدالباسط ومنصور، فوزي، في العولمة والتحولات المجتمعية في الوطن العربي،  مكتبة مدبولي الطبعة الأولى ، القاهرة ، 1999م.

8-  راكتيسكي، بوريس، الاقتصاد قضية سياسية: ملامح الاستراتيجية اللينينية لتسيير شؤون الاقتصاد،  ترجمة إسكندر ياسين،  دار نشر مولودايا غفارديا 1976، الطبعة الاولى، الترجمة العربية دار التقدم، موسكو، 1979م

9- توفلر، الفن، الصراع التاريخي بين الريف والمدينة،  عن صحيفة هيرالد تربيون، في صحيفة الرأي الأردنية، العدد 13187،  6/11/2006م.

10- Kauppi U، Markt Uiuoti R، Paul،  International Relations and world Politics،  security  Economy ، Identity ، second Edition،  prentice Hall، Inc Upper-Saddle River،  New Jersey.U.S.A،  2001

11- Wallerstein،  Immanuel،  The Modern World System 11،  Mercantilism and the consolidation of the European world- Economy،  1600-1750،  Academic Press INC،  New York،  1980،  World System 1،  Capitalist Agriculture and the origins of the European world- Economy in the sixteenth century،  1974.

12- Hunter M، Herbert، The World-system theory of Oliver C.Cox ، Monthly Review ،  oct، 1985 ،  on :http:// Findarticales.com/p/ articles/mi_m1132/is_V37/ai_3956998، 11/4/2006.

ABOUT AUTHOR

Dr. Saud Alsharafat ,Founder, CEO, and Chairman of Shorufat Center for Globalization &Terrorism Studies, Amman-Jordan, with a pioneer’s vision for bringing 28 Year intelligence analysis, operation, counterterrorism and Open-source intelligence (OSINT) professional experience to the private sector.  Professional Adviser on National Security and Strategic Studies at European Centre for Counterterrorism and Intelligence Studies – Germany & Netherlands.  Author of two books: Globalization and Terrorism: Flat World or Deep Valleys? Ward Book, Amman- Jordan 2011, 2015. And Global Terrorism And Extremism: Phenomena struggle and Paradigm Conflict in the Era of Globalization, Al Dar Al Ahlia For Publishing & Distribution, Amman, first published 20016.

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]politics-dz.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!