سليم عثماني، رجل الأعمال المعروف، يرأس حاليا المؤسسة الفكرية حول الشركات والسياسة الاقتصادية care . طلب “الخبر السياسي”، في مقابلة جرت بالعاصمة، موقفه من إلحاح الجزائر على مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بعد سنوات طويلة من إمضائه، فقال إن الوثيقة السياسية والاقتصادية المثيرة للجدل، كانت هدفا لـ”لوبيات مصالح انتقدته لأنه يهدد احتكارها لبعض المنتجات والسلع”.

ويعتبر عثماني اتفاق الشراكة مفيدا ونافعا لقطاعات واسعة من المجتمع وليس فقط للمؤسسة الاقتصادية، ويبدي أسفا لكون جميع المعنيين به لم يقرأوه جيدا، حسبه.

تطرح بحدة مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بعد 16 سنة من التوقيع عليه، هل تؤيد ذلك وما ينبغي إصلاحه في الاتفاق برأيك؟

هناك مسائل تستدعي التفصيل عند الحديث عن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. لم تكن الجزائر مهتمة بإبرام هذا الاتفاق، فيما كانت دول مجاورة قد خطت هذه الخطوة سنوات من قبل. وبمجيء عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم عام 1999، أطلق مساعي لوضع الجزائر على سكة التبادلات التجارية الدولية والاقتصاد العالمي، فطلب التفاوض بسرعة مع الاتحاد الأوروبي بغرض عقد اتفاق شراكة معه. وقد كان التوقيع عليه أمرا سياسيا أكثر منه اقتصاديا، إذ تم الضغط على الكوادر الجزائريين المفاوضين لإنهاء مسار المفاوضات بسرعة. هذا أولا.

ثانيا، وهو مهم جدا، أن الجميع احتفل بالتوقيع على الاتفاق لكن من دون الاطلاع عليه. كما لا أحد عارضه، ربما كانت هناك أصوات متحفظة لكن لم تكن مسموعة. وما حدث بعدها، أن لوبيات مصالح انتقدته لأنه ظهر لها مع الانطلاق في تنفيذه أنه يهدد احتكارها لبعض المنتجات والسلع. ومارست هذه اللوبيات نفوذا كبيرا لإعادة النظر في الاتفاق، ونجاحها في تحقيق ذلك كان سيضرب مصداقية الجزائر وبوتفليقة شخصيا الذي أراد لهذا الاتفاق أن يكون.

والمشكلة أن الفاعلين الاقتصاديين والصحافة والمجتمع المدني، وقعوا أيضا في الفخ، وهو عدم مطالعة اتفاق الشراكة. الجميع ركز اهتمامه على فاتورة الاستيراد، أي أن الجزائر استوردت كذا مليارات من أوروبا ولم تصدر لها إلا الطاقة.

وأمام هذه المخاوف، أرجأت أوروبا تنفيذ الاتفاق بسبع سنوات (من 2005 إلى 2012). كان هناك تركيز قوي على الهوة في المبادلات التجارية، بينما تم إغفال ما ستجنيه المؤسسة الجزائرية من التنافسية ومن مكسب الجودة للمنتوج، ليستجيب للمعايير الدولية. هذا جانب هام، كان ينبغي وضعه في الميزان لما فكرت الجزائر في مراجعة الاتفاق.

وهناك نقطة لا تقل أهمية: الناشطون في عالم المقاولات لم يطالعوا الاتفاق حتى يكتشفوا ما يتيحه من منافع لهم. كان يمكن أن يستخرجوا منه ما يفيدهم.

هل الناشطون في الاقتصاد والتجارة هم وحدهم من ضيعوا فرصة الانتفاع من اتفاق الشراكة، أم أن السلطات أيضا كانت لها نفس الفرصة ولم تغتنمها؟

الاثنان طبعا.. وأيضا المجتمع المدني. لكن عالم المؤسسة هو أكثر من كان بحاجة إلى اتفاق الشراكة، لأن المؤسسة هي التي تنتج الثروة. لماذا كان هناك رفض واحتجاج على الاتفاق؟ لأن هناك من كان يريد أن تبقى الجزائر مغلقة. كان صاحب المؤسسة لا يرى أية مصلحة له في إلغاء التعريفة الجمركية على السلع الأوروبية. مصلحته كانت في أن يبقى منتوجه الأوحد في السوق لا منافس له، ولا يهم إن كانت معايير الجودة متوفرة فيه.

شيء آخر مهم يخص الاتفاق، يثبت الحدود التي وضعت في التفاوض حوله. فقد قدرت أوروبا أن الجزائر بلد غني، وعليه لم تر أنه من الضروري تخصيص غلاف مالي لتأهيل النسيج الصناعي الجزائري. وضعت مبلغا بسيطا للغرض، أظن كان في حدود 20 مليون أورو.. إنه أمر مثير للسخرية.

ما حدث بعدها أن تنفيذ الاتفاق وكل ما ارتبط بالمؤسسة وعلاقتها به، سيرته وزارة الصناعة مركزيا، حدث مثلا، أن رؤساء مؤسسات قدموا طلبات تخص التكوين والحصول على تجهيزات وتقنيات في إطار ما يتيحه الاتفاق، لكن الإدارة المركزية كانت تقبل ببعض المطالب وترفض أخرى كما يحلو لها، ولم يكن هناك من يستوعب أن كل الأشياء المطلوبة مرتبطة ببعضها لتطوير المؤسسة.

في هذه الفترة، بعد 2005، كانت معظم المؤسسات ناشئة وفوجئ رؤساؤها بالكم الهائل من الملفات الإدارية المطلوب منهم تقديمها للاستفادة من اتفاق الشراكة. ومن العيوب التي شابت الاتفاق، أن الفريق في سفارة الاتحاد الأوروبي بالجزائر لم يفعل أي شيء لشرحه في وسائل الإعلام وتفسير مضامينه لكل قطاع على حدة. مثلا، لو قدموا تفسيرا لما يقترحه الاتفاق بخصوص قطاع الإعلام، لكان بإمكان الصحفيين أن يستخرجوا منه ما ينفعهم وتقديم ملاحظاتهم حول قضايا محتملة لم يتضمنها. كان يمكن طرح عدة مطالب في مجالات الثقافة والخدمات والصيرفة والصناعة، لو كان هناك اطلاع واسع على الاتفاق.

رأيي أن اتفاق الشراكة كانت تنقصه حملة إعلامية لم تقم بها البعثة الأوروبية هنا. هذا إلى جانب أن الدولة الجزائرية تعاملت مع الاتفاق بطريقة بيروقراطية، بينما كان يمكن أن تتنازل عن تسييره لجهاز أو هيئة خاصة وعمومية مشتركة.

وبمرور الوقت، بلغنا أن المفاوضين الأوروبيين شعروا، خلال مسار التفاوض الذي سبق إمضاء الوثيقة، أنهم يتعاملون مع نظراء مكبلي الأيدي وفوق رؤوسهم سياسيون من الجزائر يضغطون عليهم للانتهاء من الاتفاق، كيفما كان الحال. ولم يكن بوسع المفاوضين الجزائريين إبداء تحفظات على بنود في الاتفاق، لأن ذلك كان سيطيل التفاوض، في حين أن بوتفليقة كان قد حدد آجالا لإمضاء الاتفاق وفرض على المفاوضين عدم تجاوزها.

ما فهمته من كلامك أن الانطلاقة من أساسها لم تكن على قواعد سليمة..

ينبغي اليوم أن ندرك شيئا هاما. بالنظر إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية والصحية، فهمت أوروبا أنها ارتكبت خطأ في طريقة التفاوض، أو بالأحرى أعطوها الفرصة لتخطئ. الأمر يشبه وضع سلة مليئة بالحلوى أمام طفل، فتطلب منه أن لا يقترب منها، لكن مع الوقت لا يمكنه أن يقاوم رغبته في التهام الحلوى. هكذا كان اتفاق الشراكة بين الجزائر وأوروبا.. بات الأمر مغريا للاتحاد الأوروبي مع الوقت.

ما حدث في اعتقادي بشأن الجانب الجزائري، أن همه كان حماية المنتوج المحلي لأنه عاجز عن منافسة المنتوج الأوروبي، ولم يكن الهاجس أبدا تطوير الاقتصاد. أفضل طريقة لترقية الاقتصاد، رفع قدرة المنتوج المحلي على المنافسة لا الزيادة في الرسم الجمركي لحمايته.. مهم جدا أن تعطى المؤسسة الجزائرية القدرة على المزاحمة في الأسواق العالمية.

ثم هناك أمر في غاية الأهمية: الدبلوماسية الاقتصادية. فحتى يمكنني تسويق بيع منتوجي في سوق أجنبي، أول ما يواجهني هو نوع العلاقة التي تربط بلدي بالبلد الذي أرغب اكتساح سوقه. سوء العلاقة سياسيا مع بعض بلدان أوروبا ينبغي حله، وأن نهتم أكثر بالتساوق مع المعايير الدولية في التجارة والاقتصاد، حتى نصبح قادرين على المنافسة، وأن نولي عناية للعقوبات التي تتعرض لها منتوجاتنا، وهي أحيانا مقنّعة فتتخذ مثلا شكل إجراءات صارمة في المراقبة الصحية. في هذه الحالة، يبدو دور الدبلوماسية الاقتصادية هاما. بمعنى، كلما كانت علاقاتنا جيدة مع البلدان سارت أعمالنا بمرونة. لهذا، ليس من مصلحة المواطن الجزائري أن تظل بلاده مغلقة.

أحاول تبسيط كلامي. الجزائر تبيع ما قيمته مليار أو ملياري دولار مثلا من الطاقة لأوروبا سنويا، لكن بالمقابل تمنع البلدان الأوروبية من تصدير السلع إليها. الطرف المقابل سيسعى للضغط سياسيا ودبلوماسيا علينا لإحداث توازن في الميزان التجاري على الأقل. وكما قلت لك، توجد جماعات ضغط عندنا تفعل ما بوسعها ليبقى البلد مغلقا، وتحاول بيع فكرة أن الواردات مضرة بالبلد، وهذا غير صحيح. ما يضر البلد هو الاحتيال على الضرائب بعدم تسديدها، وإنتاج سلع تغيب عنها الضوابط الدولية للإنتاج، وكثيرون هم من يتصفون بهذه الصفات السيئة، وهذا الوضع جعل من السوق الجزائرية رديئا من حيث التسيير، ما لم يسمح بتفاوض متوازن مع الأوروبيين.

لم يعد ممكنا ولا نافعا التفاوض حول تمديد آجال إلغاء الحواجز الجمركية، ولا حول قائمة للمواد المعنية بالتصدير. الأهم من هذا هو التخلص من تسيير الاقتصاد بناء على بارومتر العملة الصعبة.

قد لا ينتبه مسيرو الاقتصاد والسياسيون عندنا إلى كون الجزائر لصيقة بأول اقتصاد في العالم وهي أوروبا. ليس الصين والولايات المتحدة، وإنما أوروبا.. لكنها لا تملك مبادلات مع هذه القوة الاقتصادية الضخمة، والقصور فينا بالدرجة الأولى ثم أوروبا ثانيا، وعلينا أن نعترف بأخطائنا.

الجزائر تملك مفاوضين على مستوى عال من الاقتدار، يمكنهم مناقشة الاتفاق بشكل جيد بحثا عن تطوير الاقتصاد.

في تقديرك، قبل الجلوس إلى المفاوضات مع الشريك الأوروبي بغرض إعادة النظر في الاتفاق، ينبغي اتباع خطوات. هل يمكن أن تعددها؟

ينبغي على الفاعلين السياسيين وفي مجال الاقتصاد والمجتمع المدني، أن يقرأوا الاتفاق أولا وأن يستوعبوا مضمونه ويحدثوا تحليلا نقديا للوثيقة. تعطيني هنا فرصة لأقول إن care أجرى قراءة نقدية لاتفاق الشراكة بطلب من الحكومة في عهد الوزير الأول عبد المالك سلال (2012 – 2017)، لكن طلبت منا عدم نشر العمل الذي أنجزناه بعد أن اطلعت عليه.

لماذا؟ ما أزعج السلطات في الورقة التي قدمتموها؟

الورقة تتضمن حقائق وحلولا.. كانت مزعجة إلى حد ما، لأنها وضعت تحت الضوء العيوب فيما يخص تسيير الاقتصاد وطريقة التعامل مع اتفاق الشراكة.

أعود إلى الخطوات الواجب اتباعها قبل محادثات متوقعة حول مراجعة الاتفاق.. يجب على المجتمع المدني أن يخطف الوثيقة ليتمعن فيها، وأن تؤدي قطاعات الثقافة والصحة والتعليم والخدمات والفلاحة ما هو مطلوب منها لأن الاتفاق يعنيها بشكل مباشر.

هل تعتقد أن الحالة التي هو عليها المجتمع المدني تسمح برفع مستوى انشغاله إلى نقد اتفاق الشراكة والتمحيص فيما ينفعه ليأخذ منه؟

الوثيقة متاحة ولا يوجد أي مانع للاطلاع عليها. ماذا يمنع جمعية الفلاحين من أن تناقشها وتبدي رأيها فيها وتقدم اقتراحات تخص نشاط المنتسبين إليها؟

هل تظن أن السلطات ستهتم بمقترحات الجمعيات والتنظيمات، في حال أخرجت من الوثيقة ما تراه مفيدا لها؟

نعم أعتقد ذلك.. لأن السلطات من مصلحتها أن تأخذ ما ينتجه المجتمع المدني من أفكار بخصوص الاتفاق. السلطات مدعوة للتعامل مع اتفاق الشراكة بنفسية متفتحة على الآفاق التي تحقق المصلحة للبلد ووفق نظرية “رابح – رابح”، وإن كنت لا أحب هذه الجملة. فمرة تربح الجزائر ومرة تستفيد أوروبا.