يمتنع الكثير من الآباء عن عرض أبنائهم المتمدرسين على أخصائيين في الطب النفسي وفي التربية والتوجيه، رغم المشاكل النفسية التي يعانونها من جراء الضغوطات التي تواجههم في المسار الدراسي

ويرى مختصون في علم الاجتماع وعلم النفس أن تفويت الأولياء فرصة العلاج على أبنائهم قد تنتهي بأمراض نفسية معقدة وأخرى عضوية قد تكون  سببا في تعطيل التلميذ والطالب عن ممارسة حياته وواجباته ونشاطه اليومي، وتنتهي في بعض الحالات  بضياع مستقبل المصاب.

يؤكد العديد ممن تحدثت إليهم “الخبر” في هذا الموضوع أنهم يخشون عرض أبنائهم على المختصين النفسانيين، خوفا من ردة فعلهم و كذا نظرة المجتمع الذي ينظر إلى المصاب باضطرابات سلوكية نفسية كمصاب بالأمراض العقلية، وبالتالي اعتبار أي خطوة نحو الطبيب النفسي وصمة عار قد تبقى لصيقة بالطفل المصاب، رغم أن ذلك لا يعدوا أن يكون اضطرابا سلوكيا ناتج عن الضغوطات الدراسية .

وفي السياق يقول والد تلميذ في الصف الابتدائي، أن خوفه من نظرة المجتمع لم تمنحه الفرصة لعرض ابنه على الطبيب النفساني لمعالجة الإضطربات التي بدت عليه مع سنواته الأولى من الدراسة ،ونتج عنها تأخر دراسي أرهب الوالدين اللذين لم يجدا بديلا غير تكثيف ساعات الدراسة لابنهم دون جدوى، ليبقى الخوف من الفشل الدراسي للابن هاجسا يبقى يتملكهما.

“العيب الاجتماعي” دفع أم مروى التلميذة في الطور المتوسط ،والتي تعاني هي الأخرى من متاعب نفسية ناتجة عن الضغوطات الدراسية، كانت وراء تراجع تحصيلها الدراسي، تعزف عن عرض حالتها على الأخصائيين، وتعتقد أم مروى أن زيارة فلذة كبدها الطبيب النفسي قد يعقد من حالتها لما يحيط بذلك من خجل وعار، تاركة العلة والعلاج للزمن، لاعتقادها بأن ذلك سيزول من تلقاء نفسه مع مرور الوقت ودون علاج.

تجاهل المتاعب النفسية للتلاميذ يؤدي إلى الفشل الدراسي

تؤكد الأستاذة رحموني سكينة ،الممارسة المعتمدة في البرمجة اللغوية العصبية، أن زيارة المختصين للمساعدة على تجاوز التحديات التي يواجهها التلاميذ والطلبة على المستوى النفسي والعقلي وحتى الجسدي، تبقى ضرورية، ولفتت المختصة و الممارسة لتقنية الوصول إلى مسارات الوعي “الأكسس بارز” إلى أن تجاهل المتاعب التي يواجهها التلاميذ بسبب الضغوطات التي يتعرضون لها لعدة عوامل ستؤدي إلى تبعات ونتائج بالغة الخطورة تؤدي في النهاية إلى ضياع الفرص والفشل الدراسي.

وتشير الأستاذة رحموني سكينة إلى أن الضغوطات النفسية التي يواجهها التلاميذ في مختلف المراحل الدراسية، تمثل تحديات تؤدي في الأخير بالكثيرين إلى عدم الوضوح مع النفس وفهمها، وهو وضع يمكن تغييره عن طريق استيعاب وفهم وتطبيق تقنيات البرمجة اللغوية العصبية أو ما يعرف بالهندسة النفسية التي تمكن من التغلب على أي خوف مرضي كان أو غيره، وكذا التمكن من تغيير الاعتقادات السلبية إلى أخرى ايجابية تشعر صاحبها بالقوة.

وتطرقت محدثتنا إلى جملة من تطبيقات الهندسة النفسية في تطوير الشخصية، منها زيادة الثقة بالنفس والأمل والقوة والشجاعة والسيطرة على العواطف، إزالة الوهم والخوف، مما يؤدي إلى رفع مستوى الذكاء والإبداع و التطوير العلمي وتحسين مستوى الدراسة، بالإضافة إلى مهارات في التربية والتدريب منها تشويق الطلاب والتلاميذ للدراسة، زيادة فاعلية وسائل الإيضاح، سرعة التعلم والذاكرة وكذا تحسين سلوك الطلاب والحفظ والاستظهار،كما تهتم تطبيقات الهندسة النفسية بتحسين طرق التعامل مع الأولاد لتخفيف الآلام الجسدية والنفسية، ومعالجة الوساوس القهرية وتخفيف القلق والتخلص من الذكريات الأليمة ،كما تعمل في عالم إدارة الأعمال على تحديد الأهداف و التخطيط  ومهارات التسويق، وكذا التعامل مع الموظفين وإدارتهم.

وتلفت الأستاذة رحموني إلى أن تجنب عرض الأبناء على المختصين النفسانيين، يفوت عليهم فرص التألق في مسيرتهم الدراسية وحياتهم ككل ،وتشير إلى أن الوعي يجعل الشخص حاضرا بشكل مطلق  في كل مجالات حياته ويمكنه من الانتباه باستمرار إلى احتمالات وخيارات أكثر، وتطرح هنا تقنية الأكسس بارز مثلا كحل من الحلول لكونه يدعو ويساعد الشخص للاعتراف بذاته وبوصفه كائنا غير محدود، ويحرره من التناقض والخضوع والتقيد في الأفكار والمشاعر والعواطف ومن ثمة يفتح الخيارات غير المحدودة أمامه.

وتلفت المختصة في البرمجة اللغوية العصبية ،والممارسة لتقنية الوصول إلى مسارات الوعي ،أن المشكلات النفسية التي يعاني منها التلاميذ والطلاب على غرار أفراد من فئات مجتمعية أخرى، تنبأ عن تناقض في رؤية الأمور كما هي، وبالنتيجة فإن صاحبها لن يتمكن من تغيير ما يرغب في تغييره ،لكونه يتصرف بدافع الصدمة والدراما، وبمعنى آخر الانزعاج والانخداع بالواقع الذي يضعه فيه إدمانه على التناقض كأحد أقوى أنواع الإدمان ،ويبقى قبول الرأي الآخر أحد أهم الوسائل التي تفك قيود المصاب بهذا الإدمان .

وتبرز الأستاذة رحموني أن مكتسبات الفرد مخزنة في الدماغ والعواطف والأفكار والمشاعر، محدثة شحنة كهربائية تتراكم في نقاط معينة من في الرأس، وتأتي تقنية الوصول إلى مسارات الوعي “الأكسس بارز” لتنشط تلك النقاط وإطلاق المجال المغناطيسي المتكون هناك عند تدفق الطاقة المحجوبة عبر 32 نقطة شحن كهربائية نشطة تخزن الأفكار والمعتقدات والقرارات المتعلقة بالشفاء والوقت والأمل والوعي والإبداع والقوة والمال وغيرها، فينطلق معها مسار إزالة العوائق وذوبانها .

وتحدثت رحموني عن عدة حالات كانت قد أخضعتها لجلسات علاج من مختلف الفئات العمرية من بينها حالات لتلاميذ في الطور الثانوي عانوا من الخوف من الفشل في شهادات البكالوريا وآخرون من الإدمان على الهاتف النقال ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل أسقطهم في فخ مقارنة الذات بالآخرين وعدم تقدير الذات والإحباط والاكتئاب ،وآخرين تلاميذ في المتوسط بعضهم عانى من نقص التركيز وتراجع في مستوى الأداء الدراسي ،وحتى تلاميذ في الابتدائي واجهوا صعوبات في الانتباه والتركيز ،تم علاجهم جميعا بعد جلسات “أكسس بارز ” وتمارين في الهندسة النفسية ،وباتوا أكثر اهتماما بدراستهم وصحتهم .

ونبهت المختصة في الهندسة النفسية الأولياء إلى ضرورة الانتباه في التعامل مع الأبناء وانتقاء الكلمات في محاورتهم وتجنب مقارنتهم بالغير حتى تقوى رغبتهم في النجاح على خوفهم من الفشل.

الظاهرة مصيبة من مصائب اللاشعور الثقافي الجمعي

ويفسر الباحث في علم الاجتماع ،الدكتور حبيب بوخليفة أن عزوف الأولياء من عرض أبنائهم على الأخصائي النفسي، راجع  لنظرة الريب التي يلقي بها المجتمع تجاه الطبيب النفسي على أنه مختص في الأمراض العقلية، معتبرا ذلك مصيبة من مصائب اللاشعور الثقافي الجمعي الذي ينتهي بتدهور حالة الابن أو البنت إلى حد الدخول في أزمات نفسية قد تقضي على مستقبله .

يجيب الدكتور حبيب بوخليفة على هذه المسألة قائلا ” بالتأكيد أنها مشكلة كبيرة في أغلبية الأوساط الشعبية التي تنظر إلى الطبيب النفساني بكثير من الريب على أنه مهتم بالأمراض العقلية، ويفضلون عموما زيارة شيخ الرقية الذي يبقى في نظرهم الحل الأمثل. وهذه مصيبة من مصائب اللاشعور الثقافي الجمعي الديني الذي يتسبب في تدهور حالة الابن أو البنت أكثر، و تتطور الأزمة النفسية إلى التوتر النفسي و من ثم تعقيد الحالة النفسية للمصاب و دخوله في مساحة الأمراض النفسية العقلية.

ويوضح  بوخليفة أن الكثير من الناس يخلطون بين المرض العقلي والمرض النفسي، رغم الفرق الشاسع بينهما، فالمرض النفسي يظهر في شكل اضطراب و اختلال التفكير الطبيعي وفي الافعال و ردة الأفعال التي تؤثر حتما على سلوك الفرد (التلميذ)، وتنتج عنها تغيرات خارجية في السلوك العادي، بينما المرض العقلي مرتبط أساسا بظهور الهلوسة أو التصرفات الجسدية الفيزيولوجية الغريبة التي تقود المصاب إلى تصرفات عنيفة إزاء الآخرين.

ويرى أنه نتيحة لهذا الخلط يتجنب الأولياء الذهاب إلى الطبيب النفساني الذي قد يساعد الابن أو البنت على الخروج من الأزمة، فصورة الجنون العقلي مرتبطة بالطبيب في المخيال الاجتماعي لأسباب معروفة، إذ أن هذا النوع من الطب دخيل على أساليب العلاج من الاضطرابات النفسية في مجتمعنا.

مؤكدا على ضرورة  عدم تأخر الأولياء في عرض الابن أو البنت على الطبيب النفساني لإعادة الأمور إلى طبيعتها بدلا من التهرب و دفع المصاب إلى أكثر تعقيد لحالته النفسية التي تؤدي حتما إلى المرض العقلي في النهاية.

ويتدخل علم النفس الاجتماعي هنا لكي يبرز و يفكك أسباب العلة و العلة نفسها (اضطراب سلوك  التلميذ في الأوساط الاجتماعية كالعائلة، المدرسة، الحي ،وذلك من خلال تفكيك السلوك الاجتماعي للفرد في الجماعة و سلوك الأفراد فيما بينهم داخل الجماعة أو بين جماعة وجماعة، وتبقى ظاهرة التهرب من فحوص أطباء علم النفس في مجتمعنا للأبناء ظاهرة خطيرة تتسبب في تعقيد حالة المصاب .

“المشكل مرتبط بغياب الثقافة التربوية للآباء”

يرى الدكتور حيادحين عبد القادر أستاذ علم النفس التربوي بجامعة تيبازة، أن الأولياء يتحملون قدرا كبيرا من المسؤولية في تفويت الفرصة على أبنائهم لتلقي العلاج المناسب من الاضطرابات السلوكية النفسية، وبالتالي اللجوء إلى مسارات خاطئة كالدروس الخصوصية أو المدارس الخاصة، بدل عرض حالاتهم على المختصين، ليؤكد أن أصل المشكل مرتبط بغياب الثقافة التربوية للآباء.

ويشير الدكتور حياديحين أن الكثير من التلاميذ يعانون من مشكلات تعليمية يعود الحديث عنها كل دخول مدرسي، و من أهم تجلياتها، التسرب المدرسي، والتأخر الدراسي، وضعف التحصيل، كما يظهر لديهم غياب الدافعية وعدم الرغبة في التعلم، وكلها مشكلات تشكل مصدر قلق متواصل لدى الوالدين، فيلجأ الكثير منهم للحلول السريعة التي يعتقدون أنها مناسبة والتي غالبا ما تستند لثقافة المجتمع السائدة، دون التفكير في اللجوء إلى المختصين في المجال التربوي من نفسانيين ومرشدين تربويين وغيرهم.

فيظن بعض الآباء أن اللجوء مثلا للدروس الخصوصية أو المدارس الخاصة يعالج مشكلات أبنائهم التعليمية، والتي غالبا ما تكون معقدة تحتاج لتشخيص دقيق يكشف عن الأسباب الحقيقية لها، ويذكر حياديحين مثالا حدث خلال الأسبوع الذي واكب الدخول المدرسي، أين قدم والدين إلى أحد المدارس الخاصة لتسجيل ابنهم في السنة النهائية للمرحلة الابتدائية، ليظهر بعد التقويم الأولي  تأخر دراسي يفوق سنتين دراسيتين، مما تطلب إجراء مقابلة مع الوالدين لمعرفة الأسباب التي أوصلت الطفل لهذه الحالة، فتبين أن الطفل عاش في بيئة منعزلة محروما من الكثير من فرص التفاعل والتعلم والتواصل مع الأقران بسبب عمل الوالدين، حيث قضى سنواته الأولى متنقلا بين حاضنة وروضة، محروما من تكفل نفسي وعاطفي والدي مناسب، في مقابل الاستعمال المفرط للهاتف النقال واللوحات الالكترونية، التي كانت الوسيلة السهلة أمام الوالدين لإشغال الطفل والتمتع بالراحة بعد يوم عمل شاق.

ويضطر آباء آخرون للمرافقة الدائمة لأبنائهم في البيت وقضاء الساعات الطويلة حتى آخر الليل في تلقين وتحفيظ أبنائهم الدروس التي تلقوها نهارا، في جو يسوده غالبا الصراخ والمعايرة والكثير من العنف، مع الإرهاق الشديد للابن أو البنت، مع ما يتبع ذلك من تكريس للاعتمادية لدى الأبناء رغم أن الاعتماد على الذات والتعلم الذاتي هو الهدف الذي وجب أن يسعى الوالدين لتحقيقه مع أبنائهم المتمدرسين، وذلك بإتباع الطرق التربوية الصحيحة، والتي سيجدونها بلا شك حين يلجؤون للمختصين في المجال التربوي.

وينصح المختص في علم النفس التربوي بالحب كوقاية للأبناء من المشكلات السلوكية والتعليمية، بالنظر لأهمية الجوانب العاطفية والنفسية وتأثيرها الكبير على التعلم والنمو السوي للطفل، إذ يعزي الأخصائيون في الصحة النفسية، الكثير من الاضطرابات السلوكية والانفعالية التي تتحول إلى مشكلات تعليمية، إلى طبيعة علاقة الطفل بوالديه، حيث أن الأسرة ذات تأثير كبير على التطور النمائي العقلي والانفعالي المبكر للطفل، فيما أظهرت الأبحاث الميدانية أن الأطفال ذوي المشكلات السلوكية والتعليمية الشديدة، غالبا ما يعانون من عدم اتساق وتماسك في علاقاتهم مع والديهم، فللعائلة دور مهم في التطور الصحي النفسي والانفعالي والتعليمي للأطفال ـ  يقول حيادحين ـ إذ أن العلاقات والتفاعلات غير الصحية أو الحرمان العاطفي يسبب اضطرابات عند بعض الأطفال، كما أنها قد تزيد من حدتها.

فالطفل الذي يحظى بجو عائلي صحي، يؤهله للتكيف والاندماج الاجتماعي والتفاعل بشكل سوي ومقبول في البيئات الاجتماعية المختلفة، ومنها البيئة المدرسية والصفوف الدراسية،  وهو ما سيجنبنا كآباء، الكثير من المشكلات مع أبنائنا والتي ستضطرنا للجوء للمختصين، وهم في الغالب غير متاحين بالقدر الكافي وبالجودة المرجوة في كثير من المناطق في الجزائر، خاصة في الأرياف والمدن البعيدة.

ويشكل نشر الثقافة التربوية اليوم بين الآباء والأمهات تحديا كبيرا ليس لمجتمعنا الجزائري فقط، بل للكثير من الأنظمة التعليمية في العالم، فانخراط الوالدين بشكل إيجابي وصحيح في العملية التربوية أضحى مطلبا ملحا بفعل تزايد التحديات التي فرضتها التكنولوجيا، وأصبحنا نسمع عن المدرسة الممتدة التي ينادي بها التربويون، حيث يشارك فيها الآباء في تجسيد المشروع التربوي للمدرسة، حيث يؤكد الباحثون أن انخراط الوالدين في هذا المشروع كفيل بتعزيز احترام الطفل لذاته، والرفع من تحصيله الدراسي، وتحسين العلاقات بين الوالدين والطفل، كما يساعد الآباء على تطوير مواقف إيجابية تجاه المدرسة، وفهم أفضل لعملية التعليم.