تستعد الجزائر لمرحلة جديدة في علاقاتها الخارجية، وتسير بخطى متسارعة نحو استحداث شراكات وإحياء خطوط دبلوماسية خيم عليها الركود خلال السنوات الأخيرة، وكذا مراجعة آليات التعامل مع مختلف الملفات الدولية، وفي مقدمتها إعادة تقييم مجمل الجوانب المرتبطة بمستقبل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وفق نظرة سيادية ومقاربة جديدة.

ويقول المحلل السياسي شاكري محفوظي إن “الجزائر الجديدة” بصدد إعادة صياغة شاملة لسياستها الخارجية، وفق مقاربات وأهداف ونظرة جديدة، تضع في المقام الأول مصالح الجزائر السياسية والأمنية والاقتصادية، معتبرا في تصريح لـ”الخبر السياسي” أنه كان لزاما إجراء تقييم شامل لعلاقات التعاون مع الاتحاد الأوروبي، في إطار الحوار السياسي حول العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، أو بمختلف المسائل الأخرى المرتبطة باتفاق الشراكة المبرم بين الجانبين.

وأوضح المتحدث: ”علاوة على الميزان المختل لصالح الجانب الأوروبي في المبادلات التجارية التي تحولت الجزائر فيها إلى سوق كبيرة للبضائع والمنتجات الأوروبية، بمعدل 22 مليار دولار سنويا مقابل أرقام لا تكاد تذكر للمنتجات الوطنية خارج المحروقات بالسوق الأوروبية، وتنصل الجانب الأوروبي من مجمل تعهداته، ولاسيما المساعدة في تنويع الاقتصاد الجزائري ورفع الاستثمارات الأوروبية المباشرة بالجزائر، واستيراد المنتجات الجزائرية ونقل الخبرة والتكنولوجيا وغيرها، لم تتوان بعض الهيئات التابعة له وتحديدا البرلمان الأوروبي في توجيه هجمات متتالية للجزائر بحجج واهية، وخرق بند هام من بنود اتفاق الشراكة، وهو احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شأنها الداخلي، وذلك تحت غطاء حقوق الإنسان تارة وحرية التعبير تارة أخرى، في وقت تتغاضى نفس الهيئات عن سلب حرية شعب بأكمله وهو الشعب الصحراوي، وتغض الطرف عن فظائع يومية يتعرض لها”.

وفي مسارها التاريخي، مرت علاقة الجزائر بالاتحاد الأوروبي بالعديد من المراحل المتباينة والمختلفة، حيث يصف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مبروك كاهي، العلاقات بين الطرفين في نهاية القرن الماضي بـ”القطيعة المبررة”، ذلك أن الجزائر كانت تعيش مرحلة فراغ مؤسساتي، بدأ من شغور منصب رئيس الجمهورية وشغور البرلمان، إضافة إلى الأزمتين الأمنية والاقتصادية الحادة.

ويقول مبروك كاهي، في تصريح لـ”الخبر السياسي”، إنه مع استعادة الطابع الدستوري للبلاد وشرعية مؤسسات الدولة، في بداية الألفية الجديدة، كان النظام السياسي بحاجة لبناء علاقات ثقة مع الأطراف الدولية للخروج من العزلة التي فرضتها تداعيات المرحلة السابقة، وكان التفاوض مع الاتحاد الأوروبي متأخرا مقارنة بالجارتين تونس والمغرب، ما جعل النظام الجزائري يقدم عدة تنازلات لتكون العلاقة في صالح الاتحاد الأوروبي ودوله، لاسيما الجانب الاقتصادي والتعاون الأمني.

ومع ذلك، فإن الطفرة المالية الناجمة عن ارتفاع أسعار المحروقات ساهمت كثيرا، حسب المتحدث، في تخفيف حدة الضغط، والملاحظ أيضا أن علاقة الجزائر بالاتحاد الأوروبي أخذت بعدا آخر، من الشراكة الاقتصادية إلى الشراكة السياسية، حيث أن النظام السياسي أشرك ملاحظين دوليين ومنهم ملاحظون من الاتحاد الأوروبي لمراقبة سير وأداء الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2014.

لكن بدايات الفتور والقطيعة لم تتأخر طويلا، إذ يوضح مبروك كاهي أن الخلاف بين الطرفين ظهر للعلن بعد الفيديو الذي قامت ببثه ناشطة معارضة للنظام الجزائري في جوان 2018 من مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل، تتهجم فيه على رموز النظام في تلك الفترة، وهو ما خلف استياء كبيرا لدى الطرف الجزائري، تم معه استدعاء سفير الاتحاد الأوروبي لدى الجزائر وطلب توضيحات مقنعة عما حصل.

ويعتبر كاهي هذه الحادثة بمثابة انهيار للثقة بين الجانبين، لتأتي بعدها تحفظات الاتحاد الأوروبي إزاء مسار تسيير الأزمة التي أعقبت استقالة الرئيس السابق بوتفليقة، حيث أبدى الاتحاد تحفظه على اختيار النظام الجزائري المسار الدستوري بدل مجازفات المراحل الانتقالية، وما أثر أكثر في هذه العلاقة استضافة الاتحاد الأوروبي عناصر معارضة للنظام وإعطاؤها فرصة إلقاء الكلمة في برلمانه وأمام نوابه.

وبلغ التوتر الدبلوماسي على خط الجزائر – بروكسل أقصى درجاته في جانفي 2020، بعد أن أصدر النواب الأوروبيون لائحة تدين ما وصفته بتدهور حقوق الإنسان في البلاد، وتجاوزت ذلك إلى الخوض في الأزمة السياسية واقتراح حلول على السلطات الجزائرية، والتدخل حتى في وضع المؤسسة العسكرية، وهي مسائل سيادية حساسة لم تتقبلها السلطة، وأحزاب الموالاة، فيما استغربت المعارضة مضمونها وحذرت منها.

ويعتبر المحلل السياسي شاكري محفوظي أنه بناء على كل ما سبق، جاء قرار رئيس الجمهورية، باعتباره المسؤول الأول دستوريا عن توجيه دفة السياسة الخارجية للبلاد، في سياق منطقي وموضوعي، لإعادة تقييم بنود اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وإعادة صياغة علاقات الجزائر الدبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي، بل ومجمل الجوانب المرتبطة بمستقبل الشراكة بين الجانبين، وفق نظرة سيادية ومقاربة “رابح ـ رابح” بما يحقق مصالح الجزائر في المقام الأول.

وجند الرئيس السفراء والقناصلة لتسوية ملف الشراكة، في خطوة قوبلت بترحيب واسع من خبراء ومتتبعين للمشهد الاقتصادي في البلاد، لأسباب عدة، أبرزها أن الاتحاد الأوروبي كان الرابح الوحيد من هذه الشراكة التي كبدت الجزائر خسائر مالية لا تعد ولا تحصى.

ويصف الخبير الأمني مبروك كاهي استراتيجية الجزائر الحالية مع الاتحاد الأوروبي بالتماثلية، أي التفاوض من داخل قبة الاتحاد الإفريقي، وليس التفاوض المنفرد الذي ترجح كفته لصالح الاتحاد الأوروبي، ودون العودة إلى الاتحاد المغاربي الذي خذل الجزائر ولم ينتظر خروجها من أزمتها.

التفاوض الثنائي مع الدول أم مع الاتحاد الأوروبي؟

أما الاستراتيجية الثانية، حسبه، يمكن وصفها بالتناظرية الحتمية، أي التفاوض مع دول الاتحاد فرادى وهو ما تحتمه الظروف وترجح كفته لصالح الجزائر، من خلال التعاون الطاقوي مع إسبانيا وإيطاليا، وأيضا المفاوضات المتعلقة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة للواجهة البحرية الجزائرية، وفرض الوجود من خلال المناورات البحرية التي قام بها الجيش وإرسال رسائل جاهزيته لحماية مكتسبات الدولة القانونية، وهو ما يفسر الزيارات العديدة لكل من مسؤولي إسبانيا وإيطاليا لمعالجة الملف، وتأكيدهما على أهمية التعاون، وذات الأمر مع فرنسا بفتح ملفات الذاكرة ومعالجة النفايات النووية بالصحراء الجزائرية، واحترام السيادة الجزائرية، ونفس الأمر مع ألمانيا وتركيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى.

وفي سياق متصل، لا يعتقد شاكري محفوظي أن هناك تفضيلا لدى الجزائر بخصوص علاقاتها الثنائية مع الدول المحورية الكبرى في أوروبا على حساب المفوضية الأوروبية، بقدر ما هناك براغماتية ومنطقية، وإعادة للأمور إلى نصابها الطبيعي والمعقول في علاقاتها الخارجية وتعاملاتها مع الجانب الأوروبي، سواء على المستوى الثنائي أو على المستوى متعدد الأطراف. فعلاقات الجزائر الثنائية مع بعض الدول الأوروبية، ولاسيما المحورية منها، لها خلفيات تاريخية واقتصادية، ولا تتناقض مع علاقاتها بالمفوضية الأوروبية.

ويوضح المتحدث أن السياق الذي أبرم فيه اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والذي تميز بخروج الجزائر لتوها من حرب دموية على الإرهاب، واقتصاد شبه منهار ومديونية خارجية ثقيلة، لا يمكن إسقاطه اليوم على الجزائر الجديدة التي تضع قواعد صلبة لسياسة خارجية فاعلة ومؤثرة، وتعيد صياغة علاقاتها الدبلوماسية وفق مقاربة جديدة، تضمن في المقام الأول حماية مصالحها واحترام سيادتها، الأمر الذي لم تستوعبه، كما يبدو، بعض الأطراف ومنها مستعمر الأمس، التي لم تتعود على سلوك جزائري مثيل ومشابه.

متابعا: وقد لاحظنا النشاط والحركية الدبلوماسية الأخيرة التي ترجمتها قرارات متعددة والدور الذي لعبته الجزائر في الاتحاد الإفريقي، وفي عدد من الملفات الهامة، ورأينا اللقاء الهام الذي جمع رئيس الجمهورية بمسؤولي البعثات الدبلوماسية الجزائرية عبر العالم. إذن هناك مسعى جديد لإعادة بناء علاقات خارجية، ثنائية ومتعددة الأطراف، متوازنة تراعى فيها المصلحة المتبادلة وفق منطق رابح – رابح، وننتظر في المرحلة المقبلة دبلوماسية اقتصادية نشطة، ومواكبة لهذه الحركية من الدبلوماسية الموازية ولاسيما الدبلوماسية البرلمانية.

ويرى متابعون أن سبب التوتر المزمن بين الجزائر والاتحاد الأوروبي يعود أيضا إلى موقف الجزائر تجاه القضايا الدولية، كالقضية الفلسطينية ورفض الجزائر التطبيع مع “إسرائيل”، وهو ما يغضب بعض الأوساط الأوروبية، وكذلك القضية الصحراوية.

ويثير البعض أيضا مسألة الانزعاج الأوروبي من التقارب الجزائري الروسي، حيث تحولت الجزائر، في السنوات الأخيرة، إلى حليف استراتيجي لروسيا خاصة في المجال العسكري، وتصنف الجزائر في خانة المشترين الأوائل للأسلحة الروسية، ولا يقتصر التعاون بين البلدين على المجال العسكري بل أخذ أبعادا سياسية في السنوات الأخيرة، وشمل عدة قضايا في شمال إفريقيا كالقضية الليبية وقضية الصحراء الغربية، حيث أعلنت روسيا توافقها مع الجزائر في هذا الملف.

في حين يرى مبروك كاهي أن موقف الجزائر كان صريحا بعدم ربط الملفات مع بعضها البعض ودعم الشرعية الدولية، لاسيما في حق تقرير المصير للشعب الصحراوي، مستبعدا أن تؤثر العلاقات الروسية الجزائرية القديمة والاستراتيجية على العلاقات الجزائرية الأوروبية.