الجزائر: جدل قانوني حول طبيعة العفو الرئاسي الأخير

بقلم م. الفاتح عثماني – جريدة الخبر

بإقراره تدابير رأفة وعفو لفائدة العديد من الشباب الموجودين رهن الحبس “لارتكابهم وقائع التجمهر وما ارتبط بها من أفعال”، تبرز عدة قراءات قانونية وتأويلات سياسية حول مدى اندراج هذه الإجراءات في مسعى إشاعة أجواء التهدئة مع جماهير الحراك الشعبي، بعد برودة دامت طويلا وتخللها تطويق أمني غير مسبوق لأيام الجمعة والثلاثاء، انتهى بإجهاض المسيرات. فهل لاتزال إمكانية إيجاد منطقة توافق قائمة بين أطراف المعادلة؟ أم أن السلطة مضت في تشكيل مشهدها دون رجعة؟ وما يبدر منها لا يعدو أن يكون إجراء رأفة لمساجين الرأي؟

تقر رئاسة الجمهورية في السنوات الأخيرة عرف العفو الرئاسي الذي يشمل أشخاصا تمت مقاضاتهم ومحاكمتهم وصدرت في حقهم أحكام وقرارات نهائية، غير أنه بعد اندلاع الحراك الشعبي وإبداء الجماهير رغبة جامحة في مواصلة التظاهر رغم انهيار حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وبالمقابل اختيار السلطات ملاحقة المتجمهرين البارزين، بدا العفو الرئاسي في العامين الأخيرين شاملا لمتهمين موجودين رهن الحبس المؤقت ولم تتم محاكمتهم بعد، وهو إجراء تهدئة في رأي الحقوقي بوجمعة غشير متوقعا بعد حملة اعتقالات واسعة سبقت الانتخابات، غير أنه بعيد كل البعد عن إجراءات التهدئة بمفهومها المتفق عليه بين جميع الفاعلين، يضيف المتحدث.

لكن بقدر ما سجل القانوني ارتياحا لقرار استفادة هؤلاء من الإفراج كونهم أبرياء وليس مكانهم السجن، بقدر ما يعتبر الإجراء تدخلا في نشاط القضاء ومساسا باستقلاليته، كون الأشخاص الذين استفادوا بتدابير العفو لم يحاكموا بعد ولم تصدر في حقهم أحكام قضائية نهائية، وبالتالي فإن قرار الإفراج عنهم يعود إلى سلطة القضاء دون سواها.

والأصل في هؤلاء المحبوسين المفرج عنهم بعفو رئاسي، يقول الحقوقي والمحامي بوجمعة غشير في اتصال هاتفي مع “الخبر” أمس، “البراءة لأنهم لم يقوموا بأي جريمة وإنما مارسوا حقهم في التظاهر السلمي، بالتالي فإن تواجدهم في الحبس أصلا في غير محله”، مرجحا أن تكون السلطة السياسية تنوي استغلال الإجراء سياسيا كإجراء لتهدئة المتظاهرين ولامتصاص غضب الشارع، بالنظر إلى أن حملة الاعتقالات التي سبقت الانتخابات لم تكن مبررة.

من جانبه، ينظر أستاذ القانون العام بجامعة الجزائر 1، الدكتور منير قتال، للأمر من زاوية قانونية ويقدم في ذلك قراءة تقنية، بالقول إن المادة 91 من الدستور في الفقرة الثامنة منها تخوّل لرئيس الجمهورية إقرار تدابير عفو ورأفة بوصفه القاضي الأول للبلاد، مشيرا إلى أن النص جاء عاما وغير مقيّد بقضايا دون أخرى، وبالتالي، يتابع المتحدث، يمكن للرئيس إصدار هذا العفو حتى على من يتواجد قيد التحقيق القضائي أو رهن الحبس المؤقت ولم تتم محاكمتهم بعد، موضحا أن التعديل الدستور الجديد يمنح للرئيس صلاحيات العفو واستبدال العقوبات أو تخفيضها.

وتابع المتحدث: “هذا النص الدستوري العام، لكن بالعودة إلى المرسوم الرئاسي المتضمن تدابير العفو نلاحظ أن العفو قد يقتصر على الذين استنفدت لديهم طرق الطعن العادية وغير العادية والصادرة في حقهم أحكام قضائية نهائية، وأنه باستثناء الجرائم المتعلقة بالخيانة، الإرهاب، التجسس والفساد، يمكن للعفو أن يشملهم”.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14307

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *