إن المؤشرات العامة للتجارة الخارجية الجزائرية للسنة الحالية تعكس تحسنا ملحوظا في جانبين أساسيين، هما الحجم الكلي للصادرات سواء المحروقات أو خارج المحروقات، وتراجع عجز الميزان التجاري، كما توضحه الأرقام المتعلقة بالأربعة أشهر الأولى من السنة الحالية، حيث بلغت الصادرات خارج قطاع المحروقات 1.14 مليار دولار، أي زيادة بـ 64.56٪ مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية، وبلغ تراجع الواردات خلال الشهرين الأولين من السنة نسبة 7٪، ولكن لو تمعّنا جيدا في التحليل لوجدنا أن السبب الأساسي لارتفاع الصادرات، وبالتالي تراجع العجز في الميزان التجاري، هو ارتفاع أسعار النفط والغاز خلال السنة الحالية، بحيث نجد أن متوسط أسعار النفط في 2020 كان 41,1 دولار للبرميل مقابل 63,3 دولار للبرميل هذه السنة، أي زيادة بنسبة 54٪.

ننتقل الآن إلى تحليل العلاقات التجارية للجزائر مع التركيز على الشركاء الأساسيين وهم الصين والاتحاد الأوروبي، فنجد أن أهم مورّد للجزائر في سنة 2019 هو الاتحاد الأوروبي بـ نسبة 53.4٪ من إجمالي الواردات، تليه الدول الآسيوية بـ 29.04٪ خاصة الصين بـ 7.6 مليار دولار، بينما في الصادرات فنجد دول الاتحاد الأوروبي هي أكبر زبون للجزائر بنسبة 63.69٪ من إجمالي الصادرات، تليه الدول الآسيوية بـ 17.93٪، وفي سنة 2020 نجد أن الواردات القادمة من أوروبا ارتفعت بـ 3.36٪ بينما الصادرات نحو أوروبا تراجعت بـ 6.93٪، أما الأمر بالنسبة للمنطقة الآسيوية فالواردات ارتفعت بـ 3.69٪ والصادرات نحو آسيا ارتفعت بـ 10.74٪، والسبب الرئيسي لهذه الحالة هو تراجع أسعار النفط في 2020 (41.1 دولار) مقارنة بـ 2019 (68.5 دولار) من جهة، وأزمة كورونا من جهة أخرى.

نعود الآن بشيء من التفصيل إلى العلاقة الجزائرية مع الاتحاد الأوروبي، في ظل اتفاق الشراكة الذي يربط الطرفين. الأرقام توضح جيدا أن أهم بلدان الاتحاد الأوروبي التي تتعامل معها الجزائر هي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، ففي سنة 2020 نجد أن فرنسا هي أهم مورّد للجزائر في دول الاتحاد، تليها إيطاليا، وهذا رغم التراجع الواضح في قيمة الواردات من هذه الدول، إذ نجد أن الواردات من فرنسا تراجعت بحوالي 15٪ وإيطاليا بحوالي 29٪، وهو ما انعكس على مجمل الواردات الجزائرية المتعلقة باتفاق الشراكة الأوروبي، بحيث نجد أن قيمة الواردات في ظل الاتفاق بلغت 6.55 مليار دولار، أي بتراجع قدره 10.35٪.

بينما في شق الصادرات نجد أن أهم زبائن الجزائر من دول الاتحاد الأوروبي هم إيطاليا، إسبانيا وفرنسا، ففي السنة الماضية بلغت صادرات الجزائر نحو إيطاليا 3.44 مليار دولار ونحو فرنسا 3.25 مليار دولار وإسبانيا 2.34 مليار دولار، وهي أرقام عرفت تراجعا كبيرا مقارنة بسنة 2019 بلغ 25٪، وفي جزء اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي نجد أن الصادرات الجزائرية نحو دول الاتحاد بلغت 925.66 مليون دولار فقط، أي بعجز يفوق 5.6 مليار دولار.

نلاحظ، من خلال الأرقام أعلاه، أن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، في شقه التجاري الذي نحن بصدد تحليله، هو اتفاق مجحف للطرف الجزائري، والعجز المسجل سنة 2020 ليس العجز الوحيد. ففي سنة 2019 بلغ العجز 6.1 مليار دولار، وهو الحال منذ توقيع الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ عبر مراحله منذ 2005.

تفطنت الجزائر لعوار هذا الاتفاق، وهو الأمر الذي جعلها تطلب إعادة النظر في بنوده من أجل الحد من العجز المسجل بين الطرفين. وجاءت الأحداث الأخيرة بين الجزائر وفرنسا التي تعتبر أهم متعامل أوروبي للجزائر، لتكون سببا آخر لفتح ملف الاتفاق وإعادة النظر فيه، فتدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سوف يلقي بانعكاساته على العلاقات التجارية بين البلدين، وبالتالي على العلاقة مع بقية دول المجموعة الأوروبية. من جهة أخرى يمكن للجزائر أن تستغل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “البريكست” لفتح مفاوضات جديدة مع بريطانيا ومع الاتحاد الأوروبي، فالطرف البريطاني هو الطرف الوحيد الذي يسجل فيه الميزان التجاري بين البلدين فائضا لصالح الجزائر (1.79 مليار دولار سنة 2019).

من جهة أخرى، نجد أن الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في الفاتح من سبتمبر 2005، والذي كان مخططا له مدة 10 سنوات لتفكيك الرسوم الجمركية، والذي طالبت الجزائر عدة مرات بتأجيل تنفيذ المراحل الأخيرة منه، نجده يصب مباشرة في صالح الدول الأوروبية، لأنها هي التي تمتلك الفائض في الميزان التجاري بين الطرفين، كما أن الاتفاق يستثني المحروقات التي تمثل أساس صادرات الجزائر، فهو يتناول بالأساس المنتوجات الصناعية، المنتوجات الفلاحية، منتوجات الصيد والمنتوجات الفلاحية المصنعة، ويعتبر القمح والحليب والصوجا من أهم الواردات الجزائرية من أوروبا، وبالتالي فهي الخاسر الأكبر من اتفاق كهذا.

أخيرا، نرى أنه على الجزائر العمل على محورين أساسيين لمعالجة هذا الخلل، وهما محور البنود التفضيلية والقطاعات التي يمسها الاتفاق من جهة، ومحور تشجيع الصادرات، هذا المحور الأخير الذي عملت الحكومات المتعاقبة على إصلاحه، خاصة بعد أزمة تراجع أسعار النفط أواخر 2014، والذي سنت من أجله قانون تشجيع الصادرات الصادر في جويلية 2019، والذي يمنح تسهيلات هامة في مجال النقل واللوجستيك، إضافة إلى إنشاء عدّ هيئات تهتم بترقية الصادرات مثل ألجاكس، لكن رغم كل هذه المجهودات نجد أن النتائج تبقى متواضعة جدا، وهذا ما يستدعي دراسة موضوعية تشخص الأسباب الحقيقية لعدم حدوث النقلة المرجوة. وفي انتظار ذلك، يمكن الالتفات إلى الجانب التسويقي، من خلال تقديم تسهيلات للمشاركة في التظاهرات والمعارض والصالونات في الخارج، خاصة المنطقة الأوروبية، والاستعانة بالجالية الجزائرية في الخارج من أجل إنشاء جماعات ضغط (لوبيات) في الدول المستهدفة، التركيز على تكوين المتعاملين الاقتصاديين في مجال التصدير وآليات اقتحام الأسواق الدولية، والأهم منها هو إصلاح المنظومة البنكية والعمل على فتح فروع للبنوك الجزائرية بالدولة الأوروبية لتسهيل عمليات الدفع، أيضا يجب إصلاح النظام التأميني خاصة في نقطة منع التأمين لدى مؤسسات التأمين بالخارج، وتسهيل إجراءات النقل والجمركة التي تتميز بالبطء والبيروقراطية.

* مصدر الإحصائيات هو تقارير الجمارك الجزائرية وموقع الخزينة الفرنسية