بقلم📝: أنيس عبدالوهاب بن أحسن.

تشهد الجزائر مع نهاية هذا العقد تحولا سياسيا هاما يتمثل في تسليم المشعل إلى جيل جديد والانتقال إلى الجمهورية الثانية، يأتي هذا في ظل وضع إقليمي ودولي مضطرب، فحالة اللاأمن واللااستقرار تسود منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو الأمر الذي له بالغ الأثر على والأمن والاستقرار الوطنيين، ما يجعل الجزائر في عهد الجمهورية الثانية تواجه جملة من التحديات الإقليمية، ولعل أبرزها وأكثرها تهديدا افرازات الأزمة الأمنية الليبية، وتنامي العداء المغربي ضد الجزائر المدفوع من فرنسا و (((إسرائيل ))).
تعتبر منطقة المغرب العربي بمثابة العمق الاستراتيجي للجزائر وأول دوائر الأمن الوطني الجزائري، لذلك وجود بيئة أمنية إقليمية مضطربة له تأثير بالغ الخطورة على الأمن الوطني، كذلك تقلص النفوذ الإستراتيجي الجزائري في المنطقة يؤدي إلى تآكل الأمن الوطني الجزائري. لو عدنا إلى جذور التاريخ الإستراتيجي لتحديد مصادر تهديد الأمن الوطني الجزائري فإننا نجد أن التهديد الرئيسي قادم من البحر الأبيض المتوسط من خلال الهجمات الصليبية على الجزائر والدول المغاربية، وكذلك كان التهديد مغاربيا من خلال الهجمات التي شنت ضد الجزائر من الشرق والغرب وهو ما أدى إلى تقلص حدود الجزائر، وهو ما يؤكده التاريخ الإستراتيجي الحديث فغداة استقلال الجزائر عمل المغرب على اقتطاع أجزاء من التراب الوطني، وهو ما كان سببا في اندلاع حرب الرمال بين الجزائر والمغرب، كذلك كان الأمر مع تونس التي نادت بأحقيتها في ضم بعض المناطق الشرقية من البلاد. وإذا كان هذا النزاع بأبعاد مغاربية فقط فإنه ومع تزايد حدة الاستقطاب الدولي على المنطقة فقد أضحى له أبعاد دولية، خاصة في ظل المشروع اليهودي الهادف إلى تفتيت دول المنطقة واضعافها، وفي هذا الصدد تعتبر الجزائر منذ الأزل الدولة الإقليمية الوحيدة التي وقفت في وجه هذا المشروع وغيره من المشاريع، فالجزائر تعتبر الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمكنت من رسم سياسة دفاعية تقوم على ثلاثية: اليقظة الإستراتيجية – الفعالية العسكرية -الدبلوماسية الصامته للحفاظ على الأمن الوطني الجزائري وضمان استمرارية الجمهورية بيد أن تصاعد حدة التنافس الاستراتيجي الإقليمي بين الجزائر والمغرب، وتأزم الوضع الأمني في ليبيا خاصة مع الهجوم الذي يقوده خليفة حفتر على العاصمة طرابلس يجعل الجزائر تواجه تحديات إقليمية لها بالغ الأثر على الأمن الوطني الجزائري خاصة في ظل تزايد حدة الاستقطاب الدولي على المنطقة وهو ما يؤدي بتغير التحالفات الاستراتيجية فيها. مما ينذر بالخنق الإستراتيجي للجزائر بهدف إنهاء ثقلها الإستراتيجي الاقليمي
وفيما يلي بيان ذلك:

أولا: تفاقم حدة الأزمة الأمنية في ليبيا:
تمكن المشير خليفة حفتر من تغيير ميزان القوى في ليبيا لصالحه من خلال العمليات العسكرية التي أطلقها في الجنوب الليبي، والتي تبعتها عملية عسكرية تستهدف العاصمة الليبية طرابلس التي تعتبر حاضنة حكومة الوفاق. في ظل هذا الوضع الإستراتيجي تحولت ليبيا إلى منطقة استقطاب دولي طماعا في خيراتها، استقطاب قد يؤثر على التوازن الإستراتيجي الإقليمي وطبيعة الاصطفافات الإقليمية والدولية في المنطقة ، وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا للدور الاستراتيجي الإقليمي الجزائري. الجزائر رغم وقوفها على مسافة واحدة من جميع أطراف النزاع في ليبيا إلا أنها لا تحبذ هيمنة حفتر على معادلة القوة في ليبيا من منطلق اصطفافه في المحور الباريسي بالإضافة إلى تعاونه مع الموساد. وكانت المخابرات الجزائرية قد توقعت قيام حفتر باستهداف العاصمة طرابلس، وهو ما دفع بالقيادة الجزائرية إلى إيفاد وزير الخارجية السابق رمطان لعمامرة إلى إيطاليا وروسيا بالإضافة إلى ألمانيا، سعت الجزائر من خلال هذه الحركة تشكيل اصطفاف دولي مضاد يضمن الحفاظ على الاستقرار الهش في ليبيا، وبالعودة إلى المواقف الاستراتيجية لهذه الدول إزاء الأزمة الأمنية الليبية نجد أن إيطاليا تدعم حكومة الوفاق، وهي حليفة رئيسية للجزائر خاصة مع تدهور العلاقات الفرنسية الإيطالية بفعل التباين في المصالح الاستراتيجية في ليبيا بين روما وباريس، بينما نجد أن هناك ضبابية في الموقف الإستراتيجي الروسي، فموسكو تعترف بحكومة الوفاق وتتعامل مع حفتر واستقبلت سيف الإسلام القذافي، فعدم حسم روسيا لموقفها الإستراتيجي إزاء ليبيا أمر يقلق الجزائر على اعتبار أن روسيا أحد أهم حلفائها الإستراتيجيين ولا ينبغي تبني مواقف متباينة أو غير واضحة إزاء الأزمة الأمنية الليبية لما لها من تأثير مباشر على الأمن الوطني الجزائري ، وكذلك يتسم الموقف الإستراتيجي الالماني إزاء ليبيا بضبابية فبرلين لم تتبنى سلوكا استراتيجيا واضحا إزاء ليبيا.

إن تغير الاصطفافات الدولية في ليبيا في غير الاتجاه الذي تريده الجزائر أمر يدفع بالدور الإستراتيجي الاقليمي الجزائري إلى التآكل مما يؤثر سلبا على طبيعة التوازن الإستراتيجي في منطقة المغرب العربي. كذلك ينبغي التأكيد أنه على الرغم من اشتداد حدة الاستقطاب الدولي في ليبيا إلا أن القوى الدولية الغربية ومن ورائها (((اسرائيل))) تتفق حول عدم إيجاد مخرج للأزمة الأمنية الليبية على الأقل على الامد القريب وهو ما يؤثر على الأمن الوطني لدول جوار ليبيا وفي مقدمتهم الجزائر، ما يجعل مهمة تأمين الحدود الوطنية يتطلب إمكانيات مادية وبشرية هائلة الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف قدرات الجزائر وغيرها من دول جوار ليبيا.

ثانيا: تنامي النزعة العسكرتية المغربية
وقد تنامت هذه النزعة بإيعاز ودعم فرنسي ومن ورائها (((إسرائيل )))، في مسعى لتقويض الامن والاستقرار في منطقة المغرب العربي لاستكمال المخططات اليهوغربية لتفتيت المنطقة والاستيلاء على خيراتها، وذلك عبر السعي لتغيير التوازن الإستراتيجي الإقليمي، وهو ما تجلى بقيام الجيش الملكي المغربي بأكبر مناوراته العسكرية في تاريخه بالقرب من الحدود الجزائرية، أمر سبقه صفقة تسلح كبيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية. رغم ذلك يبقى تغيير التوازن الإستراتيجي الإقليمي القائم بين الجزائر والرباط أمر صعب التحقق على الامد القريب، ذلك أن استمرارية التوازن الإستراتيجي ترتكز بصورة رئيسية على المقوم العسكري الذي يرجح كفة الجزائر، فالمغرب تمكن من تحقيق التوازن الإستراتيجي مع الجزائر نظرا لتفوقه في المقوم الاقتصادي الذي يعتمد على تجارة المخدرات والسياحة المشبوهة، بالإضافة إلى اعتماده على باريس وواشنطن و(((تل أبيب))) للعب دور الموازن العسكري الخارجي لضمان استمرارية هذا التوازن. لكن مع تنامي النزعة العسكرتية المغربية وتوجه الرباط لخوض سباق نحو التسلح مع الجزائر يجعل الحذر الإستراتيجي أمر أكثر من ضروري.

في ضوء ما تقدم يتضح أن الجزائر في عهد الجمهورية الثانية مقبلة على تحديات إقليمية تهدف إلى إنهاء الثقل الإستراتيجي الإقليمي للجزائر، ثقل ارتكز على فاعلية الأداء الاستراتيجي للجزائر الرامي إلى تعزيز الأمن والاستقرار الاقليميين، وذلك من خلال التصدي لمختلف المخططات التي تستهدف المنطقة.

وانهاء الثقل الاستراتيجي الاقليمي للجزائر يكون عن طريق إنهاء النفوذ الإستراتيجي الإقليمي للجزائر من خلال تكثيف الدعم المقدم لخليفة حفتر أو للجماعات المناوئة للجزائر في ليبيا، ودعم الدور الإقليمي للمغرب ، أو بالعمل على زعزعة الاستقرار في ليبيا وتحييد الدور الإستراتيجي للجزائر وتشجيع السياسات الإقليمية للمغرب بما يؤدي إلى تغيير طبيعة التوازن الإستراتيجي القائم في المنطقة.

وعليه في خضم هذا الوضع الإستراتيجي ينبغي للجزائر التمسك بالعقيدة العسكرية الحالية القائمة على عدم قيام أو مشاركة الجيش الجزائري بأي عملية عسكرية خارج الحدود الوطنية، من منطلق أن المهمة المقدسة للجيش تتمثل في الدفاع عن السيادة الوطنية. فقد حاولت الدول الغربية وفي مقدمتها واشنطن وباريس استدراج الجيش الجزائري في الأزمات الأمنية الإقليمية على غرار الأزمة الأمنية المالية والأزمة الأمنية الليبية، وهو الذي لو تم لكان إيذانا بنسف الثقل الإستراتيجي الإقليمي للجزائر بتورطها في نزاعات إقليمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل غير جعل الأمن الوطني على المحك وقابلية البلد للاختراق الأجنبي.كذلك ينبغي على الجزائر ضمان استمرارية التفوق العسكري الاقليمي بما يحقق الردع الإقليمي الأمر الذي يؤدي إلى احجام صناع القرار في الدول المجاورة عن التفكير في خوض حرب بالمعنى التقليدي أو تهديد المصالح الاستراتيجية الاقليمية للجزائر، كذلك ينبغي إعداد نخب من وحدات المخابرات الخاصة القادرة على التدخل في سرية تامة في أكثر من بلد في وقت واحد للدفاع عن المصالح الاستراتيجية للجزائر، كذلك ينبغي الرفع من مستوى اليقظة الإستراتيجية القائمة على معرفة ما يخطط له أعداء البلد مما يمكن من بلورة الاستراتيجية المضادة. إن الصراع القائم اليوم ليس صراع بالمعنى التقليدي بمعنى جيش ضد جيش، وإنما هو صراع معلومات واستراتيجيات تعتمد على وصول المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب إلى مراكز صنع القرار وترجمتها إلى أفعال ميدانية ذات تأثير، وكذا هو صراع تخوضه نخب خاصة من الوحدات الاستخباراتية. لذلك الرفع من الفعالية العسكرية بشقيها أمر ضروري لضمان استمرارية الثقل الإستراتيجي الإقليمي للجزائر. وينبغي تعزيز وتثمين المكاسب الناجمة عن الفعالية العسكرية من خلال تكثيف العمل الدبلوماسي مما يمكن من تحقيق الانتصارات الدبلوماسية على المستوى الإقليمي والدولي، فقوة تأثير الدبلوماسية يساهم يتجلى في ضمان بناء التحالفات الاستراتيجية وكذا استمرارية الاصطفافات الإقليمية والدولية بما يخدم المصالح الاستراتيجية للجزائر.

 

 

Print Friendly, PDF & Email