تعتبر كل من الجزائر ومصر من الدول المحورية على المستويين العربي والإفريقي وتجمعهما علاقات ميزها التعاون الوثيق حول ملفات إقليمية معينة والتنافس والتباين في المواقف والرؤى حول ملفات أخرى.

ستمكن الزيارة التي يؤديها الرئيس عبد المجيد تبون إلى مصر من انجاز تفاهمات حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية التي تهم البلدين، سواء على المستوى العربي وتحت مظلة الجامعة العربية، أو إفريقيا تحت مظلة الاتحاد الإفريقي.

وكان الرئيس تبون قد أكد في رسالته إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، التي سلمها له وزير الخارجية رمطان لعمامرة خلال زيارته يوم 11 جانفي إلى القاهرة، بأنه “يتطلع إلى زيادة تعزيز التنسيق والتشاور مع السيسي خلال الفترة المقبلة لمواجهة التحديات المختلفة التي تواجه المنطقة والأمة العربية وتعزيز العمل العربي المشترك”.

القمة العربية.. على رأس أجندة الزيارة

ويبدو أن ملف القمة العربية المزمع أن تحتضنها الجزائر هذه السنة والتحضيرات والمساعي الجزائرية لإنجاحها إحدى محطات التعاون والتنسيق بين البلدين، وسيكون على رأس أجندة زيارة الرئيس تبون إلى القاهرة، ومن بين الملفات الرئيسية التي ستأخذ حيزا مهما من المناقشات بين رئيسي البلدين، خاصة وأن القمة العربية التي ستحتضنها الجزائر وتعول أن تكون محطة جامعة وشاملة لإعادة إطلاق العمل العربي المشترك في ظل الرهانات والتحديات التي تواجهها المنطقة، والتأكيد على التشبث بروح مبادرة السلام العربية لحل القضية الفلسطينية في ظل ارتفاع أسهم التطبيع عربيا مع الكيان الصهيوني، إلى جانب دعم عودة سوريا إلى الجامعة العربية.

ومن شأن التنسيق الجزائري المصري ودور الأخيرة وموقعها في الجامعة العربية وعلاقاتها مع الدول الخليجية، أن يكون له دور ايجابي وفعال في هذا الاتجاه، خاصة وأن الجزائر تراهن على قمة ناجحة على كل المستويات، سواء من حيث التمثيل وحضور القادة العرب، أو من حيث المخرجات.

وبحكم أن القمة العربية ستكون تحت عنوان دعم القضية الفلسطينية، وسعي الجزائر للمساهمة في توحيد الصف الفلسطيني في إطار المبادرة التي أطلقتها بتنظيم ندوة جامعة للفصائل الفلسطينية، بهدف تجاوز الانقسامات الحاصلة بين الفصائل وإنهاء الشرخ الفلسطيني، فلا يستبعد أن يكون هذا الملف على طاولة المحادثات بين الرئيس تبون والرئيس السيسي، بالنظر إلى دور مصر في الملف الفلسطيني وعلاقاتها مع الفصائل الفلسطينية. والتنسيق بين الجزائر ومصر حول هذا الملف، من شأنه إعطاء فرص أكبر لإنجاح المسعى الجزائري في المساهمة في توحيد الصف الفلسطيني.

ليبيا وتونس.. تباينات في المواقف وتوافقات

إلى جانب القمة العربية والقضية الفلسطينية، ملف آخر حساس تتشابك فيه الجزائر ومصر، وحتما سيأخذ حقه من المناقشات بين الرئيسين، ويتعلق الأمر بالملف الليبي.

ومعلوم أن الملف كان محل تجاذبات بين الجزائر ومصر، في ظل اختلاف الرؤى ومقاربات الحل بين العاصمتين، خاصة خلال الهجوم العسكري الذي قاده الجنرال المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس خلال الفترة ما بين أفريل 2019 وجوان 2020، حيث كانت مصر من الدول الداعمة للجنرال حفتر، وكانت الجزائر قد أعلنت رفضها للتحرك العسكري ضد العاصمة الليبية ووقوعها بين أيدي المرتزقة، وصرح الرئيس تبون حينها بأن العاصمة طرابلس خط أحمر، وأوضح لاحقا في إحدى مقابلاته الصحفية، بأن الجزائر كانت ستتدخل بطريقة أو بأخرى ولا تبقى مكتوفة الأيدي.

ومربط الخلاف بين البلدين أن مصر كانت تسعى بكل الطرق لأن تمنع سيطرة التيار الإسلامي على ليبيا، في حين كانت الجزائر تدعم الحوار بين الفرقاء الليبيين بعيدا عن الاحتراب. لكن وإن اختلفت المواقف بين البلدين في عز الاقتتال الداخلي الليبي بسبب اختلاف مقاربات معالجة الأزمة، فإن مواقف البلدان، بعد خروج ليبيا من مربع الصدام العسكري، وفتح الباب أمام مشروع التسوية السياسية، تقلصت حجم التباينات بينهما حول الملف، ليترك المجال أمام تنسيق المواقف والجهود لإنجاح المسار السياسي في ليبيا من خلال إنجاح الاستحقاقات الانتخابية وإخراج المرتزقة من التراب الليبي، مع توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وتوحيد البنك المركزي الليبي. ومن شأن التنسيق الجزائري المصري أن يساهم بشكل كبير في حلحلة الأزمة الليبية ودعم حل سياسي ليبي – ليبي.

وتتفق الجزائر ومصر على “أهمية العمل على تحقيق الأمن والاستقرار وصون وحدة وسيادة ليبيا وتوحيد مؤسساتها الوطنية، خاصة العسكرية والأمنية، تعزيزا للجهود الدولية لإنهاء تواجد القوات الأجنبية والمرتزقة بالأراضي الليبية”، وفق ما تم التأكيد عليه في القاهرة خلال زيارة رمطان لعمامرة في جانفي من العام الماضي.

وإن كانت المواقف بين العاصمتين حول ليبيا كانت متباينة في فترة ما، إلا أن البلدين يجتمعان حول موقف واحد بخصوص الأزمة الداخلية التي تعرفها تونس، بعد القرارات الاستثنائية التي أقرها الرئيس التونسي قيس السعيد وخلّفت أزمة غير مسبوقة منذ سقوط نظام بن علي، وعبّر البلدان عن دعمها للرئيس قيس سعيد، وجاء بيان عقب زيارة وزير الخارجية رمطان لعمامرة ولقائه بالرئيس السيسي في شهر أوت الماضي “تم التوافق في هذا الصدد نحو الدعم الكامل للرئيس التونسي قيس سعيّد ولكل ما من شأنه صون الاستقرار في تونس وإنفاذ إرادة واختيارات الشعب التونسي الشقيق حفاظا على مقدراته وأمن بلاده”.

التوافقات الجزائرية المصرية كانت حاضرة أيضا على مستوى الاتحاد الإفريقي، حيث كانت القاهرة من الدول التي دعمت المسعى الجزائري برفض منح دولة الاحتلال الإسرائيلي صفة عضو ملاحظ بمنظمة الاتحاد الإفريقي.

وتدرك مصر ثقل الموقف الجزائر داخل أسوار الاتحاد الإفريقي، حيث أدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول زيارة خارجية له بعد انتخابه رئيسا في جوان 2014، إلى الجزائر كرد للجميل بعد الدور الجزائري في رفع تجميد عضوية مصر في الاتحاد بعد إسقاط حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، وأيضا كانت الزيارة فرصة لمناقشة الملف الليبي وتأثيراته على البلدين.

كما حاولت الجزائر أن تساهم في إيجاد أرضية تفاهمات في أزمة سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، وقادت الجزائر مساعي وساطة لإيجاد حل للأزمة بين الدول الثلاث.

لكن بالرغم من مراحل الهبوط التي عرفها منحى العلاقات بين البلدين، على قلتها، فإن الثابت فيها يؤكد أن تعزيز هذه العلاقات والقفز بها إلى مستويات أكبر، سيحقق الكثير من الانجازات، سواء على مستوى العلاقات بين البلدين، أو على الصعيد العربي والإفريقي، بالنظر إلى محورية البلدين والثقل الذي يتمتعان به بالنظر إلى عدة عوامل تتعلق بالموقع الجغرافي والاقتصاد والقوة العسكرية للدولتين.