من الصعب إيجاد سبب وجيه و دقيق يفسر بقاء الجزائر بعيدة عن دائرة إهتمامات النظام العالمي الجديد NWO، فهي بمعزل عن المنظومة المصرفية العالمية، ليست عضوا في منظمة التجارة العالمية و آليات الاستثمار الأجنبي بها محتشمة جدا (قاعدة 51/49 و غيرها) ، إجراءات أثرت سلبا على نموها في أوقات الأزدهار ، لكنها جنبت اقتصاد البلد الإنهيار في أوقات الأزمات و مراحل الركود الإقتصادي.

يتكون النظام العالمي من النواة الإقتصادية ( بنك الإحتياط الفدرالي الأمريكي Fed، البنك العالمي World Bank ، صندوق النقد الدولي Imf و منظمة التجارة العالمية WTO) و الأذرع السياسية، العسكرية و الإعلامية، يمكن تشبيهها بمجسات الأخطبوط التي تتكاتف من أجل إدخال الطريدة إلى فم المفترس، و قد وقعت العديد من الدول المجاورة تحت سيطرة هذا الأخطبوط، نذكر منها تونس، المغرب، مصر لبنان، و دول الخليج، و التي أصبح الإقتصاد فيها رهينة لإستثمارات أباطرة هذا النظام (خصوصا التي تعتمد بالدرجة الأولى على الإستثمارات السياحية و التي يقدر الأجنبي منها ب 90 % أو قد يفوق).

يمكن تقسيم الدول، حسب علاقته بالنظام العالمي الجديد إلى 5 أقسام:

#1 الدول الحاضنة لتأسيس النظام، الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، و هي الأشد استفادة منه.
#2 الدول التي أحسن أصحابها التفاوض عند انخراطها في النظام، نذكر منها اليابان، كوريا الجنوبية، تركيا، الإمارات العربية المتحدة، النمور الخمسة في اقصى شرق الصين و غالبية دول غرب أوروبا
#3 دول أساءت التفاوض(بسبب الفساد) أو دخلت عنوة عنها، نذكر منها غالبية دول العالم الثالث و شرق أوروبا و المكسيك.
4# دول لم تنخرط بشكل كلي في النظام و لازالت تتمتع بحرية جزئية، كروسيا، الجزائر، فيتنام، سوريا ، و الصين التي استطاعت أن تبني نظاما اقتصاديا هجينا مزدوج العملة ( اليوان و الرينمنبي، واحد للمعاملات الداخلية و آخر للتبادل الأجنبي للعملات، نظام جعلها محمية إلى حد كبير من محاولات اغراق البنوك الأجنبية في الصين بالعملة المحلية) و هو إجراء ممتاز صراحة.
#5 و هي الدول المارقة على النظام، و هي قليلة، منها كوريا الشمالية، إيران، كوبا، و كانت بها العراق و ليبيا قبل أن يقوم هذا النظام بتحطيمهما و ضمهما إليه بالقوة الغاشمة.

لقد بلغت الجزائر فم هذا الأخطبوط في سنوات الجمر على إثر لنهيار اسعار المحروقات و لجوء الحكومات المتعاقبة إلى الإستدانة الأجنبية، التي رافقها شروط خانقة من طرف المؤسسات المالية العالمية، كوجوب اقرار اصلاحات اقتصادية و سياسية، الغاء الضرائب على السلع المستوردة، رفع آليات الدعم الإجتماعي، و لحسن الحظ فقد عاود النفط إلى الصعود و الصعود عاليا و اخرج البلد من عنق الزجاجة.

لقد حدث بعد ذلك إجراء غريب جدا، فقد قام الإبن البار للنظام العالمي الجديد عبد العزيز بوتفليقة بسداد جل الديون المترتبة على الجزائر و سبب وصفي له بالغريب هو أن الجزائر من بين الدول القلائل جدا على مر التاريخ التي سددت ديونها دفعة واحدة، و الأغرب أن المؤسسات المالية تمنع منعا باتا هذه الطريقة في سداد الديون، فكيف استطاع الرئيس المخلوع أن يقنع الدائنين بذلك؟ فعلا يبقى هذا السؤال لغزا محيرا.

نأتي الآن إلى السؤال الأهم و هو كالتالي:
– هل إنخراط أكثر للجزائر في هذه المنظومة أنفع لها أم أضر لها؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن يخلع المجيب توجهاته السياسية، الفكرية و الأيديولوجية جانبا، و ستكون الإجابة كالتالي:

إن هذا النظام الوحشي يعتمد على التوسع من أجل البقاء ( كالدراج الذي يحافظ على توازنه كلما استمر في الحركة)،و تتعرض هذه الدول الخارجة عن فلكه إلى مضايقات مستمرة لمنع تطورها الإقتصادي بالإستعانة بعض الأطراف الموالية له على شاكلة القرصان الإقتصادي GEORGE SOROS و مؤسسة GOLDMAN SACHS، إلى حين بلوغها دورها، حسب حاجته للبقاء وحسب برنامج معد بدقة، و سيبلغ الدور على بلدنا لا محال ( إلا إذا لم يشأ مالك الملك)، و لهذا فالأمثل حسب رأيي هو البدأ في التفكير في استراتيجية تسمح بالتفاوض من أجل الإستفادة إلى أقصى درجة من ميزات هذا النظام، و كذا تحضير الميكانزمات اللازمة للإنفلات منه أو خداعه عند بلوغ مستوى معين من التطور و من النمو الصناعي و الإقتصادي، و هو ما استطاعت كل من الصين و تركيا تحقيقه، ففي النهاية يمكن اعتبار الانخراط بالتفاوض في أريحية خير من الدخول عنوة و تحت الضغوط و من موقع ضعف، خصوصا و أن الجدار الوحيد الذي يعزلنا عنه في تآكل مستمر و هو إحتياطي الصرف.

بقلم Adnane Mahtali
Print Friendly, PDF & Email