المؤلف: محمد احمد حسن
مجلة السياسية والدولية
السنة: 2008
الاصدار: 8
الصفحات: 19-45

وإذا كانت كل الحقائق تؤكد أن “حوار الحضارات” هو المفتاح الحقيقي لتعايش الشعوب وتفاعلها فيما بينها لبناء حضارة جديدة، فان أكثر نزاعات القرن العشرين كانت بسبب جهل المتحاورين أو الاستعجال الذي احاط باطلاق الحوار او لضغط الظروف السياسية والأمنية الى صدامات حضارية. ومن الامثلة على ذلك النزاع الاثني والاجتماعي الناشب في جزر مندناو بالفلبين ونزاع الاستقلال في جزيرة تيمور الشرقية بين السكان والاحتلال الاندنوسي، والنزاع على كشمير بين الهند والباكستان والحرب الانفصالية في الشيشان ، وكيانات أخرى في القوقاز والنزاع على اقليم فاغورنو كاراباخ بين الارمن والاذريين، والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، والنزاع التركي–اليوناني على قبرص، وحروب البلقان الأهلية، والنزاعات في جنوب السودان وغربه وشرقه .وانا اتفق مع الاستاذ جميل مطر في ان كل هذه الافكار الغربية كانت تسعى الى “التمهيد لصيغة جديدة لنظام امبراطوري تنتقل فيه الولايات المتحدة من موقع القطب الاوحد الى موقع المركز أي موقع مناسب لكيان يتمتع بالهيمنة السياسية الشاملة وتسود العالم معتقداته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية، ولاسيما انه توافرت له أسباب الهيمنة العسكرية، ولم يتبق له سوى خلق الظروف المناسبة لنشأة وعي كوني واحد وشامل أي فرض الاتباع الثقافي والحضاري والعلمي على مختلف شعوب واقاليم الأرض . إن ما يمكن التأكيد عليه هو ان “حوار الحضارات” لايمكن أن يتحقق الا إذا ادركنا ان هذا “الحوار” يعني الصعود الى منابع الحضارات وتتبع مسيرتها واكتشاف آفاقها، والكشف عن القوانين العامة واللغة المشتركة التي تقوم فيما بينها، وتوظيف ذلك كله في الجهد العام الذي تبذله البشرية في السعي لبناء عالم جديد.