وليد عبد الحي

يعود مصطلح ” الحرب الباردة ” الى عام 1945 عندما استخدمه للمرة الاولى الروائي الانجليزي جورج أورويل(George Orwell) ليصف العلاقة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة خلال الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى 1989. وعاد الترويج لاحتمال متزايد لحرب باردة ” جديدة” بين الولايات المتحدة من ناحية والصين من ناحية ثانية بعد ان اصبح ترامب رئيسا للولايات المتحدة عام 2017.
ما هي أدوات الحرب الباردة:
يجمع الباحثون في العلاقات الدولية على ان الحرب الباردة تشمل ” كل أدوات النزاع -dispute – ” باستثناء المواجهة العسكرية المباشرة وعلى نطاق واسع(conflict) ، فأدوات الحرب الباردة هي الصراع الآيديولوجي ، التجسس، الضغط الاقتصادي، ، الضغط الدبلوماسي ، الدعاية السياسية، حروب النيابة( عبر المساعدات العسكرية للخصوم، الدعم العسكري التكتيكي غير المباشر ، ارسال المستشارين العسكريين، دعم المعارضة الداخلية..الخ).

هل هناك فرق بين الحرب الباردة بنموذجها القديم قياسا للملامح الاولية للحرب الباردة الجديدة التي يجري تداولها لوصف العلاقات الصينية الأمريكية الراهنة ؟
1- لم تعد ملامح التناقض الآيديولوجي الصيني الأمريكي بنفس القدر من الحدة والتناقض قياسا للحرب الباردة القديمة، فالصين لم تعد ” ماركسية ” بالقدر السوفييتي ، فالمؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني ركز في قراراته على اعادة احياء التراث ” القومي الصيني” وهو ما يتضح في العودة لاحياء التراث الكونفوشي ، ولم تعد الصين معنية بأي قدر بمصير الاحزاب الشيوعية في العالم ، ناهيك عن ان منشوراتها في مراكز كونفوشيوس لا تشتمل الا على قدر يسير من التراث الماوي ، بل ان العولمة ( كاحد جوانب التحذير الماركسي التقليدي) اصبحت واحدة من اكثر المفاهيم تكرار وبايجابية تامة من قبل المفكرين والقادة الصينيين، ناهيك عن ان القطاع الخاص الصيني يشكل حوالي 40% من اجمالي ما يسمى حاليا ” اقتصاد السوق ” الاشتراكي..
2- اما حروب النيابة(proxy war) فلم تعد قائمة من الجانب الصيني لا سيما مع سيطرة نظرية ” الصعود السلمي او التنمية السلمية ” الصينية ، وهي النظرية القائمة على عدم التدخل العسكري (مباشرة او غير مباشرة) في النزاعات الاقليمية او صراعات السلطة بخاصة في الدول النامية..وهو امر يختلف في قسماته المركزية عن وضع حروب النيابة او الوكالة في الزمن السوفييتي، ويكفي النظر الى خريطة النزاعات الاقليمية في تلك الفترة ومقارنتها بالفترة الحالية.
3- التنافس الاقتصادي والتقني، ويميز علماء العلاقات الدولية بين التنافس المقصود او المتعمد (Intentional or deliberate competition)، وبين التنافس غير المقصود، فالتطور السوفييتي أو الامريكي في نمط الحرب الباردة القديمة كان يطوي في ثناياه بعض الاستهداف للطرف الآخر ” عن سابق اصرار وترصد”، لكن السلوك الصيني ( الذي أثر اقتصاديا على اليابان ودول الاتحاد الاوروبي المركزية كما اثر على امريكا) لم يكن في توجهاته العامة “مُصرا ومترصدأ” للولايات المتحدة ، والدليل ان الحرب التجارية بدأتها الولايات المتحدة وليس الصين ، كما ان بعض التكنولوجيا الامريكية الحساسة تعتمد على الصين بنسبة تفوق 70% في ما يسمى ” المعادن النادرة ” التي تدخل في صناعات دقيقة وهامة للولايات المتحدة ومنها العسكرية، والصين تهدد الآن بانها قد توقف تصدير هذه المعادن الى الولايات المتحدة كرد فعل على السلوك الأمريكي الحالي.
4- عند العودة الى فترة الحرب الباردة الاولى نجد انها بقيت احد ركائز السياسة الامريكية مع كل الزعماء الامريكيين ، فمن عام 1945 الى 1989 حكم الولايات المتحدة 9 رؤساء (خمسة منهم جمهوريون) ولم تتغير السياسة الامريكية تجاه الاتحاد السوفييتي تغيرا حاسما.. كذلك من 1978( الشروع الصيني في برنامج التحديثات الاربعة) الى الآن حكم الولايات المتحدة 6 رؤساء امريكيون وابقوا على علاقات متوازنة مع الصين الى أن أتى ترامب وشرع في تغيير جذري وباتجاه سلبي في العلاقة مع الصين، مما يعني ان توجهات ترامب تشكل ” اتجاها فرعيا” قد يتم التخلي عنه في حالة خسارته الانتخابات الرئاسية القادمة ، اي ان التوجه الامريكي في الحرب الباردة القديم بقي توجها مستقرا، كما ان الحرب الباردة الجديدة لا تغطي الا فترة تقل عن اربع سنوات من 42 سنة( من برنامج التحديثات الاربعة)، وهو ما يتضح في تنامي التجارة والاستثمارات والتعاون التكنولوجي …الخ بين واشنطن وبكين طيلة هذه الفترة حتى تولي ترامب مقاليد السلطة .
5- التوجهات الصينية : لو تمعنا في مواقف أبرز الباحثين الصينيين في العلاقات الدولية سنجد انهم يستبعدون الحرب الشاملة بشكل كبير ، بينما تتراوح توجهاتهم بين حرب باردة وعودة بعد ترامب للعلاقات غير الصفرية بين الطرفين الامريكي والصيني، وهو ما عبر عنه Xu Guangyu ( احد كبار المستشارين الصينيين في رابطة مراقبة ونزع التسلح ) مع تشديده على العمل على حرمان الولايات المتحدة من الوصول لنقطة التفوق المطلق(overwhelming advantage) والتركيز على تطوير المصالح المشتركة لتشكل تناغما مع البراغماتية الامريكية، اما Yang Chengjun وهو احد ابرز العلماء الصينيين في مجال التكنولوجيا العسكرية فيطالب برفع عدد القنابل الذرية الصينية الى جانب الالف قنبلة تقريبا الموجودة حاليا بهدف تكثيف الضغط الناعم على صقور الولايات المتحدة لمراجعة مراهناتهم ، بينما ينبه Jin Canrong استاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين الصينية على ضرورة التفكير في احتمالات تصاعد الخلاف مع الولايات المتحدة في القضايا الاقليمية مثل تايوان وهونغ كونغ وبحر الصين الجنوبي والأزمة الكورية الى جانب الحرب التجارية التي قد تكون جزءا من المساومات مع هذه القضايا. اما Diao Daming الخبير في الشأن الامريكي في نفس الجامعة فيستبعد بشكل قاطع المواجهة المباشرة عسكريا لكنه لا يستبعد استعار الحرب الباردة وهو ما يسانده فيه Lü Xiang, الباحث في اكاديمية العلوم الاجتماعية ، ويطالب هؤلاء الباحثون باستخدام الصين آليات المواجهة الناعمة مثل الاحتياطي النقدي الاجنبي الذي يعادل 25 ضعف الاحتياطي النقدي الامريكي.
ذلك يعني ، ان الحرب الباردة ليست قدرا محتوما بين البلدين لا سيما اذا فشل ترامب في الانتخابات القادمة بفعل تصاعد البطالة وتفجر العنف العنصري والصورة المرتبكة التي تركها لدى نسبة غير قليلة من الامريكيين،كما ان الحرب الباردة الجديدة – ان توصلت مع ترامب او غيره- قد يتم انتاج آليات جديدة لها تتناسب مع بنية الواقع الجديد، دون نفي بقاء بعض الآليات التقليدية .
الخلاصة:
1- الحرب العسكرية المباشرة مستبعدة بشكل كبير بين الطرفين
2- الحرب الباردة الجديدة – لو اشتعلت- لن تكون بنفس آليات الحرب الباردة القديمة الا في جوانب معينة
3- ان تحالفات كل من الولايات المتحدة والصين ليست بنفس التماسك الذي كانت عليه الوضعية زمن الحرب الباردة القديمة ، مما يجعل العراك العضوي بين واشنطن وبكين بحاجة لفترة تتجاوز ربما مرحلة ترامب فاز او خسر .
وتبقى ” ربما ” معنا ولو كرهها ” أهل اليقين”.

Print Friendly, PDF & Email
blank