الحرب البيولوجية هي حرب تُقدم من خلالها الدول أو بعض الجهات على الاستخدام المُتعمّد للفيروسات والجراثيم أو غيرها من الكائنات الحية الدقيقة وسمومها كسلاح لنشر الأوبئة بين البشر والحيوانات والنباتات. وهي تؤثر بشكل عام على مختلف نواحي الحياة، بيد أنّ تأثيرها على الإنسان يعدّ الهدف الاستراتيجي؛ وذلك لإضْعاف الخَصم كقوّة بَشريّة ولإضعافِهِ اقْتصادِياً واجْتماعِياً بهدف التغلّب عليه وهزيمته بأسْرع ما يمكن وبأقلّ التكاليف وبطريقة هادئة.‏‏

لمحة تاريخية:

تعود محاولات استخدام عوامل الحرب البيولوجية إلى العصور القديمة؛ فقد سُجلّت أقدم حادثة من هذا النوع في الفترة الزمنية الواقعة بين 400 إلى 500 قبل الميلاد، وقد كان المتهم فيها شاعرًا و رجل قانون من أثينا يُدعى سولون – Solon، وقد قام بتلويث المياه الواصلة إلى مدينة كيراه القديمة بنبات الزين السام، وكان رماة جيش السكيثيون عام 400 ق.م. المُنحدرينَ من أصول إيرانية من مملكة سيثيا (سكيثيا – Skythia) يُلوثون سهامهُم عن طريق غمسها في جثث مُتحللة أو في دم مخلوط بالسماد، وفي القرن السادس قبل الميلاد سمّم الآشوريون آبار الماء التي يشرب منها أعداؤهم مُستخدمين فطرًا سامًّا (مهمان الجودر) يصيب من يتناولهُ بالهلوسة.

وخلال الحرب الفرنسية والهندية في القرن الثامن عشر الميلادي كان قد انتشر مرض الجدري ضمن خطة محددة؛ إذ قدّمت القوات البريطانية تحت إشراف السير جيفري أمهيرست – Jeffery Amherst البطانيات التي استخدمها ضحايا الجدري للأمريكيين الأصليين.

وفي العصر الحديث تطوّرت سبل اللجوء إلى  الحرب البيولوجية؛ ففي القرن العشرين، وتحديدًا في الحرب العالمية الأولى، طوّر الجيش الألماني الجمرة الخبيثة، والغدد، والكوليرا، وفطريات القمح لاستخدامها كأسلحة بيولوجية، وزُعم أنهم نشروا الطاعون في سانت بطرسبرغ – Saint Petersburg، وحاولوا أن يفعلوا الشيء نفسه مع خيول الفرسان الفرنسيين، وهناك عدد من البلدان لا تزال تواصل البحث في الأسلحة البيولوجية الهجومية، وتستخدمها منذ الثمانينات، وقد أصبحت المنظمات الإرهابية من أكثر الجهات المستفيدة من العوامل البيولوجية، ونستعرض هنا بعض حوادث الإرهاب البيولوجي التي وقعت:

– في شهري سبتمبر وأكتوبر من عام 1984م أصيب 751 شخصًا عمدًا بالسالمونيلا – Salmonella، وهي بكتيريا تسبب التسمّم الغذائي، عندما قام أتباع بهجوان شري راجنيش – Bhagwan Shri Rajneesh أو ما يعرف باسم أوشو – Osho بتلويث حانات المطاعم في ولاية أوريغون – Oregon، وفي عام 1994، حاولت طائفة يابانية من عبادة أوم شينريكيو  – Aleph أن تطلق الجمرة الخبيثة (التي تم رشها في الهواء من قمم المباني في طوكيو).

– وفي عام 1995م أُدين عضوان من مجموعة ميليشيا في مينيسوتا – Minnesota بحيازتهم مادة الريسين – Ricin التي أُنتِجَت ليتمّ استخدامها في الانتقام من المسؤولين الحكوميين المحليين.

-خلال الحرب العالمية الثانية قامت القوات اليابانية بتشغيل منشأة سرية لأبحاث الحرب البيولوجية، وهي الوحدة 731 في منشوريا – Manchuria التي أجرت تجارب بشرية على السجناء، وقد تعرّض بسببها أكثر من 3000 ضحية للطاعون والجمرة الخبيثة والزهري وأمراض أخرى، في محاولة لتطوير المرض ومراقبته، وقد أُعدم بعض الضحايا بسبب شدّة إصاباتهم.

تصنيف الأسلحة البيولوجية وخصائصها

تُصنّف الأسلحة البيولوجية التي يمكن استخدامها في الحرب الميكروبية إلى خمس مجموعات:

١- الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا أو الفطريات.

٢- السموم الجرثومية الحيوانية والنباتية.

٣- ناقلات العدوى مثل الحيوانات المعضلية (القمل، البراغيث).

٤- الحشرات والنباتات المؤذية.

٥- المركبات الكيماوية المضادة للمزروعات.

وتتسم هذه الأسلحة بخصائص عامة أبرزها: قابلية وبائية عالية، وقدرة على مقاومة الظروف الطبيعية كالحرارة والجفاف، وقابلية التكيف، وسرعة الانتشار والقدرة على إنزال خسائر عالية في وقت قصير، وعدم توافر مناعة طبيعية ضدها في الهدف.

المعاهدات الحاظرة أو المُقيّدة للحرب البيولوجية: 

– بروتوكول جنيف – Geneva Protocol الذي يمنع اللجوء إلى الأسلحة البكتريولوجية في الحروب، بالإضافة إلى منع اللجوء لاستخدام الغازات السامة وغيرها.

– معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية المكملة لبرتوكول جنيف للعام 1925، وهي معاهدة تلزم الدول الموقعة عليها  بمنع تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية والسامة.

طرق الدفاع والتصدي ضد العدوى:

يشكّل الدفاع ضد الحرب البيولوجية معضلة، ويعدّ التطعيم من أبرز حلول هذه المعضلة، كما تؤمّن الملابس والأقنعة الواقية إجراءً دفاعيًّا جيدًا،  ويضاف إلى ذلك مجموعة من الإجراءات الوقائية مثل حفظ الماء والأطعمة، ورفع مستوى الإجراءات الصحية والنظافة، والحجر الصحي للمناطق المعرضة، وتطهير الأشخاص والتجهيزات والمناطق الملوثة.

طرق انتشار الفيروس:

يتم نشر تلك الفيروسات بطرق مختلفة؛ فمن الممكن نشرها عبر الهواء، وحتى تكون سلاحًا بيولوجيًا فعالًا، يجب نشر الجراثيم المحمولة بالهواء كجزيئات دقيقة، ويجب أن يتنفس الشخص كمية كافية من الجزيئات في الرئتين لإحداث المرض. تُستخدم أيضًا هذه الفيروسات/ العوامل البيولوجيّة في المتفجرات (المدفعية والقذائف والقنابل التي يتم تفجيرها)، ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ استخدام عبوة ناسفة لتوصيل ونشر العوامل البيولوجية (الفيروسات) ليس بالفعالية نفسها التي يتمّ بها نقلها عبر الهواء؛ وذلك لأن الانفجار يُدمر العوامل البيولوجيّة مُخلِّفاً أقل من 5٪ من العامل (الفيروس) قادر على التسبب في المرض، و يمكن استخدامها أيضًا بوضعها في الغذاء أو الماء، فتلوث إمدادات المياه في مدينة، ومن الممكن أيضًا امتصاصها عن طريق الجلد أو حقنه، وقد تكون هذه الطريقة مثالية للاغتيال‏.

الحرب البيولوجية وحروب الجيل السادس:

يرى الكاتب سيد عبد النبى محمد في كتابه “صراع الأمم وحروب الجيل”، أنّ الجيل السادس من الحروب كانت روسيا هي أول من أطلقه، باعتبارها ذلك النوع من الحروب لا يعتمد على الاتصال أو بمعنى آخر تدار عن بعد.

 وقد صاغ مصطلح “الجيل السادس” لأول مرة الجنرال فلاديمير سليبتشينكو – Vladimir Kirpichnikov حين قال إنّ الحروب التقليدية قد عفا عليها الزمن، وكل الحروب بعد ذلك ستُدار بأنظمة ذكية، وستحصد نتائج ذكية أيضًا. وقد تجلى ذلك باستخدام الأسلحة الذكية من جانب الولايات المتحدة في عاصفة الصحراء عام 1991، موضحًا أنّ من بين الوسائل المستخدمة في ذلك الحروب هو دمج الفيروسات مع مواد وعوامل أخرى مثلما تمّ دمج فيروسات مخلقة في الكيمتريل – Chemtrail فى حرب العراق.

وعلى الرغم من عدم توفر تعريف موحد لحروب الجيل السادس GW6 إلَّآ أنّه يمكن اعتبار هذه الحروب حروب عن بُعد no-contact warfare؛ إذ تتميز بأسلحتها الذكية، ومن أمثلتها :الصاروخ القابل للتوجيه عن بُعد، والطائرة بدون طيار، والألغام التي يتم تفعيلها أو تعطيلها عن طريق الأقمار الصناعية، وجمع المعلومات الاستخباراتية، ونظام تحديد المواقع العالمي، وكلّ ما يمكن استهدافه عن طريق الكمبيوتر أو الأقمار الصناعية. وتعدّ الحرب البيولوجية من أشكال حروب الجيل السادس، إلّا أنّه على عكس الاعتقاد السائد حول حداثة الحروب البيولوجية، لقد تمّ اللجوء إلى  هذا النوع من الحروب منذ مدّة زمنيّة طويل كما جاء سابقًا.

المصادر والمراجع:

محمود الجاف، مقال بعنوان الحرب البيولوجية، منشور عبر موقع دنيا الوطن، نشر بتاريخ 2020/03/01

حماد وادى سند الكرتى، تَارِيخ الحَربْ البَيولُوجِيّة إبْتِداءً مِن العُصُور الوسطى وإنتهاءً بالحرب البيولُوجيّة فِى إقليم دارفُور، نشر بتاريخ 2016/04/25

رباب جودة، مقال بعنوان ما هي الحرب البيولوجية، مقال منشور عبر موقع المرسال دوت كوم، نشر بتاريخ 2020/01/30.

د. بدرة قعلول، بحث بعنوان الجيل السادس للحروب: حرب الفيروسات، موقع ستراتيجانيوز، نشر بتاريخ 2020/02/27

باسم عبد عون فاضل، مقال بعنوان حروب الجيل السادس وكارثة العالم الجديد، موقع الفرات الإلكتروني، نشر بتاريخ 2016/06/11

Barry R. Schneider, Biological weapon, Encyclopædia Britannica, 2017/11/27