Print Friendly, PDF & Email

سي الطيب قويدر

باحث في الدراسات الأمنية الدولية.

يفترض الباحث الأسترالي المعترف به دوليا  John pilger  في  مقال  له  بعنوان :

( A World war has begun: Break the silence.)في مجلة.com Counterpunch الالكترونية بأن حرب عالمية ضد روسيا و الصين قد بدأت منذ زمن  وهي تلقي بشررها دون أن يلقى لها بال . و عوضا عن ترجمة مقالته حرفيا ارتأيت أن أقوم بترجمة فرضياته و فحصها و نقدها حتى لا يواصل المثقف العربي  لعب دور الناسخ الذي لا يرى سوى نقل أفكار الآخر .وكأنه سلة مستهلكات.

وسنستعمل في هذا المقال المجهر البنائي Constructivisme. الذي مهد له المفكر Alexander Wendt الذي يركز على الهوية Identity* * كعامل جوهري لإدارة الفوضى الدولية .

      بداية سنتطرق لأهم الأفكار الجوهرية في هذا المقال الذي يشير إلى :

1- تنامي نوع من الفخر و جنون عظمة الذي يسود عقلية صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أنهم يفتخرون و يحتفلون بإستعمال السلاح النووي حتى ولو كان ذالك على حساب النوع البشري والحياة ككل.  فتسمية طاقم السباحة Bikini  جاء تخليدا للجزر الموجودة  في المحيط الهادي و التي تم إزالتها من الوجود بعد 16 سنة من التجارب النووية فوقها منذ 1946إلى 1958 بما يعادل 1.6 قنبلة ذرية يوميا – مثل تلك التي أطلقت على هيروشيما- و يشير Pilger  إلى أن هذا الإحتفال و التشهير بالقدرة على القتل و التدمير أمر متجدر لدى CIA . ولكن القليل من الناس يعلم أن كلمة البيكيني ذات مدلول تدميري….شامل.

2-لقد بدأت الحرب العالمية الثالثة لكنها في إطار دعائي.* Propaganda  التي يعرفها EDward Berneys   يعرفها على أنها التحكم  والتوجيه الخفي و المقصود لعادات وأراء و أفكار و توجهات المجتمعات الديمقراطية  .مثلا التركيز الإعلامي  المبالغ فيه على 4 قتلى في لندن  قرب البرلمان مارس 2017 وتجاهل الاف اليمنيين الذين يتعرضون لحرب إبادة , 16.000 غارة من التحالف الخليجي , كيف يحدث ذلك؟ عن طريق إغفالها و عدم التطرق إليها أو تجاهلها فلا يسمع بها الرأي العام.

   3 – تحصل أوباما على جائزة نوبل للسلام بعد أن تحدث عن عالم بدون أسلحة نووية في قلب أوربا

– براغ – عاصمة التــشيك .لكن إدارته حطمت الرقم القياسي في تشييد ترسانة أمريكية نووية حيث بلغت 1 ترليون 1.000.000.000 دولار خلال ثلاثين سنة .

– هذا رسميا أما الواقع  فهناك برنامج لإنتاج قنابـــل نووية مصغرة تحت مسمى B61model12 قال عنها نائب قيادة الأركان الامريكية الجنرال *James Cartwrigt *  إن تقزيمها –تصغيرها- أي القنبلة النووية يجعل من إمكانية إستعمالها أمرا واردا .

        وفي 2015 كان هناك أكبر حشد للقوات العسكرية الأمريكية على الحدود الغربية   الروسية منذ غزو هتلر لها .

      وأكرانيا التي كانت جزءا لا يتجزأ من الإتحاد السـوفياتي أصبحت مخبر تجارب ل CIA بعد تنصيب نظام دمية في Kiev  بعد نجــاح الإنقلاب على  Yanakovic , و الكارثة أن هذا النظام ذي توجهات نازية معلنة – قابل وجاهز لإشعال فتيل حرب لا يمكن التكهن بتداعياتها على الجنس البشري ككل. في  جمهورية لاتفيا – لتوانيا – إستونيا و في خاصرة روسيا يقوم الجيش الأمريكي و الناتو بنشر قوات حربية و دبابات و أسلحة ثقيلة . وهذا دقا لطبول الحرب .

      كما يشير *Pilger *إلى الحرب العدائية ضد الصين حيث يشير إلى النقاط التالية :

– قال قائد القوات الأمريكية في المحيط الهاديHarris  Harry *   : إن الصين تبني حائط رمال كبير في  بحر الصين ,إشارة الى ان الصين تعرقل الملاحة الدولية في بحر الصين الجنوبي ,وذلك لما قامت ببناء Airstrip   منصة طيران             في جزر Spartly المتنازع عليها مع الفلبين . والتي كانت هامشية قبل أن تبني عليها الصين منصة  الطيران تلك, حيث قامت برشوة حكومة مانيلا لتحريك دعوى ضد الصين بحجة حرية الملاحة البحرية .

– ما معنى حرية الملاحة ؟ قيام  البوارج  العسكرية  والفرقاطات و الغواصات الأمريكية بالإبحار بجوار السواحل الصينية .ماذا لو حدث العكس على سواحل فلوريدا أو كاليفورنيا ؟

. يقول John Pilger تذكروا الدعاية تسبق الحرب                   Tony Blair , W Bush           و حديثهم عن           WMD  أسلحة الدمار الشامل  التي يمتلكها العراق , كذب في كذب و تم تدمير العراق و لم يعاقب لا بوش ولا بلير . إذن الدعاية المسبقة ضد الروس و الصين إنذارا بقدوم الحرب بخطى متثاقلة مجنونة.

.يقول Pilger إن قيام الصين بإنجاز  منصة طيران  بتلك الجزر  هو رد على قيام الو.م.أ بإنجاز عدة قواعد عسكرية حول الصين خاصة مع إستراليا و اليابان , إن هذا القوس القاتل يمتد من أستراليا   مرورا بالباهاماس  , جزر المحيط الهادي , جزر مارشال Guam ,الفلبين,أوكيناوا,  كوريا الجنوبية –الديمقراطية- و كذا أفغانستان و الهند .

    و لكن هناك صمت خانق من وسائط الإعلام حيث يقول Pilger : إنها حبل مشنقة حول رقبة الصين a noose around the neck of China

4- في عام 2015 قامت الو.م.أ بأكبر مناورة عسكرية بحرية جوية منذ  الحرب العالمية الثانية مع أستراليا تحت تسمية

Talisman Sabreكان الهدف منها محاكاة  مخطط حرب ضربات خاطفة جو بحر وضرب الطرق و الممرات البرية كمضيق مالاقـــا Malaga و مضيق    LOmbok من أجل قطع إمدادات النفط و الغاز و المواد الحساسة على الصين من إفريقيا و الشرق الأوسط .

5- هددت كلينتون بسحق إيران بالنووي خلال حكم Obama و قالت عن القذافي لما قتل بسكين في  أسفل ظهره We come,we sow,he died .و صديقتها أولبرايت قالت عن مقتل نصف مليون طفل عراقي   : Worth it يستحقون ذلك .

    كما أعلنت حكومة  الوزير الأول  Malcom Turnbull بأستراليا   عن ميزانية دفاع ب 195 مليار دولار  الذي يعتبر   بمثابة إعلان حرب. لكن على من؟؟؟؟؟

كيف يمكن تفسير الموقف العدائي الامريكي ضد روسيا والصين؟ إستنادا إلى نظرية البنائيون  Constructivists   فإن المصالح القومية ليست أمور ثابتة ولكنها محل تغير ديناميكي مستمر. فرِؤية صناع القرار للمصلحة القومية هي التي تحدد شكل السياسة الخارجية للدول. مثلا حكام ألمانيا وافقوا على التنازل عن المصلحة الشخصية وتبنوا المصلحة القارية الاوربية وتخلوا عن عملتهم القومية وحدودهم التاريخية من أجل أوربا. وكذالك إفريقيا الجنوبية تخلت عن الابارتايد وفككت ترسانتها النووية..وتوقفت عن إبتزاز جيرانها كزيمبابوي وبوتسوانا..مشكلة الولايات المتحدة أنها ترى مصلحتها القومية في ظل حكم ترامب وقبله أوباما وبوش في إنفرادها بالريادة النوووية…والعسكرية .ومنع بروز أي منافس محتمل ولو بالوسائل العسكرية. لكن أخذ روسيا بزمام المبادرة في أكرانيا وضمها للقرم بدون خسارة جندي واحد. وخروج بوتن كالبطل الأسطوري جعل الساسة الامريكان في شكل مهرجين فاشلين. والخطير أيضا هو  قيام روسيا بنسف جميع مخططات البانتاغون في سوريا وأخذ زمام المبادرة العسكرية في منطقة الشرق الاوسط لأول مرة منذ إنهيار الاتحاد السوفياتي. والتي كانت حكرا على السيد راعي البقر الامريكي. كان هذا عن روسيا لكن ماذا عن الصين؟

       ما هو الرد الصيني على الخناق الأمريكي؟

   في مقال له بجريدة اسيا تايمز –Assia Times- يحلل الصحفي الثاقبPepe Escobar  الأستراتيجية الصينية الأيرانية  التي لا يمكن مواجهتها أو إعتراضها في ضل الضروف الراهنة  .و في مقالة له بعنوان Pipelineistan:the Iran Pakistan China economic connection, August 2016. يحلل كيف إستفادت إيران من التنافس الأمريكي الصيني. وقامت بلعب دور البديل الأوثق لبيكين عن  الغز والبترول الشرق أوسطي. لكن بإستعمال وسائل لوجستية لا يمكن عرقلتها. وتتميز بالديمومة والثبات….وسهولة التموين.

 جاء Escober   بمصطلح جديد سماه Pipelineistion –بلاد الأنابيب السيالة – إشارة إلى تأثير نقل الغاز و البترول عبر الأنابيب على العلاقات الدولية و توازن النفوذ في العالم .

حيث قام وزير الخارجية الإيرانية – جواد ظريف – بزيارة عمل لإسلام أباد للتحدث مع الوزير الأول الباكستاني نواز شريف حول مشاريع تجارية هامة على رأسها بناء Pipeline لنقل الغاز من إيران إلى باكستان –   –  Iran-Pakistanستقوم إيران  بتمويل الطرف الموجود على التراب الإيراني ,أما الباقي على التراب الباكستاني فستقوم الصين بتمويله .

      في حالة تجسيد هذا المشروع سيصبح أكبر نقلة شطرنج على سا حة التوزنات الدولية. لأنه سيقلب الموازين ظهرا على عقب . فالمشروع كلفته 4 مليارات دولار , و قد أنفقت إبران 2 مليار على شطرها أي 50  %   أنجزت منه .

     المهم في الأمر أن مقاطعة   كاراماي   في محافظة كسينغيانغ  بالصين إستضافت ملتقى الرواق الإقتصادي الباكستاني الصيني خلال بداية 2015 ,وهو مشروع محوري قيمته 46 مليار دولار ضمن ما يعرف بطريق الحرير الجديد  الذي  تعتزم الصين إنجازه إنطلاقا  من إيران عبر باكستان دخولا إلى الصين ,و الذي يتضمن ربط ميناء بحر العرب إلى   كسينغ يانغ بالصين ب: – طرق سيارة – سكك حديدية – حظائر صناعية – شبكات ألياف بصرية – و طبعا أنابيب الغاز.

هذا الأنبوب هو مجرد إمتداد لأنبوب سيل إيران – باكستان و الذي سيمتد شمالا إلى الصين .

    في إطار  CPEC الرواق الإقتصادي بين الصين و باكستان ,تم إمضاء 20 مشروع منها مشروع توليد الكهرباء  بالطاقة الشمسية بكلفة215 مليون دولار ,و يعتبر CPEC واحد من 6 محاور كبرى من مشروع طريق الحرير الجديد.New Silk Road

  إن مشروع طريق الحريرالجديد      يختصر     بعد الصين عن الشرق الأوسط بأكثر من 12000 كيلومتر أي 24 ساعة طيران تقريبا . أي تصبح الصين أقرب للشرق الاوسط ب 12000 كلم وهذا يجعل من الصين أقرب من الولايات المتحدة ويعتبر نقلة جيوسياسية لا يمكن منافستها.

     هناك مشروع تركماني بإيعاز أمريكي لمنافسة IP  و هو TAPIأي تركمانستان – أفغانستان – باكستان – الهند . لكنه يكلف 10 ملايير دولار أي 3 مرات أكثر من كلفة IP  و هو أمر مستحيل كونه يمر عبر أفغانستان و التي تجعله عرضة لتخريب الإرهاب ويجعل تكاليف حمايته باهضة للغاية . و لا يمكن أن يقبل أي مستثمر يرمي أمواله في مستنقع أفغانستان الذي لم يهدا منذ 1979 .

      إن إيران بحاجة إلى 180 مليار دولار لتطوير  منشأات تمكنها من تصدير غازها إلى أوربا و منافسة روسيا , لكنها لا تحتاج سوى 4 ملايير دولار لربطها مع باكستان و تتحمل الصين توصيل االأنبوب إلى الصين …و هي طبعا تستهلك كل الغاز الإيراني .إذن … العملية رابحة فإيران تتخلص من العقوبات و الصين تربح 12000 كلم و ربط دائم بالغاز و المواد الأولية ……..

  الخلاصة: إن سقوط الولايات المتحدة أمر وارد للغاية لو إستمرت الأنظمة في الصين وروسيا وإيران في نهج سياسات تحررية…وسيادية…لكن سقوط الولايات المتحدة سيكون ثمنه حرب عسكرية ستخلق نضام عالمي جديد….مختلف عن سايكس بيكو التي دامت طوال قرن من الزمن…..

   إن اللعبة الاقتصادية لصالح روسيا والصين وكلما إستمر الوقت كلما ترسخ الواقع الأوراسي الجديد .إنه واقع لا يعترف بالدولار كعملة إحتياط إجبارية ….لكن هل سيتغير ميزان النفوذ بدون ضجيج……؟؟؟ لا سيما وان ميزانية الولايات المتحدة العسكرية حوالي 600 مليار دولار في حين تنفق روسيا 65 مليار فقط….هل سيغلب بوتين وبيكين…..آلهة المال والذهب في واشنطن ؟؟؟

الرجاء ترك تعليق في صفحة الفايس بوك Si tayeb Kouider :

المراجع:

1- Pepe Escobar, Pipelineistan:the Iran Pakistan China economic connection, Asia Times, 14 August.2015

2- Jhon Pilger, A World war has begun: Break the silence.) Counter Punch .com 23 March 2016.

3- https://www.defense.gov/News/News-Releases/News-Release-View/Article/652687/department-of-defense-dod-releases-fiscal-year-2017-presidents-budget-proposal