يتصاعد اهتمام الصين بخلق موطئ قدم لها في الممرات البحرية المختلفة، لا سيما في القطب الشمالي، في ظل الانعكاسات المهمة لذلك الأمر على استراتيجية الطاقة والتنمية الاقتصادية الصينية، وهو ما يرتبط بمخاوف متزايدة من تحركات بكين من جانب بعض القوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة وروسيا. وفي هذا الإطار، يطرح “جيريمي جرينوود” الزميل بمعهد بروكنجز، رؤيته في تقرير بعنوان “هل الصين قلقة من نقطة الاختناق في القطب الشمالي؟”. ويمكن تناول أبرز ما جاء في التقرير على النحو التالي:

1– نشر سفن تابعة للجيش الصيني قرب ألاسكا: قام جيش التحرير الشعبي الصيني مؤخراً، بنشر أربع سفن في المياه الواقعة قبالة جزر ألوتيان في ألاسكا. وسلط هذا الأمر الضوء على العمليات البحرية المتزايدة من جانب الصين في منطقة المحيط الهادئ. ورأى الكثيرون أن بكين تستهدف من وراء هذا التحرك الاحتفاظ بقدرتها على تحدي الولايات المتحدة من الناحية الاستراتيجية، وتأكيد أنها أصبحت قادرة بدرجة متزايدة على القيام بعمليات نشر لأسطولها البحري في أماكن بعيدة.

وعلى الرغم من ذلك، رأى البعض أن الصين استهدفت تحقيق أهداف أكبر من ذلك، وأنها لم تَسْعَ فقط إلى الرد على العمليات الملاحية التي تقوم بها الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، بل تستهدف كذلك إرسال رسائل مزدوجة إلى كل من الولايات المتحدة وروسيا أن الوجود الصيني في القطب الشمالي غير قابل للتفاوض. جدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي ينشر فيها جيش التحرير الشعبي الصيني سفناً في ساحل ألاسكا؛ فقد حدث انتشار مماثل في عام 2015.

2– استكشاف الصين الممرات الملاحية القطبية: أشارت بكين إلى طموحاتها في المنطقة القطبية الشمالية في كتابها الأبيض الصادر عام 2018؛ حيث أبرزت أهمية الوصول إلى المنطقة. وفي ضوء ما ورد في هذا الكتاب، تسعى الصين إلى استخدام الطرق البحرية المختلفة، واستكشاف وتنمية الموارد في القطب الشمالي، التي سيكون لها عظيم الأثر على استراتيجية الطاقة والتنمية الاقتصادية في الصين، خاصةً أن الصين دولة تجارية محورية ومستهلك رئيسي للطاقة في العالم.

وتكمن أهمية القطب الشمالي في ضوء وقوعه على بعد 51 ميلاً فقط من البر الرئيسي لروسيا، والقطر الغربي من البر الرئيسي لألاسكا، مع تناثر الجزر الأمريكية والروسية بين مضيق بيرنغ المعروف عنه أنه نقطة الاختناق بين محيطات العالم. ويتعين على السفن أن تمر من خلال هذا المضيق للوصول إلى ما يسمى “الطريق البحري الشمالي” عبر الساحل الشمالي لروسيا، والوصول إلى الممر الشمالي الغربي الكندي، أو الاكتفاء بمطاردة الأرصدة السمكية المربحة أثناء هجرتها إلى الشمال بحثاً عن مياه أكثر برودة في مناخ تسيطر عليه درجات الحرارة العالية.

3– مخاوف روسية من طموحات بكين في القارة القطبية: رغم أن روسيا تحتفظ بعلاقات وثيقة بالصين، فإنها تبدو مترددة في تلبية الطموحات القطبية الشمالية لقوة غير قطبية. فروسيا تسيطر عليها فكرة أن المنطقة القطبية الشمالية يجب أن تكون محكومة من قبل دول القطب الشمالي فقط. وقد وصفت كل من الولايات المتحدة وروسيا مجلس القطب الشمالي بأنه المنتدى الأول للتعاون الحكومي الدولي بين دول القطب الشمالي.

وقد عملت كل من واشنطن وموسكو على تأخير حصول بكين على مركز المراقب في المجلس من عام 2007 إلى عام 2013. ويُشار في هذا الصدد إلى أنه في إطار القانون الدولي، لا يوجد بلد يملك القطب الشمالي أو منطقة المحيط المتجمد الشمالي المحيطة به. ومع ذلك، هناك خمس دول رئيسية تتقاسم النفوذ في المنطقة القطبية الشمالية المحيطة بها؛ هي: روسيا التي تمتلك الحيز الأكبر، وكندا، والنرويج، والدنمارك، والولايات المتحدة.

4– تحسُّب الصين لتداعيات التمسك بـ”المرور البريء”: ثمة مفارقة لافتة هي أن القانون الدولي للبحار الذي يتيح للصين الحق في المرور عبر مضيق بيرنغ، الذي يقود إلى القطب الشمالي، دون إخطار أي دولة؛ فإن هذا القانون نفسه يمنح باقي الدول الحق في المرور عبر بحر الصين الجنوبي، وهو الأمر الذي تسعى الصين، بكل ما أوتيت من قوة، إلى تقويضه. ورغم أن الولايات المتحدة ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإنها قبِلت بمعظم أحكامها المتعلقة بالاستخدامات التقليدية للبحار بوصفها عرفاً دوليّاً.

وحسب ما أشارت إليه بعض التقارير، فإن هناك ضغوطاً حاليةً على صناع القرار الأمريكيين للانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، على اعتبار أن ذلك سيخلق ضغوطاً على رغبة الصين في إلغاء القواعد الدولية التي تُكبل حركتها نوعاً ما. ومن ثم، تلتزم الصين بالحدود التي يفرضها القانون الدولي على المضايق المؤدية إلى القطب الشمالي، على اعتبار أن هناك وضعاً شبيهاً به هو بحر الصين الجنوبي.

وفي المجمل، على الرغم من تصاعد الجهود الصينية الرامية إلى تعزيز استفادة بكين من القطب الشمالي، فإن هذا الأمر محكوم بحدود معينة، يأتي على رأسها أن الصين دولة غير قطبية، وهو الأمر الذي يجعل دولة حليفة لها مثل روسيا لا ترحب بالطموحات الصينية في هذا الصدد. يُضاف إلى ذلك القيود التي يمكن أن يفرضها القانون الدولي، والتي تحجِّم الصين عن تصعيد نشاطاتها في القطب الشمالي والممرات البحرية المؤدية إليه.

المصدر:

Jeremy Greenwood, Is China worried about an Arctic choke point?, Brookings, September 22, 2021. Accessible at: https://www.brookings.edu/blog/order–from–chaos/2021/09/22/is–china–worried–about–an–arctic–choke–point/