دراسات أمنيةدراسات استراتيجية

الحرب الهجين وصمت المدافع: ما زال الوقت مبكرا

بقلم_التجاني صلاح عبدالله المبارك

في الوقت الذي يتحدث فيه الفاعلين بشكل متزايد ومتكرر عن الحاجة إلى مواصلة الأعمال القتالية في أوكرانيا، وإمداد المقاتلين بكميات وافرة من الأسلحة والآليات والذخائر، وتدريبهم على أراضيها، فإن روسيا كانت تؤكد أن تدفق هذه الأسلحة والآليات والمدرعات لن يؤدي إلا إلى زيادة أمد الصراع، ومحضت النصح بأن ينشغلوا بمستقبلهم، والا فإن هذا من شأنه يتسبب في مزيد من الخسائر الفظيعة في أوكرانيا، وان هذه الأسلحة والآليات التي يتم نقلها، ستمثل هدفا مشروعا لنيران الجيش الروسي، في حروب هجينة تقتضي استعمال الوسائل التقليدية وغير التقليدية في القتال، بغرض التكيف مع الأهداف المطلوب تحقيقها. 1

ولأن أوكرانيا تعتبر منطقة ذات أهمية جيو سياسة للولايات المتحدة تتمثل في محاصرة النفوذ الروسي السياسي والعسكري والاقتصادي، فقد قررت منذ بداية الحرب لمحاصرة ذلك النفوذ الذي يسعى حثيثا إلى استعادة أمجاد الهيمنة الروسية، إلى أن تستعين بحلفائها في المنطقة، في تقديم كل ما يستطيعون من وسائل الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا.

لذلك الاعتبار، أعلنت القيادة الأمريكية عن قرارها الأخير تزويد أوكرانيا بدبابات أبرامز، التي لن يتم توفيرها من مخزون وزارة الدفاع بل سيتم التعاقد بشأنها، بينما أعلنت المانيا من ناحية ثانية، أن المستشار الألماني ” شولتز” وافق على تزويد أوكرانيا بدبابات ليوبارد 2 ،وذهب وزير الدفاع الألماني “بستوريوس” إلى ابعد من ذلك، فقد قال إن بإمكان الدول التي تمتلك دبابات ليوبارد الألمانية أن تزود أوكرانيا بها، وأن بلاده لن تعترض على ذلك، وأعلنت فرنسا من ناحية ثالثة عن نيتها تسليم أوكرانيا مدافع “سيزار” جديدة، ولا تستبعد إمكانية إرسال دبابات لوكليرك، إلا أنها أشارت إلى عدة معايير ينبغي أن توضع في الاعتبار، منها ألا يضعف ذلك قدرات الناتو الدفاعية، وأن تقدم الدبابات دعما حقيقيا وفعالا للقوات الأوكرانية، ومن ناحية رابعة فقد توقع المسؤولين العسكريين البريطانيين أن دبابات “تشالنجر 2” ربما تصل في نهاية شهر مارس/آذار إلى أوكرانيا.

دبابات ليوبارد 2 الألمانية المزمع تسليمها للقوات الأوكرانية، دخلت الخدمة أول مرة عام 1979، وتعد من بين أفضل الدبابات في العالم وتصفها الشركة المصنعة لها بأنها جمعت مزيجا مثاليا من الحماية والتنقل، والقدرة على المناورة والقوة النارية، وتستخدم الدبابة الألمانية في 21 بلدا آخر، معظمها أعضاء في حلف الناتو، وتعد النسخة “ليوبارد 2 إيه4” (Leopard 2A4) الأكثر تصنيعا، وإضافة إلى قدرتها القتالية العالية فهي تستطيع عبور الأنهار وتستمر في القتال.

أما ابرامز الأمريكية فقد دخلت الخدمة عام 1980 وتستخدم في تسعة دول أخرى، وتعتبر النسخة الأحدث منها هي “إم1إيه2 إس إي بي” (M1A2 SEP) وتزن دبابة إم1 أبرامز نحو 63 طنا، وهي مسلحة بمدفع رئيسي من عيار 120 ملم، ورشاشين عيار 7.62مم، وزودت الأبرامز بمحرك توربيني بقوة 1,500 حصان، ومن مميزات هذه الدبابة هو درعها الثقيل واستخدامها لمحرك توربين غازي والاعتماد على الدرع المركب المتطور، وخزانة ذخيرة منفصلة في غرفة الإطلاق لسلامة أمن الطاقم، وتعتبر أم 1 أبرامز من أثقل الدبابات القتالية الأساسية في الخدمة حاليا.

ومن مميزاتها أيضا القدرة على الاختفاء أثناء التحرك، فلها تجهيزات لإنتاج الدخان ذاتيا من طريق دورة الوقود، وقاذفان على جانبي البرج، لإنتاج ستارة دخان تخفي التحركات وتمتلك الدبابة جهاز لإطفاء الحريق يعمل بغاز الهالون والنتروجين المضغوط، بزمن رد فعل 0.002 ثانية، وإمكانية إطفاء الحريق في خلال 0.1 ثانية؛ ويمكن تشغيله آليا أو يدويا، كما تمتلك جهاز لضبط درجة الحرارة.

ورغم أن دبابات ليوبارد الألمانية وابرامز الأمريكية تعطي درجة عالية من الأمان والقدرة على توجيه ضربات ساحقة بعيدة المدى بحيث لن تستطيع الدبابات الروسية الاقتراب منها، ولها القدرة على الصمود في أماكن إطلاق النار وقدرة على رصد أهداف العدو وإن كانت بعيدة، ما يمنح المشاة من الجنود فرصة للتقدم، إلا أن تقديرات القيادة الأوكرانية تؤكد الحاجة إلى 300 دبابة للتصدي للهجوم الروسي، مع هذا هناك عدة معوقات تقلل من اعتماد الجيش الأوكراني الكامل على هذه الآليات منها:

1 _تسليم الدبابات لن يكون على الفور، لأن تدريب الجنود الأوكرانيين عليها سيستغرق وقتا طويلا.

2_تدفق العشرات من الدبابات الأمريكية والألمانية سوف يساعد الجيش الأوكراني على التحرك بشكل أسرع، ولكنها تبقى غير كافية دون غطاء جوي قوي.

3_الوقود المستعمل في دبابات ابرامز هو وقود الطائرات عكس ليوبارد التي تعمل بالديزل، وعدم ملاءمة ابرامز لطبيعة المعارك حاليا.

4_ سيقوم الجيش الأميركي بتدريب فرق الصيانة للتعامل مع أي أعطال أو مشاكل تقنية تعترض هذه الدبابات، حتى لا تحدث أخطاء تكتيكية تؤدي إلى تدميرها أو إعطابها وتوفير قطع الغيار التي ستحتاجها الدبابات وكل هذا يحتاج لوقت.

5_الصيانة المكلفة لهذه الآليات باهظة الثمن.

مع ذلك فإن الأرجح ألا يقل تأثير الدبابات الأمريكية والألمانية والبريطانية في ساحة الحرب عن الأثر الذي أحدثته مسيرات “بيرقدار” التركية في بداية الحرب، ولاحقا مدافع “هاوتزر” وأنظمة “هيمارس” الصاروخية؛ صحيح أن الدبابات يمكن أن تغير من موازين القوى على الأرض وترجح كفة الانتصار الحاسم في وجود غطاء من سلاح الجو، إلا أن كل ذلك مرهون بوجود كميات كبيرة منها وحصول مقاتليها على تدريبات كافية ووافرة في استخدامها.

وفي رأينا الخاص انه ما زال الوقت مبكرا للحديث عن صمت المدافع في الحرب الهجين الأوكرانية لعدة أسباب يمكن أن نسرد منها:

1_أن روسيا تنازل جيشا تقف خلفه الولايات المتحدة والدول الغربية من منطق أسباب وجودية تتعلق بماضيها وتاريخها وأمجادها ونفوذها، وهو ما يضيق من فرص الحل السياسي، وتدير حربا تختلط فيها الوسائل التقليدية وغير التقليدية مثل استخدامها للمسيرات في تدمير البني التحتية، ومراكز الطاقة في أوكرانيا.

2_تعتبر الولايات المتحدة رابحا للحرب في كل الأحوال سواء خسرتها على الأرض أم كانت منتصرة، لأنها تستخدم القوة الناعمة في إدارة الحرب بما يضمن لها انهاك الدب الروسي لأقصي الحدود، ولأنها لم ترسل جنديا أمريكيا واحدا طيلة عشرة اشهر كاملة، فضلا عن المكاسب الاقتصادية التي تجنيها في صناعة الأسلحة في وقت يعاني فيه حلفائها الأوربيين من نقص السلاح والذخائر.

3_صمود الروس على مدى عشرة أشهر في مواجهة أوكرانيا وحلفائها من الدول الغربية والولايات المتحدة من غير استعانة بحلفائهم مثل الصين وكوريا الشمالية، أو الحلفاء المحتملين مثل ايران، من شأنه أن يجعل مستقبل الأزمة الأوكرانية مفتوح النهاية وقابل للعديد من الفرضيات والاحتمالات.

4_احتمال هزيمة روسيا على الأرض في الحرب التقليدية لا يعني بالضرورة الهزيمة الكاملة، وربما يعجل من لجوئها إلى الزر النووي كما تنبأ “رمضان قاديروف” .

الهوامش:

1_Pyung-Kyun, Woo,” The Russian hybrid war in the Ukraine crisis: Some characteristics and implications “, The Korean Journal of Defense analysis, Vol 27,No 3,South Korea:(Korea Institute for defense analysis), September, 2015,p 384

4.8/5 - (5 أصوات)

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى