قضايا سياسية

الحركة الاسلامية في السعودية – وليد عبد الحي

في أطروحة الدكتوراة التي تقدم بها الباحث الفرنسي Stephane Lacriox تحت عنوان ” Le Islamistes Saoudiens;Une Insurrection Manquee والمنشورة عام 2010 ، يحلل الباحث الحركة الاسلامية السعودية في حوالي 380 صفحة ، ويمكن للباحث العربي بعد أن تمت ترجمة الدراسة عام 2012 أن يطلع على ما يمكن اعتباره “أفضل” بحث عن هذه الحركة لا سيما أن إعداد الدراسة استغرق ست سنوات واستعان الباحث إلى جانب المراجع العربية والانجليزية والفرنسية بالمقابلات مع عدد كبير من قيادات هذه الحركة (بتفرعاتها العديدة) في داخل السعودية وخارجها.
ويمكن تحديد أبرز ملامح هذه الاطروحة العلمية في التالي:
1- ان الحركة الاسلامية في السعودية هي حركة “هجينة” تأثرت في أسسها باصول سعودية ومصرية وباكستانية وهندية وسورية ويمنية بشكل رئيسي دون اغفال التأثيرات الاقل شأنا لاصول اردنية وفلسطينية ومغاربية، وقد ادى ذلك كله لفقدان هذه الحركة “هوية” واضحة أو قضية محددة.
2- التشظي والتغير المستمر في المواقف والقدرة على إكتشاف نصوص دينية تبرر التغير في الموقف،ويكفي أن نستعرض “التشظيات الهائلة في الحركة” لنتكتشف ذلك، مثل :الوهابيون التقليديون، الاخوان المسلمون (القطبيون، البنائيون(نسبة لحسن البنا) أو الاقصائيون والاحتوائيون، الصحويون، جماعة دخنة وجماعة – اخوان الصليفيح، واخوان الزبير واخوان بريدة، واخوان الحجاز(منهم عوض القرني ، وقد فشلت هذه الاجنحة في التوحد،) الجماعة السلفية المحتسبة،جماعة التبليغ،أهل الحديث الرفضيين( بعد تحول حركة جهيمان العتيبي)،الجاميون، الحركات الشيعية( الخمينيون والشيرازيون)، صوفية الحجاز مثل الحبيب الجفري(الطريقة الباعلوية) والجهاديون و. الحركة السرورية..الخ.
3- أن العلاقة بين اجنحة هذه الحركة المختلفة وبين السلطة ليست ذات طابع واضح، فمن علاقة عدائية مع تيار لعلاقة تعاون في نفس التيار في مرحلة أخرى، دون أن ينفي وجود مراحل ساخنة بين الطرفين ومع بعض التيارات دون غيرها(أنظر الصفحات من 268-298 حول العصا والجزرة في سياسة السلطة مع هذه التيارات)
4- تقوم نظرية الباحث على أن نقطة الضعف في الحركة الإسلامية السعودية هي في ما اسماه انفصال المجال، ويرفض الباحث التفسيرات الاجتماعية النفسية او نظريات الكاريزما ويؤكد على نظرية بورديو “ميدان السلطة” وانقسامها لمجالي الديني والسياسي في السعودية، وهذا الانشطار في المجال جعل الديني والثقافي يتغلبان على المجال السياسي وهو أمر تحبذه وتغذيه السلطة، ويشير الباحث أن المجال السياسي والذي تسيطر عليه العائلة المالكة منفصل عن المجال الديني والثقافي ،بل إن العائلة الحاكمة كلها ليس فيها عالم دين واحد، بل إن لباس رجل الدين (بدون عقال) مؤشر على التمايز المقصود بين المجالات. كما يتبنى الباحث فكرة أنه في الدولة الريعية تميل المعارضة لأن تكون ثقافية أكثر منها سياسية ،وهو حال السعودية.كما يؤكد الباحث على انفصال راس المال الاجتماعي عن راس المال الاقتصادي في بنية المجتمع،وهو ما يعزز تعدد المجالات والحيلولة دون وجود فضاء واحد ، وكثيرا ما تم التقارب بين المجالات من خلال ما يسميه الباحث نقلا عن فكرة ميشيل دوبريه” الصفقات التواطؤية”.
5- أن الحركة الاسلامية بما فيها الاخوان بأجنحتهم المختلفة في السعودية كانوا مع النظام في الموقف من عبدالناصر والحرب في اليمن وضد التيارات القومية واليسارية والليبرالية، وأحيانا كانوا ضد السلطة كما الموقف من وجود القوات الغربية على الاراضي السعودية بعد أزمة الكويت. فالملك فيصل وظف الاخوان في دعايته الخاصة بالتضامن الاسلامي نظرا لقصور :النخب الوهابية ” في مجال الدعاية السياسسية لمواجهة عبد الناصر(إذاعة صوت الاسلام لمواجهة إذاعة صوت العرب)، الجامعة الاسلامية لمنافسة الازهر، الرابطة الاسلامية..الخ. مع أن عبدالعزيز رفض طلبا للبنا بالعمل السياسي في السعودية منذ بداية العلاقة بين الطرفين. كما منع الملك فيصل مناع القطان من فتح فرع للاخوان في السعودية.
6- مع أن نشوء الدولة قام على العنف في البداية، لكن العنف توارى حتى 1979 مع حركة جهيمان العتيبي، ثم كمن حتى ظهور القاعدة وبن لادن
7- أن نجاح السلطة في امتصاص الاحتقانات له صله مباشرة وواضحة بأسعار البترول، فمع الارتفاع تصبح السلطة أكثر قدرة على عرض الجزرة.
8- يمكن اعتبار التأثير المصري هو الأعمق في الحركة الإسلامية السعودية، بخاصة الاخوان المسلمين المصريين ، بل ‘ن المعارك الفكرية في مصر أو بين النخب الاخوانية انتقلت إلى النخب السعودية. ويشير للتأثير الخارجي من خلال:
أ‌- موضوع العقيدة هو الذي بقي تحت سيطرة النخب الوهابية لكن المصريين اخترقوا هذا الموقع لاحقا وبالتدريج
ب‌- حلقات تحفيظ القرآن كانت بايحاء من التجربة الباكستانية في هذا المجالج-
ت‌- نقل المخيمات الكشفية من الاخوان للتجربة السعوديةث-
ث‌- الاخوان حركة سياسية( ضد الغرب والنظم الكافرة) اما الوهابية فهي حركة دينية(ضد البدع،ولم تعن بالسياسة بل اعتنت بعداء الفرق الاسلامية الاخرى خاصة الشيعة والصوفية)ج-
ج‌- التيار القطبي كان هو السائد بين مصريي السعودية
ح‌- ان محمد قطب لعب دورا في تنقية فكر سيد قطب من ما يزعج الوهابية مثل كتبه قبل الظلال وبخاصة كتاب العدالة الاجتماعية
خ‌- يتناول الباحث كتاب الولاء والبراء في الاسلام (محمد سعيد القحطاني ) واثره في تكريس الجوهر الوهابي من الآخر بخاصة دعم التيار الاقصائي الوهابي، ثم يتناول كتابات عبد الرحمن الدوسري(ثالث المؤثرين في الصحوة) وهو صاحب الترويج لفكرة دور الماسونية في خلق الحركات العلمانية،
ويتناول الباحث الهيئات الدينية الرسمية( هيئة كبار العلماء ..الخ) وكل اعضاؤها ينتمون “للارستقراطية الدينية النجدية)
ويحلل دور الحركة السلفية ” المحتسبة” في نقد السلطة(بشكل مبطن) في فترة السبعينات(الاكثر حرية) خلافا لجماعة التبليغ0الهندية الجذور والتي تغلغلت في المجتمع السعودي)
ويولي الباحث عناية للشيخ الالباني(وما نتج عنه من ظهور اهل الحديث وانتقاداته لقطب والبنا وترويجه مبدأ من السياسة ترك السياسة ودعوته للفلسطينيين لمغادرة اراضيهم لانهم لم يعودوا قادرين على ممارسة دينهم تحت الاحتلال) وتحدي الهيمنة الاخوانية (وعلى جذعه برز جهيمان العتيبي)+ تحدي التيار الأخواني الاقصائي(أخوان بريدة وغيرهم) + الجهاديون (المدرسة الافغانية) ، ثم يناقش دور ابوبكر الجزائري من قادة الجماعة السلفية المجتسبة والانشقاق عن جهيمان العتيبي ،بسبب الخلاف على أذان الفجر في رمضان,وتتضح أدبيات هذه الجماعة في الرسائل المنشورة(عددها 12 بين 1978-1979)
ويشير الباحث إلى أن رسائل جهيمان العتيبي طبعتها مطابع دار الطليعة اليسارية الكويتية.. ويؤكد ان جهيمان يرفض البيعة لآل سعود(لانهم غير قرشيين) لكنه بقي ودودا تجاه ابن باز..وتبرز رسالته الاولى نزعته المهدوية ومحاولاته اثبات اقتراب “آخر الزمان” وكيف حدد المهدي من خلال حلم في شخص صاحبه محمد القحطاني(في معركة الكعبة سلاح جهيمان كان مهربا من اليمن) ثم كيف انتهى الهجوم ودور القوات الخاصة الفرنسية بقيادة الكولونيل بول باريل.
تحولت حركة جهيمان بعد ذلك لتيار عرف باهل الحديث الرفضيين والذي شكل ابو محمد المقدسي عرابهم الفكري والذي كان بدوره متأثرا برسائل جهيمان وخاصة الاولى منها(كتاب المقدسي : الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية”
ثم يستعرض الباحث نقد عبدالله الدويش لقطب.. ويشير لاخوان بريدة(موالون للسلطة في فترة طويلة من وجودهم لكنهم تعرضوا للاضطهاد لاحقا) .
ويتناول صراع الاخوان مع الوهابية-،وتشرذم الوهابية بين : الصحويين، والاقصائيين، والجماعة السلفية المحتسبة، واخوان بريدة. والجهاديون(بخاصة في ظل فتاوى عبدالله عزام الذي واجه نقدا من سفر الحوالي الذي ثبط همم الدعوة لمساندة افغانستان لان الافغان: ماتريديون قريبون من الاشعرية التي تعطي العقل مكانة أعلى، )..الخ
وفي احصاء عينة من اعضاء الجماعة السلفية المحتسبة يتبين أن اكثر من 51% من الاعضاء هم من البدو القبليين، بينما شكل الأجانب حوالي 23% من الحركة، وتزايد دور الحجازيين الحضريين على حساب النجديين
وفي تحليله لأزمة الصحوة يرى الباحث ان الخلاف بداية بين السروريين ويقودهم سلمان العودة وامتداداتهم في المنتدى الاسلامي في لندن ومجلة البيان(الاكثر عداء للشيعة) والاخوان(الأقل عداء للشيعة) لكن الثورة الايرانية امتصت الخلاف بين التيارين. ويفرد الباحث مساحة واسعة للمساجلات بين شظايا هذه الحركات مثل: عداء الصحوة للعلمانيين واليساريين الذن تجندهم امريكا ويتولوا المناصب العليا( مثل ابو الخيل والقصيبي واليماني…الخ) ومعهد الادارة العامة والصراع الاشرس في النوادي الثقافية وحول معركة الحداثة. وتركزت نقاط التعارض من قبل الصحويين مع النظام في موضوعات مثل تواجد القوات الامريكية في السعودية، الموقف من التطبيع مع اسرائيل، مساندة السعودية انفصال الجنوب اليمني عن الشمال عام 1994.
واشار الباحث إلى أن شرعية السلطة كانت تتزعزع قبل حرب الخليج في الميدانين الثقافي والديني، وهو ما دفع السلطة لاستنفار الهيئات الوهابية التقليدية والليبراليين بينما في المعارضة كان سفر الحوالي بخاصة يحرض ضد القوات الامريكية في السعودية( وجرى التركيز على نقد ابن باز لجلب عبد الناصر الخبراء الروس بينما برر جلب الامريكيين للجزيرة)، كما برز الخلاف مع السلطة من خلال ظهور العلماء المستنيرين بعد غزو الكويت والذين تاثروا بالترابي والغنوشي(من ابرزهم سعد الفقيه) وساندوا الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائر(وكانت الحكومة معادية لها)(واختصر الاسم لهذه المجموعة باسم لجام:لحنة الجامعة للاصلاح والمناصحة)، ثم يعرض ظهور فكرة العرائض مثل ما سمي خطاب المطالب عام 1991 والذي وقع عليها ابن باز وبن العثيمين.
وحول المعارضة الشيعية السعودية يشير الباحث إلى تيارين هما :الخمينيون(نسبة للخوميني)، والشيرازيون(محمد الشيرازي عراقي الجنسية) وهم الذين اسسوا الثورة الاسلامية في الجزيرة العربية عام 1975(حسن الصفار) ثم تحولوا نحو “الحركة الاصلاحية “منادين بمجتمع مدني دون تمييز، واقاموا بعض العلاقات مع تيار الصحويين
ويخلص الباحث لبعض الدروس مثل:
1- حركة الخارج لها دور كبير في الحركات السعودية ، لكنها جاءت بخلفيات لا يشاركها فيها المجتمع السعودي
2-الحركات الإسلامية في الدول العربية نشأت على هامش الدولة بينما في السعودية نشأت من رحمها
3- الانتفاضة القادمة على المدى المتوسط هي احتمال غير مستبعد

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock