ليست الولايات المتحدة هي الأمة الوحيدة التي أولت أهمية استراتيجية أكبر للشؤون الاقتصادية وشؤون الموارد في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فمنذ 1990 فعلت ذلك كل حكومة كبرى تقريباً. وفي حين أن السمة الخصوصية لإعادة الهيكلة هذه قد اختلفت من بلد إلى آخر، كانت النتيجة الإجمالية لهذه الجهود هي ما يمكن تسميته اصطلاحاً إضفاء الطابع الاقتصادي على قضايا الأمن الدولي. كما في الولايات المتحدة، أدت هذه العملية في الغالب إلى تشديد مضاعف على حماية الموارد الحيوية وطرق التجارة. فقد أضفت روسيا، على سبيل المثال، أهمية قوية على أمن امتداداتها النفطية والمعدنية الهائلة وأراضيها الواسعة البعيدة عن الشواطئ.


ففي العقيدة العسكرية التي وافق عليها الرئيس فلاديمير بوتن في 21 نيسان/أبريل 2000 يلاحظ أن وظائف القوات المسلحة الروسية تتضمن خلق الشروط لأجل أمن النشاط الاقتصادي وحماية المصالح القومية للاتحاد الروسي في البحار الإقليمية، على الرف القاري، وفي النطاق الاقتصادي الحصري (قبالة الشواطئ) للاتحاد الروسي وفي أعلى البحار، كما وسعت موسكو متناولها إلى بحر قزوين، متنافسة في الغالب مع واشنطن على النفوذ في الدول المستقلة حديثاً في آسيا. وقد عدّلت الصين واليابان بالمثل سياستهما الأمنيتين وفقاً للأولويات الاقتصادية الجديدة فقد قلص الصينيون قوتهم على الحدود مع روسيا، في حين أنهم يوسعون متناولهم إلى بحر الصين الجنوبي، وهي منطقة متنازع عليها، يعتقد أنها تحوي احتياطات هائلة من البترول والغاز الطبيعي.
بالنسبة لدول كثيرة، فإن حماية مكامن النفط والغاز هي التي تحكم التخطيط الاستراتيجي. لكن الماء لا النفط هو مصدر القلق الأكبر بالنسبة لدول أخرى. فقد صرّح بطرس غالي، الذي كان آنذاك وزير دولة للشؤون الخارجية المصرية، في عام 1988 بقوله: “إن الحرب القادمة في منطقتنا ستكون بسبب مياه النيل، وليس بسبب السياسة” وقد صدرت تعليقات مماثلة بخصوص مياه نهر الأردن ودجلة والفرات، والشبكات الرئيسية الأخرى التي تمون بلدين أو أكثر. في هذه المناطق يكون الصراع على الماء ظاهرة متكررة وعنيفة في أغلب الأحيان.
بالإضافة إلى ذلك فإن التنافس على الموارد الأخرى، بما في ذلك المعادن، والأحجار الكريمة، والخشب، قد أدى أيضاً إلى الصراع في بعض المناطق. ولكن لماذا أصبحت الموارد بهذه الأهمية؟ إن اعتماد سياسة أمنية ترتكز على الاقتصاد ويؤدي بشكل شبه دائم إلى تشديد زائد على الموارد-على الأقل بالنسبة لتلك الدول التي تعتمد على واردات المواد الخام لأجل قوتها الصناعية. أضف إلى ذلك الطلب العالمى على الموارد الأساسية الكثيرة والتي يتنامى بمعدل لا يمكن تلبيته لما كان عدد البشر يزداد، فإن المجتمعات تتطلب المزيد من كل شيء (الغذاء، الماء، الطاقة، الفلذات، الألياف….).
ضمن هذا الإطار يطرح المؤلف موضوعه في محاولة للاقتراب أكثر من مسألة الحروب التي تشهدها الساحات العالمية والتي تطلق عليها شعارات: محاربة الإرهاب، عاصفة الصحراء وغيرها… وهدفه من هذا الاقتراب تلمّس الدافع الحقيقي الكامن في السيطرة على الموارد فكانت هذه الحروب في حقيقتها هي حروب الموارد. لم يقف الكاتب على أعتاب هذه الحروب بل هو تغلغل وبعمق في استجلاء مكامن الخطر في دول العالم النامية والمتجمعة في قارتي آسيا وأفريقيا هذا الخطر الذي تسببه الموارد التي تمتلكها، بكافة أشكالها وذلك في محاولة لاستقراء جغرافية محتملة لحروب تلك المناطق التي يمكن أن تشنها دول النفوذ في عالمنا اليوم.
وللقارئ الاطلاع أكثر على المحاور التي تطرق إليها المؤلف في معالجته هذه والتي جاءت على الشكل التالي: الثروة والموارد والقوة: المعالم المتغيرة للأمن العالمي، النفط والجغرافيا والحرب: السعر التنافسي وراء وفرة النفط، الصراع النفطي في الخليج، الصراع على الطاقة في حوض بحر قزوين، حروب النفط في بحر الصين الجنوبي، الصراع على الطاقة في حوض بحر قزوين، حروب النفط في بحر الصين الجنوبي، الصراع على الماء في حوض النيل، الصراع المائي في أحواض نهر الأردن ودجلة-الفرات ونهر الهندوس، الاقتتال على ثروات الأرض: الحروب الداخلية على المعادن والخشب، الجغرافيا الجديدة للصراع. الملحق: النزاعات الإقليمية في المناطق الحاوية على النفط و/أو الغاز الطبيعي.
ويمكن القول بأن الكاتب طرق موضوعه هذا من خلال فكر موضوعي ومنهجية علمية تحليلية، مما أضفى على المعالجة صفة المصداقية، وزاد من ذلك استناده إلى مصادر هامة تضمّ وثائق حكومية بالإضافة إلى نشرات صناعية وعسكرية متخصصة غير متوفرة للقارئ العادي.