المخبرون، أو كما يلقبون في الشارع “les indicateurs”، أو “الحنوشة” كما يلقبهم البعض، هم عصب ومحرك الآلة الأمنية في كل دول العالم، لكنهم في ذات الوقت أشخاص منبوذون في المجتمع. فما هي حقيقتهم؟

ارتبط المخبرون السريون في الجزائر بلقب “الحنوشة”.. هذا التعبير الشعبي يعود أصل استعماله إلى العهد العثماني، أي قبل أكثر من 200 سنة. يقول الأستاذ عوال خالد، المتخصص في التراث الشعبي والباحث في التاريخ: “إطلاق اسم الحنوشة بدأ في العهد العثماني عندما ارتدى جنود الداي للمرة الأولى أحذية سوداء اللون، وأطلق سكان القصبة في تلك الفترة لقب الحنش على هذه الأحذية الجديدة لأنها تشبه في سوادها الحنش غير السام، ثم أُطلق على الجنود لاحقا، واختفى، إلى أن عاود الظهور بعد الاستقلال”.

نقطة القوة هي نفسها نقطة الضعف

كل شيء في الدنيا وكل عمل له نقطة قوة، لكن المفارقة أن تكون نقطة قوة العمل أو النشاط هي ذاتها نقطة الضعف القاتلة. هذه هي حالة المتعاونين مع مصالح الأمن في مكافحة الجريمة واللصوصية والإرهاب. إنهم مجموعة من الرجال المخفيين، يستمدون قوتهم من التخفي الذي يؤدي إلى إهمالهم بالكامل، حتى عندما يتعرضون لتصفية الحساب أو القتل. فضلا عن هذا، فإن هذا العمل تحديدا تطوعي يتم دون مقابل مالي.. إنهم جنود الخفاء في الحرب على الإرهاب والجريمة، لكنهم ممنوعون من تقلد شرف الجندية، يعملون بلا مقابل، ورغم أهميتهم فلا أحد يذكرهم، وكل حديث عنهم لا يخرج عن إطار الإساءة والازدراء وأحيانا التحقير.

قال نابليون بونابرت عن قيمة الجواسيس في الحروب: “جاسوس واحد يغني عن 30 ألف جندي في المعركة”، لكن هذه القيمة لا يعترف بها رجل الشارع العادي.. فبالنسبة له المخبر هو الشخص الذي يراقبه ويشي به لمصالح الأمن، ويخلق له المتاعب. الناس لا يحبون المخبرين والمتعاونين مع المصالح الأمنية في أغلب دول العالم، بينما لا يدركون أن المخبرين هم يد وعين العدالة والأمن والوسيلة التي تسمح للمحققين بحل ألغاز الجرائم الكبيرة.

تقول دراسة أمنية اجتماعية أعدها الباحث الأمني المصري الدكتور مسعد عبد الخالق: “يفضل الناس البقاء بعيدا عن رقابة الدولة وأي وسيلة رقابة حكومية، لذا يرفضون فكرة وجود أشخاص يراقبونهم، ينقلون أخبارهم للجهات الأمنية.. ويتفاوت رفض وجود مخبرين في المجتمع بين بيئة وأخرى، ففي الأرياف يكون الرفض أشد من المدن، والأمر نفسه في المجتمعات المغلقة أو الغيتوهات، مثل الأحياء التي يقيم بها أشخاص ينحدرون من نفس القبيلة أو ينتمون لنفس المكون الإثني للأمة”.

ممنوع دخول المخبرين!

في شارع فرعي مظلم تتوقف سيارة الضابط، ويهم رجل بسرعة لركوب السيارة حتى لا يثير الانتباه، تنطلق السيارة إلى مقهى بعيد أو مطعم معزول، حيث يتم استجواب المخبر من الضابط حول تفاصيل جريمة ما أو حول شبكة تهريب مخدرات، بل وأحيانا عن جماعة إرهابية أو قضية فساد كبيرة..

يعيش المخبرون في الظل، ويموتون أحيانا في صمت، ويقول هنا “خ.س”، شرطي متقاعد طلب عدم نشر اسمه: “المخبرون من الدرجة الأولى أو المتعاونون مع مصالح الأمن ممنوعون من دخول كل المقرات الأمنية، وإذا قُدر لك أن تشاهد شخصا ما يتردد باستمرار على مقر هيئة أمنية فاعلم أنه لا يتعاون ولا يقدم أي معلومات للأمن، أما من يقدم المعلومة فيجب أن يبقى في الظل، هذا ليس من أجل حمايته بل لأن ظهوره في أي موقع أمني يجعله محل شبهة لدى العصابات الإجرامية أو المنحرفين، لهذا فإن الحقيقة التي يجهلها الكثيرون هي أن المخبرين الحقيقيين لا يعرفهم إلا عدد قليل جدا من رجال الأمن، بل أحيانا يعرفهم رجل أمن واحد، وهنا يجب أن نفرق بين المواطن العادي الذي يبادر لتقديم معلومات لمصالح الأمن والمتعاون الذي ينخرط في جهود مكافحة الجريمة”.

المفاوضات مع “البروكيرور”

يأتي ضابط الشرطة أو الدرك إلى مكتب النائب العام، ويحمل معه عرضا من أحد المشتبه فيهم في قضية جنائية، من أجل تقديم كل التفاصيل المتعلقة بالجريمة أو بالعصابة، مقابل تخفيف العقوبة، وبعض المتهمين يحتاجون لضمانات تسمح بتخفيف عقوباتهم قبل تسليم أنفسهم وتقديم المعلومات، وهذا يتطلب تسوية قانونية تراعي طبيعة الجريمة ونوعية المعلومات التي يتم تقديمها.

وبينما لا يثق بعض المبلغين عن الجرائم من المتورطين في العصابات بتعهدات المحققين، يفضلون إبرام صفقة مع وكيل الجمهورية أو النائب العام، مفادها تقديم معلومات دقيقة حول نشاط إجرامي معين يكونون هم متورطين فيه، مقابل تخفيف العقوبة أو اعتبارهم شهودا، وتتعقد المهمة أكثر في حالة ارتباط الجريمة بعصابة دولية كبيرة أو تنظيم إرهابي، حيث تصبح حياة المبلِّغ عن الجريمة في خطر، ويمكن للمتهم طبقا للقانون الحصول على تخفيف العقوبة إذا كان متورطا بشكل مباشر، أو البراءة إذا كان تورطه غير ثابت بالأدلة.

يقول هنا واجدي سليم، طالب دكتوراه في القانون الجنائي: “تنص المواد من القانون الجزائي 92 و179 و199 على إعفاء المتهمين من العقوبة في حالة الإبلاغ عن الجرائم، بشكل خاص الجرائم الخطيرة، وقد عد القانون الجزائي التبليغ عن الجريمة عذرا مخففا، لكن في بعض الأحيان يرغب المتهم في الاطمئنان أكثر على وضعه في القضية، لهذا يبادر إلى الاتصال بالجهات القضائية، سواء بشكل مباشر أو عن طريق مصالح الأمن، وفي العادة وقبل الموافقة على منح المتهم هذه الصفة، يتم التأكد من مصداقية المعلومات التي يقدمها، كما أن التبليغ عن الجرائم قد يتواصل لمدة طويلة تسبق توقيف المتهمين، لأن تفكيك التشكيلات الإجرامية الخطيرة يتطلب عملا قد يتواصل لأشهر”.

الحرب مع المحامين!

تتضمن محاضر الضبطية القضائية عبارات في كثير من الأحيان تؤكد وجود عامل خفي ساهم في كشف ملابسات القضية وسهل مهمة المحققين، عبارات مثل: حصلت المصلحة على معلومة مفادها وجود عصابة تبيع المخدرات، أو: أفضت تحريات المصلحة للتعرف على مخبأ المخدرات، أو: إثر بلاغ من مواطنين، دون أن تتم الإشارة إلى هوية أصحاب البلاغ.. هذه العبارات التي تكون بداية إدانة المتهمين في القضايا الجنائية هي ذاتها الثغرة التي يستغلها المحامون في الدفاع عن المتهمين أمام قضاة التحقيق، ثم أمام المحاكم، بعض المحامين يطعنون في محاضر التحقيق بناء على هذه العبارة، بل يطلب بعضهم حضور المواطن صاحب البلاغ لسماعه داخل قاعة المحكمة، وبما أن القضاة يتفهمون رغبة مصالح الأمن في الحفاظ على سرية مصادرها، فإن مرافعة الدفاع تتحول إلى معركة بين المحامي وممثل النيابة، وقبل المحاكمة يحاول المحامي تهديم الاتهام من خلال التشكيك في محاضر الضبطية القضائية، باعتماد قاعدة المجهول لا يُبنى عليه.

يقول المحامي لبيض جلال الدين: “تقع إشكالية خطيرة في حالات اعتماد محاضر الضبطية القضائية على معلومات جوهرية حول الاتهام في القضايا الجزائية بناء على التحريات، لأن القاضي سواء في النيابة أو في القضاء الجالس يمكنه رفض نتيجة التحريات، وأحيانا يطلب حضور الشاهد السري أو المبلغ السري عن الجريمة، أو المتهم، كما أن الدفاع لديه الحق في طلب كشف هوية المبلغ، وقد حصر قانون الإجراءات الجزائية، في ضوء التهديدات والاعتداءات التي تمارس ضد الشهود والخبراء وأفراد عائلاتهم، القضايا التي يمكن فيها توفير الحماية القانونية للشهود في قضايا الجريمة المنظمة وجرائم الإرهاب والفساد، كما نص القانون على عقوبات تنال الأشخاص الذين يعتدون على الشهود أو يهددونهم بسبب الإفادات التي يقدمونها، كما أن المحامي من حقه طلب استبعاد التحريات ونتائجها من الأدلة التي تقدمها النيابة للمحكمة”.

هل يتقاضى المخبر راتبا؟

في الجزائر لا يتقاضى المخبرون أي رواتب مالية، فالقانون الجزائري لا يتضمن أي بند يتعلق بنفقات أو رواتب للمخبرين، لذا فإن المعلومات يتم تقديمها لمصالح الأمن في الجزائر بشكل تطوعي، ربما لأن المسؤولين الجزائريين يرغبون في أن يكون التعاون بين أي مواطن والجهاز الأمني نابعا عن قناعة ورغبة في تقديم خدمة للوطن، وربما لأن تقديم المعلومات بمقابل مالي سيكون عديم الفائدة، لكن الحقيقة يكشفها “خ.س” شرطي متقاعد قائلا “لا يجب النظر إلى موضوع حصول المواطنين الذين يقدمون معلومات للأمن على مقابل مالي فقط من جهة أن هذه الخدمة يفترض أن تكون بمقابل، لأنه في الحقيقة كل أو أغلب المواطنين المتعاونين مع المصالح الأمنية لديهم في الواقع وظائف، أو على الأقل غير محتاجين لمقابل مالي، فمن غير المعقول أبدا أن يتعاون مواطن عاطل عن العمل لا تتوفر لديه علاقات بالقدر الكافي لتقديم معلومات”، وباستثناء برنامج المكافآت المالية الذي أعلنت عنه السلطات الجزائرية في تسعينات القرن الماضي في إطار مكافحة الإرهاب، لم تبادر الحكومة الجزائرية إلى أي برنامج آخر.

عدد المخبرين في الجزائر

تشير بعض المصادر الخاصة إلى أن عدد المتعاونين مع الأجهزة الأمنية وصل إلى 200 ألف شخص، وفي تناقض غريب، وبينما ينظر الناس في العلن لنشاط المخبرين نظرة ازدراء، لا يوجد إلا عدد قليل جدا من المواطنين الذين لم يتعاونوا مع مصالح الأمن، ولم يقدموا لها معلومات سواء مرة واحدة أو عدة مرات أو بشكل مستمر ومتواصل، وبالرغم من توفر معلومات دقيقة حول عدد المواطنين الذين قدموا معلومات للأمن، إلا أن التدقيق في عدد المواطنين الذين اتصلوا بالرقم الأخضر للشرطة في عام 2019 للتبليغ عن جرائم سرقة بلغ 95884 اتصال، طبقا للإحصاءات الرسمية، وهو رقم يفوق بكثير عدد قضايا السرقة المعالجة في ذات السنة، الذي لم يتعد 56 ألف حالة، وهذا يعني أن حوالي 40 ألف مواطن اتصل بالشرطة للتبليغ عن شبهة سرقة، أو التبليغ عن معلومات تتعلق بقضايا سرقة.

ويقول مصدر أمني: “إن أغلب الأشخاص الذين يرتادون الطرق العمومية يبلغون عناصر الأمن في الحواجز الأمنية بأمور غريبة يشاهدونها في الطرق، فيما تتحدث بعض المصادر غير المؤكدة عن وجود ما لا يقل عن 200 ألف مواطن يتعاون بشكل دائم مع المصالح الأمنية، أغلبهم مقتنع بأهمية ودور الشرطة والدرك في حماية الأرواح والممتلكات العمومية.

ويقول مهراس قاسم، المختص في علم النفس من جامعة وهران: “المواطن في أي دولة بالعالم يشعر بالاطمئنان عندما يشاهد الشرطة أو أعوان الأمن في الشوارع، ومهما ارتكب المواطن من مخالفات قانونية فهو على قناعة بأن الجهاز الأمني وُضع لحمايته، وهو لهذا قد يدعي أنه يرفض تقديم المعلومة للجهات النظامية لكنه في ذات الوقت يفضل تقديمها بشكل غير علني، وهذا يفسر ظاهرة الرسائل المجهولة، والمكالمات الهاتفية التي يرفض أصحابها تقديم أسمائهم”.

طلبات غريبة

يعمد بعض المخبرين إلى تقديم طلبات غريبة مقابل معلومات هامة حول جرائم خطيرة، ففي حادثة شهيرة وقعت قبل 15 سنة، طلب شقيق شخص مدان بالسجن 20 سنة في قضية مخدرات صدور عفو عن شقيقه مقابل تقديم معلومات بالغة الأهمية حول شحنة كيف كبيرة، تبين لاحقا أنها غير صحيحة، وقد وقعت الحادثة في تمنراست. كما يعمد بعض المخبرين إلى طلب مبالغ مالية كبيرة، وهو ما لا يتوفر، لأن مثل هذا الإجراء يحتاج لقرار مركزي. حالات أخرى أغرب وقعت عدة مرات، عندما يعرض سجناء مدانون في قضايا خطيرة التعاون وتقديم معلومات مقابل العفو أو تخفيف العقوبة، لكن الغالبية العظمى من هذه الطلبات رُفضت، حسب مصدر أمني، بسبب بسيط هو أن أغلب المعلومات التي عرض السجناء تقديمها كانت معروفة سلفا لدى أجهزة الأمن.

من هو المخبر؟

يقول الدكتور حصان عبد القادر المتخصص في القانون الجنائي: “المخبر في القانون هو كل شخص يقدم معلومة لمصلحة أمنية تساهم في التحقيق أو تؤدي إلى المساعدة في منع وقوع جريمة”، ويضيف المتحدث “اعتمدت دول كثيرة قوانين خاصة لحماية المخبرين فيما يسمى بقوانين حماية الشهود، وهذا في القضايا الخطيرة المتعلقة بالجريمة المنظمة، بشكل خاص تجارة المخدرات والأسلحة، وقد تحمي الدول المخبرين بشكل يسمح بمنحهم هويات جديدة تماما، وإخفاء مواقع تواجدهم لحمايتهم من الانتقام، أما بالنسبة للجزائر فإن المنظومة القانونية الخاصة بحماية مصادر المعلومات السرية ما زالت متخلفة، وتحتاج لمراجعة، لأن حجم التهديدات الأمنية والاقتصادية التي تواجه الجزائر يستلزم مراجعة القانون”، ويضيف “بالنسبة للقانون، فإن كل إفادة المخبر التي يقدمها للمصلحة الأمنية المكلفة بالتحقيق غير معترف بها أمام المحكمة، وتوصف في أغلب محاضر الضبطية القضائية ضمن عبارة: إثر معلومات وصلت إلى المصلحة مفادها كذا.. أو بعبارة: بعد تكليف النيابة للمصلحة بالتحري حول القضية توصلت المصلحة إلى كذا.. وفي بعض الأحيان يفرض وكيل الجمهورية أو النائب العام من الجهة الأمنية القائمة بالتحقيق على الضبطية القضائية إحضار المخبر أو مصدر المعلومة للاستماع إليه بصفة شخصية، مع ضمان عدم كشف هويته، وهذا في القضايا الخطيرة التي تهم الرأي العام. في أحيان أخرى، يتحول المخبر إلى شاهد في القضية بأمر القضاء والعدالة، وهنا تنتهي بشكل رسمي ونهائي مهمته بعد أن تنكشف هويته تماما”.

ويقول الدكتور حصان عبد القادر في ختام إفادته “المخبر قانونا هو شخص يتعاون مع مصلحة أمنية بمقابل مالي أو دون مقابل، سواء أكان موظفا في المصلحة الأمنية أو متطوعا، يقدم بشكل منتظم أو مؤقت معلومات تساهم في محاربة الجريمة وتسريع التحقيقات”.

أصناف المتعاونين مع الجهات الأمنية

يصنف المتخصصون في الأمن المخبرين أو المتعاونين مع الجهات الأمنية إلى مجموعة من الفئات، طبقا لدراسة أعدها الدكتور المصري مسعد عبد الخالق، هي:

1. المبلغون، وهم مخبرون موسميون، يقوم أحدهم بإبلاغ المصالح الأمنية مرة واحدة فقط، ويقومون بهذه المهمة في أغلب الأحيان خوفا من المساءلة القانونية، أو أحيانا لحماية أنفسهم أو عائلاتهم من العصابات الإجرامية، وأحيانا يكون المبلِّغون شهودَ عيان تابعوا تفاصيل وقوع جرائم ثم قرروا الإبلاغ عنها، وتنتهي مهمتهم بمجرد تقديم بلاغ وحيد، لكنهم يشترطون إبقاء هويتهم مخفية، المبلغون جميعا يشتركون في صفة أن البلاغ يكون مرة واحدة أو بصدد جريمة واحدة.

2. عناصر الأمن السريون، توظف أجهزة أمن بعض الدول مخبرين سريين يعملون خارج مقرات الأمن، ولا يلتحقون بمكاتب الأجهزة الأمنية إلا في أوقات قليلة وبشكل خفي، ويعمل هؤلاء في مهام محددة تتغير باستمرار، ويتم نقلهم من مكان لآخر حسب طبيعة المهمة، هذه الفئة من المخبرين تكون في مهمة عمل 24سا/24سا، وينتمي كل من أعضائها لجهاز أمني مختلف، هذا بالنسبة للدول التي تعتمد هذا النموذج، وهو غير معتمد في الجزائر، لأن رجل الأمن يكلف بين الحين والآخر بتنفيذ تحريات دون أن يغادر بشكل كامل المقر الأمني أو الجهاز.

3. المتطوعون، يقرر بعض الأشخاص من تلقاء أنفسهم التطوع لتقديم معلومات لجهاز أمني، الكثير منهم يكون دافعهم وطنيا.

4. المتعاونون الدائمون، تستعين أغلب الدول بالمتعاونين السريين الذين يعملون في جمع المعلومات لصالح الأجهزة الأمنية، هذه الفئة من المتعاونين تتطوع بشكل تلقائي وتعرض خدماتها على الأجهزة الأمنية، لكن باب التطوع للخدمة كمخبر أو متعاون سري مع الأجهزة الأمنية ليس مفتوحا للجميع، فالأجهزة الأمنية لديها قائمة متطلبات خاصة، وهي طبيعة المعلومات التي يمكن للمخبر السري توفيرها، والأهم من هذا هو مصداقية المعلومات، فالأجهزة الأمنية لديها خبرة كبيرة وواسعة مع المخبرين الكذابين.

5. المطلوبون للتعاون في بعض الأحيان يكون أشخاص معينون مطلوبين بالاسم للتعاون مع جهاز أمني، وبالمعنى الدقيق فإن الأجهزة الأمنية تعمد لتجنيدهم، بل وتجتهد في تنفيذ المهمة، وفي كثير من الأحيان تنجح فيها، هذه الفئة من الأشخاص لديها كم من المعلومات السرية يجعل الأجهزة الأمنية تجتهد في تجنيدهم وتبذل كل ما تستطيع في سبيل ذلك، وفي أغلب الحالات تكون هذه الفئة من الأشخاص المقربين من مطلوبين خطيرين جدا، مثل الإرهابيين أو كبار تجار المخدرات أو تجار السلاح، أو المشتبه فيهم في قضايا فساد خطيرة وغيرها، وتعد مهمة تجنيد مخبر سري من هذه الفئة بالغة التعقيد، لأن هذا الصنف من الأشخاص لا يمكن إقناعهم بسهولة، ويحتاج الأمر لوضع خطة قد يشترك فيها عدد من رجال الأمن.

المخبر الرسمي والمتطوع

يختلط الأمر عند تناول موضوع المخبر السري بالنسبة لفئتين من الأشخاص: المُخبر السري المدرب الذي يعمل في مهمة محددة لجمع المعلومات، والرجل العادي الذي قرر بمحض إرادته، أو بطلب من جهة أمنية، تقديم معلومات. ويعمل في الجزائر مخبرون سريون رسميون، يجمعون المعلومات السرية والعادية، أو يعملون في مراقبة أشخاص مشتبه فيهم، وأحيانا يوجدون في مواقع حساسة وتكون مهمتهم المراقبة، كما يوجد المخبر المتطوع الذي يقدم معلومات بين الحين والآخر أو بشكل منتظم لجهاز أمني، فكل الأجهزة الأمنية تكلف عناصرها بتنفيذ بعض المهام السرية في إطار جمع المعلومات، لكن هذه المهام تكون مؤقتة، على عكس المتعاونين المتطوعين الذين يكون لديهم عملهم الخاص ويعملون في جمع المعلومات لصالح جهاز أمني معين، وتضم الشرطة أعوان البحث والتحري الذين يعملون أغلب الوقت بزي مدني، لكنهم يحضرون إلى المقرات الأمنية، على عكس المخبرين السريين الذين يكونون أشخاصا من خارج الجهاز.

الشاهد والمخبر

يقول لقاط فوضيل، طالب دكتوراه متخصص في القانون الجنائي: “يقوم كل من المتعاون مع مصالح الأمن والشاهد في القضايا الجنائية بالمهمة نفسها، مع وجود فرق شاسع بين الشاهد والمخبر، الشاهد يَرِد اسمه في محاضر التحقيق، ويُستدعى للمثول أمام المحكمة وتقديم المعلومات للقاضي أثناء أطوار سير القضية، بينما تبقى هوية المخبر مخفية من البداية إلى النهاية. الفرق الثاني بين الشاهد والمخبر هو أن المخبر يتطور لتقديم المعلومات، أو في بعض الأحيان يطلب منه التعاون مع المصلحة الأمنية، بينما في أغلب الحالات يقدم الشاهد كل المعلومات التي لديه بقوة القانون، حيث يُستدعى للإدلاء بشهادته، لكن في بعض الأحيان يكون الشاهد الماثل أمام المحكمة نفسه المخبر الذي قدم معلومات للمصلحة الأمنية أفضت إلى تقديم القضية للعدالة.

عملاء مزدوجون

في بعض الأحيان يكون المتعاون مع جهاز أمني ما في حقيقة الأمر مدفوعا من عصابته أو من الجماعة الإرهابية لتضليل الأمن وإعطائه معلومات كاذبة، أو دفعه للتصرف بطريقة خاطئة. يقدم المخبر معلومة مفادها وجود شحنة مخدرات في مكان ما ويكون الهدف تضليل مصالح الأمن عن شحنة مخدرات أكبر، وفي حالات أخرى تقدم عصابة ما معلومة للأمن حول عصابة منافسة عبر مخبر مخترق أو مزدوج، ويحتاج الأمر لوجود ضباط أمن متمرسين سواء في مكافحة الجريمة أو الإرهاب.

يقول الخبير الأمني المصري الدكتور جمال إبراهيم حسن: “أخطر شيء يمكن أن يقع فيه أي ضابط في جهاز أمني هو أن يتحرك أو يبني خططه على أساس معلومات تقدمها العصابات أو المجموعات الإرهابية عبر عميل مخترق أو مزدوج، فقد أثبتت التجارب بشكل خاص في مكافحة الإرهاب أنه لا يمكن أبدا الوثوق في المعلومات التي يقدمها عضو عصابة ما يزال ينشط في العصابة أو إرهابي ما يزال في صفوف جماعته، ففي عدة مرات انتهت تدخلات أجهزة الأمن بكوارث”. ويضيف الخبير في مقال بعنوان “الإجراءات الأمنية لمكافحة الأنشطة التخريبية والإجرامية”: “يلجأ ضباط الأجهزة الأمنية، أثناء التعامل مع الإرهابيين أو المجرمين الذين يقررون تقديم معلومات، إلى عدم التسرع في التعامل مع المعلومة، ووضع عدة سيناريوهات للتدخل تسمح بسرعة معالجة أي خطأ أو مشكلة تظهر أثناء التدخل، من قبيل مراقبة عدة مواقع في حالة وصول معلومة مفادها أن شحنة سلاح سيتم إدخالها عبر موقع ما، واختبار مدى مصداقية العميل، بإرغامه على تقديم معلومات مختلفة عن المعلومات التي تطوع هو لتقديمها”.

درج سري في مكتب محافظ الشرطة..!

دفتر صغير يخفيه ضابط الشرطة أو الدرك يحتفظ به بعناية شديدة، ويسلمه في العادة إلى الضابط الذي يخلفه في المنصب، هذا الدفتر يسمى أحيانا دفتر المخبرين (carnet des informateurs)، يضم قائمة المتعاونين مع المصلحة الأمنية من الأشخاص الذين يوفرون المعلومات حول نشاط العصابات الإجرامية، هذا الدفتر السري الذي لا يجوز أن يطلع عليه عناصر الشرطة العاديون، ولا حتى بعض صغار الضباط المستجدين، يمثل بالنسبة لضابط الشرطة المتخصص في محاربة الجريمة والتحقيقات الجنائية رأس مال العمل، لأن المخبر هو الوسيلة الوحيدة التي توفر أكبر كم من المعلومات في وقت قصير، وأحيانا يوفر المخبرون معلومات قد لا يحتاجها الضابط اليوم لكنه سيحتاجها لاحقا، بعد أسابيع أو أشهر أو سنوات..

ولع ضباط الأمن بالمتعاونين السريين يجعل بعضهم يخفي هوية المخبرين العاملين معه حتى عمن سيخلفه في المنصب، لأنه يرغب في أن يحصد هو لوحده كل المجد، لكن في أغلب الحالات تنتقل الوصاية على المتعاونين من ضابط إلى زميله الذي سيخلفه في المنصب.

يقول شرطي متقاعد فضل ذكر اسمه بالحروف “خ.س”: “لا يمكن بالمطلق تصور عمل مصلحة الشرطة القضائية أو مصالح الدرك المتخصصة في مكافحة الجريمة أو أي تحقيقات أخرى دون الاعتماد على تعاون المواطنين الكامل، المشكلة بالنسبة للشرطة أو الدرك أو أي مصلحة أمنية أخرى أن أغلب ما يشاهده الشرطي أو الدركي في الشارع أو في المقهى أو في أي مكان آخر ليس في الحقيقة سوى تمثيل من المواطنين، لأن الناس العاديين يرغبون دائما في إبعاد مصالح الأمن عن أمورهم الشخصية، حتى أبسطها أحيانا، وهذا هو السبب الرئيسي في اعتماد المصالح الأمنية كلها على المتعاونين من المواطنين”، ويضيف المتحدث الذي عمل في الشرطة القضائية 35 سنة قبل تقاعده “المخبرون في كثير من الأحيان يكونون أشخاصا يوجدون في المحيط القريب للمتهم أو العصابة الإجرامية، وأحيانا يعملون أو يقيمون في أحياء تصنف بالساخنة بسبب ارتفاع نسب الجريمة بها، أحيانا أخرى يكونون سائقي وسائل نقل تعمل في أحياء تنتشر بها الجريمة أو عمال مقاهي أو مطاعم، أو أعوان أمن.. في الحقيقة بالنسبة لرجل الأمن المحترف كل معلومة يقدمها أي مواطن مهمة جدا، ويمكن استغلالها إما الآن أو في وقت لاحق، وأهم معلومة بالنسبة لرجل الأمن على الإطلاق هي قائمة المتعاونين أو المخبرين، التي تعد سر أسرار العمل الأمني، ومن واجب مصالح الأمن حماية المتعاونين معها، والأفضل بل والمطلوب هو تكريمهم، لأنه لولاهم لما تمكنت مصالح الأمن من حل ألغاز أغلب الجرائم”.

معرضون لخطر القتل بلا رحمة

يرقدون في صمت في عشرات المقابر بالجزائر، قتلوا في سنوات الحرب على الإرهاب، اتهموا بالعمل مع مصالح الأمن، بعضهم قُتل لمجرد الشبهة، أقصى ما حصلوا عليه كان اعتبارهم من ضحايا الإرهاب أو المأساة الوطنية، بينما قُتل آخرون على يد عصابات التهريب بطرق بشعة، وصنفوا ضحايا جرائم قتل وفقط، إنهم المخبرون السريون، الذين ساهم بعضهم في حماية أرواح العشرات بل المئات من الأشخاص، بفضل المعلومات التي قدموها طواعية لمصالح الأمن، ورغم هذا يعانون جميعا من الازدراء ومن النظرة الدونية من المجتمع.

تقول مذيعة نشرة الأخبار: “إن الجماعات الإرهابية قتلت 10 أو 15 مواطنا..”، كان هذا روتينا عاديا في تسعينات القرن الماضي، بعض المدنيين دفعوا حياتهم ثمنا لعلاقة أو ارتباط بمصالح الأمن، كانوا متهمين من قبل الجماعات الإرهابية أو محل شبهة بالتعاون مع المصالح الأمنية، أو بتعبير أصح العمل كمخبرين، لكن المصير نفسه لقيه بعض المتهمين بالتعاون مع الأجهزة الأمنية على يد جماعات مهربين أو عصابات إجرامية.

في يوم شتوي من شهر جانفي عام 2003، طلب رجل أربعيني من شاب من غرداية، كان يعمل في النقل العمومي للبضائع، نقل تجهيزات من تيميمون إلى زلفانة، وغادر صاحب السيارة غرداية ولم يعد أبدا، وعُثر على جثته شمال رقان بولاية أدرار مقتولا بطريقة بشعة، فقد قطعت يده اليمنى بطريقة غريبة، وكانت الحبال مربوطة بيده اليسرى ورجليه، وظهرت آثار عجلات سيارات في الموقع، افترض المحققون أن الضحية قتل بعد أن ربطت أطرافه بالحبال وتم سحب يديه ورجليه من سيارتين.. ربما تكون هذه جريمة القتل الأبشع التي قد تفوق جريمة قتل جمال بن إسماعيل بعد 18 سنة، مع وجود فوارق أبرزها أن الجريمة الأولى وقعت بعيدا عن عدسات التصوير، الجريمة وقعت بعد اختطاف الضحية في الطريق الرابط بين المنيعة وتيميمون، وقد أوقف المتهمون وتمت محاكمتهم لاحقا، لكنهم أكدوا فقط أنهم خطفوا الضحية وسلموه لشخصين اثنين طلبا منهما ذلك مقابل مبلغ 100 مليون سنتيم، وأدين المتهمون وكانوا ثلاثة بالمؤبد بتهم الخطف والقتل، لكن لم يتوفر أي دليل على اشتراكهم في جريمة القتل المروعة. المتهمون قالوا أمام محكمة جنايات غرداية في عام 2008 إنهم علموا أن الضحية كان قد وشى بأحد أباطرة التهريب في تمنراست وقدم معلومات سمحت بمصادرة 6 قناطير من الكيف.

المصير المأساوي للضحية القتيل يشترك فيه آلاف المتهمين أو المشتبه في تعاملهم مع مصالح الأمن، بعضهم فُصل رأسه عن جسده ووضع رأسه في قارعة الطريق من قبل الجماعات الإرهابية التي كانت تريد القول للمواطنين إن أي شخص يتعاون مع مصالح الأمن سيلقى نفس المصير. ففي حادثة مريعة وقعت في تسعينات القرن الماضي في البرواقية بولاية المدية، قُتل طفل كان سنه لا يتعدى 14 سنة، شوهد في العديد من المرات مع عناصر من الأمن، واتهم هو الآخر بالعمل كمخبر لمصالح الأمن.. القتل بلا رحمة وبطريقة وحشية كان مصير عدد كبير من المخبرين، وأحيانا مصير أشخاص وقعوا ضحية اشتباه.

لماذا يكره الجزائريون الوشاية والوشاة؟

أسوأ ما يمكن أن يقوم به الجزائري هو الوشاية.. إنها الحقيقة التي تمنع غالبية الجزائريين من تقديم أي معلومات لمصالح الأمن، وهذا يجعل التعاون مع مصالح الأمن فعلا غير مرغوب إن لم نقل فعلا ممقوتا من الجزائريين.

يقول بن عمار قاسم، باحث دكتوراه في علم الاجتماع: “من الطبيعي بالنسبة لمجتمع عانى من استعمار تواصل 132 سنة، وعايش في تاريخه سلسلة من حروب التحرير والمقاومات الشعبية، أن يرفض التعاون مع أي سلطة رسمية حتى ولو كانت هذه السلطة الحكومية وطنية، إنه اعتقاد عام اجتماعي بقي راسخا في عقلية الجزائريين رغم مرور عقود على الاستقلال. التفسير الثاني لهذه الحالة هو أن الجزائري بطبعه يحب الحرية، وهو متمرد على أي سلطة، ويظهر هذا في بحث الجزائري عن أكبر قدر ممكن من الاستقلال عن السلطة والحكومة، واستمرار تمسك بعض الجزائريين بالقبيلة والعشيرة، وهذا يجعل الجزائري يعتقد في نفسه أن أي تعاون مع السلطة القائمة هو أمر غير طبيعي، بل يجعله يرفض وجود أشخاص يعملون سرا أو علانية مع الحكومة في محيطه القريب”، ويضيف المتحدث “لدى أغلب شعوب العالم، حتى ما يسمى الشعوب المتحضرة، يزدري الناس عمل المتعاونين مع الجهات الأمنية لسبب آخر مهم، هو أن الشرطة في أي دولة تتعاطى مع المواطنين المخالفين للقانون، ولدى الناس في أغلب دول العالم تصور أن الشرطة والأجهزة الأمنية تعمل فقط على مراقبة الناس والحد من حريتهم الشخصية، لأن الإنسان بطبيعته يرغب في مخالفة وكسر القوانين”.

رأي الدين في عمل المخبرين

يقول الإمام محمد دهون، دكتوراه في الشريعة الإسلامية “لقد حرّم الله التجسس بحكم شرعي، لكن هذا التحريم لا يشمل العمل للصالح العام وصالح المسلمين”.. التجسس المقصود بالتحريم هو بين عامة الناس، كما أن الشرع أوصانا بواجب تقديم النصيحة لولي الأمر، كما أن تقديم المعلومة للقائمين على الأمن يصبح واجبا عندما يعرف المسلم أن المعلومة التي لديه قد يسفر عدم التبليغ بها عن إلحاق ضرر بالمسلمين، كما هو شأن المخدرات وتزوير العملة وتجارة السلاح، كما أن البحث عن المجرمين والتعرف عليهم ليس من التجسس الذي حرمه الله، لكن لا يجب أن يكون هذا في أمور أخرى لا تتعلق بالصالح العام للمسلمين، فالتجسس لإيذاء المسلمين وظلمهم والعدوان عليهم لأخذ المال، أو للتقرب من المسؤولين، ولا يهمه إلا مصلحته الحاضرة العاجلة، فهذا أمر خطير مخالف للشرع الإسلامي. الضابط الشرعي في عمل المرشدين أو المخبرين هو الصالح العام للمسلمين أولا، وعدم قصد إلحاق الأذى والضرر بالمسلمين.