الحوار الاستراتيجي العراقي الأمريكي: الأولوية الجيوبولتيكية (الجيوسياسية)

م. م. حسن فاضل

يعد الحوار الاستراتيجي (العراقي-الأمريكي) من أهم القضايا التي تواجه الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة مصطفى الكاظمي، إذ أن هذا الحوار هو ناتج على إثر قرار البرلمان العراقي في كانون الثاني بإنهاء وجود قوات التحالف الدولي على الأراضي العراقية، نتيجة اغتيال واشنطن للجنرال قاسم سليماني ورئيس أركان الحشد الشعبي «أبو مهدي المهندس»؛ بالتالي يواجه الوجود الأمريكي معضلة مهمة تتعلق برفض بعض القوى العراقية له واستهدافها للقواعد التي تتواجد بها قوات التحالف، لذلك يصب الحوار الاستراتيجي في أطار تقريب وجهات النظر بين بغداد وواشنطن وتحديد مستقبل الوجود العسكري في البلاد.

إن الوجود العسكري الأمريكي في العراق وإن كان بإطار حلف الناتو، وضمن تحالف دولي لمحاربة تنظيم «داعش»، إلّا أنه في الواقع يحمل أبعادًا جيوسياسية هذه المرة أكثر من كونه مخصص لمحاربة الإرهاب، إذ أن واشنطن سبق لها أن احتلت العراق عام (٢٠٠٣) لسببين:

الأول: إن العراق كان أحد أهم مصادر إنتاج النفط في العالم.

الثاني: لأن موقعه الاستراتيجي يمنح مميزات جيوبولتيكية مهمة لمن يسيطر عليه.

وقد أدى ارتفاع معدلات إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة حتى أصبحت من أكبر المنتجين للنفط في العالم وما تلا ذلك من انخفاض لأسعار النفط العالمية، كل ذلك أدى إلى تراجع أهمية الثروة النفطية في العراق بالنسبة الاستراتيجية الأمريكية مقابل بقاء الأهمية الجيوبولتيكية للعراق.

وبالفعل فقد سعت الولايات المتحدة للاستفادة من هذا الوجود العسكري لتطويق معارضيها على مستوى الدائرة الإقليمية للعراق في منطقة الشرق الأوسط مثل إيران، وعلى مستوى الدائرة الدولية وهي روسيا، فالوجود الأمريكي في العراق يصب في إطار استراتيجية الاحتواء التقليدية التي سارت عليها واشنطن إبان الحرب الباردة، والتي وضعها سفيرها السابق في موسكو «جورج كينان» ببرقية بعثها للبيت الأبيض عرفت بالبرقية الطويلة يشرح بها تلك الاستراتيجية.

فقد عملت واشنطن على إقامة سلسة من التحالفات الإقليمية في مناطق متعددة وممتدة بشكل حزام جغرافي يطوق الاتحاد السوفيتي بطريقة تمنع تمدده العسكري والسياسي الأيديولوجي، وقد نجحت نسبيًا بذلك في الحد من توسع الاتحاد السوفيتي. أما اليوم فهي ما زالت لم تتخلَ عن هذا النهج في تطويق روسيا، وأيضًا معها الصين، إذ عملت على خلق قوى معادية للدور الروسي في المناطق المحاذية لروسيا كما في جورجيا وأوكرانيا وبولندا، كما سعت لتوسيع حلف شمال الأطلسي ليحقق هذا الغرض أيضًا وهو الحلف الذي أنشأ أساسًا لمواجهة الاتحاد السوفيتي ضمن الاستراتيجية ذاتها.

وبقدر تعلق الأمر في العراق فإن موقعه ضمن هذه الاستراتيجية مهم جدًا، وهو الذي كان مقدرًا له ضمن الاستراتيجية التي أعدت إبان الحرب الباردة أن يكون مركزًا رئيسيًا للتحالف الشرق أوسطي المناهض للشيوعية عندما اختيرت بغداد لتكون مقرًا لحلف بغداد المركزي قبل أن يُجهض المشروع في انقلاب عام (١٩٥8).

وبالتالي فمكانة العراق الجيوبولتيكية تسمح له اليوم بلعب ذات الدور ضمن الاستراتيجية الأمريكية بما يحقق مصالح الولايات المتحدة من هذا الوجود والمراد له تحقيق الآتي:

1- تنفيذ مبدأ الاحتواء لكل من إيران على المستوى القريب، وروسيا على المستوى البعيد.

2- ضمان أمن إسرائيل بقطع خطوط الإمداد التي تدعم حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية الممتدة من طهران عبر خط (طهران-بغداد-دمشق-بيروت)، وهو الخط الذي كان الشغل الشاغل لإسرائيل منذ حرب عام (٢٠٠6).

3- إيجاد تقاسم جديد للنفوذ في المنطقة لا سيما بعد التدخل الروسي في سوريا عام (٢٠١٥)، الذي أوجد حالة من الصراع على النفوذ الجغرافي داخل المنطقة مع كل من روسيا وتركيا الذين بدأوا بلعب أدوارًا مهمة سيما على الساحة السورية؛ لذلك فإن واشنطن سعت ضمن هذا التنافس للاحتفاظ بنفوذها في العراق.

ولعل أحد الأدلة على إن الولايات المتحدة تهدف لتطويق خصومها عبر وجودها في العراق يتمثل بإرسالها لمنظومات الباتريوت إلى قواعدها العسكرية بحجة التصدي للصواريخ التي تطلقها الفصائل المسلحة وسحبها لتلك المنظومات من السعودية، وهي خطوة تصب في اطار استراتيجية الاحتواء؛ وذلك لأن الولايات المتحدة كانت قد نشرت منظومات الدرع الصاروخي منذ عام (٢٠٠٧) في أوروبا ضمن اطار عملية توسع حلف شمال الأطلسي للإخلال بالتوازن الاستراتيجي بينها وبين روسيا المقام منذ أيام الحرب الباردة، بإفقاد روسيا القدرة على الرد بالضربة، الثاني في حال تعرضها لضربة صاروخية بفعل اقتراب منظومة الباتريوت المضادة للصواريخ من حدودها؛ مما يعني أن إرسال منظومات الباتريوت في العراق إنما يُعد استكمالًا لمشروع الدرع الصاروخي الذي أقيم في أوروبا سيما إذا علمنا أن رادارات المنظومة تم نصبها في تركيا بواسطة الحلف الذي يتواجد بقواته أيضًا في العراق.

حددت واشنطن شروطًا ضمن الحوار الاستراتيجي على الجانب العراقي دون أن تكون هناك رؤية عراقية واضحة تجاه ذلك وهذه الشروط وفقًا لتقرير أعده «مايكل نايتس» الباحث في معهد واشنطن تتمثل بـ*:

1- الحفاظ على سلامة القوات الأمريكية والمتعاقدين والمدنيين الأمريكيين.

2- منع تهريب العملة إلى إيران.

3- إبقاء المساعدات الأمنية الأمريكية بعيدة عن الأطراف الفاسدة.

هذه الشروط من شأنها أن تضمن وضع أفضل للولايات المتحدة في العراق وكذلك تعمل على بناء شراكة عراقية أمريكية جديدة. فعلى المستوى الداخلي قد تخدم الاستراتيجية الأمريكية هذه العراق في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني، وتحقيق نوع من الاستقرار الاقتصادي إذا ما تم تصفية العوائق التي تقف بوجه ذلك.

ولعل مبدأ الاحتواء سيبقى يعمل بفعالية ضمن هذه الاستراتيجية، وقد ينتقل الاحتواء ليكون بشكل مباشر ضمن الدائرة الدولية -أي ضد توسع روسيا والصين- لاسيما إذا ما علمنا بالإشارات الإيرانية التي أطلقها المرشد «علي خامنئي» بتغريدته الفارسية التي تتحدث عن صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية في رسالة ربما تمهد للحوار والتفاهم مع الولايات المتحدة، مما يعني قبولًا إيرانيًا بهيمنة النفوذ الأمريكي في العراق مع بقاء نفوذ هامشي إيراني.

وليس بعيدًا عن ذلك تدعو مقالة أمريكية على موقع «الفورين بوليسي» إلى تحويل العراق لمنطقة عازلة بين الولايات المتحدة وإيران فيما اسمته بـ(النموذج الفنلندي) كدلالة على وضع فنلندا المحايد خلال الحرب الباردة، إذ أنه مع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة ومع حملة الضغوط القصوى التي تقودها الأخيرة ضد إيران فإن المقالة تدعو إلى إبعاد العراق من أن يصبح ساحة للمواجهة في حال اندلاع أي حرب أو اشتباك أقليمي. وقد دعت المقالة إلى أن تتفق الولايات المتحدة وإيران على جعل العراق منطقة محايدة في اشتباكهم الأقليمي، كما حصل في الاتفاق الأمريكي السوفيتي على جعل فنلندا، والسويد، وسويسرا، والنمسا مناطق محايدة في الحرب الباردة لا تشترك في أي تحالف ضمن تلك الحرب، وقد نجحت تلك الترتيبات ضمن تلك البلدان**.

ليس من الضروري أن يتقبل متخذ القرار الأمريكي الطرح الأخير بشأن (العراق الفنلندي) إلّا أنه من الواضح وجود ترتيبات خلف الكواليس بين الولايات المتحدة وإيران على صنع حالة من الاستقرار في العراق وقبول الوضع الراهن.

لذلك مبدأيًا فإن الحوار الاستراتيجي (العراقي-الأمريكي) سيكون من نتائجه هو إبقاء القوات الأمريكية وقوات التحالف، لا سيما مع وصول رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي والذي كان قد دعا حلف الناتو للقيام بدور أكبر في العراق، والذي من الواضح حسب تصريحاته أنه سيعمل على تمديد عمل القوات الأجنبية في العراق.

ــــــــــــــــــــــــــ

*) مايكل نايتس، العراق من الزرفي إلى الكاظمي: التبعات على السياسات الأمريكية، المرصد السياسي، العدد ٣٢٩٥، ٩/نيسان/٢٠٢٠، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

**) albert b. Wolf, To stop a US-Iran war, Finlandize Iraq, 11 May 202‪0, URL:

#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy