منذ منتصف التسعينات كانت معظم المنظمات الدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة ترتكز على مفهوم التمكين بإعتباره إحدى الركائز الأساسية للتنمية البشرية المستدامة، لكن ذلك لا يتحقق إلا في ظل وجود الديمقراطية، الحرية الاقتصادية، مشاركة الخواص من أفراد و جمعيات ومنظمات غير حكومية في صنع القرارات وتنفيذ الخطط، وقياسا على ذلك ظهرت مصطلحات أثناء وضع هذه الإستراتجية وهي المشاركة، الديمقراطية، الشفافية، المساعلة، اللامركزية، الإدارة الصالحة، الفعالية…

لكن هذه المصطلحات اجتمعت في مصطلح واحد وهو ما يسمى بالحكم الراشد” أو “الحوكمة ” وهو ما يقابله باللغة الفرنسية أو الإنجليزية “La gouvernance . ولقد تعاظم الاهتمام بمصطلح الحكم الراشد أولا في الكثير من النظريات الإقتصادية الناشئة في العقود الماضية ، فأصبح موضوع يشغل مختلف المؤسسات الدولية، إذ أنه يعبر عن السلطة السياسية وإدارتها لشؤون المجتمع وتطوير موارده و نظامه، إضافة إلى مشاركة آليات ومؤسسات رسمية وغير رسمية في صنع القرارات، فمفهوم الحكم الراشد أو الحوكمة مفهوم قيمي لإدارة المجتمع وينتسب إلى أجهزة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي

ولعل البنك الدولي أول من استعمل هذا المصطلح في تقرير له حول أساليب الحكم والإدارة في إفريقيا وبالتحديد في جنوب الصحراء، و منذ ذلك الحين شاع استخدامه في القول والمؤسسات، ولقد تم استحداثه خصيصا للدول النامية لتتمكن من النهوض بإدارتها نحو التنمية، إذ تجدر الإشارة أن مصطلح الحكم الراشد أو الحوكمة تزامن مع مختلف مفاهيم التنمية من التركيز على النمو الاقتصادي إلى التركيز على التنمية البشرية ثم التنمية البشرية المستدامة. حيث تم القيام بدراسات متعددة لدراسة الأهمية والصبغة التي يضفيها الحكم الراشد في مختلف المجالات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية، وخاصة تأثيرها في نظام الحكم المحلي.

وبمناسبة الحديث عن الإدارة المحلية فكل دولة تختار أسلوبها في التنفيذ الإداري بما يتوافق مع ظروفها السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، فلجأت في الأول إلى النظام المركزي لتتولى السلطة المركزية كل مهام الدولة وتركيز السلطة إلى أقصى حد ممكن ظنا منها أنها بذلك تضمن الحافظ على وحدة إقليمها، وبالتالي توحيد القانون على جميع ترابها، والقضاء على الاختلافات الجهوية من حيث الموارد البشرية والمادية والرقعة الجغرافية، والحفاظ على أمن الدولة من الأخطار الأجنبية، إلا أنه بعد ذلك لم تتمكن من الصمود يسبب تشغب وظائفها و محدودية مواردها، وبالتالي لم تتمكن من تحقيق نجاح وحتى الوصول إلى الأهداف المرجوة من خلال مشاريعها وبرامجها.

مما جعل معظم الدول تنتهج نهجا لامركزيا في إدارة شؤونها وتعزيز حركة الديمقراطية التشاركية في الحكم خاصة في ظل الدولة المعاصرة، ومنح الفرصة للأفراد والقطاع الخاص المشاركة في ممارسة السياسية و استغلال الموارد البشرية لخدمة المصلحة العامة.

إذ شهدت السنوات الماضية إهتماما متزايدا بموضوع الإدارة المحلية ليصبح موضوع دراسات راهنة تعمل على الدفع بها نحو توسيع نطاق الشراكة مع المواطنين وإبراز دورهم في عملية الحكم، وتقليص أدوار الدولة من ناحية عملية التنمية، وقد عبرت عن هذا الاهتمام تقارير البنك الدولي من خلال العديد من العناوين منها ” جعل الدولة أقرب إلى المواطن “، التحول إلى المحلات”، ” تحقيق اللامركزية وإعادة التفكير

لذا فاللامركزية تحتل مكانة هامة في نظام الحكم في الدولة، لأنها تقوم بدور فعال في الكبير الجيد لأنه نابع من صميم الشعب، وقد أثبتت التجارب أنها الوحيدة القادرة على تأكيد وحدة المجتمع وإشراك المواطن أثناء السعي لإيجاد حلول مناسبة للعديد من المشاكل المحلية بسبب تزايد الاحتياجات، إلى حد أنه بادرت مؤسسة بحثية ألمانية سنة 1993 تدعى FONDATION BERTELSMANN بتأسيس جائزة الديمقراطية و الفعالية في الإدارة المحلية، حيث تمنح هذه الجائزة للإدارة المحلية المتمكنة من الابتكار و التطور والمنافسة في الجودة، وقد وضعت معايير على أساسها يتم اختيار أحسن تجربة و هي: أداء وتسيير الأعمال في ظل الرقابة الديمقراطية، مشاركة المواطن والقطاع الخاص، نقل المسؤوليات من الإدارة المركزية إلى الإدارة المركزية ، فرض الرقابة ونشر القرارات والمعلومات لتحقيق الشفافية، القدرة على الإبداع و الابتكار، وجود نظام يقوم على التعاون بين الوحدات الإقليمية والقطاع الخاص والشركات والمجتمع المدني بمختلف هياكله.

قد فازت الإدارات التي ترتكز أكثر على مشاركة المواطن و تجسيد ما يسمى بالديمقراطية التشاركية…، وبهذا مشاركة الشعب الأساس الذي ترتكز عليه الإدارة المحلية مما يثبت أنها المجال المناسب لتحقيق التنمية

كما أن الحكم المحلي لا يحد من سلطات السلطة المركزية ولا يتعارض معها، بل بالعكس وعلى حد قول G . BURDAU أثناء شرحه النظرية اللامركزية:” فاللامركزية ليست علاجا بحد ذاتها ولا حل للمشاكل الراهنة، لكنها تعمل على الصرامة في تطبيق القانون ونجاح بذاته يدعم أكثر نظام الحكم ويسعى إلى تحقيق التوازن و الانسجام بين السلطات المركزية والسلطات اللامركزية”. وفي هذا الصدد فالجزائر كغيرها من الدول مطالبة اليوم و قبل أي وقت مضى مسايرة مختلف التحولات السياسية الاقتصادية والاجتماعية و القانونية، وهذا التطوير وتمكين قدرات الإدارة المحلية والعدالة في توزيع الموارد و استغلال الثروة البشرية على حساب النوعية والجودة.

تحميل المذكرة