تنفرد شبه قارة الهند بصفات ومميزات تكسبها طابعاً خاصاً، فهي كتلة ضخمة من اليابس تبرز من صلب القارة الآسيوية وتمتد جنوباً في المحيط الهندي والمعتقد أنها كانت فيما مضى جزءاً من قارة جندوانا القديمة ثم انفصلت عنها وتزحزحت نحو الشمال مما أدى إلى تكوين قوس السلاسل الجبلية الشمالية التي عزلت الهند عن بقية اليابس الآسيوي فأكسبتها شخصية جغرافية مستقلة لها من المظاهر ما قد لا يتوفر في غيرها من جهات العالم.

وشبه القارة الهندية بوضعها هذا تكاد تنعزل عن العالم الخارجي فلا تتصل بأجزائه إلا اتصالاً ضيقاً محدوداً عن طريق الممرات القليلة التي تقطع الحاجز الجبلي في بعض الجهات. وقد أفادت الحضارة الهندية إلى حد ما من هذه العزلة. فقد هيأت لها لوناً من الاستقرار كان لابد من توافره إذا ما أريد للحضارة الناشئة أن تنمو وتزدهر. وهكذا ترعرعت حضارة الهند، وكانت طرازاً فريداً من الحضارات لم يتأثر بالمؤثرات الخارجية إلا عند أبواب الهند ومخارجها، أي في الأجزاء الشمالية الغربية حيث استطاعت المؤثرات الأسيوية أن تجد سبيلها إلى حضارة الهند فتخرجها من عزلتها وتجعل هذا الجزء من شبه القارة يختلف كثيراً في عقائده وتقاليده ونظمه الاجتماعية والاقتصادية عن مظاهر الحضارة الهندية الأصيلة في الوسط وفي الجنوب.

وعاشت الهند في عزلتها زمناً ثم بدأ الغزو الأوروبي يطرق أبوابها، وكان البرتغاليون أسبق من وفد إلى الهند من الأوربيين قادهم العرب وأرشدوهم في مياه المحيط حتى وصلوا بهم إلى ساحل الهند الغربية، ولكنهم بدلاً من أن يتوغلوا في الداخل اكتفوا بإنشاء قواعد بحرية على طول هذا الساحل اتخذوها محطات لتجارتهم وتبادل سلعهم، ثم جاء من بعدهم الهولنديون الذين سلكوا طريقاً يختلف بعض الشيء عن طريق إخوانهم أبناء البرتغال، فلم تكن حركتهم الملاحية بين مدينة الرأس والساحل الغربي مباشرة، بل كانوا يتجهون مشرقين صوب القارة الأسترالية ثم ينحرفون شمالاً، وكان من حسن حظهم أن فعلوا ذلك فقد قادتهم خطتهم هذه إلى “جزر البهار” التي ظلت مصدر ثروة لهولندة فترة غير قصيرة.

ولم يكد ينتصف القرن السابع عشر حتى اشتدت منافسة البرتغال وهولندة وبريطانيا حول الهند، وانتهى الأمر بسيطرة البريطانيين ودخلت الهند في حوزة التاج البريطاني، وكانت أثمن جوهرة في جواهره.

وإذا كان البريطانيون قد لقوا الكثير من المتاعب في منافستهم للبرتغاليين، فإن كفاحهم مع الهولنديين كان أدهى وأمر، ذلك لأن الهولنديين كانوا دائماً ذوي بأس وقوة، وكانت المياه الآسيوية الموسمية قد خضعت لسيطرتهم، ولم يكن من السهل أن تنجح بريطانيا في انتزاع هذه السيادة البحرية. وقد أدت المنافسة بين القوتين إلى مأساة أمبوينا Ambouna، في عام 1623، حينما قضى فان سبيلت Van Speult، الحاكم الهولندي، بتعذيب تسعة من البريطانيين، ثم إعدامهم، بتهمة التآمر للاستيلاء على الحصون الهولندية. وقد انتقم البريطانيون لهذه المأساة أثناء حكم كروميل، ونجحت الشركة البريطانية الهندية الشرقية في نقل نشاطها من مياه جزائر الهند الشرقية إلى اليابس الهندي. وهكذا كانت مأساة أمبوينا عاملاً هاماً، وإن يكن غير مباشر، في تمكين البريطانيين من إنشاء إمبراطوريتهم في الهند

بدأ البريطانيون ينشئون قواعد ارتكاز ومحطات ساحلية فأنشئوا مدراس سنة 1639 وقلعة سنت جورج في السنة التالية، ولم تمض سنوات حتى أصبحت هوجلي أعظم موانئ البنغال قاعدة رئيسية لهم تشرف على القواعد الثانوية الأخرى مثل بلاسور Belasore في أورسا، وكوسيمبازار Cossimbazar في دلتا الكنج، وبنتافي بهار. وفي سنة1686 أوضح تشارنك Charnock أحد موظفي شركة الهند الشرقية أساس مدينة كلكتا. ومن قبل تنازل شارل الثاني للشركة عام 1666 عن ميناء بمباي، وكانت قد آلت إليه كجزء من صداق كاترين بن جانزا البرتغالية، فأخذت تحل محل سوارت في أهميتها الحربية والتجارية.

ولقد عمدت الشركة بعد أن تم لها السيطرة على هذه القواعد إلى حمايتها بقوة بريطانية مسلحة كونتها لهذا الغرض، وكان من الطبيعي أن تتصادم هذه القوة الجديدة مع قوات الولاة من المغول وخاصة في منطقة دلتا الكنج، وقد شغلت هذه المصادمات ما بقى من القرن السابع عشر وكان النصر في معظم الأحوال في جانب البريطانيين، إذ كانت الإمبراطورية المغولية قد عصف بها الضعف نتيجة للفتن الداخلية واضطراب الأمن والنظام.

وشهد القرن الثامن عشر نوعاً آخر من الكفاح بين البريطانيين والفرنسيين في إقليم الكرنات، وقد بدأت الحرب بين الطرفين في سنة 1745 بين دوبليكس Dupleix الفرنسي في بوند شيري، وكليف البريطاني في مدراس. ونجح الفرنسيون في أول الأمر فاستولوا على مدراس وغيرها، ولم يبق للبريطانيين على ساحل كروماندل سوى بعض نقط صغيرة أهمها قلعة سانت دافيد St. David على بعد بضعة أميال من بوند شيري، ولكن البريطانيين عادوا فاستردوا مدراس، بمقتضى صلح إكس لاشابل، في عام 1748.

ولم تطل فترة السلام بين الطرفين إذ أدت ظروف الحكم في المقاطعات الهندية في الدكن وكثرة الاضطرابات وتنازع السلطة إلى انحياز كل من الطرفين الأوربيين إلى فريق ومساعدته على انتزاع الحكم والسلطان مما أدى إلى تجديد الصراع واستعمال القوة والحرب. وقد دارت الدائرة على الفرنسيين، في ساحل كروماندل، فلم تأت سنة1761 حتى فقدوا كل ما يملكون على هذا الساحل.

ثم انتقل ميدان النشاط البريطاني بعد ذلك إلى البنغال وكانت كلكتا قد أصبحت القاعدة البريطانية الرئيسية وشندر ناجور القاعدة الفرنسية وشنسوار القاعدة الهولندية وتقع كلها على الهوجلي مصب الكنج وكان لجميع هذه القوى قواعد ارتكاز في كوسيمبازار الميناء النهري لتجارة الكنج، وفي دكا Dacca وبنتا وملدا Malda. ولقد نجح كليف في هزيمة الهولنديين في شنسوار وفرض عليهم التسليم دون قيد ولا شرط في سنة 1758 ثم استطاع الاستيلاء على شندر ناجور القاعدة الفرنسية ودانت البنغال للبريطانيين بعد انتصارهم على جيوش سراج الدولة في موقعة بلاسي Plassey عام 1757 التي تعتبر بداية ظهور الإمبراطورية البريطانية في الشرق. ثم تلت ذلك حروب كثيرة بين البريطانيين والفرنسيين في الجنوب وخاصة في منطقة مدراس وبينهم وبين الحكام الهنود في جهات متفرقة من الهند، وظهرت أسماء بريطانية كثيرة لعب كل منها دوره في بسط نفوذ الشركة وتقوية سيطرتها على الهند أمثال هستنجز Hastings وولسي Wellesly وبارلو Barlow ومنتو Minto وبنتك Bentick وأوكلند Auckland وهاردنج Harding ودلهوس Dalhouse ولكل منهم أثره في نشاط الشركة الحربي والتجاري حتى بدأت المرحلة التالية وهي مرحلة وضع الهند تحت سيطرة التاج البريطاني.

ولقد بدأ هذا التحول نتيجة للثورات التي أشعل نارها ضد الشركة فريق كبير من القوات الهندية المسلحة التي في خدمتها، وساعدت سياسة دالهوس الخاصة بضم كل ولاية لا يعقب حاكمها الوطني من يخلفه إلى أراضي الشركة على انتشار روح التذمر، كما أن إدخال طرق المواصلات الحديثة والتلغراف شكك الهنود في نوايا الشركة ضد الحضارة الهندية الأصلية وظنوا أنها تريد بها شراً لتبني على أنقاضها حضارة بريطانية. وكان المحاربون الذين في خدمة الشركة يعرفون تمام المعرفة أن بسواعدهم انتصرت الشركة في حروبها المختلفة في أجزاء الهند القريبة والبعيدة، وكان موقف الأمراء المخلوعين وأسرهم ومن يناصرهم مما يساعد على انتشار روح التمرد وشق عصا الطاعة. وكانت الشرارة التي أوقدت نار الثورة ما أشيع بين محاربي الشركة الهنود أن خراطيش بنادقهم تدهن بشحم البقر والخنزير وهو ما يمس الهندوكي والمسلم على السواء في صميم عقيدته الدينية.

كانت هذه الثورة الدافع المباشر لصدور قانون “الحكم الصالح” للهند في سنة 1853 الذي انتقلت بموجبه أعباء الإدارة من الشركة إلى التاج البريطاني. وهكذا بدأت الهند مرحلة جديدة في تاريخها الحديث، ويجمل بنا أن نذكر أنه في تلك السنة لم تكن القوة البريطانية البحتة التي تشرف بها الشركة على جهات الهند المختلفة لتزيد على 24 ألف رجل بين ضابط وجندي، وحتى هؤلاء لم يكونوا جميعاً من البريطانيين. وقد نجح اللورد كاننج Canning في إخماد الثورة وفي نقل الحكم من الشركة إلى التاج. ولم تأت سنة 1859 حتى كان الهدوء قد شمل ربوع الهند من جديد.

وفي سنة 1877 أعلنت الملكة فكتوريا نفسها إمبراطورة على الهند، وهنا تبدأ مرحلة التنافس الاستعماري بين بريطانيا والروسيا في المناطق الشمالية الغربية المتاخمة للهند، التي أدت إلى توجيه بعض الحملات عن طريق ممرات خيبر وكرام Kurram وبولان. ولقد ترتبت على هذا التنافس عمل بريطانيا على تقوية المعاقل والحصون الخارجية مثل كيتا Quetta وقندهار، وربطها بالهند بوسائل المواصلات الحديثة، على الرغم مما تطلبه هذا العمل من نفقات طائلة بسبب وعورة الأرض وضرورة شق كثير من الأنفاق.

ومنذ سنة 1885، وجهت الهند عنايتها نحو تأمين حدودها الشمالية الغربية، خصوصاً وأن هذه الحدود لم تكن ثابتة مستقرة، بل كانت كثيرة التعديل والتغيير وطالما أغارت عليها جماعات الأفريدي والوزيري والسواتي وغيرها، وقد تطلب إخضاع هذه القبائل وفرض نوع من الأمن والسلام بينهما حملات تأديبية متعددة كلفت الشيء الكثير من الدم والمال.

أولاً: ظهور الحركة القومية

ولم تمض سنوات حتى بدأت إرهاصات بظهور حركة قومية في الهند حينما تألف حزب المؤتمر الهندي في سنة 1886، ولم يكن الحزب في أول أمره حركة معادية للبريطانيين أو لنظام الحكم البريطاني، بل بالعكس نسمع رئيس الحزب في اجتماعه الأول يسبح بحمد البريطانيين. ثم تبدل إعجاب المتعلمين من الهنود ببريطانيا وبكل ما هو بريطاني، وبدأوا يدركون أن الشقاء الذي ترزح تحته بلادهم إنما يرجع في أحواله إلى الاستعمار الذي فرض عليهم فرضاً وبدأت الحركة القومية تتخذ طريقاً آخر،وكان من أهم مراكزها بونا في بلاد المهراتا في الجنوب وفي مدن البنغال، واغتيل كثير من رجال الحكومة واعتبر الشباب البنغالي تقسيم لورد كيرزون للبنغال إلى قسمين- لأغراض إدارية- ضربة موجهة إلى صميم قوميتهم.

وكان “حزب المؤتمر” يجمع تحت لوائه القائلين بالقومية والذين يرضون منهم أن تنال الهند استقلالاً ذاتياً داخلياً على مثال النظام السائد في عدد من المستعمرات البريطانية، مثل كندا وأسترالية مثلاً. ومع أن هذا الحزب كان يجمع أيضاً عدداً من المسلمين البارزين، فإن سياسته كانت سياسة ممالئة لبريطانية وكان يكمن في ثناياها خطر عظيم على المسلمين في الهند.

وكان أول من فطن لهذا الخطر الداهم، وأدرك أن التعاون بين الهندوس والمسلمين مستحيل، وأن الضمان الوحيد لسلامة المسلمين ورقيهم أن يعيشوا في دولة مستقلة، هو السير سيد أحمد خان[1]، أحد أعاظم المصلحين المسلمين في الهند، ومؤسس جامعة عليكره، عام 1864م (1281هـ).

ولم يطل الأمر حتى بدأت مخاوف سيد أحمد خان تتحقق، وظهر في المؤتمر رجال من الهندوس يوجهون سياسته توجيهاً هندوكياً صريحاً، فلم يجد بعض أعضائه من المسلمين بداً من أن ينسحبوا منه. وهكذا تأسست “الرابطة الإسلامية” لجميع الهند عام 1906.

وكانت غاية الجامعة الإسلامية أن توقظ المسلمين في الهند إلى المطالبة بحقوقهم وحفظ وحدتهم وكيانهم. ومع هذا كله فإن المسلمين لم ينفضوا يدهم من التعاون مع الهندوس في سبيل الهند، حتى أولئك الذين انسحبوا من حزب المؤتمر وأسسوا الجامعة الإسلامية.

ثم اشتدت الحركة السياسية، واضطرت إنجلترا لإصدار تشريعات مورلي- منتو Morley- Minto سنة 1909 وقد كان رأي لورد مورلي أن فكرة النظام الديمقراطي البرلماني لا يصلح للهند، لعدم توافر الضمانات اللازمة له، ذلك لأن مثل هذا النظام الذي تقوم فيه الأغلبية بأعباء الحكم يتطلب أن يكون الشعب متجانساً في ثقافته ودينه واتجاهه العام، وهي أمور لا تتوافر في الهند. وكان من رأي المسلمين أن الضمان الوحيد لمصالحهم هو التمثيل النيابي على أساس طائفي، بأن يخصص عدد من الكراسي لكل طائفة تنتخب له من تشاء من أفرادها، ومن ثم عدل عن نظام التمثيل النيابي بشكله المطلق وإن تكن قد اتخذت خطوات أخرى في سبيل الحكم البرلماني، فزيد عدد الأعضاء المنتخبين في المجالس التشريعية الإقليمية، وأصبح لهذه المجالس حق بحث الميزانية، من دون إقرارها أو رفضها، وحق التصويت على الشئون الإدارية، كما عين عضو هندي في المجلس التنفيذي لكل مقاطعة وللمجلس التنفيذي العام.

وفي عام 1917 اجتمع حزب المؤتمر في كلكوتا واتخذ القرار التالي:

“إن المؤتمر يرجو أن يعلن لجلالة الملك الإمبراطور باسم شعب الهند المتحد عن الطاعة البالغة والتعلق الشديد والولاء المكين نحو العرش. وكذلك يعد بالوقوف إلى جانب الإنجليز في الأزمات مهما كل ذلك من تضحيات”.

لقد كان هذا القرار ثمناً لإصلاح ما وعد به الإنجليز ثم نفذوه في عام 1920، ولكنهم لم يزيدوا على أن منحوا بعض الصلاحيات الداخلية إلى حكام عدد من المقاطعات الهندية. وظهرت الفائدة من هذا الإصلاح ضئيلة جداً، حتى أن الهندوس أعضاء حزب المؤتمر أنفسهم لم يقبلوا بها. ولكن المسلمين رأوا أن يتحدوا مع مواطنيهم في رفض هذا الإصلاح الناقص حباً بالهند، على الرغم مما يضمر الهندوس نحوهم، فقاموا تحت قيادة الزعيمين المسلمين الكبيرين مولانا شوكت علي وأخيه مولانا محمد علي. وبالتعاون مع غاندي بحركة العصيان المدني التي أعلنها المؤتمر عام 1921.

والتفت الإنجليز إلى المسلمين يحملونهم تبعة العصيان المدني ويسومونهم سوء العذاب انتقاماً وعدواناً. إن الإنجليز لم يغفروا لمسلمي الهند مناصرتهم لتركيا، ولا سياستهم الإسلامية الرحيبة الأفق. وانقلب العصيان المدني بين المسلمين ثورة صاخبة، فاحتمل المسلمون الخسائر في الأموال والأنفس وامتلأت بهم السجون. ولكن كفاحهم كاد أن يزعزع أركان الإمبراطورية البريطانية في الهند، أو هو زعزعها في ذلك الحين فعلاً. ومع ذلك فقد عرف المسلمين بعد هذا أن الإنجليز والهندوس يتفقون سراً على الكيد لهم.

وعلى الرغم من هذا كله فقد ظل جانب من المسلمين يرى فائدة من التعاون مع الهندوس الذين كانوا ينظرون إلى مواطنيهم المسلمين نظرة الازدراء ويعدونهم في المنبوذين، وربما أعلنوا ذلك في كتاباتهم وخطبهم على رؤوس الأشهاد. فلقد قال سافاركار، أحد قادة جماعات الهندوس:

“إن القضايا الاجتماعية في الهند هي إرث قديم حمل إلينا عداءً ثقافياً ودينياً وقومياً بين المسلمين والهندوس. وحينما يحين الوقت فإن هذه القضايا ستحل. ونحن لن نستطيع أن نصرف هذه القضايا بتجاهلها. فلنواجه الحقائق المرة بشجاعة إذن. إن الهند لن تستطيع أن تكون بلداً موحداً ولا أمة موحدة، إن فيها أمتين: الهندوس والمسلمين”.

ومنذ عام 1925 نشر “هارديال”، أحد كبار الصحافيين مقالاً في جريدة له، فقال:

“إنني أعلن أن مستقبل الجنس الهندوكي في الهندستان والبنجاب- أي في المقاطعات الشمالية الغربية حيث يكثر المسلمون- يجب أن يقوم على أربعة أسس: الوحدة الهندوكية، الحكم الهندوكي، تمجيس المسلمين، ثم احتلال الأفغان ومناطق الحدود الجبلية. وإلا كان مستقبل الأمة الهندوكية كلها في خطر. إن الجنس الهندوكي له تاريخ واحد ومؤسسات متشابهة، ولكن المسلمين والنصارى يبعدون كل البعد عن الفكرة الهندوكية، ولهما فوق ذلك دينان غريبان. والمسلمون والنصارى أشد ميلاً إلى الحضارة الفارسية والعربية والأوروبية”.

في هذه الأثناء كان القول بإنشاء دولة خاصة بالمسلمين في الهند قد اتسع نطاقه. فمن الذين قالوا بذلك مولانا عبيد الله السندي المولود في سلكوت بالبنجاب. كان عبيد الله من طائفة السيخ، ولكنه اعتنق الإسلام في صباه وكان له آراء متطرفة زادت تطرفاً بتطوافه في الأرض. ولقد وضح له أن الهند ليست بلداً واحداً لما فيها من امتداد الأقطار وكثرة الأجناس واختلاف المذاهب وتعدد اللغات، بل هي في الحقيقة قارة. من أجل ذلك لا يستقيم فيها دولة واحدة جامعة. أمّا المسلمون فيجب أن يكون لهم دولة خاصة بهم. ولقد ضمن عبيد الله السندي آراءه هذه في منهاج مفصل نشره عام 1924 في إستانبول. ولكن الإنجليز منعوا دخول هذا المنهاج إلى الهند.

وجاء الشاعر والفيلسوف محمد إقبال[2]، فجعل لهذه الدعوة صدى يتردد في أنحاء العالم. وأصبح منذ ذلك الحين روح هذه الحركة وشاعرها وفيلسوفها.

والحقيقة أنه لم يكن بالإمكان أن يستمر المسلمون والهندوس عائشين على أرض واحدة: إن كل شئ في الإسلام مخالف لكل شئ عند الهندوس، كما قال محمد علي جناح: “الدين والطعام واللباس والأسماء والنظرة إلى المرأة، حتى موقف الهندوس من الحيوانات مخالف لموقف المسلمين، فالهندوس يعبدون البقرة، بينما المسلمون يأكلون لحمها”.

وفي عام 1927 تألفت لجنة سيمون للنظر في موضوع التوسع في الحكم الذاتي، ولكن الهنود قاطعوها منذ وصولها، وكانت توصيات اللجنة التي نشرت في سنة 1929 تنحصر في منح الحكم الذاتي للأقاليم، أمّا الحكومة المركزية الاتحادية فترى تأجيلها حتى يتوطد الحكم الإقليمي ثم أدخل على تلك التوصيات اقتراح بإنشاء مجلس لكل الهند يمثل فيه الأمراء. ودعت بريطانيا لمؤتمر المائدة المستديرة في لندن سنة 1930، وحضره غاندي الذي تمسك زملاؤه من مندوبي حزب المؤتمر بمبدأ الاستقلال على أساس القومية الهندية الواحدة ورفضوا منح المسلمين ضمانات معينة، وعاد غاندي إلى العصيان المدني ولكنه قبل إرجاء الحركة حيناً وحضر اجتماع مؤتمر المائدة المستديرة في سنة 1931، وكان الممثل الوحيد لحزب المؤتمر.

ومن الخطوات الفاصلة في تطور قصة إنشاء باكستان، الدورة الثانية لمؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في لندن عام 1932، فقد أقر الإنجليز لأعضاء حزب الرابطة الإسلامية أن يحضروا المؤتمر بصفتهم “مسلمين” لا على أساس أنهم “حزب سياسي هندي”. وهكذا اكتسب النضال الإسلامي في الهند صبغته الرسمية الشرعية.

وبدأ الزعيم المسلم “شودري رحمت علي” ينادي بضرورة استقلال الولايات الهندية التي تضم أكثرية مسلمة في وحدة سياسية منفصلة فوضع بهذا أولى اللبنات في بناء أكبر الدول الإسلامية وأحدثها ظهوراً على مسرح السياسة الدولية وهي “باكستان”.

ثم صدر قانون سنة 1935 الذي أعطى الهند كثيراً من مطالبها باستثناء شئون الدفاع وعلاقات الحكومة المركزية بالخارج وأن تكون حكومات المقاطعات حكومات برلمانية وتكون مجالس وزرائها ذات السلطة العليا، ولكن القانون أعطى الحاكم فيها حق “الفيتو” أمّا أمر تكوين اتحاد هندي فترك أمره إلى رغبة المقاطعات والأمراء الذين يمثلون نحو نصف السكان ولهم نصف المقاعد في مجلس الهند الأعلى. وقد رفض “المؤتمر” هذا القانون واحتج على حق الفيتو المعطى للحاكم، ولكنه عاد فدخل الانتخابات وحصل على أغلبية مطلقة في ست من الولايات الإحدى عشرة. ومع ذلك رفض القيام بأعباء الحكم حتى كانت سنة 1937 وأقر المعتدلون من أعضائه ضرورة الاشتراك في الحكم، فألف المؤتمر حكومات حزبية في الولايات الست التي له فيها الأغلبية، وأخرى ائتلافية في ولايتين إحداهما معقل من معاقل الإسلام في الهند وهي مقاطعة الحدود الشمالية الغربية.

ولم يرض المسلمون عن الوضع الجديد، خصوصاً وأن سياسة حكومات المؤتمر كانت هندوكية محضة لا تراعي مصالح المسلمين، مما دعا “محمد علي جناح” إلى السعي لإلغاء الحكومات الإقليمية، حتى إذا ما أعلنت حكومة الهند الحرب في سبتمبر 1939، استقالت حكومات المؤتمر احتجاجاً على عدم أخذ رأيها في الموضوع، وأعلن نائب الملك وقف الدستور سنة 1935.

وتحرجت الأحوال في الشرق الأقصى بدخول اليابان الحرب في ديسمبر 1941 واستيلائها السريع على جزر الهند وسنغافورة وبورما، وبهذا اقترب أتون الحرب من الحدود الهندية نفسها. وسارعت إنجلترا بإرسال السير “ستافورد كريبس” إلى الهند للاتفاق مع الهنود، فوضع مشروع مارس 1940 وفيه وعد بالاستقلال التام عقب انتهاء الحرب وبإصدار دستور يضعه الهنودأنفسهم عن طريق مجلس منتخب على أن تترك للولايات والإمارات التي لا تريد الاشتراك في اتحاد الهند حرية بقائها خارجة عنه، وقد رحب الأمراء بالعرض وأبى الوطنيون إلا تولي السلطة تواً، وأعلن محمد علي جناح أن حزب الرابطة الإسلامية يرفض أي اتحاد هندي ويصر على وحدة إسلامية مستقلة باسم “باكستان”.

وهكذا فشل كريبس في مهمته. وبذلت محاولات في أعقاب الحرب العالمية الثانية للتوفيق بين المسلمين والهنادك ولكنها لم تنجح.

وفي عام 1940 انعقد مؤتمر عام لحزب الرابطة الإسلامية في “لاهور” حيث اتخذ قرار إنشاء دولة باكستان. وقدمت عدة مقترحات إلى لجنة إعداد القرار. ولكن القرار الذي اتخذ في النهاية رفض إقامة دولة مسلمة في الجنوب، ووافق على قيام “دولة مستقلة” في الشمال الغربي والشمال الشرقي من الهند.

وقام بتقديم قرار “لاهور” إلى المؤتمر “فضل الحق” رئيس حزب الرابطة الإسلامية في البنغال ورئيس حكومتها. وبذلك حظي بهذا الشرف أحد قادة البنغال، الذي كان يُعدّ من الزعماء المسلمين البارزين في الهند. وقد أيد القرار جميع زعماء حزب الرابطة الإسلامية سواء في المقاطعات ذات الأكثرية أو الأقلية المسلمة في الهند.

وأهم ما جاء في قرار “لاهور” هو: “يجب أن تضم المساحات التي للمسلمين أكثرية عددية- كما في المناطق الشمالية الغربية والشمالية الشرقية للهند- لتشكل دولاً مستقلة تتمتع فيها الوحدات التي تكونها بالاستقلال الذاتي والسيادة”. وبذلك نجد أن القرار أوصى بشيئين هما:

1. إقامة دولتين مسلمتين مستقلتين في الشمال الغربي والشمال الشرقي من الهند، وهما تقريباً جناحي باكستان بعد الاستقلال.

2. منح الاستقلال الذاتي والسيادة للمقاطعات التي تكون الدولتين المسلمتين.

وفي 17 أبريل 1946، عقد مؤتمر خاص تشريعي لحزب الرابطة الإسلامية في “دلهي” لبحث الخطوات اللازمة لإتمام إنشاء باكستان. وأدخلت لجنة إعداد القرار تعديلاً خطيراً على قرار “لاهور”، فقد دعا القرار الجديد إلى إنشاء دولة واحدة لباكستان بدلاً من دولتين- كما جاء في قرار “لاهور”.

وفي 19 أبريل 1946، قدم “سهروردي” الذي كان رئيساً للوزراء في البنغال القرار إلى المؤتمر. ودعا القرار إلى إنشاء دولة منفصلة ومستقلة للمسلمين في الهند هي باكستان، تتكون من السند وبلوخستان والبنجاب والبنغال.

واعترض “أبو الهاشم” سكرتير عام حزب الرابطة الإسلامية في البنغال على مشروع القرار أثناء إعداده في لجنة الإعداد. وبنى معارضته على أن هذا المؤتمر التشريعي لا يملك تعديل قرار المؤتمر العام في “لاهور” عام 1940، حيث أن المؤتمر التشريعي ليس سلطة أعلى من المؤتمر العام. وأن قرار “لاهور” يدعو إلى قيام دولتين مستقلتين في الشمال الغربي والشمال الشرقي من الهند. وأوضح أنه لا يمكن تجاهل الانفصال الجغرافي لدولة مسلمة ذات جناحين متباعدين تفصلهما أراضي معادية واسعة، وكما يصعب الدفاع عن هذه الدولة.

وفي فبراير 1947، أعلنت الحكومة البريطانية أنها قد عزمت نهائياً على ترك السلطة في الهند إلى أيدي هندية مسؤولة، وذلك في موعد لا يتجاوز يونيه 1948. وحاولت للمرة الأخيرة أن توفق بين الحزبين الرئيسيين في البلاد، ولكن حزب الرابطة أصر على الانفصال والاستقلال. ولم ينتصف شهر أغسطس سنة 1947 حتى صدر قانون استقلال الهند على أساس قيام دولتين منفصلتين كل منهما دومنيون مستقل يخضع لقواعد وستمنستر 1931. لقد انتهى الأمر بشبه قارة الهند إلى قيام دولتين من أكبر دول العالم، هما الجمهورية الهندية وباكستان[3].

ولقد اقترن التقسيم بكثير من الحوادث الخطيرة بين المسلمين والهنادك، لم يكن هناك مفر من وقوعها. ولكن الأمور عادت تصفو بالتدريج وان يكن لا يزال بين الدولتين كثير من المشاكل تحتاج إلى التصفية.

لقد أدى تقسيم شبه القارة الهندية إلى تغيير معالم المساحة والسكان ومظاهر الحياة الاقتصادية والبشرية. كما ترتب على التقسيم حركة هجرة ضخمة بين جزئي البلاد، فهاجر نحو ستة ملايين من العناصر غير المسلمة في البنجاب الغربية إلى الهند، كما هاجر عدد يزيد عن ذلك قليلاً من مسلمي البنجاب الشرقية ودلهي والجهات الهندية الأخرى إلى باكستان. وحدثت حركة مشابهة في البنغال أدت إلى هجرة مليون مسلم من غرب البنغال وضعف هذا العدد من البنغال الشرقية.

ولم تكن واحدة من الدولتين قد أخذت أهبتها لمجابهة هذا الحادث الفذ، الذي كان يعد أكبر حادث من نوعه في التاريخ، مما أدى إلى خلق كثير من المتاعب كان لابد من تذليلها، وقد بذلت الحكومتان غاية الجهد في سبيل توزيع هؤلاء اللاجئين على الأجزاء المختلفة من البلاد وإعداد المأوى وتوفير العمل لعدد كبير منهم، وإن لم تستطع بعد أن توفره لهم جميعاً. وكان لابد أن تتبادل الدولتان قيمة الممتلكات التي خلفها اللاجئون من خلفهم، وقامت خلافات كثيرة حول الموضوع، ولكن الأمل عظيم في أن تسفر المحاولات المبذولة عن حل لهذه المشكلة.

وبالرغم من هذه الهجرة الضخمة فلا تزال مشكلة الأقليات موجودة في دولتي الهند، فلا يزال في الجمهورية الهندية نحو 37.5 مليون مسلم، أي ما يقرب من 11% من مجموع سكانها، كما أن في باكستان نحو 13 مليون من غير المسلمين وبخاصة في البنغال الشرقية، ويمثلون حوالي 13% من سكان باكستان جميعاً.

وقد بلغ عدد المهاجرين من باكستان بشطريها نحو 10 ملايين نسمة، وبلغ عدد المهاجرين إليها نحو 7.5 مليون نسمة، وعلى هذا يمكن تقدير سكان الهند بعد الهجرة بنحو 339.5 مليون نسمة، وسكان باكستان بنحو 75.5 مليون نسمة.

كان من أهم المشكلات التي واجهت النظام الجديد إعادة التنظيم الإداري للبلاد، فقد كان في شبه القارة الهندية تحت الحكم البريطاني أكثر من 580 وحدة لها كيانها الذي يفصلها عن الكيان الاقتصادي للهند. ومن ثم كان هناك الهند البريطانية بمقاطعاتها الثمانية و”هند الأمراء”. وكانت هذه الإمارات المتعددة تختلف في مساحتها وفي عدد سكانها حتى أن بعضها مثل حيدر آباد كانت تبلغ مساحتها نحو 82 ألف ميل مربع ويسكنها حوالي 16 مليون نسمة، بينما كان البعض الآخر مثل فارنولي نانا Varnoli Nana لا تزيد مساحتها على ميل مربع واحد ولا يصل عدد سكانها إلى 100 شخص. وكان معظم هذه الإمارات يتبع نظماً اقتصادية خاصة تختلف عن السياسة الاقتصادية في الهند البريطانية، وكان النشاط الاقتصادي معطلاً في بعضها متقدماً في البعض الآخر. وكانت كثرة هذه الإمارات واختلافها من دواعي تأخر الوحدة الاقتصادية للهند خصوصاً وقد كانت تشمل نحو 45% من المساحة الكلية لشبه القارة، ويعيش فيها نحو 24% من مجموع السكان. وكان مما يزيد المسألة تعقيداً أن بعضها يتكون من أجزاء متفرقة لا رابطة بينها. وخير مثل لذلك إمارة بارودا Baroda التي تبلغ مساحتها 8176 ميلاً مربعاً، فقد كانت تتكون من خمسة أجزاء كبيرة، ثم ثلاثين منطقة صغيرة متفرقة.

وعند التقسيم انضم عدد قليل من هذه الإمارات إلى باكستان (آمب- بهاولبور- شترال- دير- تلات- خير بور- خاران- لاسي بيلا- مانا فادر- مكران- صوات- جونا كاد)، أمّا غالبيتها ويربو عددها على 550 إمارة وولاية، فقد انضمت إلى الهند التي أصبح عليها أن تجابه مشكلة تنظيمها ولم شعثها حتى تستطيع أن ترسم سياستها الاقتصادية الموحدة في العهد الجديد. وقد عالجت الهند هذه المشكلة بضم الإمارات الصغيرة إلى المقاطعات المجاورة وإدماج بعض الإمارات في بعضها الآخر لتكون مقاطعات جديدة مثل همتشال باردش Himacal Pardesh وكتش Kutch. كما تركت الإمارات الأربع ميسور، بوبال Bhopal، ترافنكور، كوشين، وحيدر أباد (بعد غزوها) شبه مستقلة داخلياً وتتبع في الوقت نفسه الحكومة المركزية في نيودلهي.

وبضم هذه الإمارات إلى المقاطعات أو بخلق الولايات الجديدة منها أو جمعها في اتحادات مكونة مقاطعات أمكن للهند أن توحد كيانها الاقتصادي. ولكن لابد أن يمضي وقت حتى يتم اندماج هذه الإمارات وحتى تتوطد أسس الاقتصاد الهندي الموحد. وقد ترتب على هذا التوحيد أن قلت متاعب الحكومة المركزية وأمكن تطبيق نظام الضرائب المتبع في المقاطعات على تلك الإمارات المتناثرة.

ثانياً: معنى كلمة باكستان

إن كلمة باكستان في ظاهرها تركيب مزجي معناه أرض الطهر أو الدولة الطاهرة. فكلمة باك معناها طاهر، وكلمة ستان معناها الأرض أو الدولة.

وأمّا الكلمة نفسها فخيال بارع أبدعه الطلاب المسلمون الذين كانوا يدرسون في إنجلترا. ولقد استعمل للمرة الأولى في يناير 1933، إذ رفعت به صوتها منظمة الطلاب المسلمين في بريطانيا العظمى. لقد دلهم خيالهم الشاعر على أن يفصلوا أحرفاً من المقاطعات الهندية التي يكثر فيها المسلمون ثم يؤلفوا بينها ليستخرجوا اسماً للدولة التي ستكفل العزة والكرامة لهم ولإخوانهم ثم لأبنائهم وأحفادهم من بعدهم. وهكذا صكت الكلمة على النحو التالي:

ب من البنجاب

أ من باتان (الحدود الشمالية الغربية)

ك من كشمير.

س من السند.

تان من بلوخستان[4]

1. قسمة غير عادلة

لقد قسمت الهند قسمة غير عادلة، قسمة لا تتفق مع المنطق، ولم يتحر القاسمون العدل في توزيع الأرض ولا في الاستماع إلى رغبات السكان ولا في توزيع الثروات الطبيعية والوطنية. وأعطي المسلمون أرضاً تتألف من قطعتين يفصل بينهما في أقرب نقطتين منهما 1700 كم.

ولم يقف الظلم عند حد توزيع الأراضي، بل إن الهندوس، والبريطانيين معهم كما يظهر بوضوح، أرادوا أن يعرقلوا قيام دولة باكستان، فسعوا إلى أن يحرموها من كل وسيلة من وسائل النهوض، بل من وسائل الحياة. لقد جعلت دهلي- أو دلهي كما يقول الإنجليز- في نصيب الهندوس، وكذلك جعل المرفآن العظيمان بومباي في الغرب وكلكوتا في الشرق من نصيبهم أيضاً. كما أن معظم الثروة الوطنية ومعظم مرافق الدولة أصبحت بعد التقسيم في قبضة الهندوس. وكان الاتفاق أن توزع هذه الثروة المتفرقة في المقاطعات كلها، وهذه المرافق بين الدولتين حسب استحقاقهما. أمّا باكستان المسلمة فقد برت بما عاهدت عليه ونقلت إلى الهندستان نصيبها مما كانت هي تملكه. وأمّا الهندستان الهندوكية فقد قبضت يديها ولم تؤد إلى باكستان شيئاً أصبح في حوزتها، لا من السجلات، ولا الأوراق، ولا الأثاث، ولا من ثروات الدولة. فما أن أعلنت باكستان دولة مستقلة حتى تلفتت فلم تجد في يديها شيئاً يذكر من وسائل تسيير الإدارة. كما أن الهندوس أبو تسليم باكستان حقها من المال المضروب وقدره خمسمائة وخمسون مليون روبية، رجاء أن تعجز باكستان عن دفع رواتب موظفيها فيقع الاضطراب فيها وتعمها الفوضى ويستحوذ القلق على النفوس فتختنق الدولة الوليدة في مهدها.

2. حيدر أباد وكشمير: (أُنظر خريطة باكستان والهندستان وحيدر أباد)، و (خريطة قضية كشمير ومشكلة الحدود)

لم يكن بإمكان إنجلترا أن تحكم بلداً مساحته نحو خمسة ملايين كيلومتر مربع، يسكنه أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة يدينون بعدد لا يحصى من المذاهب ويتكلمون أكثر من سبعمائة لغة كالهند، لو أنها لجأت إلى أساليب الإدارة المألوفة في الحكم. كما كان إقامة إدارة موحدة في شبه القارة الهندية أمراً في حيز المستحيل. من أجل ذلك لم يجد الإنجليز وسيلة إلى حكم الهند أجدى عليهم من تفريقها ممالك وسلطنات وإمارات بعد أن يذكوا نار البغضاء بين الهندوس والمسلمين. ومما ساعدهم على ذلك أن كل طائفة من هاتين كانت تنقسم أيضاً طوائف متعددة بتعدد أنسابها ولغاتها وتراثها الاجتماعي.

وقسم الإنجليز الهند من حيث الإدارة قسمين كبيرين، قسماً حكموه حكماً إنجليزياً مباشراً، وقسماً فرقوه بين الأسر الإقطاعية، بعد أن جعلوا له في الظاهر استقلالاً ذاتياً يبدو براقاً بين الحكام والمحكومين. ولم يكن الحكم الوطني الظاهر في تلك المقاطعات إلا ستاراً للإبقاء على الجهل والفقر موزعين في أقطار الهند، مما يستحيل معه رقي أو ازدهار أو تطور ما. كما نصب الإنجليز في تلك المقاطعات التي فيها أكثرية هندوسية حاكماً مسلماً، وفي المقاطعات التي فيها أكثرية مسلمة حاكماً هندوسي. وهكذا ظلت العداوة بين الأقلية والأكثرية وبين المحكوم والحاكم.

وحيدر آباد مقاطعة في هضبة الدكن في أواسط النصف الجنوبي من شبه جزيرة الهند. وهي أكبر امارات الهند وأغناها، تبلغ مساحتها نحو 350.000 كم2، وعدد سكانها نحو سبعة عشر مليوناً من الأنفس، منهم نحو مليونين من المسلمين هم أقلية قوية في عالم الثروة والأملاك والصناعات التي تجعلها في مستوى بعض الدول الأوروبية.

وكانت حيدر آباد دولة ذات كيان سياسي مستقل، وذات مرافق خاصة بها للبريد ولسكك الحديد ولطرق الطيران المدني ولنظام التليفون والعملة. كما كان بين حيدر آباد والهند وباكستان تمثيل سياسي. ويحكم حيدر آباد الأمير عثمان علي خان بهادور المعروف باسم نظام حيدر آباد، وهو السابع في سلسلة أسلافه الذين حكموا هذه المقاطعة. وهو يحكم بلاده حكماً مطلقاً إقطاعياً، ولكنه أيضاً حكم المستبد العادل الذي يريد الخير لرعيته. ثم أن له مقاماً مرموقاً بين المسلمين في جميع الأقطار. ونظام حيدر آباد أغنى أغنياء العالم يملك ثروة من الجواهر تبلغ نحو ثمانية مليارات من الروبيات أو نحو مليار من الجنيهات الإنجليزية.

ولمّا قامت دولتا الهندستان وباكستان اختار نظام حيدر آباد أن تظل بلاده مستقلة كما كانت منذ مئات السنين. ولكن الهندستان ساءها ذلك وادعت أن الأمن مضطرب في الإمارة وأن سكانها من الهنادك يلاقون اضطهاداً وعنتاً من الأقلية المسلمة. ثم أخذت الهندستان تعلن أن إمارة حيدر آباد إمارة إقطاعية ولا يجوز بعد اليوم أن يستمر حكم إقطاعي في بقعة من بقاع العالم.

اكفهر الجو بين الهندستان وحيدر آباد، فعقدت الدولتان بينهما في 29 نوفمبر 1947 اتفاقاً مؤقتاً لمدة عام واحد، لعل الطرفين يصلان في مدة نفاذه إلى اتفاق يتعلق بالدفاع وبالسياسة الخارجية على الأقل. ولكن الهندستان أخذت تمنع وصول الأسلحة إلى حيدر آباد ووصول الآلات الميكانيكية. حتى الأدوات الطبية والعقاقير منعت الهندستان وصولها إلى حيدر آباد.

ومنذ أبريل عام 1948 بدأت الهندستان تلوح باقتحام الإمارة عنوة وتصرح “أن ثمة حلاً واحداً لمشكلة حيدر آباد، هو الانضمام إلى الهند”. وفي الحادي عشر من شهر سبتمبر 1948 توفي محمد علي جناح الحاكم العام لدولة باكستان، فعم باكستان ذهول شديد وخيف الاختلاف على خلف له. فانتهزت الهندستان هذه الأزمة الروحية واقتحمت حدود حيدر آباد في الثالث عشر من سبتمبر 1948. وكان ذلك قبل انتهاء أمد الاتفاق المؤقت بشهرين ونصف شهر. وقاومت حيدر آباد خمسة أيام ثم استسلم جيشها.

3. آزاد كشمير

ومع انفصال باكستان نشأت مشكلة كشمير بعدما ترك للإمارات الهندية حق تقرير المصير، حيث تم انضمام أغلب الإمارات إلى الهند وباكستان فيما عدا ثلاث امارات هي: جوناكادا، وحيدر آباد، وكشمير.

كشمير (أو كشمير وجامو على الأصح) مقاطعة جبلية في شمالي باكستان الغربية تتفرع سلاسل الجبال فيها من جبال همالايا. وقد ترتفع قمم الجبال فيها إلى 25.000 قدم فوق سطح البحر. وتنحدر من كشمير المياه التي تغذي أنهار مقاطعتي النبجاب والسند، كما تكثر فيها المعادن والمراعي والمزارع وأشجار الفاكهة. ولكشمير أهمية عسكرية، فهي تتاخم بضع دول ابتداء من الشرق بأفغانستان والاتحاد السوفيتي والتركستان الصينية والتبت والهندستان وباكستان. وفي ضوء ذلك، ترتبط قضية كشمير بتوازن القوى في هذه المنطقة، فأهمية الإقليم بالنسبة للهند استراتيجية، أمّا أهميته بالنسبة لباكستان فترتبط بعوامل جغرافية وسكانية واقتصادية.

وكشمير مقاطعة كبيرة تبلغ مساحتها نحو 84.500 ميل مربع (نحو 360.000 كم2) وسكانها أربعة ملايين، منهم نحو ثمانين بالمائة مسلمين والأقلية من الهنادك. وارتباط كشمير الاقتصادي بباكستان أقوى من ارتباطها بالهند، فالترع والقنوات التي تغذي البنجاب بمياه الري تعتمد على كشمير، حيث تجري روافد السند وحيث توجد مصادر القوى المائية، ومن ثم فإن الحق واضح في موضوع ضمها للباكستان دون الهند. ولكن لسوء الحظ يحكم الإمارة حاكم هندوكي لم يشأ يوم أن أعلن التقسيم أن ينضم لاحدى الدولتين، بل اكتفى في الخامس عشر من أغسطس 1947 بعقد اتفاق مؤقت مع باكستان (على نمط اتفاق نظام حيدر آباد مع الهندستان فيما بعد). كما قام مهراجا كشمير باستقدام (من شرقي البنجاب التابعة للهندستان) جماعات من الهندوس والسيخ إلى مقاطعة جامو خاصة لتتضخم الأقلية الهندوسية هنالك وليهرب بعمله هذا المسلمين. ثم أنه أطلق قواته المسلحة على السكان المسلمين.

وبعد ذلك بدأ الاضطراب الذي زج بالبلاد فيما بعد في أتون الحرب، وقد عبر عن ذلك المهراجا نفسه في بيان صحفي أذاعه في اليوم الثاني عشر من سبتمبر 1947، فقال: “في اليوم الرابع والعشرين من أغسطس 1947 تجمعت جماهير غفيرة ثم اتجهت نحو مدينة باغ، وكان عددها نحو خمسة آلاف. ولم يكن بالإمكان إقناع هذه الجموع بالتفرق، بل كان عددهم يزداد باطراد، وكانوا كلهم مسلحين بأسلحة متنوعة وبالفؤوس والرماح وغيرها”.

ورأى المهراجا أن يفرق هذه الجموع بالقوة، فلجأ إلى طريقة هي التي خلقت قضية كشمير. وقد ذكرت جريدة التايمز اللندنية في عددها الصادر في العاشر من أكتوبر 1948: “وفي سائر مقاطعة دوغرا أبيد 237.000 من المسلمين إبادة منظمة، إلاّ من نجا منهم بنفسه هارباً عبر الحدود إلى باكستان. وقد تولى هذه الإبادة قوات نظامية تابعة لمقاطعة دوغرا يقودها مهراجا كشمير نفسه، ويساعد على الفتك برعاياه المسلمين جماعات من الهندوس والسيخ. ولا ريب في أن إفناء ثلثي المسلمين في مقاطعة جامو (جنوبي شرق كشمير) قد بدل نسبة السكان المسلمين والهندوس فيها”.

ولم يكن المعقول أن يرى رجال القبائل في كشمير إخوانهم الذين يسكنون المدن يقتلون ويشردون من غير أن يهبوا إلى نجدتهم. فجمعوا صفوفهم وأخذوا في أواخر أغسطس 1947 يحاربون جنود المهراجا النظاميين حتى تغلبوا عليهم وأجلوهم عن معظم نواحي كشمير وأقاموا هم في أرضهم ووطنهم حكومة وطنية سموها آزاد كشمير أو “حكومة كشمير الحرة”.

وفي الرابع والعشرين من أكتوبر، أي بعد شهرين، أدرك مهراجا كشمير أنه معزول، وأن رعيته لا تريده أبداً، وأن جيشه عجز عن الدفاع عنه، فاستنجد بالهندستان. وعلى الفور أرسلت جيوشها إلى كشمير تقتحم المنازل وتهدم وتقتل بدباباتها وطيرانها سكان كشمير، التي تصدت قواتها الحرة بالسلاح الخفيف لجيش الهندستان المجهز بالدبابات والطيران وبأحدث معدات القتال وأثقلها، ومع ذلك انتصرت عليه.

ثالثاً: نشأة النزاع حول كشمير

على رغم الاتفاق على حق تقرير المصير للإمارات، فقد اكتسحت الهند بالقوة المسلحة إقليمي جوناكادا وحيدر آباد[5] وظلت ولاية كشمير مشكلة عالقة بين البلدين، حيث دفع كل منهما قواته المسلحة ورجال القبائل إلى الاقليم، وطالبت باكستان بالاحتكام إلى موقف الشعب من خلال الاستفتاء.

ويستند كل من الطرفين إلى مجموعة أسس في مطالبهما بالإقليم. فباكستان تستند إلى أغلبية سكانه الإسلامية، والاعتماد الاقتصادي المتبادل معه، وتعتبر أن ضم كشمير للهند معناه تحكمها في مياه السند ورافديه الرئيسيين اللذين يمران في كشمير، لأن الإقليم مرتبط مع باكستان بوسائل المواصلات وعبرها مع العالم في حركته التجارية، فضلاً عن الاعتبار الأمني، حيث أن ضمه إلى الهند يهدد أمن باكستان بسبب انفتاح كشمير على باكستان.

أمّا الهند، فقد استندت إلى موافقة حاكم الإقليم الهندوسي على الانضمام إلى الهند بعدما ترك موضوع الانضمام للأمير في كل إمارة، وقد ربطت الهند كشمير بها عبر شبكة واسعة من طرق المواصلات، باعتبار أن مستقبل كشمير يكون أفضل إذا ما ضمت إلى الهند بفعل سعة الأسواق وتطورها صناعياً قياساً لباكستان، إضافة إلى أهمية حماية الهندوس في جنوب جامو. أمّا موضوع المياه الذي تثيره باكستان، فيمكن الاتفاق عليه وفقاً للمواثيق الدولية.

في ضوء ما تقدم، تظهر موضوعية الطروحات الباكستانية التي استندت إلى أسس قانونية واقتصادية وسياسية بوضوح، فالإقليم إلى جانب حيويته لاقتصاد باكستان، فهو يتبع باكستان بحكم الأغلبية الدينية التي اعتمدت أساساً للتقسيم، إذ شكل المسلمون عند التقسيم 80 بالمائة من السكان[6] وإذا كانت الهند قد أخضعت إقليمي حيدر آباد وجوناكادا بالقوة، باعتبار أن الأغلبية هندوسية، فإن المنطق هو أن تقر الهند بعائدية كشمير لباكستان على القاعدة نفسها التي شكلت أساساً لقرارات التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة[7].

رابعاً: كشمير والأمم المتحدة

عرضت الهند قضية كشمير على مجلس الأمن الدولي في الأول من يناير 1948، وقد انصرف مجلس الأمن الدولي إلى معالجة هذه القضية عبر عدد من القرارات: القرار الرقم (47) لعام 1948، والوثيقة (S/1100) المؤرخة في 9 نوفمبر 1948، والوثيقة الرقم (S/1196) في 10 يناير 1949، والقرار الرقم (91) في 30 مارس 1951، تضمنت اتفاقاً لوقف إطلاق النار في جامو وكشمير، واتفاقية للهدنة بين البلدين، وإجراء مشاورات مع اللجنة المشكلة من مجلس الأمن لتحديد الشروط العادلة والمنصفة التي تكفل التعبير الحر عن إرادة سكان كشمير وفق حق تقرير المصير.(أُنظر ملحق القرار الرقم 47 (1948) بشأن مسألة الهند وباكستان المقدم من ممثلي بلجيكا والصين وكولومبيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، والصادر عن مجلس الأمن في اجتماعه المائتين والسادس والثمانين المنعقد في 21 أبريل 1948 (الوثيقة الرقم S/726 المؤرخة 21 أبريل 1948)) و(ملحق القرار الصادر عن لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان والمؤرخ في 13 أغسطس 1948 (الوثيقة الرقم S/1100 الفقرة 75، المؤرخة في 9 نوفمبر 1948))، و(ملحق القرار الصادر عن اجتماع لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان في 5 يناير 1949 (الوثيقة الرقم S/1196، الفقرة 15، المؤرخة في 10 يناير 1949))، و(ملحق القرار الرقم 91 (1951) بشأن مسألة الهند وباكستان، المقدم من ممثلي المملكة المتحدة والولايات المتحدة، والصادر عن مجلس الأمن في 30 مارس 1951 (الوثيقة الرقم S/2017/REV.1 المؤرخة في 30 مارس 1951))، و(ملحق القرار الرقم 122 (1957) الصادر عن مجلس الأمن في اجتماعه الخامس والستين بعد السبعمائة في 24 يناير 1957)

وعلى رغم جهود مجلس الأمن مع الطرفين، فقد أخفقت الأطراف في إجراء الاستفتاء الإقليمي بفعل غياب أساس مشترك لإدارة الاستفتاء، بيد أن الإقليم خضع عملياً للتقسيم بالقوة منذ ذلك التاريخ. فقد ورد في تقرير ممثل الأمم المتحدة المستر “ديكسون” أن الحدود الهندية- الباكستانية الفعلية في دولة جامو وكشمير ستصبح لسنوات خطاً لوقف إطلاق النار، وبالفعل أدى اتفاق كراتشي في 27 يوليه 1949 لتحديد خط وقف إطلاق النار إلى تشكيل الحد الحقيقي لسيادة الدولتين، حيث أفضى إلى تقسيم جامو وكشمير بين مظفر آباد عاصمة لحكومة آزاد كشمير ونواة لدولة كشمير المتحررة من الهند والمهراجا من وجهة نظر باكستان، وسريناجار العاصمة التقليدية لجامو وكشمير تحت سيطرة القوات الهندية المؤيدة للشيخ عبد الله (أسد كشمير) الذي عارضت باكستان نفوذه تحت طائلة اتهامه بالتعاون مع الهند.

لقد أدى خط وقف إطلاق النار إلى تقسيمه إلى قسمين، خضع بموجبه ثلثي أراضي الإقليم و أربعة أخماس السكان للإدارة الهندية.

وهكذا أصبحت مشكلة كشمير عائقاً أساسياً أمام علاقات طبيعية بين الهند وباكستان، حيث ترفض الهند إجراء الاستفتاء الذي تطالب به باكستان لاعتقادها أنه لن يكون لصالحها، وهو الخلاف الذي اعترف به مجلس الأمن في قراره رقم (91) الآنف الذكر، والذي حدد نقاط الخلاف الرئيسية التي تحول دون اتفاق الطرفين، وهي:

1. إجراءات ومدى إخلاء الولاية من القوات العسكرية توطئة لعقد استفتاء.

2. مدى الرقابة التي يتعين فرضها على ممارسة الحكومة لوظائفها في الولاية لضمان حرية الاستفتاء ونزاهته.

خامساً: أوجه التباين بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية

رغم التقسيم الذي حدث لشبه القارة الهندية إلى دولتين، الأولى دولة الهند والثانية دولة باكستان بجناحيها الشرقي والغربي، إلاّ أن ذلك الوضع ترتب عليه تباين كبير بين جناحي باكستان يتلخص في الأتي:

1. الجغرافيا والسكان

عند الاستقلال عام 1947 بلغت مساحة باكستان 365.529 ميلاً مربعاً، وتكونت من إقليمين مختلفين في المساحة حيث يبلغ مساحة باكستان الشرقية 55.126 ميلاً مربعاً ومساحة باكستان الغربية 310.403 ميلاً مربعاً، ويفصلهما حوالي 1200 ميلاً من الأراضي الهندية. أمّا بحراً فيبعدان بمقدار 2450 ميلاً. وتعتبر باكستان الغربية أرضاً قليلة الأمطار بعكس باكستان الشرقية. وهكذا نجد أن مشكلة باكستان الشرقية هي الفيضان أثناء فصل الأمطار الموسمية، في حين نجد أن مشكلة باكستان الغربية هي نقص المياه.

أمّا من الناحية السكانية، فتوجد اختلافات حادة بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية، فحسب تعداد عام 1951 بلغ تعداد سكان باكستان الغربية 33.785 مليون نسمة، وسكان باكستان الشرقية 42.063 مليون.

2. اللغة

لم تكن باكستان الشرقية قبل الاستقلال تعان من مشكلة اللغة لوجود لغة واحدة هي البنغالية. أمّا في باكستان الغربية فقد انتشرت عدة لغات رئيسية هي الأردية والبنجابية والسندية والبشتوية. واختارت باكستان بعد الاستقلال اللغة الأردية لغة قومية. وكانت اللغة الأردية لا يعرفها في باكستان الشرقية إلا بعض الصفوة. كما كانت اللغة البنغالية لا يعرفها الكثيرون في باكستان الغربية. وعارضت الحكومة الباكستانية في مبدأ الأمر طلب باكستان الشرقية الاعتراف بالبنغالية لغة ثانية للدولة. وفي عام 1954 بعد اشتداد المعارضة البنغالية، تم الاعتراف بالأردية والبنغالية لغتين قوميتين في باكستان، مع اعتبار اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للدولة، وهي لغة لازالت إلى حد كبير لغة الصفوة.

ويعترف أيوب خان في مذكراته، بمشكلة اللغة والمصاعب التي تنشأ من التعليم بلغتين وأبجديتين في سبيل مجتمع ناشئ يسعى إلى أن يجعل من نفسه جماعة تقر بمبدأ واحد وتشترك في مصير واحد. ويحذر من خطر المشكلة قائلاً: “إننا لا نستطيع بلغتين قوميتين أن نبني دولة لأمة موحدة، بل إننا بذلك سنظل نؤلف دولة ذات أمم متعددة”. ويؤكد أيوب خان الحاجة إلى حلها: “إذا كنا نريد الحفاظ على شخصيتنا ووحدتنا”.

3. المجتمع والثقافة

قال محمد علي جناح في رسالته إلى المهاتما غاندي في 17 سبتمبر 1944: “نحن نصر ونتمسك أن المسلمين والهندوس يكونان أمتين كبيرتين، وذلك طبقاً لأي تعريف أو معيار للأمة. نحن أمة لمائة مليون مسلم، وعلاوة على هذا نحن أمة ذات أمور متميزة في الثقافة والحضارة واللغة والأدب والفن والهندسة المعمارية والأسماء والمصطلحات الخاصة والشعور بالقيم والعدل، والتاريخ والتقاليد والملكات والطموح. وباختصار لنا وجهة نظرنا المتميزة عن الحياة ومن الحياة. ووفقاً لجميع مبادئ القانون الدولي نحن أمة”.

وما إن قامت دولة باكستان في عام 1947 حتى بذل محمد علي جناح جهوداً كثيرة في كل المحافل والمجالات وقد جاء في كثير من خطبه وتصريحاته لتوضيح ما يربط جناحا باكستان المتباعدان. فمثلاً في خطاب له أذيع على الشعب في 19 فبراير 1948، قال: “تتكون باكستان من جزئين من الأراضي، أحدهما باكستان الغربية في الشمال الغربي، والآخر باكستان الشرقية في الشمال الشرقي من شبه القارة الهندية. وأول سؤال يمكن أن يسأله أي دارس أجنبي: كيف يمكن أن يحدث هذا؟ ويمكنني أن أجيب على هذا السؤال بعبارة واحدة انه الإيمان، الإيمان بالله العلي العظيم وبأنفسنا وقدرنا. ولكني أعتقد أن الشعب الذي لا يعرفنا حق المعرفة قد يجد صعوبة في فهم مضمون هذه الإجابة القصيرة. إن الغالبية منا مسلمون، ونحن نتبع تعاليم النبي محمد. ويربطنا معاً رباط الأخوة في الإسلام التي فيها الجميع متساوون في الحقوق والكرامة واحترام النفس. وبناء على هذا لدينا شعور خاص وعميق جداً بالوحدة. ولكن اعلموا تماماً أن باكستان ليست دولة دينية أو أي شئ من هذا القبيل. وليس الكثير منا فقط مسلمون، ولكن لنا تاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا وطرقنا في التفكير وآراؤنا وفطرتنا وهذا يكون شعوراً بالقومية”.

افترض “محمد علي جناح” وجود مجتمع إسلامي وثقافي موحد وتغاضى عن الاختلافات الإقليمية الموجودة في هذا المجتمع. صحيح أن المجتمع والثقافة في باكستان الغربية وباكستان الشرقية بني على المبادئ الإسلامية، حيث أن الإسلام ليس فقط عبادات ولكنه منهج للحياة يؤثر على المعيشة اليومية للشعب. ولكن كان هناك كثير من الاختلاف في المجتمع والثقافة بين جناحي باكستان بالرغم من وجود رابطة الإسلام بينهما. فشعب باكستان الشرقية يتألف من عدد من السلالات لكل منها ماضيها التاريخي وثقافتها الخاصة. وهو ينتمي إلى أقدم السلالات الهندية، فقد حكمهم الهندوس والمغول والأفغان (الباتان) والبريطانيون. علاوة على ذلك تمسكوا باستمرار بالثقافة الهندوسية وبالتراث اللغوي الهندوسي. وقد أثر هذا على سلوكهم فظهر انطواؤهم على أنفسهم وسوء ظنهم واستباقهم الآخرين بالعدوان في سبيل الدفاع عن النفس.

في عام 1956 أجرت الهند انتخابات شكلية تألفت إثرها جمعية تأسيسية أعلنت نيابة عن أهالي كشمير انضمامها إلى الهند، التي بدورها أعلنت أن كشمير أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الهند.

وقد تأثر المجتمع داخل باكستان الشرقية بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية. فقبل الاستقلال كان الإقطاعيون من الهندوس يملكون 75% من الأراضي الزراعية. ولكن بعد الاستقلال فر كثير منهم إلى الهند، كما حدد قانون ملكية الأراضي وايجارها عام 1950، الحد الأقصى للأراضي التي يزرعها أصحابها ولا يؤجروها بثلاثة وثلاثين فداناً. والمجتمع في باكستان الشرقية غير مستقر، وقد رجع هذا إلى سيطرة ملاك الأراضي الزراعية والكثافة السكانية المرتفعة التي أدت إلى تنوع التركيب الحرفي للسكان. كما يوجد الاختلاف التقليدي بين المسلمين الأشراف والمسلمين غير الأشراف، حيث توجد أربع طوائف مسلمة هي السيد والشيخ والباتان والمغول.

أمّا سكان باكستان الغربية فإنهم يمثلون مزيجاً أكثر تنافراً من كل مزيج آخر في أية بقعة من بقاع العالم. وبما أن باكستان الغربية تقع على أبواب شبه القارة الهندية، فقد كان لابد من أن يترك فيها كل شعب فاتح بقايا من جنسه وثقافته. هذا المزيج الذي جاءت به بالقوة أدى إلى صهر الأفكار ووجهات النظر ونماذج الثقافة، رغم تباين اللغات. والعصبية القبلية توجد في بعض أجزاء باكستان الغربية، مثل إقليم الحدود الشمالية الغربية وإقليم بلوخستان. وتنتشر بعض القبائل في الدول المجاورة: إيران وأفغانستان، ويهدد بعضها الوحدة الوطنية لباكستان.

وتعتبر النزعة الإقليمية في باكستان الغربية مشكلة خطيرة بالرغم من توحيد أقاليم الحدود الشمالية الغربية والبنجاب والسند وبلوخستان ومناطق الحدود في وحدة إدارية واحدة، هي باكستان الغربية. كما أن هناك شعوراً بالكراهية بين الأقاليم ضد إقليم البنجاب الذي يقطنه أكثر من نصف عدد سكان باكستان الغربية. وحتى عام 1958 كانت تنتشر الملكية الإقطاعية في باكستان الغربية.

لقد أدى التباين في طبقات المجتمع في جناحي باكستان إلى الاختلاف في التشكيل الاجتماعي والثقافي والسياسي.

4. التاريخ والتقاليد

يعدّ التاريخ الإسلامي المصدر المشترك للتقاليد بين باكستان الغربية وباكستان الشرقية. وأكد “محمد علي جناح” أهمية هذا الرباط أثناء كفاحه لقيام دولة باكستان. وبعد الاستقلال ظل هذا الرباط عاملاً قوياً لتدعيم الصلات بين الجناحين. ومع ذلك هناك اختلاف بين التقاليد التاريخية لباكستان الغربية وباكستان الشرقية.

[1] السير سيد أحمد خان، ولد عام 1817، وتوفى عام 1899.

[2] الشاعر محمد إقبال، ولد عام 1876 في سلكوت، وتوفي عام 1937.

[3] صدر قانون وستمنستر سنة 1931 يحدد مركز نائب الملك في الهند فيجعله يحكم بواسطة وزارة مسؤولة أمام هيئة تشريعية محلية، ولكن موقف الهنادك من المسلمين في مؤتمر المائدة المستديرة جعلهم يوجسون خيفة، وبدأ الزعيم المسلم `شودري رحمت علي` ينادي بضرورة استقلال الولايات الهندية التي تضم أكثرية مسلمة في وحدة سياسية منفصلة.

[4] يلاحظ أن الكلمة لا تضم حرفاً يمثل البنغال، مما يدل على أن الطلبة لم يكونوا يفكرون آنذاك إلا في غربي الهند. ولكن يمكن تمثيل كلمة بنغال مشتركة مع الألف مثلاً.

[5] كان حاكما الإقليمين من المسلمين، وقد طلبا الانضمام لباكستان أو البقاء كولايات مستقلة، وهو ما رفضته الهند باعتبار أن أغلبية السكان من الهندوس.

[6] يرى بعضهم أنهم كانوا يشكلون 93% من السكان.

[7] في عام 1956 أجرت الهند انتخابات شكلية تألفت إثرها جمعية تأسيسية أعلنت نيابة عن أهالي كشمير انضمامها إلى الهند، التي بدورها أعلنت أن كشمير أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الهند.

 

المصدر / الصراع الهندي ـ الباكستاني – موقع Al Moqatel

Print Friendly, PDF & Email