قضايا اقتصاديةقضايا سياسية

الدبلوماسية الإقتصادية و دورها الفعال في العلاقات الدولية

إن كلمة دبلوماسية في مدلولها اللفظي تعني الورقة السامية لصاحب مهمة سامية و هي مشتقة من كلمة دبلوم و التي تسند من قبل صاحب السلطة طبقا لإنجاز عملا خاصا و إجتهادا ناجحا. إذ أصبحت اليوم العلاقات الدولية تدار وفقا لمعايير دولية تتنوع فيها أشكال الدبلوماسية و التي منها الدبلوماسية الناعمة, الوقائية, الإستباقية, الثقافية و غيرها من أنواع هذه الدبلوماسية. إلا أنه مع تطور الوضع العالمي في ظل العولمة الإقتصادية و المالية و الرقمية أصبحت للدبلوماسية الإقتصادية مكانة خاصة و دور هام علي الصعيد العالمي. كما أن للمصالح التجارية بين الشركاء الدائمين دور مهم في تكريس مبدأ الإندماج في فضاءات تتنوع فيها المبادلات التجارية و المالية قصد جلب أكبر قسط ممكن من الإستثمارات مع تعزيز العلاقات الإقتصادية, الإستراتيجية و السياسية للحفاظ علي النظام العام. و أيضا للحفاظ علي التحرر الكامل للأسواق بين الجانبين من خلال إعتماد معايير للإعفاءات الجمركية و تسهيل حركية السلع و الأشخاص و تقليص السياسة الحمائية.

إن الدبلوماسية الإقتصادية أصبحت اليوم سلاح ذو حدين منها لتعزيز العلاقات السياسية و الإستراتيجية بعيدة الأمد أو لزيادة الأرباح المالية و الصفقات الإستثمارية بين الشركاء أو خلق أسواق تجارية جديدة. فالإنفتاح علي أسواق الدول الصاعدة و الواعدة يعد هدفا رئيسيا لقسم الدبلوماسية الإقتصادية في وزارات الخارجية لأغلب الدول العالمية. و من أبرز تلك الدول التي تراهن علي هذا النوع من الدبلوماسية في إدارة علاقاتها الدولية نذكر بالأساس فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا. فقد سخرت هذه الدول الثلاثة إمكانيات هائلة بوزاراتها الخارجية قصد الحد من نفوذ الصين التجاري و الإقتصادي خاصة في دول الشرق الأوسط و قارة إفريقيا و ذلك للحفاظ علي مستعمراتها القديمة و شركائها التقليدين. إلا أن هذا الإنجاز في إستقطاب تلك الأسواق يبقي محدودا نظرا لنسبة الفقر في بعض دول القارة الإفريقية بحيث أصبحت  الدبلوماسية الإقتصادية تقتصر علي المقايضة بين الطرفين و خاصة منها في مجال الطاقة كالنفط و الغاز و المواد الأولية و الإرتهان للدولار الأمريكي أو اليورو الأوروبي كعملات إحتياطية في معظم البنوك المركزية.

إن القوي العظمي تستغل اليوم قوة عملاتها في الأسواق المالية العالمية و أيضا علي الضغط العسكري و السياسي لمواجهة نفوذ الدول النفطية أو علاقاتها مع الدول الضعيفة. إلا أنه في المقابل علي سبيل المثال تستطيع بعض دول الخليج العربي بإستعمال ثرواتها الطبيعية كسلاح النفط و الغاز قصد التحكم في كمية الإنتاج و الأسعار أو التهديد بتحويل إحتياطها النقدي بالبنك المركزي باليوان الصيني في حالة أي أزمة دبلوماسية علي غرار الأزمة الدبلوماسية العالمية المتمثلة حاليا في إغتيال الصحفي “جمال خاشقجي”. أصبح الإقتصاد اليوم يمثل دور محوري في العلاقات الدولية و ورقة سياسية مهمة في إدارة الشؤون الخارجية لمجابهة أي مماطلة من قبل الطرف الآخر المفاوض علي المصالح التجارية و المالية المشتركة. تكمن هذه القوة الإقتصادية في توظيف المقدرات و الثروات الوطنية و إعتمادها كملفات رئيسية في كل المفوضات أو الإتفاقيات بين الدول التي تجمعهم مصلحة إقتصادية, مالية و تجارية. أما الدول التي هي في طريقها للتنمية أو الدول الصاعدة تبقي لها ورقة الموارد البشرية و الكفاءات الوطنية و الإمتيازات التي توفرها عبر الإعفاءات الجمركية و تسهيل الحركية التجارية و توفير افمكانيات و المناطق الصناعية قصد جلب الإستثمارات الأجنبية. كما أن أغلب البعثات الدبلوماسية خاصة منها بعض الدول العربية أصبح لها دور ترويجي و تسويقي يمكن المستثمرين الأجانب بالإطلاع علي الإغراءات الجبائية و الحوافز الإستثمارية الملائمة مع تقديم لمحة متكاملة حول أنواع المنتجات التي يمكن الإستثمار فيها في تلك الدول.

كذلك أصبحت العلاقات الدولية بين مختلف دول العالم في ظل العولمة الرقمية ترتكز بالأساس علي نقل التكنولوجيات الحديثة خاصة من دول الشمال إلي دول الجنوب. فوفقا للإستراتيجيات البعيدة الأمد في الدول الصاعدة أصبحت تكنولوجيات المعلومات تحتل مكانة مرموقة في الإقتصاديات الوطنية و أغلبها أصبح يعتمد علي تقليص الفجوة الرقمية و الإستفادة من المشاريع ذات المردودية العالية و التقنيات الحديثة. أما الدول الإفريقية التي كانت غائبة عن المشهد الإقتصادي العالمي أصبحت اليوم تحظي بإهتمام كبير خاصة من قبل فرنسا التي تسعي عبر سلكها الدبلوماسي في القارة السمراء بتكوين خلية إقتصادية داخل أجهزتها قصد تطوير المبادلات التجارية و تنمية الموارد البشرية الإفريقية مع خلق أقطاب صناعية و أسواق تجارية جديدة في ظل تزايد تواجد عملاق التجارة العالمي الصين الشعبية في تلك القارة. بالإضافة إلي ذلك أصبحت الدبلوماسية الإقتصادية تعتمد علي إغراءات مالية أو علي إنجاز مشاريع في البني التحتية بصفة مجانية مثل إنشاء طرقات أو مؤسسات و مرافق عامة و في مقابل ذلك إبرام صفقات و إمضاء اتفاقيات تجارية طويلة الأمد.

عموما تمثل الدبلوماسية الإقتصادية المحرك الأساسي لجلب الإستثمارات المباشرة قصد زيادة نسبة النمو الإقتصادي و تحفيز التنمية الإقتصادية خاصة منها في المجالات الحيوية علي غرار الإقتصاد الأخضر و الإقتصاد الرقمي.

فؤاد الصباغ باحث اقتصادي دولي

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock