“الدراسات المستقبلية.. ماهيتها وأهمية توطينها عربيًا”، عنوان دراسة هي في الأصل ورقة قُدِّمَت إلى ورشة العملحول الدراسات المستقبلية ضمن فعاليات منتدى الجزيرة السابع، بالعاصمة القطرية الدوحة، أواسط مارس 2013، وهي الدراسة التي أعدها محمد إبراهيم منصور، مدير مركز دراسات المستقبل في جامعة أسيوط، ومؤسس ومديرمركز الدراسات المستقبلية في مجلس الوزراء المصري.

يرى إبراهيم منصور مفهوم المستقبل تطور مع تطور الفكر البشري، من نظرة ترى المستقبل “قدرًا محتومًا”، رسمتهوخطّطت له قوى خارقة لا يمكن تجاوز تخطيطها بأي حال من الأحوال، ولا يملك الإنسان حيالها خيارات تُذكر، إلىنظرة تنطلق من مبدأ الصيرورة وقدرة الحياة على التجدّد، وترى في المستقبل بعدًا زمنيًا يمكن التحكّم في صورته.

ويذكر الكاتب أن كورنيش رصد في مطلع السبعينيات من القرن العشرين تغيّريْن مهميْن في نظرة الناس إلىالمستقبل، أولهما أن الناس أصبحوا على قناعة بإمكانية دراسة المستقبل، وثانيهما هو الاعتراف بأن المستقبل عالمقابل للتشكيل، وليس شيئًا معدًّا سلفا، والبشر لا يسيرون مغمّضي الأعين نحو عالم جبري تنعدم فيه حرية الاختيار،بل إنهم شركاء فاعلون في تكوين عالم المستقبل، لذا فدراسة المستقبل ليست ترفًا لأناس يهتمون بالتأمل فيمصيرهم، بل مغامرة لها تكاليفها التي ترتفع إلى شرف المقصد، وجهد مركّب يحتدم الجدل حول “ماهيته”، ولا يختلف حول أهميته وضرورة توطينه في الوطن العربي.

أولاً: ماهية الدراسات المستقبلية

استهل الكاتب المحور الأول من الدراسة بالحديث عن تأخر ظهور المنهجيات العلمية للدراسات المستقبلية رغمثراء التراث الفكري والفلسفي المهتم بالمستقبل حتى ستينيات القرن العشرين، وذكر أنه في تتبّعهم مؤرخي المستقبليات لبداياتها المنهجية، رصدوا أعمالًا لمفكّرين وأدباء وعلماء أرهصت مبكرًا للمنهجية العلمية للدراسات المستقبلية. ورد بعضهم هذه البدايات المنهجية إلى القرن التاسع عشر، كما في النبوءة الذائعة الصيت التي ارتبطتبـ”مقال في السكان” للقس الإنكليزي الشهير توماس مالتوس، الذي عرض فيه رؤية مستقبلية تشاؤمية للنموالسكاني، وردّها البعض الآخر إلى المفكر الفرنسي كوندرسيه في كتابه “مخطط لصورة تاريخية لتقدم العقل البشري”،نشر في عام 1793، واستخدم فيه أسلوبيْن منهجييْن في التنبؤ ما زالا يستخدمان على نطاق واسع من قبلالمستقبليين المعاصرين.

على صعيد العلم، يرى الكاتب أن ثمة إجماع بين مؤرخي المستقبليات على أن هربرت جورج ويلز أشهر كتاّبروايات الخيال العلمي، هو أول من صكّ مصطلح “علم المستقبل”، وقدم إضافات عميقة في تأصيل الاهتمامالعلمي بالدراسات المستقبلية، ودعا صراحة في محاضرة، ألقاها في 26 كانون الثاني/ يناير 1902، أمام المعهدالملكي البريطاني إلى “علم المستقبل”، وقام في ما بعد بتأصيل دعوته. وفي نفس السياق، يرى أنه ثمة اتفاق على أنأوسيب فلختهايم، هو صاحب مصطلح “علم المستقبل”، وظهر المصطلح في عام 1943 مؤذّناً بميلاد علم جديديبحث عن منطق المستقبل بالطريقة نفسها التي يبحث فيها علم التأريخ عن منطق الماضي.

ويؤكد برتراند دي جوفنال، فى كتابه فن التكهّن، أن الدراسة العلمية للمستقبل، “فن” من الفنون، ولا يمكن أنتكون علما. بالمقابل، يصنّف اتجاه ثالث الدراسة العلمية للمستقبل ضمن “الدراسات البينية” باعتبارها فرعا جديدًاناتجًا من حدوث تفاعل بين تخصّص أو أكثر مترابطيْن أو غير مترابطيْن، وتتم عملية التفاعل من خلال برامج التعليموالبحث بهدف تكوين هذا التخصّص، ويؤكد المفكّر المغربي المهدي المنجرة، أن الدراسة العلمية للمستقبل تسلكدوماً سبيلًا مفتوحًا يعتمد التفكير فيه على دراسة خيارات وبدائل، كما أنها شاملة ومنهجها متعدد التخصّصات.

ويذكر الكاتب أن الجمعية الدولية للدراسات المستقبلية تعتبر أن الدراسة العلمية للمستقبل هي مجال معرفي أوسعمن العلم يستند إلى أربعة عناصر رئيسية وهي:

أنها الدراسات التي تركّز على استخدام الطرق العلمية في دراسة الظواهر الخفية.

– أنها أوسع من حدود العلم، فهي تتضمن المساهمات الفلسفية والفنية جنبًا إلى جنب مع الجهود العلمية.

– أنها تتعامل مع مروحة واسعة من البدائل والخيارات الممكنة، وليس مع إسقاط مفردة محددة على المستقبل.

– أنها تلك الدراسات التي تتناول المستقبل في آجال زمنية تتراوح بين 5 سنوات و 50 سنة.

ثانياً: أهمية الدراسات المستقبلية

ويخصص الكاتب المحور الثاني من الدراسة لإبراز أهمية الدراسات المستقبلية، ويذكر أن إنشتاين حاول تبرير اهتمامهبالمستقبل بكلمات قليلة، عندما سئل: لماذا اهتمامك بالمستقبل؟ فأجاب: ببساطة لأنني ذاهب إلى هناك!، قد لاتكون الإجابة كافية أو مقنعة، يضيف الكاتب، فكلنا ذاهبون إلى المستقبل، وكلنا سنقضي كما قال كيترنغ بقيةحياتنا فيه، لكن طبقًا لأية شروط، وعلى أية كيفية؟ وماذا سنفعل هناك؟ وهل لنا طبقًا لمصالحنا خيار في نوعالمستقبل الذي نريده؟ وهل للدراسات المستقبلية أهمية في اختيار المستقبل، وسبر أغواره، وفضّ غوامضه، وإزاحةالستار عن القوى الخفية الفاعلة فيه للتأثير فيها؟، لينتقل الكاتب بعد ذلك للتأكيد على أن للإنسان دائمًا مصلحةفي قراءة طالعه، ومنذ أن اكتشف الزمن بقي المستقبل ذلك المجهول الذي يقع في المساحة المعتمة من الزمن أشدالأشياء رهبة وغموضًا في فكر الإنسان، وقد حاول فهمه واستطاعه مدفوعًا في الغالب بأغراض نفعية. وقد شهدالغرب، يضيف الكاتب، وليس الولايات المتحدة وحدها عقب الحرب العالمية الثانية، حركة واسعة استهدفتالاهتمام بالدراسات المستقبلية، وتعميق مفهوم المستقبلية في العقول، حتى غدت دراسات المستقبل صناعةأكاديمية، ونشاطًا علميًا قائمًا بذاته، ومنهجًا عمليًا لإدارة والتخطيط.

واتخذ هذا الاهتمام، حسب الكاتب دائما، عددًا من المؤشرات، أهمها، تزايد أعداد العلماء والباحثين المشتغلين بالدراسات المستقبلية في الجامعات ومراكز البحوث المختلفة، وظهور العديد من المراكز والهيئات العلمية والمعاهدالمتخصّصة في الدراسات المستقبلية، وانتشار الجمعيات والروابط والمنظّمات المعنية بالدراسات المستقبلية.

ويفيد الكاتب بأن المراكز الثلاثة الكبرى لصنع القرار الأمريكي، البيت الأبيض، والكونغرس، والبنتاغون، يقوم علىخدمتها عدد كبير من مراكز الفكر (Think Tanks) المعروفة ذات التوجه المستقبلي والاستراتيجي، منهاالمجلس القومي للاستخبارات الأمريكية (NIC)، الذي يصدر تقريرًا كل أربع سنوات، كان آخرها توجهاتعالمية بحلول عام 2025.

وتتبلور أهمية الدراسات المستقبلية في مجالات الحياة المختلفة، حسب الكاتب – في سبعة مستويات وهي:

1- تحاول الدراسات المستقبلية أن ترسم خريطة كلية للمستقبل من خلال استقراء الاتجاهات الممتدة عبر الأجيال والاتجاهات المحتمل ظهورها في المستقبل والأحداث المفاجئة (Driving Forces)، والقوى والفواعل الدينامية المحركة للأحداث.

2- بلورة الخيارات الممكنة والمتاحة، وترشيد عمليات المفاضلة بينها، وذلك بإخضاع خيار منها للدراسة والفحص بقصد استطلاع ما يمكن أن يؤدي إليه من تداعيات، وما يمكن أن يسفر عنه من نتائج، ويترتب على ذلك المساعدة على توفير قاعدة معرفية يمكن من خلالها تحديد الاختيارات المناسبة.

3- تساعد الدراسات المستقبلية على التخفيف من الأزمات عن طريق التنبؤ بها قبل وقوعها، والتهيؤ لمواجهتها، الأمر الذي يؤدي إلى السبق والمبادأة للتعامل مع المشكلات قبل أن تصير كوارث.

4- تعدّ الدراسات المستقبلية مدخلًا مهمًا ولا غنى عنه في تطوير التخطيط الاستراتيجي القائم على الصور المستقبلية، حيث تؤمن سيناريوهات ابتكارية تزيد من كفاءة وفاعلية التخطيط الاستراتيجي.

5- الاستشراف المستقبلي سيصبح أكثر أهمية مما هو عليه اليوم، حيث يجب أن نفكّر في التأثيرات المعقّدةلتحديات مستقبلية ذات طابع جماعي، من أمثلتها، “التهديد النووي بفناء الحضارة الإنسانية ووقوع السلاح النوويفي أيدٍ غير عاقلة أو رشيدة”، و”التغيّرات المناخية وما سيصاحبها من ظواهر الغرق والتصحر والجفاف”..

6- ترشيد عمليات صنع القرار من خلال توفير مرجعيات مستقبلية لصانع القرار، واقتراح مجموعة متنوعة منالطرق الممكنة لحلّ المشكلات، وزيادة درجة حرية الاختيار وصياغة الأهداف، وابتكار الوسائل لبلوغها، وتحسينقدرة صانع القرار على التأثير في المستقبل..

7- زيادة المشاركة الديمقراطية في صنع المستقبل وصياغة سيناريوهاته، والتخطيط له، فالدراسات المستقبلية مجالمفتوح لتخصّصات متنوعة، وميدان لاستخدام الأساليب التشاركية وعمل الفريق، بمعنى إنجاز الدراسة المستقبلية عنطريق فريق عمل متفاهم ومتعاون ومتكامل..

ثالثا: توطين مناهج الدراسات المستقبلية في الوطن العربي

يشدد الكاتب في بداية المحور الثالث والأخير من دراسته، على أنه لا يكاد يرصد اهتمامًا يذكر بالدراساتالمستقبلية في الوطن العربي قبل السبعينيات من القرن الماضي، ويرى أنه حتى المحاولات الأولى التي قادها الرعيلالأول من المفكّرين كانت محدودة ومتقطعة وفقيرة في أدواتها وتقنياتها. وقد اكتسبت تلك الدراسات أهمية متزايدةفي الثمانينيات والتسعينيات، نتيجة التغيّر في مفاهيم التنمية وهجرة المفاهيم التقليدية القديمة، واستبدلت بها مفهومالتنمية المستدامة، ويؤكد أنه بطبيعته هو مفهوم مستقبلي يهتم بحقوق الأجيال القادمة، ويُعنى بدمج الاعتباراتالاجتماعية والثقافية والسياسية جنبًا إلى جنب مع الاعتبارات الاقتصادية، لذلك فالتنمية، يقول الكاتب، “بهذاالمعنى يمكن أن تستغرق مدى زمنيًا أطول من المدى الطويل المتعارف عليه في التخطيط الاقتصادي، كما عرفتهبعض التجارب القطرية العربية”.

وتركّز الدراسات المستقبلية على تفاعل الجوانب المختلفة لأنساق الاجتماعية السياسية الاقتصادية في إطار فلسفةالأنساق الكلية، ذلك التفاعل الذي يكثر الحديث عنه في فلسفة التنمية، ولكنه يكاد يختفي عند التخطيط للتنميةبأساليب إعداد الخطط التقليدية، حيث يتم التركيز عادة على الجوانب الاقتصادية، كما أصبح من الصعب دراسةمستقبل التنمية في الوطن العربي من دون الأخذ في الاعتبار الأوضاع الإقليمية والعالمية، وبعض هذه الأوضاعتشكّل عنصرًا ضاغطا على المستقبل العربي، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، وتنامي النزعات العرقية والطائفيةوالدينية والمخاطر المستقبلية الناجمة عنها، ليخلص الكاتب إلى أن ذلك قد يكرّر بشكل أو بآخر السيناريوهاتالسودانية والعراقية والصومالية. ويرى الكاتب أنه من دون الاستشراف العلمي للمستقبل العربي، ستبقى محاولاتمعالجة القضايا العربية الكبرى معلّقة، وفي إطار التمنيات، وستظل إلى حدّ كبير عاجزة عن الفصل في الخيارات المطروحة في الساحة العربية.

ويعتقد الكاتب أن دراسة “مصر 2013″، هي الدراسة الوحيدة التي غامرت بصياغة السيناريوهات السياسية لمصربعد ثورة 25 يناير، وباستثناء ذلك لا يكاد يعثر على دراسة عربية أخرى اهتمت بالتداعيات المستقبلية للربيعالعربي.

الجهود العربية في مجال الدراسات المستقبلية

هناك سِمَتان تسمان الجهود العربية في مجال الدراسات المستقبلية؛ يؤكد الكاتب، الأولى أن هذه الدراسات كانتعملا مؤسسيًا اضطلعت به مؤسسات معظمها ينتمي إلى المجتمع المدني، وليس الحكومات إلا في ما ندر، وثانيهماأن تلك الجهود لم تتصف بالمتابعة والتراكم والاستمرار، وبالتالي بدت هذه المحاولات وكأنها جزر منعزلة ليس لهاجسور تربط بينها.

ويرصد صاحب الدراسة أهم تلك الجهود التي يؤرخ لأولى محاولاتها بمنتصف السبعينيات من القرن الماضي:

– كانت الدراسة الرائدة في استشراف المستقبل العربي تلك التي صدرت في عام 1975تحت عنوان “الوطن العربيعام 2000″، عن مؤسسة المشاريع والإنماء العربية، وهي نتاج عمل جماعي لفريق من الخبراء والمثقفين العرببقيادة أنطوان زحان، وكان الهدف المعلن من الدراسة هو استطلاع التطور المرتقب والمحتمل للوطن العربي حتى عام 2000”.

– جهود مجموعة التخطيط الطويل المدى للأقطار العربية أو مجموعة القاهرة عام 1977، بقيادة إبراهيم حلميعبد الرحمن وآخرين في معهد التخطيط القومي في القاهرة بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصاديوالاجتماعي في الكويت وغيره من المؤسسات العربية والدولية العاملة في مجال استشراف المستقبل. وقد كان الهدفالأساسي لهذه المجموعة هو المساهمة في إنشاء وتدعيم حركة فعالة للتخطيط الطويل المدى في الوطن العربي.

– في عام 1978 صدرت ورقة عمل اللجنة الثلاثية المنبثقة عن لجنة خبراء استراتيجية العمل الاقتصادي العربيالمشترك. وتشكّلت اللجنة من برهان الدجاني، وسيد جاب الله، وأنطوان زحان، وكان هدف الورقة هو محاولة ترشيدوتطوير دور القطاع العربي المشترك، وحدّدت الوثيقة عددًا من المحاور العملية التي تشمل توطين التكنولوجيا،والتنمية الصناعية، وتنمية وتطوير القطاع التجاري، وتسهيل انسياب وتدفق رؤوس الأموال بين الأقطار العربية.

– وثيقة استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك، أولوياتها، برامجها وآلياتها صدرت سنة 1979، وأشرف علىإعدادها يوسف صايغ، ومحمود عبد الفضيل، وجورج قرم، بدعم من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، ومجلسالوحدة الاقتصادية العربية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. ورغم أن الوثيقة لها توجه مستقبلي،إلا أنه لا يتجاوز الثمانينيات، ولا تشكّل الوثيقة نقلة نوعية باتجاه استشراف المستقبل العربي، ولا تترابط نظراتهاالقطاعية عضويًا، وإنما تتبنّى توجهًا براغماتيًا ينطلق من واقع راهن يئن من وطأة التخلّف والتجزئة، ولا تتجاسرعلى القفز فوق هذا الواقع بطرح رؤية مستقبلية جديرة بالعمل من أجلها.

– هناك دراسات قطرية مهمة، منها دراسة إسماعيل صبري في عام 1977 عن تطور مصر، وبحث فيها ثلاثةسيناريوهات بديلة هي، سيناريو نفي الثورة أو الانقلاب عليها، وسيناريو تجميد الثورة، وسيناريو استمرار الثورة.

صعوبات منهجية تعترض انتشار ثقافة الدراسات المستقبلية

يؤكد الكاتب بأن هناك صعوبات منهجية تعترض انتشار ثقافة الدراسات المستقبلية في الوطن العربي يمكن تلخيصهافي ما يلي:

أ- صعوبات ناجمة عن غياب الرؤية المستقبلية في بنية العقل العربي، وطغيان النظرة السلبية إلى المستقبل في ثقافتناالعربية..

ب- صعوبات ناجمة عن ضعف الأساس النظري الذي تستند إليه الدراسات المستقبلية في التراث العربي. فالفكرالعربي في صيغته التراثية الموروثة، وفي طبعاته المستجدّة على السواء مفتون بإعادة إنتاج الماضي أكثر مما هو مهمومبقراءة المستقبل، أو مشغول بإنتاجه وصناعته.

جـ- صعوبات ناجمة عن غياب التقاليد الديمقراطية للبحث العلمي العربي، فالدراسات المستقبلية تعوّل بالأساسعلى تقاليد ديمقراطية في البحث والعمل العلمي تكاد تكون مفقودة حتى الآن في الثقافة العلمية العربية، وهيتقاليد الفريق والعمل الجماعي والحوار والتبادل المعرفي والتسامح الفكري والسياسي، وقبول التعدد والاختلاف.

د- صعوبات ناجمة عن قصور المعلومات والقيود المفروضة على تدفقها وتداولها، وحرية الوصول إليها، وغيابأنظمة قانونية وتشريعية منظمة لتداول المعلومات وحمايتها في الوقت الذي تحتاج الدراسات المستقبلية وبناءالسيناريوهات إلى إيجاد قاعدة معلومات لا تعاني الحظر والقيود تحت أي سبب من الأسباب، وتؤمّن للباحثين حقوقًايقع على رأسها حق الوصول إلى المعلومات، وتحريم حجبها ومنع تدفقها.

هـ- غياب الأطر المؤسسية المتخصّصة بالدراسات المستقبلية، وما هو موجود منها، على ندرته، مشغول بهموم “الحاضر” وقضاياه الضاغطة، عن “المستقبل” وقضاياه المؤجلة.

ويشير الكاتب إلى أن تلك الصعوبات والتحديات التي تعترض انتشار وتوسع ثقافة الدراسات المستقبلية في الوطنالعربي ، لم تصادر تمامًا جهودًا قليلة في هذا القطر العربي أو ذاك يمكن البناء عليها، ولم تحجب مبادرات شجاعة قامبها أفراد أو جهات هنا أو هناك، كما قدمت هذه الصعوبات دليلًا جديدًا على أن الوعي بأهمية استشرافالمستقبل لم يعُد يعني المختصّين بالدراسات المستقبلية فحسب، ولكنه أصبح يعني كل من يؤمن بتقدم المجتمع العربيوتنميته ووحدته، وضمان استقراره وأمنه في الحاضر والمستقبل، أي أصبح يعني المختصّين والمثقفين، والرجل العاديأيضًا.

خلاصة

ويخلص صاحب الدراسة، إلى أن ثقافة الدراسات المستقبلية في الوطن العربي ستظل تراوح مكانها، “إن لم نسع إلىإعادة تشكيل العقل العربي، وخلق تيار وطني وقومي يمتلك عقلًا منهجيًا نقديًا متمردًا على كل أشكال التابوهاتالموروثة والمصنوعة”، ويرى أنه من العبث وضع رؤية مستقبلية أو دراسات استشرافية قطرية أو قومية، مع بقاء حالة الأسر لأنواع من اليقين الماضوي عوضاً من إطلاق مشروع فكري عقلاني قادر، بتوسيع النقاش حوله، على أن يحركالمياه الآسنة، وأن يؤسس لقيام مدرسة عربية للدراسات المستقبلية ويروّج لتقنياتها، وهو مشروع بديل للسلفيةالمتطلعة إلى بناء مشروعها المتمثل بإعادة الماضي وإحياء دولته وفراديسه المفقودة في غير سياقها التاريخي.

لتحميل الدراسة بالكامل