قضايا سياسية

الدراسات المستقبلية ومنظومة الحرب الثقافية

بقلم: سميرة رجب
«إن تراكم المعرفة أدى إلى ديناميكية جديدة تسمى التسارع التاريخي وإنك ملزم بأن تفكر مستقبلاً في التغيرات قبل أن تحدث، وإذا انتظرتها كي تحدث فإنك أصبحت جزءًا من العالم الذي حُكم عليه أن يبقى في التبعية، أي يظل تابعًا لمن فكّروا بالتغيرات قبله».
المهدي المنجرة (مفكر مغربي متخصص في الدراسات المستقبلية).
تُبنى المنهجية الفكرية للدراسات المستقبلية عبر منظومة التعليم عندما يتم اعتماد العلم كثقافة، لبناء منهجيات فكرية متنوعة. وفي موضوعنا تعتمد الدراسات في تفسير التوقعات السياسية المستقبلية على تفكير غير خطي، وعلى التراكم المعرفي الثقافي، ومجموعة من القواعد العلمية في البحث والتحليل.
بدأ الاهتمام بهذا النوع من الدراسات بعد الحرب العالمية الثانية، وتستخدمها الدول المتقدمة في جميع المجالات البحثية، العلمية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية… وفي الغالب تتحقق توقعاتها بنسبة 100%. لذلك كان لها الفضل في تحقيق التقدم في الصناعات النووية، وصناعة السلاح والتكنولوجيا، كما يرجع لها الفضل في صياغة استراتيجية التغيير الجيوسياسي في مشروع الشرق الأوسط الكبير التدميري، المعد منذ ما قبل انتهاء الحرب الباردة، ضمن نظرية «القرن الأمريكي الجديد»، التي وضعها المحافظون الجدد كدراسة مستقبلية.
في ثمانينيات القرن العشرين، ومن خلال مجموعة من المقالات والمقابلات الاعلامية، تحدث مفكرنا المغربي الدكتور المنجرة، بفكره المستقبلي، حول طبيعة الصراعات التي ستحكم العالم، وأكد أن الصراع ما بين الشمال والجنوب (بعد الثمانينيات) سيكون ثقافيًا، بالتعاطي مع منظومة «القيم». وأكد أيضًا أن تخلف بلادنا العربية هو بالدرجة الأولى تخلف «ثقافي» قبل أن يكون أمرًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا… وأن مفتاح نجاح التنمية هو الثقافة، ولا توجد ثقافة من دون منظومة قيم.
وقد أثبتت احداث منطقتنا صحة السيناريو الذي أكده الدكتور المنجرة قبل أربعة عقود في دراسة مستقبلية… نعم نجح الغرب، في صناعة منظومة قيم ثقافية جديدة (منتقاة) لنسخ القيم القديمة، ولتسخيرها كآلية سياسية من آليات عودة الاستعمار مجددًا إلى مستعمراته القديمة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجح في استخدام القوة الناعمة بكل آلياتها، التعليمية والبحثية والاعلامية والتكنولوجية، في توجيه دفة معارك العصر وصراعاته بعيدًا عن القيم الثقافية الوطنية القائمة على مبادئ الوطنية والشرف والمصداقية والكرامة، لتحل محلها قيم الخيانة والانتهازية والطائفية والكذب، بامتياز… وأسس لها حزمة من الجوائز التقديرية التي تُقدّم إلى أكثر الشخصيات مهارة في استخدام القيم الجديدة لتدمير بلدانهم. ولأجل ذلك تم تجنيد وتدريب الأفراد الأكثر انحطاطًا في مجتمعاتنا (المتخلفة ثقافيًا) ليصبحوا شخصيات عامة تقود الغوغاء والشعوبية بمسميات النشطاء المعارضة والحقوقيين والسياسيين والاعلاميين وغيرها.
ونجح الغرب أيضًا في فرض ثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية الغربية وقيمهما الجديدة المُفَصّلة بمقاييس شرق أوسطية، هشة ومبتذلة، لتبرير غزو دولنا واحتلالها وتفكيك مجتمعاتها وتقسيمها… ونجح في استخدام قيم دينية مزيفة لصناعة الإرهاب والزج به في حربٍ بالوكالة… ونجح في نشر ثقافة وقيم السخط الشعبي لخلق قاعدة لما سُمي بالثورات الملونة (ثورة الأرز، الثورة البرتقالية، الربيع العربي)، ولنشر الفوضى. ولم يعد خافيًا بأن التغيير الجيوسياسي المفروض على المنطقة يتم تنفيذه عبر منظومة القيم الثقافية الدموية هذه، لبسط إطار جديد من الهيمنة على أكبر مساحة من النفوذ في الصراع حول إعادة بناء النظام الدولي الجديد.
وهنا قد نجد تفسيرًا لأسباب نجاح المؤامرات والمشاريع الخارجية التي تستهدف بلداننا!!، حيث إن هذا النجاح يعتمد على أمرين أساسيين، الأول هو غياب العقل البحثي والنقدي في تفسير الظواهر السياسية عمومًا… والثاني، الذي يعد نتيجة حتمية للأمر الأول، هو حالة التبعية للآخر، الذي «فكّر بالتغيرات قبلنا». هاتين الآفتين الخطيرتين عملتا على شل كل القدرات الفكرية الوطنية، وتحريف كل التوجهات النقدية والتحليلية بعيدًا عن فهم وتفسير الحقائق.
في نهاية الأمر، فإن غياب العقل البحثي والنقدي في مجتمعاتنا ما هو إلا نتاج حزمة من السياسات التعليمية التي تم برمجتها، بسبق الإصرار والتعمّد، على «تعليم الجهل» (المصطلح مقتبس من عنوان لكتاب صدر حديثًا للدكتور التربوي نخلة وهبة). وقد بات أكيدًا أن سياسات «تعليم الجهل» في بلادنا تعمل بمنهجية ناجحة للقضاء على البعد العلمي الثقافي في العقل العربي كي لا تغادر مجتمعاتنا دائرة التخلف، حيث إن «التخلف في جوهره ذو طبيعة ثقافية»، وأهم مظاهره هو ازدراء العقل والفكر، وتهميش اللغة والهوية والتاريخ القومي، وإسقاط المثقف والمفكر، وصولاً إلى تكريس ثقافة التبعية للآخر، «المتقدم»، الذي صنع مستقبله ليبقى في القمة.
وها نحن في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ندفع ثمن فشل بلداننا في فهم الآخر المؤمن بأن دوره الاستعماري ما هو إلا رسالة حضارية لتنمية الشعوب المتخلفة… ولكي يبقى هذا الدور صالحًا لكل زمان ومكان كان يجب إبقاء الشعوب متخلفة ومغيبة ثقافيًا، وقابلة للاستعمار، فتكفلت سياسات «تعليم الجهل» بهذه المهمة.
وبدون الدخول في التفاصيل الكثيرة التي عاشها جيلي في فترة التحول من تعليم كان يتطلع نحو النهوض بالأمة إلى تعليم يعمل على تكريس الجهل، بإمكاننا أن نؤكد أن «تعليم الجهل» قد نجح بامتياز في منع أي تطوير تعليمي يمكن أن يحوّل العلم إلى ثقافة تطلق الابداع الفكري في فهم التحولات والصراعات الدولية. وما تعيشه منطقتنا العربية منذ بداية القرن الواحد والعشرين ما هو إلا ثمن الغيبوبة الثقافية التي فُرضت فرضًا عليها خلال العقود الأربعة الماضية، وهي الفترة التي حقق فيها الغرب الراسمالي نجاحًا في هزيمة الشرق الاشتراكي بسلاح الثقافة والقيم المزيفة.
ما يهمنا هنا هو محاولة فهم ذلك الصراع الذي يدور في منطقتنا اليوم عبر منظومة القيم الثقافية التي تنبأ بها الدكتور المنجرة في ثمانينات القرن الماضي، هذه القيم التي حققت نجاحات مبهرة منذ ذلك الوقت في إبقاء سيطرة الغرب على بلداننا العالمثالثية.
ضمن الصراع حول إعادة بناء النظام الدولي الجديد، الذي بدأ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي كقطب من أقطاب النظام القديم، نجح الغرب مع بداية القرن الحالي في تحويل لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، من مؤسسة مدنية، توصياتها غير ملزمة للدول، إلى مؤسسة أممية جديدة تُدعى مجلس حقوق الإنسان، يتبع مباشرة مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، بمنظومة عمل جديدة في المجال الحقوقي المؤطر برؤية غربية بحتة.
يعمل مجلس حقوق الإنسان، منذ ذلك الحين، ضمن آليات ثقافية وحقوقية معقدة وضاغطة على الدول، تعطي الحق لكل دولة في العالم التدخل في أدق شؤون دولة أخرى، فيما يسمى بآلية الاستعراض الدوري الشامل لقضايا حقوق الإنسان. وهذا الاستعراض يتضمن الكثير من العمل المرهق المفروض على الدول لتطبيق معايير المجلس، والذي على إثره تتقدم الدول بتقاريرها بشكل دوري لتكون محط استجواب ينتهي بطرح الاقتراحات والتوصيات، غير الملزمة، إلا أن عدم الالتزام بها يشكل مشكلة بحد ذاتها.
ومنذ بدء عمل هذه الآلية حتى اليوم، ورغم كل جهود التحديث والإصلاح والتطوير المستحدثة في بلادنا، إلا أنها لا تحصل على «صك البراءة» من انتهاكات حقوق الإنسان (المزعومة) ضد شعوبها… وهكذا تبذل بلادنا العربية عمومًا، والخليجية خصوصًا، جهودا مضنية وباهظة الكلفة في دائرة مفرغة لا تنتج سوى المزيد من عدم الرضا في الدوائر الدولية من جهة، والمزيد من السخط في مجتمعاتنا التي تتعامل مع تقارير هذا المجلس وما يصدر منه من توصيات بأبعاد سياسية ومعرفية هشة.
مع تأسيس مجلس حقوق الإنسان وصلت منظومة القيم الثقافية الغربية المستخدمة في الصراع الدولي بين الشمال والجنوب إلى الذروة… حيث باتت الدول الصغيرة رهينة بيد الدول الكبرى، عبر قرارات تطالب بالكمال الحقوقي (وهي حالة لم تحدث أبدًا في أي زمان ومكان)… ومن مجمل ما يدور في هذا المجلس وأروقته، ومن أدوار الدول الكبرى الضاغطة على المؤسسة الأممية عمومًا، يمكن تأكيد أن الصراع الثقافي هذا سلاح مستحدث بيد القوى الكبرى، ويستخدم لفرض العقوبات بمختلف أنواعها على أي دولة موضوع نزاع في العلاقات الدولية، ويمكن أن تصل نتائجها إلى حد التدخل العسكري وغزو الدول وقتل ملايين البشر، بذريعة حماية حقوقهم (المنتهكة)، ويعد النموذجان العراقي والليبي الأكثر مأساوية في هذا الشأن.
ولا يمكن إنهاء هذا المقال دون الإشارة إلى صناعة ثقافة الطائفية والإرهاب ومنظومتهما القيمية المنتقاة من المفردات الدينية، وتسخيرها في عملية التغيير الجيوسياسي المدمر في منطقتنا. هذه المنظومة القيمية الجديدة الأكثر تدميرًا للبشر والحجر على المديين القصير والطويل، فتحت جبهة حرب بالوكالة، يدور فيها صراع دموي مع أشباح مجندين من أصقاع العالم، دون نهايات وأهداف معلنة.
وأخيرًا، ورغم أن موضوع هذا المقال بحاجة إلى صفحات طويلة من السرد والتحليل، إلا أننا نتوقف هنا لنؤكد أن الصراع الثقافي الدامي، الذي تعيشه منطقتنا العربية، ما هو إلا نتاج غياب فكري ثقافي وتعليم فاسد، وبيئة صالحة لاستلاب العقول والقلوب، لتمرير مخططات التغيير الجيوسياسي في مشروع الشرق الأوسط الإجرامي الخطير… والشعوب الضعيفة والمغلوبة دائما هي الشعوب المغيبة فكريًا عن دراسة المستقبل.
sameera@binrajab.com

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock