يشكل الزمن جزءاً أصيلاً من ذاتنا الإنسانية وديمومتنا الفكرية، فمجموع إنتاجنا الحضاري والثقافي تشكل في الماضي، والحاضر ما ندركه ونتفاعل معه بعقولنا وحواسنا، بينما يمثل المستقبل الحلقة المفقودة من إدراكنا وحيزنا المعرفي. ومن هذا المنطلق سعى الإنسان عبر مراحل التاريخ المختلفة في محاولة معرفة مصير أحواله في المستقبل، مستعيناً بكل الأساليب الممكنة، والتي تطورت عبر التاريخ تبعاً للبيئة الفكرة السائدة في كل مرحلة وما يصاحبها من تطور علمي.

وبالرغم من عدم إتفاق الباحثين حول الفترة الزمنية الدقيقة التي ظهر فيها الاهتمام بالدراسات المستقبلية، إلا أنه يمكن تحديد أربعة مراحل متسلسلة تاريخياً مر بها حقل الدراسات المستقبلية، وهي : 

– مرحلة الكهانة: فبالعودة للعديد من الكشوفات الأثرية والمراجع التاريخية نلحظ إهتمام الحضارات القديمة بالمستقبل وما يحمله من احتمالات في العديد من مجالات الحياة. وفي معظم الأحيان فإن هذه المهمة كانت تُسند للكهنة والعرافين نتيجة الاعتقاد بأنهم الأكثر تماساً مع القوى الغيبية التي تتحكم في الأقدار، وهو ما نجده واضحاً لدى الحضارة الفرعونية واليونانية وكذلك الرومانية. كما عَرفت هذه المراحل بعض مظاهر التخطيط المستقبلي من خلال تخزين الأغذية وبناء السدود أو الاستعداد للمعارك المحتملة.

– مرحلة اليوتوبيا: التي تشكل حلقة وصل بين مرحلة الكهانة ومرحلة التخطيط، ويراها بعض الباحثين فترة متأخرة من مرحلة الكهانة؛ فقد شهدت ظهور مفكرين تناولوا التخطيط للمستقبل بشكل رغبوي من خلال أفكارهم وكتاباتهم المثالية لما يجب أن تكون عليه المجتمعات في المستقبل، ظناً منهم أن هذه المجتمعات ستكون المكان الأفضل لحياة الأفراد. ويُعَد أفلاطون أول وأبرز مفكري هذه المرحلة من خلال تصوره لجمهورية فاضلة تحوي مجتمعاً يقوم على أساس العدالة. وعلى هذا النمط من التفكير المستقبلي “المثالي” نجد القديس اوغسطين و توماس مور وكارل ماركس وغيرهم.

– مرحلة التخطيط: خلقت الاكتشافات التي شهدها العالم منذ عصر النهضة، وكتابات كل من اوجست كونت وفرانسيس بيكون تحولاً في مناهج البحث العلمي، أدى إلى استبعاد النظرة التكهنية للمستقبل مقابل الإعتماد على الوسائل العلمية، بالرغم من أن هذه المرحلة عرفت بعض التنبؤات التي استندت على الحدس. و وصولاً للعام 1921 حيث انشأ الزعيم السوفييتي لينين لجنة أوكل لها وضع خطة اقتصادية -خمسية- تفترض التحكم بالتخطيط خلال السنوات الخمس التالية؛ وبالرغم من الانتقاد الغربي لهذه الخطة نتيجة صعوبة التحكم  ببعض المعطيات لخمس سنوات مقبلة، إلا أن نجاحها ساعد على خلق نظرة أكثر جدية في التخطيط المستقبلي، وهو ما ظهر في دعوة مجلة الغد البريطانية في العام 1938 بإنشاء وزارة للمستقبل. ومع زيادة التطور العلمي واتساع مجالاته، ازدادت تعقيدات صناعة القرار، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى الاعتماد على فئة التكنوقراط، ما جعل التخطيط يقوم على أساس العمل الجماعي لأفراد ينتمون لتخصصات مختلفة وهو ما ساهم بدوره في إثراء حقل الدراسات المستقبلية.

– مرحلة النماذج العالمية: تجاوزت هذه المرحلة ما كانت عليه المرحلة السابقة من اهتمامات ضيقة في دراسة المستقبل بدراسة نظام سياسي معين، أو سياسة خارجية إحدى الدول على سبيل المثال؛ إذ انتقلت الدراسات المستقبلية في هذه المرحلة من مستوى الدولة الواحدة إلى مستوى المجتمع الدولي، والقضايا العالمية. فخلال اجتماع نادي روما في أواخر ستينيات القرن الماضي، لوحظ وجود عدة مشكلات تهدد النظام الدولي كالزيادة السكانية والتلوث والفقر..إلخ، بالتزامن مع وجود مؤسسات عاجزة عن التصدي لهذه المشكلات.

تعريف الدراسات المستقبلية

بالإنتقال للإطار المفاهيمي للدراسات المستقبلية فإن أول من استخدم مصطلح علم المستقبل كان المؤرخ الألماني أوسيب فلنختاهيم عام 1930، تحت إسم Futurology وهو الإسم الشائع للدراسات المستقبلية في اللغة الإنجليزية، ويقابله المصطلح Prospective للعالم الفرنسي جاستون برجيه، ويطلق عليها في بعض الأحيان A Future studies.

تعرف الدراسات المستقبلية بأنها “مجموعة من البحوث والدراسات التي تهدف إلى الكشف عن المشكلات ذات الطبيعة المستقبلية، والعمل على إيجاد حلول عملية لها، كما تهدف إلى تحديد إتجاهات الأحداث وتحليل المتغيرات المتعددة للموقف المستقبلي، والتي يمكن أن يكون لها تأثير على مسار الأحداث في المستقبل“

كما تعرف بأنها ”العلم الذي يرصد التغير في ظاهرة معينة ويسعى لتحديد الاحتمالات المتخلفة لتطويرها في المستقبل وتوصيف ما يساعد على ترجيح احتمال على غيره“ 

ولعل أدق تعريف للدراسات المستقبلية هو ما تناولته مجلة “World Future Society” أن المستقبلات هي ” دراسات تستهدف تحديد وتحليل وتقويم كل التطورات المستقبلية في حياة البشر في العالم أجمع بطريقة عقلانية موضوعية… وإن كانت تفسح مجالاً للخلق والإبداع الإنساني وللتجارب العلمية مادامت هذه الأنشطة تساهم في تحقيق هذه الأهداف“

ويتقارب مفهوم الدراسات المستقبلية مع غيره من المفاهيم (كالتخطيط الإستراتيجي، التنبؤ، الإستشراف)، ويمكن تعريفهم كما يلي:

التخطيط الاستراتيجي: وهو “أسلوب يتمكن من خلاله صانع القرار من توجيه دفة الحكم وإدارته، والانتقال بها من مجرد العمليات اليومية ومواجهة الأزمات وصولاً إلى رؤية مختلفة للعوامل الديناميكية الداخلية والخارجية القادرة على تحقيق التغيير في البيئة المحيطة بهم، وبما يحقق في النهاية توجيهاً فعالاً بصورة أفضل لدولتهم”؛ حيث يقوم التخطيط الاستراتيجي على تحديد هدف معين ومن ثم يتم العمل على تحويله لواقع ملموس من خلال ما يتم توفيره من أدوات. في حين تهتم الدراسات المستقبلية في معرفة الاحتمالات التي يمكن أن تتحقق في المستقبل.

التنبؤ: ويتم بترجيح أحد الاحتمالات المستقبلية لظاهرة معينة انطلاقاً من المعطيات المتوفرة . بينما تقوم الدراسات المستقبلية على تعداد الاحتمالات المختلفة للمسار.

الاستشراف: ويعرف بأنه “محاولة لاستكشاف المستقبل وفق الأهداف المخططة، بإستخدام أساليب كمية تعتمد على قراءة أرقام الحاضر والماضي، أو أساليب كيفية تستنتج أدلتها من الآراء الشخصية القارئة لمجرى الأحداث“.

المصادر والمراجع:

وليد عبدالحي-مدخل الى الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية-المركز العلمي للدراسات السياسية-عمان-2002.

رابح عبدالناصر جندلي-الدراسات المستقبلية: تأصيل تاريخي ومفاهيمي ومنهجي-المركز الديموقراطي العربي-العدد الاول من مجلة العلوم السياسية والقانونية-الجزائر-2017.

سليم عاشور-الدراسات المستقبلية: مقاربة تاريخية ومفاهيمية ومنهجية-مجلة البحوث السياسية والادارية-العدد الثاني عشر-الجزائر-2018.

المساهمون في إعداد هذا المقال: