الدرونز.. هكذا ستقلب مستقبل الحروب في العالم

موح أوبيهي

في عام 2017 صَدمت منظمة غير ربحية أمريكية -تُدعى “معهد مستقبل الحياة” (Future of Life Institute)- الملايين عبر العالم بفيلم قصير أطلقت عليه اسم “مذبحة الروبوتات الصغيرة” (Slaughterbots)، للتنبيه إلى أن المؤسسة العسكرية في البلدان المتقدمة تتجه بسرعة إلى منح الروبوت المهمات القذرة للحروب.

يدور سيناريو الفيلم -وهو من إخراج ستيوارت سوغ- حول جحافل من الروبوتات المفخخة القادرة على الفتك بدقة عالية. وفي الفيلم، تظهر هذه الأجسام الطائرة مزوّدة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة دقيقة للتعرف على الوجوه، تهاجم بسرعة مذهلة أشخاصا محددين سلفا (يبدو أنهم نشطاء حقوقيون) وسط حشود بشرية. إنها ببساطة طائرات ميكروسكوبية مبرمجة على الاغتيال.

لا يزال هذا الفيلم حتى الآن قيد الخيال العلمي، لكنه ليس كذلك تماما. يكفي أن تفكر في الطريقة التي سخّرت بها الولايات المتحدة الأمريكية الطائرات المسيرة من دون طيار (الدرونز الحربية) ضد الجهاديين، والهجوم الأخير للحوثيين على منشأتين تابعتين لشركة أرامكو في بقيق وخريص؛ لتُدرك أن هذه التكنولوجيا ستقلب مستقبل الحروب في العالم.

اليوم، تمتلك أكثر من 100 دولة عبر العالم طائرات درونز حربية. وقد أصبحت الطائرات المسيرة -سواء الاستطلاعية أو المعززة بالعتاد الصاروخي- شيئا من الماضي، فالدول الرائدة في هذا المجال (الولايات المتحدة والصين) تحاول تصميم أجسام طائرة صغيرة تعمل بتكنولوجيا متطورة تتعرف على العدو بنفسها ثم تستهدفه من دون أي تدخل بشري.

بوش.. فتح الباب

بعد الهجمات الإرهابية لـ11 سبتمبر/أيلول 2001، عرضت وزارة الدفاع الأمريكية على الرئيس جورج بوش آنذاك أول طائرة مسيرة مزودة بصاروخين وكاميرا دقيقة لتتبع “الجهاديين” على الحدود الأفغانية الباكستانية. أُعجب بوش بالنموذج الأولي للطائرة وطلب من قادة الجيش التعاقد مع شركة خاصة لصناعة 50 طائرة درونز على الأقل.

لاحقا، استخدم البيت الأبيض طائرات الدرونز الحربية بحذر شديد، بسبب تخوف مستشاري الرئيس آنذاك من فتح الباب أمام دول أخرى لاستخدامها ضد المعارضين والنشطاء والانفصاليين.

وبين عامي 2001 و2008، نفّذ الطيران الأمريكي المسيّر أقل من 50 ضربة جوية معظمها في باكستان. وظل بعض مستشاري بوش متمسكين باستخدام الطائرات التقليدية مثل إف 16 لتنفيذ الغارات الجوية ضد قادة القاعدة وتنظيم طالبان في دول محددة من بينها اليمن.

لكن سرعان ما نشب خلاف قانوني بين المؤيدين والمعارضين لاستخدام هذه التكنولوجيا الجديدة، فبينما اعتبر المؤيدون أن طائرات الدرونز لا تُخلّف أضرارا كبيرة في صفوف المدنيين وتضمن الدقة في الاستهداف، ذهب المعارضون إلى أن القتل بالدرونز هو اغتيال سياسي بطريقة أو بأخرى، وطالبوا باعتقال “الجهاديين” وتقديمهم للمحاكمة عوض أن يلعب الجيش الأمريكي دور الخصم والحكم في الآن نفسه.

ويحرّم القانون الدولي الإنساني الاغتيال السياسي، إذ تصنّفه اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف لعام 1977، بأنه بمثابة “غدر” محظور في الحروب.

حرب الدرونز

وباختصار شديد، فإن الاتفاقيات الدولية المعروفة بـ”القانون الدولي الإنساني” أو “قانون الحرب”، تَعتبر أن القتل وإحداث المجازر البشرية ليس غاية بحد ذاته في النزاعات المسلحة، إنما الهدف هو تحقيق مكاسب سياسية (اقتطاع أرض، إسقاط نظام، حماية أقلية..) وبالتالي فإن الحروب لها قواعد محددة، منها ضرورة حماية الأشخاص الذين لم يعودوا قادرين على القتال (الجنود الجرحى أو الأسرى) والطواقم الطبية، بالإضافة إلى ضرورة ارتداء زي عسكري حتى يتمكن المتحاربون من تمييز الجنود عن المدنيين العزل. وعندما يستسلم العدو تنتهي الحرب وتصبح كل عملية قتل جريمة محظورة.

وبالعودة إلى النقاش المحموم داخل البيت الأبيض في السنوات الأولى لغزو أفغانستان، حاول أشد المؤيدين لقرار قتل “الجهاديين” بطائرات الدرونز بدلا من اعتقالهم ومحاكمتهم؛ حاولوا تجنب الانزلاقات القانونية بإعادة تأويل مفهوم الحرب ضد “الجهاديين”. فحسب هؤلاء، فإن الحرب على الإرهاب ليست حربا بين جيش منظم وجيش آخر حتى تؤطرها القواعد الموجودة في اتفاقيات جنيف الأربع، كما أنها ليست حربا بين جيش منظم وتنظيم متمرد مسلح حتى تنظمها البرتوكولات المكمّلة لاتفاقيات جنيف لعام 1977، وبالتالي فإن الحرب على القاعدة وطالبان وباقي الجماعات “الجهادية” يصعب تصنيفها، “لأن العدو مشتت في أكثر من دولة بالعالم الإسلامي ولا يلتزم ببدلة رسمية، كما أنه لا يعترف أصلا بقواعد القانون الدولي”.[1]

وذهب التأويل أكثر من ذلك عندما اعتبر بعض مستشاري جورج بوش أن طبيعة العدو تستلزم إعادة قراءة الفصل الخاص بحق الدفاع عن النفس في القانون الدولي الذي استخدمته الولايات المتحدة لغزو أفغانستان ثم لاحقا العراق. ففي السابق، كانت الدولة تلجأ إلى هذا الفصل لرد عدوان دولة أو كيان آخر على أراضيها بعد وقوع هذا العدوان فعلا على الأرض، لكن الولايات المتحدة اعتبرت أن انتظار وقوع هذا العدوان في عهد السلاح النووي مسألة مُضرّة بالأمن القومي الأمريكي، إذ تكفي ضربة واحدة بـ”سلاح الدمار الشامل” لمحو مدينة بأكملها. وعليه ومن دون انتظار وقوع هجمات إرهابية مُدوية تهوي بالاقتصاد، يمكن محاسبة “الجهاديين” (ولاحقا نظام صدام حسين) وفقا لمفاهيم جديدة منها “حق الدفاع عن النفس استباقا عندما نُدرك أنهم يخططون لمهاجمتنا”.

شكلت هذه العقيدة قفزة تأويلية خطيرة للقانون الدولي الإنساني، إذ أصبحت كل دولة اليوم قادرة على إعلان حرب بسبب شكوكها في نوايا الخصوم (لجأت روسيا إلى التبرير نفسه في حربها على جورجيا وأوكرانيا).

وعموما، فقد منح التأويل الجديد مجالا كبيرا لوكالات الاستخبارات الأمريكية، خاصة سي آي إيه والقوات الخاصة المنضوية تحت لواء الجيش الأمريكي -مثل “قيادة العمليات الخاصة المشتركة” (Joint Special Operations Command)- باستخدام كبير لطائرات الدرونز الحربية.

لماذا الدرونز؟

لا يزال خبراء الأمن القومي في واشنطن يطلقون على الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لقب “رئيس الدرونز”، فقد شهدت فترة تولّيه الرئاسة اعتمادا شبه كلي على الطائرات المسيرة لقتل “الجهاديين”، حتى اعتبرت صحيفة واشنطن بوست في 2016 أن العالم “سيتذكر الدرونز كجزء مخزٍ من إرث أوباما الرئاسي”.[2]

وحسب أرقام منظمة “أمريكا الجديدة” (New America) غير الحكومية ومقرها واشنطن؛ فقد شهدت فترة تولي أوباما الرئاسة تنفيذ 353 غارة جوية في باكستان وحدها استهدف معظمها المناطق القبلية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال غرب باكستان ويتمركز بها معظم قادة طالبان والقاعدة، وأسفرت الهجمات بطائرات الدرونز في باكستان عن مقتل نحو 3094 شخصا بينهم حوالي 162 مدنيا.[3]

وفي اليمن، نفذت الدرونز إبان عهد أوباما -رغم أن هذا البلد لم يكن آنذاك مسرحا للحرب- 285 غارة جوية منذ 2001 أدّت إلى القضاء على أكثر من 1527 “جهاديا” ونحو 84 مدنيا.

ويَعتبر قادة الجيش في الولايات المتحدة أن الدرونز أفضل الأسلحة للتصدي لما تسميه الخطر الإرهابي، إذ تتمتع بتكنولوجيا دقيقة منها القدرة على التخفي والتحليق لساعات طويلة (32 ساعة متتالية مقارنة بساعتين فقط لطائرات إف16)، وهي إضافة إلى ذلك مزودة بكاميرا ذات جودة عالية تجعل مهمة التأكد من الهدف سهلة، كما أن العتاد الصاروخي (إيه جي إم114 هيلفاير) الذي تحمله موجّه وخفيف ويمكن تعديله لتفادي الأضرار الجانبية التي تخلفها الصواريخ التقليدية. لكن الهدف الأساسي لتفضيلها هو أن الحرب بالدرونز لا تخلف ضحايا وسط الجنود الأمريكيين، وهذه ضريبة سياسية يحاول السياسيون في واشنطن تفاديها باستمرار.

اليوم، تمتلك الولايات المتحدة الآلاف من طائرات الدرونز، منها 8600 وحدة من طائرات “آر كيو11 رافين” (RQ-11 Raven)، و1541 طائرة من نوع “آر كيو20 بوما” (RQ-20 Puma)، بالإضافة إلى الطائرة الأحدث “إم كيو فاير سكاوت” (MQ-8C Fire Scout) التي دخلت الخدمة في 2019.

لكن قوة الردع الأمريكية في هذا المجال تُجسدها طائرة “آر كيو4 غلوبال هوك” (RQ-4 Global Hawk)، التي أسقط الحرس الثوري الإيراني في 20 يونيو/حزيران الماضي إحداها وكادت تتسبب بنشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط.

هذه الطائرة استطلاعية بالأساس، وتستطيع مراقبة ومسح مساحات تصل إلى 100 ألف كيلومتر مربع من التضاريس يوميا، وهي مساحة بحجم كوريا الجنوبية أو أيسلندا، ومزودة بأجهزة استشعار كهروضوئية أو الأشعة تحت الحمراء البعيدة المدى للعمل ليلا.[4]

أما الطائرة الهجومية التي استُخدمت بقوة ضد “الجهاديين خلال العقد الماضي فهي “إم كيو1 بريداتور” (MQ-1 Predator)، وتحتاج إلى “طيار أرضي” وشخصين آخرين للتعاطي مع المعطيات الآتية من أجهزة القياس، وضابط في الجيش يعطي الضوء الأخضر لتنفيذ الضربة. وتُسيّر هذه الطائرة انطلاقا من محطة أرضية متصلة مع الطائرة عن طريق القمر الاصطناعي.

“إم كيو1 بريداتور” مزودة أيضا بآلات تصوير للرؤية في النهار وكذلك في الليل، مع أجهزة قياس الأشعة تحت الحمراء، بالإضافة إلى كاشف الرادار. ورُبان هذا النوع من الدرون يجلس في ولاية نيفادا الأمريكية ويُسيّر هذه الطائرة عن بعد بواسطة أجهزة تقنية شبيهة بأجهزة الطائرات التقليدية، ويراقب الهدف لمدة أشهر أحيانا قبل أن يأخذ الموافقة لدى ضابط في القوات المسلحة الأمريكية لقصف الهدف بواحد من الصاروخين من نوع “إيه جي إم114 هيلفاير”.

ينتقد كثيرون الدرونز ويصفون استخدامها بالاستخفاف بالحياة البشرية، إذ أضحت مثل ألعاب الفيديو تماما. وليست هذه مجرد مقارنة عابرة، فمعظم الطيارين الذين التحقوا بهذا الفرع من القوات المسلحة الأمريكية لديهم خبرة في ألعاب الفيديو في السابق، ويتم توظيفهم بناء على قدرتهم القوية في مراقبة الكاميرا والتتبع والقصف المسدد.

الدرونز والدفاعات الجوية

خلال الهجمات الأخيرة على منشآت أرامكو السعودية، فشلت منظومة الدفاع الجوي الصاروخي “إم آي إم104 باتريوت” المعروفة اختصارا بـ”بطاريات باتريوت”؛ في التصدي للطائرات المُسيرة التي أطلقها الحوثيون. قد يكون هذا صادما للبعض، فبالنهاية ما جدوى دفاعات جوية تكلف ملايين الدولارات لكنها تفشل أمام طائرات صغيرة قادمة من اليمن؟

بالنسبة للمختصين، فإن هذا السؤال مشروع، لكنه يضرب في العمق كل المنظومات الدفاعية الموجودة اليوم في الساحة، فمنذ أمد بعيد أدرك المتخصّصون أن الدرونز وكل الأجسام الصغيرة التي تحلق على علو منخفض قادرة على إفشال الدفاعات الجوية الأكثر تطورا من بطاريات باتريوت المتخلفة مقارنة بـ”إس400″ الروسية.

وحتى القبة الحديدية -وهو النظام الأكثر تطورا لدى إسرائيل والمخصص لصد الصواريخ القصيرة المدى والقذائف المدفعية من عيار 155 مليمتر والتي يصل مداها إلى 70 كيلومترا- فشل مرارا في التصدي لمقذوفات حركتي المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي.

وهناك نظام أفضل من القبة الحديدية هو منظومة “الدفاع في المناطق ذات الارتفاعات العالية الطرفية” المعروف اختصارا بـ”ثاد” (THAAD). وهذا النظام نشرته الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية للتصدي للصواريخ الكورية الشمالية في حالة اندلاع حرب في شبه الجزيرة الكورية. لكنه أيضا يظل فاشلا في التعامل للدرونز التقليدية، أما الدرونز الميكروسكوبية -التي يصورها الفيلم أعلاه وتُطورها حاليا بعض البلدان- فيجعل كل أنظمة الدفاع الحالية مضيعة للمال والجهد.

ويرجع السبب في فشل منظومة الدفاع السعودية في التصدي للطائرات المسيرة للحوثيين إلى ثلاثة أسباب أساسية:

أولها: أن هذا النظام يعمل بتقنية الرادار، أي يتعرف على جسم غريب يقتحم المجال الجوي الذي يحميه (حوالي 70 كيلومترا) فيرسل بسرعة صاروخا ليفجّره في السماء قبل أن يصل إلى هدفه. لكن الطائرات المُسيرة أجسام صغيرة لا تكشفها الرادارات وهذا طبيعي، فالرادارات صُممت في الأصل للتصدي للصواريخ الكبيرة والطائرات التقليدية. وحتى إذا كان الرادار قويا جدا، فإن مُسيِّر الدرون يستطيع إخفاء طائرته الصغيرة بين المسالك الجبلية والوديان التي لا تصل إليها عادة الموجات الكهرومغناطيسية للرادار.

إنها تقنية قديمة تعتمدها حتى الطائرات التقليدية (استخدم الجيش الأمريكي هذه الحيلة بالإضافة إلى تقنية التخفي (Stealth) لقتل أسامة بن لادن في عمق باكستان سنة 2011).

وثانيا: عندما يرسل العدو أكثر من طائرة مسيرة -وهي متوفرة ورخيصة جدا اليوم- لا يستطيع النظام الجوي التصدي لها جميعا. لماذا؟ لأن منظومات الدفاع تحمل عددا محددا من الصواريخ، وفي حالة بطاريات باتريوت السعودية فهي تحمل أربعة صواريخ فقط، مما يعني أنها غير قادرة على التصدي لأكثر من أربعة أهداف متفرقة في الوقت نفسه. أما إذا لجأ العدو إلى جحافل من الطائرات الميكروسكوبية (كما في الفيلم أعلاه)، فإن الدفاعات الجوية تصبح فعلا دون قيمة، إذ كيف يمكن التصدي لألف طائرة صغيرة لا يكشفها الرادار؟

ثالثا: كل صاروخ من صواريخ بطاريات باتريوت يكلف خزينة الدولة نحو مليون دولار أمريكي، وهو مبلغ كبير جدا بالمقارنة مع كلفة الدرونز. وعلى سبيل المثال، اضطرت السعودية في 2017 إلى إسقاط طائرة مسيرة يبلغ سعرها 200 دولار بصاروخ وصلت كلفته إلى ثلاثة ملايين دولار أمريكي.[5]

الدرونز.. سلاح الاغتيالات

السهولة التي استخدم بها الحوثيون الطائرات المسيرة لإرباك الدفاعات الجوية السعودية تؤكد مجددا أن هذه التكنولوجيا الرخيصة ستغير مستقبل الحروب، فالحركات المسلحة (مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن)، والحركات المتمردة في أفريقيا، بالإضافة إلى عصابات بيع المخدرات في أمريكا اللاتينية كلها تمتلك هذه التكنولوجيا.

وإذا كانت العصابات الإجرامية والحركات المتمردة تستخدم الدرونز التقليدية في مهمات الاستطلاع أو من أجل نقل المخدرات، فالحوثيون وحزب الله لديهم فعلا درونز مفخخة أو مزودة بالصواريخ. وهذا تطور مُقلق بالنسبة للجيوش النظامية، خاصة بعد الفشل الذريع لمنظومات الدفاع السعودية في التعامل مع هذه التكنولوجيا.

الأخطر من كل ذلك، هو قدرة الأنظمة الدكتاتورية على استخدام الدرونز لقمع الحريات واغتيال الناشطين السياسيين. فمثلا زرعت الصين 200 مليون كاميرا في الشوارع لمراقبة أكثر من 1.4 مليون إنسان، وصممت تقنية التعرف على الوجوه لتعقّبهم واعتقال “المجرمين”. لكن من يمنع الصين من استخدام الطائرات المسيرة المزودة بتقنية التعرف على الوجوه لاغتيال بعض المعارضين المسلمين في إقليم شينغيانغ أو الانفصاليين في التبت؟

وإذا كانت الصين التي تعتقل في معسكرات الاحتجاز مليون مسلم في إطار ما تُسميه “برامج إعادة التربية”، فإنها قادرة ليس فقط على استخدام الدرونز ضد “المزعجين”، إنما أيضا في تصدير هذه التكنولوجيا إلى أنظمة مارقة في الشرق الأوسط وأفريقيا. وآنذاك، ستصبح كل الأصوات المعارضة للأنظمة مهددة بالاغتيال السياسي.

الأسوأ من ذلك هو إمكانية انتقال تكنولوجيا الدرونز المعززة بأنظمة التعرف على الوجوه والذكاء الاصطناعي إلى الكيانات الصغيرة، مثل مافيات المخدرات والجماعات الإرهابية وجماعات صغيرة تخوض حروبا بالوكالة.

وخلال الأسبوع الماضي حدث تطور مقلق في المكسيك، فقد أطلقت السلطات المكسيكية سراح نجل خواكين غوزمان “إل تشابو” إمبراطور تجارة المخدرات في البلاد بعد ساعات من احتجازه، وذلك جراء اشتباكات بين السلطات والعصابة بمدينة كولياكان شمال المكسيك انتهت بمقتل ثمانية أشخاص.

في البداية، حاصر أفراد العصابة قوات الأمن والجيش وتمكنوا من اقتحام السجن الذي يوجد فيه غوزمان، وجرى تبادل إطلاق النار بالمدفعية الثقيلة وقاذفات الصواريخ المضادة للدروع في مواجهات استمرت ست ساعات كاملة. وفي الأخير، قرر رئيس الدولة الإفراج عن زعيم العصابة.

مثل هذه الشبكات الإجرامية العابرة للدول قادرة مستقبلا على شراء تكنولوجيا طائرات الدرونز المزودة بأنظمة التعرف على الوجوه (في السوق السوداء) وتسخيرها لاغتيال شخصيات سياسية أو التهديد باغتيال رؤساء دول.

وكما يُظهر فيلم “مذبحة الروبوتات الصغيرة”، يتم برمجة الطائرات لاغتيال أشخاص بناء على ملامح وجوههم. بعد ذلك تنطلق هذه الروبوتات -التي لا تكاد تراها العين المجردة في الجو- في رحلة بحث مستخدِمة الذكاء الاصطناعي لغربلة ملايين الوجوه حتى تهتدي إلى ضحيتها. آنذاك، ومن دون أي تدخل بشري، تتّجه بسرعة انتحارية لتفجير العضو الرئيسي في الجهاز العصبي “الدماغ”.

رغم كل التطمينات التي تصدرها الصين في هذا المجال، فإن تحالفا من المنظمات الحقوقية البارزة في العالم أطلق مؤخرا موقعا إلكترونيا سماه “مبادرة أوقفوا الروبوتات القاتلة” (Stop Killer Robots).[6] وفي يوليو/تموز 2015 وقّع أكثر من 1000 عالم (منهم ستيفن هوكينغ وأيلون موسك) خطابا يحذرون فيه من هذا النوع من الروبوتات ويدعون إلى فرض حظر على هذه الأسلحة المستقلة عن التدخل البشري، مؤكدين أن مهمات الحياة والقتل يجب أن تظل على الدوام بين أيدي البشر.

وفي النهاية، القتل يجب أن يظل لعنة أبدية تلاحق الضمير الإنساني، عوض أن يتحول إلى مهمة قذرة بيد أجسام باردة تقتل بلا رحمة

المصادر:

[1] https://scholarlycommons.law.case.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=2235&context=jil
[2] https://www.washingtonpost.com/opinions/obamas-drone-war-is-a-shameful-part-of-his-legacy/2016/05/05/a727eea8-12ea-11e6-8967-7ac733c56f12_story.html
[3] https://www.newamerica.org/in-depth/americas-counterterrorism-wars/pakistan/
[4] https://www.northropgrumman.com/Capabilities/GlobalHawk/Pages/default.aspx
[5] https://www.washingtonpost.com/news/morning-mix/wp/2017/03/17/a-u-s-ally-fired-a-3-million-patriot-missile-at-a-200-drone-spoiler-the-missile-won/
[6] https://www.stopkillerrobots.org

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14307

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *