Print Friendly, PDF & Email

الدلالات الإستراتيجية لهجوم الأول من سبتمبر العام 2019

بقلم العميد: أحمد عيسى

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

نفذ حزب الله اللبناني عصر يوم الأحد الموافق الأول من سبتمبر العام 2019، تهديده العلني والمفصل بالرد على الهجمات الإسرائيلية طبقاً للمعايير والشروط التي كان قد حددها السيد حسن نصر الله على الهواء مباشرة في معرض خطابه الذي صادف اعتداء المقاتلات الإسرائيلية على بيت سكني يقع في قرية عقربا التي تقع جنوب غرب العاصمة دمشق ويقيم فيه مقاتلين من حزب الله مما أسفر عن استشهاد إثنين منهم هما (حسن زبيب وياسر ظاهر) وصادف كذلك إعتداء مسيرتين إسرائيليتين وفقاً لتأكيد السيد نصر الله للضاحية الجنوبية معقل حزب الله في بيروت.

وفيما اعترفت اسرائيل بالمسؤولية عن الإعتداء الأول والتزمت الصمت بما يخص الإعتداء الثاني، إلا أن الإعتدائين يعتبرا خرق اسرائيلي واضح لشروط الإتفاق غير المكتوب الذي توافق عليه الطرفين في أعقاب حرب تموز العام 2006، والتي أًجبرت فيه إسرائيل على عدم الإعتداء على الجغرافيا اللبنانية، ثم عدم قتل أي ممن يرتدون بدلة حزب الله العسكرية ويرفعون شارته على الأرض السورية، مقابل التزام الحزب بعدم مهاجمة أهداف إسرائيلية إنطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

وعلى أثر هذا الرد انقسم الرأي العام العربي كعادته الى قسمين إثنين غلب عليهما طابع الإنقسام الفكري السياسي الذي لم يغادر المجتمع العربي منذ بداية القرن الماضي ووصل الى ذروته في اعقاب نكبة الفلسطينيين وقيام دولة إسرائيل في العام 1948.

وينتمي القسم الأول في معظمه لأنظمة سياسية ملكية محافظة واخرى جمهورية قومية، حيث يرى هذا القسم أن إسرائيل قد حسمت الصراع لمصلحتها وتحولت من دولة أمر واقع، الى دولة طبيعية في المنطقة، الأمر الذي يستدعي إخراج الصراع معها من دائرة العنف المسلح وحشره في دائرة التفاوض السياسي السلمي قبل إزالة اسباب النكبة الفلسطينية، وذلك لتوظيف قدرات إسرائيل العسكرية والإقتصادية والتكنولوجية والديبلوماسية في مواجهة تهديد إيران (الشيعية) لأمن وإستقرار المنطقة.

وينتمي القسم الثاني في غالبيته لقوى المقاومة العربية السنية والشيعية وكذلك للدول والشعوب العربية المؤيدة لها، والتي ترى أن إسرائيل لا زالت دولة أمر واقع وأنها لم تحسم الصراع لمصلحتها بعد، ولن تستطيع حسمه أبداً ما دام الشعب الفلسطيني لم يحصل على الحد الأدنى من حقه في الحرية والاستقلال في دولة مستقلة تكون القدس عاصمتها، كما ويصر هذا القسم على حشر الصراع في دائرة المقاومة المسلحة وعدم إخراجه البتة من هذه الدائرة، وينظر كذلك لإيران كدولة داعمة للمقاومة وليست تهديداً لأمن واستقرار المنطقة.

من جهتها تسعى هذه المقالة الى قراءة هجوم الأول من سبتمبر من وجهة نظر ثالثة غير متحيزة لأي من وجهتي النظر السابقتين، وذلك من خلال توظيف نموذج تحليلي يقوم على تفسير وفحص أثر الهجوم على خطاب القوة الإسرائيلي، وفحص اثره كذلك على المبادئ والأسس التي يقوم عليها التفكير الأمني الإسرائيلي، لا سيما تلك المتضمنة في إستراتيجية البقاء الإسرائيلية (Israel`s Survival Strategy).

ومن حيث خطاب القوة فترى هذه المقالة أن هجوم الأول من سبتمبر الجاري قد استدعى من الذاكرة، ولكن بشكل مقلوب هذه المرة، ما رواه الصحفي الهندي “كارنجيا” في كتابه الشهير الذي نشره في ستينات القرن الماضي وحمل عنوان “خنجر إسرائيل” على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي حينها موشي ديان، الذي كشف للصحفي الهندي خلال مقابلة صحفية أجراها معه في تل أبيب أن هدف إسرائيل في الحرب القادمة (حرب العام 1967) سيكون تدمير الطيران المصري والسوري في مرابضه، وعندما اعرب الصحفي عن إستغرابه من كشف ديان عن هدف الحرب قبل أندلاعها، قال الأخير جملته المشهورة “إن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يطبقون”.

ومن جهته كان السيد نصر الله قد أعلن بعد ساعات من الإعتداء الإسرائيلي على عقربا والضاحية الجنوبية بأن الرد على هذه الإعتداءت سيتم خلال ايام معدودة، وطلب من الجيش الإسرائيلي أن يستعد ويقف على ركبة ونصف لتلقي الضربة. وكان ذلك في خطاب متلفز سمعه ونصت اليه العسكريين والسياسين والإعلامين والخبراء في إسرائيل المتخصصين في قراءة وتحليل خطابات السيد، ومعهم الغالبية العظمى من الإسرائيليين خاصة سكان الشمال. وعلى الرغم من إشعال لواء الشمال للضوء الأحمر في كل مواقعه، إلا أن الرد حصل وفقاً للمعايير والمواصفات التي حددها السيد في خطابه، الأمر الذي يكشف أن خطاب القوة قد خرج الى غير رجعة من يد إسرائيل، مما يسمح للسيد أن يرد على ديان ويقول “أن إسرائيل تقرأ وتفهم ما تقرأ وتطبق ما تفهم، ولكنها لم تُبصر وتدرك بعد بأنها أضعف من بيت العنكبوت”.

أما من حيث تأثير الهجوم على المبادئ والأسس المتضمنة في إستراتيجية البقاء الإسرائيلية، فتجدر الإشارة أن هذه الإستراتيجية قد قامت على جملة من الحقائق الجيوسياسية، مفادها أن إسرائيل دولة صغيرة المساحة، وقليلة السكان، ومواردها الطبيعية محدودة للحد الذي لا يمكن لها أن تكفي لوحدها تغطية نفقات إسرائيل الأمنية، لا سيما وأنه يعيش بداخلها وتحت سيطرتها العسكرية عدد من الفلسطينيين لا زالوا يعتبرون أنفسهم في حالة عداء معها بصفتها دولة إحتلال، ويساوي هذا العدد من الفلسطينيين بل يزيد قليلاً عن عدد سكان الدولة من اليهود، فضلاً عن انها محاطة بدول عربية لا زالت شعوبها تعتبر نفسها في حالة حرب معها على الرغم من توصل بعضها، وإعلان بعضها الآخر عن أستعداده لعقد اتفاقيات سلام معها على حساب الحقوق الفلسطينية.

وحتى تضمن إسرائيل البقاء كان لزاماً عليها ان تبقى دائما تحت رعاية دولة عظمى (بريطانيا أولا، ثم أمريكا ثانيا) قادرة على أن توفر لها الإحتياجات المادية والسياسية التي تغطي نفقات الحفاظ على الأمن القومي، علاوة على ضمان الدولة الراعية توفير شروط ثلاثة لإسرائيل.

ويدور أول هذه الشروط حول منع توحد العرب في قوة واحدة مؤثرة، ويتعلق الشرط الثاني في جعل المبادرة للحرب دائما بيد إسرائيل من حيث مكان الحرب وزمانها ووتيرتها، ويدور ثالث هذه الشروط حول وجوب عدم خوض إسرائيل لحرب على الحدود فيما تواجه إنتفاضة فلسطينية داخلية.

وعلى ضوء ذلك طورت مؤسسات التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي فكراً أمنياً يقوم على أعمدة ثلاثة، هي الإنذار المبكر والضربة الإستباقية والردع.

ويتطلب الإنذار المبكر بناء قدرة تكنولوجية وإستخبارية تمكن الدولة من رصد وتفسير اتجاهات التحول في مجتمعات الدول المحيطة بالدولة، لتمكين الأخيرة من صياغة التدخلات الديبلوماسية والعسكرية لغايات السيطرة على هذه التحولات مبكراً ومن ثم توظيفها في خدمة الأمن القومي الإسرائيلي.

ويستدعي احتفاظ إسرائيل بقوة ردع مؤثرة في المنطقة، بناء بنى تحتية إقتصادية وتكنولوجية وعسكرية وتعليمية وإعلامية تجعل إسرائيل في مستوى تفوق نوعي دائم على كل دول المنطقة، ثم توظيف المنظومة الإستخبارية المؤهلة لرصد وقراءة التحولات في المجتمعات المحيطة بإسرائيل، لا سيما تلك التحولات التي لا تقوم على أساس التسليم بإسرائيل كدولة أمر واقع في المنطقة، وإعتبار هذه التحولات كتهديدات لقوة الردع، الأمر الذي يتطلب من إسرائيل التدخل وإفتعال كل ما يلزم بما في ذلك شن الحرب أو شن حملات بين الحروب لإستعادة قوة الردع.

ويرى المختصون في الشأن الإستراتيجي الإسرائيلي أن حرب العام 2006 على حزب الله قد خلحت المبادئ والأسس التي قامت عليها إستراتيجية البقاء الإسرائيلي، الأمر الذي تجلى بوضوح في بنود وتوصيات لجنة فينوغراد التي تولت التحقيق في الحرب، إذ أشار التقرير في أحد بنوده بأن الحرب على حزب الله قد تناقضت مع الإعتقاد الذي ساد في إسرائيل بأن المواجهة مع عناصر من غير الدولة لا تؤدي الى حروب ولا الى أزمة وجود.

وقد اضاف التقرير في مكان آخر بأن الحرب على حزب الله قد أثارت قضايا تمس وجود الدولة، الأمر الذي يستدعي مشاركة جميع مكوناتها وخصوصاً المجتمع لإجتياز الأزمات التي أنتجتها الحرب.

وكان من أهم التطبيقات العملية للتوصيات التي خلص إليها التقرير إضافة عمود الدفاع عن الجبهة الداخلية كعمود رابع يضاف للأعمدة الثلاث التي قامت عليها نظرية الأمن الإسرائيلي.

وعند هذه النقطة تجادل هذه المقالة بأنه إذا كانت حرب العام 2006 على لبنان، والحروب التي أعقبتها على غزة في الأعوام 2008، و2012، و2014، قد خلخلت الأسس والأعمدة التي قامت عليها نظرية الأمن الإسرائيلية، فإن هجوم الأول من سبتمبر ربما يكون قد دشن لبداية سقوط هذه الأسس للأبد، لا سيما ذلك الأساس المتمثل بإحتكار الردع والقائم على إحتكار إسرائيل لقراءة تحولات الشعوب في المنطقة بإعتبارها تهديد لإحتكار إسرائيل للردع.

وتأسيساً على ذلك ترى هذه المقالة أن رد حزب الله في الأول من سبتمبر الجاري بكل مكوناته السياسية والعسكرية والإستخبارية والإعلامية قد اظهر قوة لبنان الدولة/المقاومة، وكشف في نفس الوقت ضعف إسرائيل الإستراتيجي على صعيد ذات المكونات، الأمر الذي يمكن الإستدلال عليه من لجوء نتنياهو مباشرة لرئيس وزراء بريطانيا الراعي الأول لإسرائيل بعد الهجوم في وقت لا يسمح لكل منهما مناقشة أمور خارج الأجندة الداخلية .