الدور الأمريكي في لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت

مها علام – المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

شهدت العاصمة اللبنانية كارثة ضخمة “غير متوقعة” تمثلت في انفجار مرفأ بيروت، في 4 أغسطس 2020، الذي تسبب في تدمير هائل وخسائر فادحة. ووصل حجم الخسائر البشرية إلى ما يزيد على 200 قتيل و5000 جريح. وتكمن صعوبة المشهد في التزامن بين هذا الانفجار المروع والأزمات المتداخلة التي تشهدها الساحة اللبنانية، لا سيما الوضع الاقتصادي المتردي. بعبارة أوضح، تتزامن كارثة انفجار مرفأ بيروت مع دخول لبنان في أسوأ أزمة له منذ الحرب الأهلية، إذ تشهد الدولة اللبنانية منذ أواخر عام 2019 انهيار النظام المالي تحت وطأة الدين العام، فقد تخلفت عن سداد الديون السيادية، وتراجعت العملة اللبنانية واتسع نطاق الفقر.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مشاركته في المؤتمر الدولي التي عُقد بدعوة من الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” لدعم لبنان، مغردًا بأن “الجميع يريد المساعدة”. كما قال وزير الخارجية الأمريكية “مايك بومبيو” في بيان لوزارة الخارجية: “لا توجد دولة أكثر عطاءً أو تعاطفًا من الولايات المتحدة، وسنواصل دعمنا للشعب اللبناني للتعافي من هذه المأساة”. الأمر الذي أثار التساؤلات بشأن دوافع الانخراط الأمريكي المبكر والنشط في المشهد اللبناني.

الدعم الأمريكي

في أعقاب وقوع الانفجار المدمر لمرفأ بيروت، قام الرئيس “ماكرون” بزيارة تضامنية إلى لبنان في 6 أغسطس 2020. ودعا -في هذا الإطار- إلى عقد مؤتمر دولي لدعم لبنان. ثم دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة مبكرًا، حيث أعلن الرئيس “ترامب” في اليوم التالي لزيارة “ماكرون” أنه سيشارك في المؤتمر الدولي لدعم لبنان. وأكد “ترامب” على إرسال ثلاث طائرات أمريكية محملة بالمساعدات إلى لبنان، على متنها عاملون في مجالي الصحة والإغاثة. كما أصدر البيت الأبيض بيانًا لمستشار الأمن القومي “روبرت أوبراين” جاء فيه أن الولايات المتحدة سترسل، بتوجيهات من الرئيس “ترامب”، مساعدات طارئة ضرورية للبنان. وأوضح “أوبراين” أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID نشرت “فريق الاستجابة للمساعدة في حالات الكوارث” DART في بيروت للتنسيق وتقديم المساعدة الإنسانية.

وعلى صعيد آخر، تبلورت ملامح التعاطي السياسي الأمريكي مع الأزمة عبر دعوة وزير الخارجية الأمريكي “بومبيو”، في بيان لوزارة الخارجية، إلى فتح تحقيق “معمق يتسم بالشفافية” حول أسباب وقوع الانفجار. لافتًا إلى أنه “يحق للشعب اللبناني محاسبة المسئولين، كما أن الشعب اللبناني يستحق حكومةً تضع سلامة مواطنيها وازدهارهم في صدارة أولوياتها”. وأكد “بومبيو” أنه “لا توجد دولة أكثر عطاءً أو تعاطفًا من الولايات المتحدة، وسنواصل دعمنا للشعب اللبناني للتعافي من هذه المأساة”. مشيرًا إلى أن واشنطن تعهدت بتقديم أكثر من 17 مليون دولار مساعدات إنسانية لإغاثة لبنان، بالإضافة إلى 403 ملايين دولار وفرتها الإدارة الأمريكية منذ سبتمبر 2019، تتضمن 41.6 مليون دولار لمحاربة تفشي وباء (كوفيد-19).

وترتبط مسألة الدعوة إلى فتح تحقيق بما يُثار بشأن كون الكارثة تفجيرًا متعمدًا، لا سيما أنها سبقت الحكم في قضية اغتيال “رفيق الحريري”، أم كونها حادثة وقعت بشكل غير مقصود بفعل الفساد والإهمال. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى ما أزاحت الستار عنه وكالة “رويترز” بوجود وثائق يحذر فيها مسئولون أمنيون لبنانيون، رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، من وجود خطر حقيقي بتخزين 2750 طنًّا من مادة “نترات الأمونيوم” في مرفأ بيروت قبل أسبوعين من التفجير. وتفيد بعض الأنباء بأن شحنة “نترات الأمونيوم” دخلت عبر سفينة روسية مستأجرة، فيما احتجزتها الموانئ اللبنانية في ديسمبر 2013 بأمر قضائي 2013/1031. وفي هذا السياق، تتجه بعض التحليلات إلى أن السبب المباشر لعدم قيام “ميشيل عون” و”حسان دياب” باتخاذ أي خطوات كرد على الوثائق الأمنية يكمن في علمهم بأن هذه المواد تخص “حزب الله”.

ويُعد الحدث الأبرز الذي يدلل على الدعم الأمريكي، هو الزيارة التي قام بها مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشئون السياسية “ديفيد هيل” للبنان في 13 أغسطس 2020، كونها تبرهن على وجود رغبة أمريكية للعب دور مؤثر في الساحة اللبنانية. وقد حمل “هيل” معه تسوية جديدة لحل الكثير من الأزمات اللبنانية كتشكيل الحكومة، والتحقيق في كارثة انفجار مرفأ بيروت، وكذا مسألة ترسيم الحدود البحرية التي ظلت معلقة لفترة طويلة. ولفت “هيل” إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي) سينضم إلى محققين لبنانيين ودوليين من أجل التحقيق في الانفجار، مؤكدًا أن المشاركة تأتي تلبية لدعوة من السلطات اللبنانية. ولفت “هيل” خلال زيارته إلى ضرورة التعاون من أجل إنقاذ لبنان، وتشكيل حكومة مستقلة تلبي رغبة الشعب اللبناني، مشددًا على ضرورة القيام بإصلاحات ومواجهة الفساد.

دوافع متداخلة

تذهب بعض التحليلات إلى اعتبار الهجوم الذي وقع عام 1983 ضد قوات المارينز الأمريكية في لبنان بداية لانحسار الدور الأمريكي في الساحة اللبنانية. إلا أن واشنطن أبدت خلال الفترة الأخيرة انخراطًا أوسع في لبنان عبر اتباع سياسة مزدوجة تقوم على المراوحة بين تقديم الدعم والتهديد بفرض عقوبات. ففي أعقاب تشكيل حكومة “دياب”، رفض “بومبيو” في 22 يناير الماضي، تأييد الحكومة اللبنانية الجديدة، لافتًا إلى أن الإدارة الأمريكية لن تساعد حكومة لا تلبي مطالب الشعب في الحرب ضد الفساد. وارتباطًا بذلك، اتضح أن واشنطن تخطط لوقف جميع المساعدات إلى لبنان. وحذرت وزارة الخارجية الكونجرس من أنها ستلتزم بوقف المساعدات المالية إلى بيروت حتى لا تذهب أموال دافعي الضرائب إلى “حزب الله”.

ثم اتجهت واشنطن إلى تبني مواقف أكثر مرونة؛ فقد قام القائد في الجيش الأمريكي الجنرال “كينيث ماكينزي” بزيارة لبنان، في 8 يوليو الماضي، على رأس وفد ضم مسئولي وضباط المنطقة المركزية الوسطى، إضافة إلى السفيرة الأمريكية والملحق العسكري بالسفارة، مؤكدًا استمرار دعم بلاده للجيش اللبناني، ولافتًا إلى رغبة واشنطن في تطوير التعاون العسكري مع لبنان. وفي السياق ذاته، التقت السفيرة الأمريكية برئيس مجلس النواب “نبيه بري”، في 9 يوليو 2020، وأكدت عدم رغبة واشنطن في معاقبة لبنان حسب ما أفادت بعض التقارير. وعلى النقيض من ذلك، وجّه “بومبيو” تهديدات للبنان في اليوم الذي قام فيه “ماكينزي” بزيارة بيروت، مؤداها فرض عقوبات عليها إذا وقعت أي اتفاق لاستيراد النفط من طهران، لا سيما بعد مطالبة الأمين العام لحزب الله “حسن نصرالله” بذلك، الأمر الذي يدلل على أن الاهتمام الذي أبدته الإدارة الأمريكية ليس نابعًا فقط من كارثة انفجار مرفأ لبنان، وإنما هو جزء لا يتجزأ من السياسة التي اتبعتها الإدارة الأمريكية تجاه لبنان خلال الآونة الأخيرة.

ويمكن رصد أهم دوافع واشنطن في الدخول على خط الأزمة الراهنة فيما يلي:

1- أمن إسرائيل: تعد الساحة اللبنانية هي الأبرز عند الحديث عن أمن إسرائيل، استنادًا إلى التهديد المستمر الذي يمثله “حزب الله”، ما يعني أن دعم أمن إسرائيل يتطلب إنهاء وضع “حزب الله” داخل لبنان. ولعل النموذج الأفضل يكمن في تبني سياسة “الحياد الإيجابي” التي طرحها بطريرك الكنيسة المارونية “بشارة الراعي”، والتي تعني عدم انخراط لبنان في أي صراعات إقليمية مسلحة.

2- تفادي الأزمات: يمكن القول بشكل عام إن حالة الفوضى التي تضرب أي دولة تساهم بشكل تلقائي في إيجاد البيئة الخصبة للإرهاب، والدفع باتجاه أزمة لاجئين. لذا، فإن المعالجة السريعة للأزمة اللبنانية يعني الحفاظ على الدولة من الانهيار، بطريقة تمكنها في القيام بوظائفها لحفظ الأمن ومنع تمدد التنظيمات الإرهابية، وتوفير ظروف ملائمة للعيش بالنسبة للمواطنين واللاجئين على السواء.

3- الاحتفاظ بدور مؤثر: قد يساهم تتبع أزمات المنطقة في الوصول لنتيجة مؤداها أن الساحات الساخنة التي تأخرت الولايات المتحدة في الدخول إليها قد سمحت بتمدد خصوم الولايات المتحدة بشكل كبير. واستنادًا إلى ذلك، يبدو أن واشنطن تعلمت الدرس جيدًا واتجهت إلى الانخراط المبكر والمؤثر في الساحة اللبنانية لقطع الطريق على بعض خصومها كروسيا والصين، أو لتضييق الخناق على خصوم آخرين كإيران.

4- تحجيم نفوذ إيران: بالنظر إلى تطورات الأحداث بين واشنطن وطهران على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، يبدو جليًا الدور البارز لــ”حزب الله” كوكيل في هذه الخصومة، وكقناة تسمح لإيران بتجاوز الضغوط، سواء السياسية والعسكرية أو حتى الاقتصادية والمالية. ومن ثم، فإن محاصرة “حزب الله” تعني فقدان إيران أبرزَ أذرعها في المنطقة. وفي هذا السياق، لم تتجه واشنطن فقط إلى اعتبار “حزب الله” جماعة إرهابية، وإنما اتسع الحديث حول اتجاهها لتطبيق عقوبات على أطراف لبنانية داعمة لـــ”حزب الله” مثل وزير الخارجية “جبران باسيل”، ورئيس مجلس النواب “نبيه بري”.

5- دعم النموذج اللبناني: لطالما مثّل النموذج اللبناني نموذجًا إيجابيًا في عيون الغرب، لا سيما أنه يحمل سمات ديمقراطية ومجتمعًا مفتوحًا يتمتع بدرجة عالية من الحرية. ومن ثم، فإن الدعم الأمريكي للنموذج اللبناني سيقطع الطريق على الاتهامات التي تُوجه دومًا إلى إدارة “ترامب” التي يدور فحواها حول دعم واشنطن للأنظمة الاستبدادية، وغياب قيم الحرية والديمقراطية عن السياسة الخارجية الأمريكية. كما أن صيانة الدولة اللبنانية تعني تعزيز مصالح الولايات المتحدة الجيوسياسية في المنطقة عبر حرمان خصوم واشنطن –إيران وسوريا– من فرص استغلال لبنان كساحة لتحقيق أهدافهما، وتحسين أوضاعهما الاستراتيجية في المنطقة على حساب الولايات المتحدة وحلفائها.

6- ثني لبنان عن التوجه شرقًا: يمكن القول بشكل عام إن تواضع الدعم الغربي للبنان في مواجهة المشكلات الاقتصادية العصيبة قد يدفعه بشكل تلقائي إلى الميل شرقًا، ومن الدلائل الواضحة دعوة “حسن نصر الله” للبنان من أجل التوجه شرقًا باتجاه إيران وروسيا والصين. ومن ثم، يمكن القول إن التحرك الأمريكي النشط جاء ردًا على محاولات تقليص النفوذ الغربي في لبنان الذي تدعمه قوى “8 آذار”.

7- موازنة الساحة السورية: بالنظر إلى الأوضاع في سوريا، وتطورات الأزمة السورية، يتضح أن الدور الأمريكي النشط في الساحة اللبنانية قد يكون مدفوعًا برغبة في التواجد على مقربة من التواجد الروسي في سوريا، والرغبة في موازنة هذا التواجد، لقطع الطريق أمام تمدد روسيا في ساحات أخرى. علاوة على وجود رغبة لكسر الترابط السوري اللبناني، وإبعاد لبنان عن كونها متنفسًا للنظام السوري.

آليات متنوعة

يتضح من العرض السابق وجود رغبة أمريكية في لعب دور نشط على الساحة اللبنانية. وتتمثل أبرز الآليات والأدوات التي تستند إليها واشنطن لممارسة هذا الدور فيما يلي:

1- الدعم الاقتصادي: يتضح الدعم الاقتصادي الأمريكي للبنان عبر 3 أدوات رئيسية؛ الأولى، التدخل لدى صندوق النقد الدولي، فقد تضمنت النقاشات التي جرت بين السفيرة الأمريكية والمسئولين اللبنانيين أهمية الدعم الأمريكي للبنان في المفاوضات مع الصندوق، إذ جرى 17 اجتماعًا مع مسئوليه منذ مايو 2020 دون إحراز أي تقدم. الثانية، تقليص حدة العقوبات، وذلك عبر التلميح إلى فرصة منح استثناءات للبنان من تطبيق العقوبات المدرجة ضمن قانون “قيصر” على سوريا، وقد تشمل -على سبيل المثال- السماح المشروط باستيراد الكهرباء من سوريا، والعلاقات التجارية معها المرتبطة بالأمن الغذائي. الثالثة، المساعدات، فقد تعهدت واشنطن بتقديم أكثر من 17 مليون دولار مساعدات إنسانية لإغاثة لبنان، مضافة إلى 403 ملايين دولار التي وفرتها الإدارة الأمريكية، منذ سبتمبر 2019.

2- الدعم السياسي: يشير الدعم السياسي في فحواه ومضمونه إلى المساعدة المباشرة في كسر العزلة والجمود الخارجي. وتبلور ذلك في زيارة مسئولين أمريكيين إلى لبنان وإجراء اجتماعات مع مسئولين لبنان ورموز من النخبة اللبنانية، وذلك بعدما عانت الدولة اللبنانية مما يمكن وصفه بـــ”عزلة سياسية” للنظام اللبناني. تجسد هذا الأمر في تصريح الرئيس اللبناني “ميشيل عون” بأن “الانفجار أدى إلى فك الحصار”، وكذا حديث “نصر الله” عن أن “المشهد الخارجي الإيجابي” يفتح فرصة أمام لبنان للخروج من حالة الحصار التي فرضت عليه خلال الفترة الماضية.

3- دعم الجيش اللبناني: عملت الولايات المتحدة في سبيل تعزيز وصيانة الدولة اللبنانية على تقوية الجيش اللبناني في مقابل إضعاف قوة “حزب الله”. فلم تتوقف واشنطن عند اعتبار “حزب الله” جماعة إرهابية فحسب، وإنما قامت واشنطن بالعديد من الأنشطة لتجفيف منابع تمويل “حزب الله”. ففي ديسمبر 2019، عقدت مجموعة تنسيق إنفاذ القانون المشتركة بين الولايات المتحدة ودول أخرى والتي تركز على مكافحة أنشطته “الإرهابية وغير المشروعة” اجتماعها الثامن في مقر يوروبول في هولندا، وركز الاجتماع على شبكات “حزب الله” المالية والتجارية والمشتريات وارتباطها بالنشاط الإرهابي للحزب. وفي المقابل، عملت واشنطن على ترسيخ قنوات تواصل مفتوحة مع الدولة عبر مؤسسة الجيش بوصفها مؤسسة محايدة لم يطلها التأثير الإيراني. وفي ديسمبر 2019، وافق مكتب الإدارة والموازنة في البيت الأبيض على استئناف تقديم المساعدات العسكرية للجيش اللبناني. ووفقًا لما ذكره أحد المسئولين الأمريكيين، فقد وصف الجيش بأنه “مؤسسة وطنية” في دولة عانت طويلًا من الطائفية. كما أشاد بجهود الجيش اللبناني في محاربة التنظيمات الإرهابية.

إجمالًا، يمكن القول إن انفجار مرفأ بيروت لم يكن نقطة البدء بالنسبة لدور واشنطن النشط على الساحة اللبنانية، لكنه مثّل فرصة مناسبة للولايات المتحدة للعب دور أكثر قوة وتأثيرًا في صياغة المشهد اللبناني. كما أن الانفجار أعطى المسوّغ المناسب لدور أمريكي متزايد، ومهد أرضية لقبول الشروط الأمريكية. ومن ثم، قد تتجه الولايات المتحدة إلى صياغة معادلة جديدة تحكم الداخل اللبناني بطريقة تُمكّنها من صياغة معادلة جديدة تحكم تفاعلات المنطقة، لا سيما أن الإدارة الأمريكية على مشارف انتخابات رئاسية جديدة.

مركز أبحاث أمريكي: أزمات لبنان المتلاحقة تعرقل مواجهته لجائحة “كوفيد 19”

يواجه لبنان أزمات متلاحقة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يؤدي بدوره إلى تعقيد جهود البلاد لإدارة جائحة “كوفيد 19”.

وسلط تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي الضوء على هذ الأمر، حيث أشار إلى أنه يتم تأكيد ما يقرب من 2500 حالة إصابة جديدة بـ “كوفيد 19” في لبنان كل يوم، معتبرا أن هذا الرقم لا يطاق في بلد يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية متزامنة ولا يزال يتعافى من انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020.

وأوضح التقرير الذي أعدته الباحثة آنا ماكافري، وهي عضو في مركز السياسات الصحية العالمية وفي مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ، والباحث ويل تودمان، وهو زميل برنامج الشرق الاوسط بالمركز، أنه بعد أسابيع فقط من الخروج من واحدة من أكثر عمليات الإغلاق صرامة في العالم، أمرت الحكومة اللبنانية بإغلاق آخر في 3 أبريل 2021. واعتبر العديد من اللبنانيين، هذا الإغلاق الأخير، الأكثر صعوبة حتى الآن.

وتم إغلاق محطتين من محطات توليد الطاقة الرئيسية الأربع في البلاد بعد نفاد الوقو؛ مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي لمدة تصل إلى 22 ساعة. ومنذ استقالة رئيس الوزراء في أغسطس 2020 ، توقفت المفاوضات بشأن تشكيل حكومة جديدة ، وتعثرت حكومة تصريف الأعمال. وتمارس شبكة معقدة من الأطراف الفاعلة الحكومية وغير الحكومية والدولية تأثيرا على الحياة اليومية في لبنان.

هذه التحديات، بحسب الباحثان تودمان وماكفري تجعل لبنان أحد أصعب الأماكن في العالم لإدارة مواجهة جائحة كوفيد 19 وجهود التطعيم، ويحتاج هذا البلد بشكل مُلّح إلى دعم إضافي.

ومع ذلك ،فإنه نظرا لأنه يتم تصنيف لبنان كدولة متوسطة الدخل، وهو تصنيف لا يأخذ في الاعتبار الانهيار الاقتصادي الأخير ، فهو غير مؤهل للعديد من أشكال المساعدات الصحية والإنسانية الدولية.

ويرى الباحثان أنه مما يزيد الأمور تعقيدا أن وزارة الصحة العامة تخضع فعليا لسيطرة حركة حزب الله، المصنفة منظمة إرهابية، لذلك فإن الولايات المتحدة غير قادرة على تقديم دعم مباشر لجهود مواجهة جائحة كوفيد 19 التي تقودها الحكومة في لبنان.

ولدى الكثير من اللبنانيين شعور عميق بعدم الثقة في السلطات والجهات الفاعلة الخارجية ، بما في ذلك الولايات المتحدة ، مما يشكل عقبات إضافية.

ويؤكد التقرير أن المخاطر كبيرة؛ حيث تتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية ، وتتزايد المخاطر الأمنية. ودعا الولايات المتحدة إلى توسيع دعمها التقني والمالي للوكالات الدولية التي تسد الثغرات الحرجة في مواجهة “كوفيد 19” في لبنان. وأشار إلى أنه يجب أن تعمل واشنطن مع حلفائها الأوروبيين لدعم وزارة الصحة العامة خلال إشرافها على إطلاق حملة التعطيم ضد ذلك المرض.

واعتبر التقرير أن نجاح جهود التطعيم سينقذ الأرواح ويخفف المعاناة ويساعد على منع المزيد من التدهور في بلد على وشك الانهيار. إذ يواجه لبنان أزمات متلاحقة. وتسببت أزمته المالية في خسارة الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها في السوق السوداء منذ ديسمبر 2019. وبعد استنزاف احتياطياته من النقد الأجنبي، يكافح لبنان بشكل متزايد لاستيراد الغذاء والوقود والمعدات الزراعية، كما أنه يخفض الدعم على المواد الغذائية الأساسية.

ويرى ماكفري وتودمان أن خطر انعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء البلاد آخذ في الازدياد، حيث يعيش أكثر من 50%من الأسر اللبنانية في فقر. وفي الوقت نفسه، تستضيف البلاد أكبر عدد من اللاجئين في العالم، بما في ذلك أكثر من مليون سوري ومئات الآلاف من الفلسطينيين.

وتسبب انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 الذي يُعزى على نطاق واسع إلى الإهمال الحكومي، في أضرار بلغت قيمتها 4 مليارات دولار، وشرّد عشرات الآلاف.

كما أن الأوضاع الأمنية تتدهور. وقال القائم بأعمال وزير الداخلية في مارس 2021 إن الجيش لم يعد قادرا على أداء 90% من مهامه، قائلا إن الوضع الأمني “انهار، وكل الاحتمالات مفتوحة”.

وتصاعد العنف الطائفي بين اللبنانيين والسوريين في الآونة الأخيرة، وانتشرت الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للحكومة في جميع أنحاء البلاد.

ويرى الباحثان أن نية إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن فيما يتعلق بإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) يمكن أن توّلد المزيد من عدم الاستقرار في لبنان. وقد أدى اغتيال لقمان سليم مؤخرا، وهو من أشد منتقدي “حزب الله” إلى الخوف من أن تلك الحركة قد تزيد من أنشطتها العنيفة لدعم نفوذ إيران في الوقت الذي تبحث فيه إعادة التفاوض على الاتفاق النووي.

وأشارا إلى أن النظام الصحي اللبناني الذي كان قويا، انهار تحت وطأة الانهيار الاقتصادي وكوفيد-19. وفر مئات العاملين في مجال الرعاية الصحية من البلاد في “نزوح جماعي”، غير قادرين على تحمل النقص المزمن في العاملين والإمدادات الطبية الأساسية، والأجور. وألحق انفجار المرفأ في آب/أغسطس 2020 أضرارا بـ 292 منشأة صحية.

ومع تدهور الاقتصاد وتزايد الفقر، أصبحت الرعاية الصحية من جانب القطاع الخاص غير ميسورة التكلفة بالنسبة للكثيرين، مما زاد من الضغط على قطاع الصحة العامة المنهك بالفعل.

والنتيجة هي نظام صحي يعاني من نقص الموارد ونقص العاملين والإرهاق، مما يشكل خطرا ليس فقط على مواجهة كوفيد-19، ولكن أيضا بالنسبة لتوفير الرعاية الصحية الجيدة على نطاق أوسع.

لكن الصورة ليست قاتمة بشكل كامل؛ حيث يقول الباحثان إنه في بلد تتصاعد فيه الأزمة الإنسانية ويضعف فيه نظام الرعاية الصحية، يمكن أن تساعد لقاحات كوفيد-19 في تجنب وقوع المزيد من الكوارث.

وقالا إنه على الرغم من القيود الاقتصادية الشديدة، وقّع لبنان اتفاقات لتأمين 3ر6مليون جرعة من لقاحات كوفيد 19، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الدعم غير المسبوق من المجتمع الدولي.

ومع ذلك، لن تكون صفقات المشتريات المؤكدة في لبنان كافية لتطعيم 80% من سكان البلاد البالغ عددهم 8ر6 مليون نسمة في عام 2021، وهو الهدف المحدد في خطة التطعيم الوطنية، وفقا لما خلص إليه التقرير.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14303

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *