يتزايد الحديث حول الدور الإسرائيلي في الأزمة الحالية بين دول المنبع ودولتي المصب في دول حوض النيل ويذهب البعض للتأكيد علي وجود دور لإسرائيل في هذه الأزمة، وقد قام برصد للوجود الإسرائيلي علي مستوياته المختلفة.

أولاً: مياه النيل في الفكر الاستراتيجي الإسرائيليتعتبر الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل قديمة، وتعود جذورها إلى فكرة تقدم بها مؤسس المشروع الصهيوني تيودور هرتزل عام 1903 إلى الحكومة البريطانية للحصول على جزء من مياه النيل عبر تحويلها إلى صحراء النقب من خلال سيناء، وهو ما أكد عليه ديفيد بن جوريون في عام 1955من أن إسرائيل سوف تضطر مستقبلاً لخوض معارك مياه مع العرب وأنه في ضوء هذه المعارك يتوقف مستقبل ومصير إسرائيل.

هناك أطروحات ودراسات استراتيجية إسرائيلية بخصوص مياه النيل يمكن إيجازها فيما يلي:1- طرح إليشع كالي وهو مهندس إسرائيلي في عام 1974 تخطيطاً لمشروع يقضي بنقل مياه النيل إلي إسرائيل ويتلخص في توسيع ترعة الإسماعيلية لزيادة تدفق المياه فيها، وتنقل هذه المياه عن طريق سحارة أسفل قناة السويس.2- تبني الخبير “الإسرائيلي” شاؤول أولوزوروف النائب السابق لمدير هيئة المياه “الإسرائيلية” تصوراً يستهدف نقل مياه النيل إلى “إسرائيل” عبر شق ست قنوات تحت مياه قناة السويس، وارتكز هـذا المشروع علي نقل 1 مليار م3، لري صحراء النقب منها 150 مليون م3 لقطاع غزة. 3- خلص مشروع “ترعة السلام” إلي أن حصص المياه التي تقررت لبلدان حوض النيل ليست عادلة؛ وذلك لأنها تقررت في وقت سابق على استقلالهم، وأن إسرائيل كفيلة أن تقدم لهذه الدول التقنية التي تملكها من ترويض مجرى النيل.4- أوضح ارنون سوفير الأكاديمي في جامعة حيفا في كتاب له بعنوان “الصراع علي المياه في الشرق الأوسط”، أن لإسرائيل مصالح استراتيجية في حوض النيل، وأن توزيع المياه بين دول الحوض يؤثر مباشرة علي إسرائيل ولذلك فهي تنسق في هذا السياق مع إثيوبيا وسائر دول الحوض من خلال سياسات ومصالح استراتيجية.5- أكد شيمون بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد الذي صدر في مطلع التسعينات إلي أن إسرائيل احتاجت في الحرب إلي السلاح وهي تحتاج في السلم إلى المياه.6- أوضح آفي ديختر- وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق وعضو الكنيست- في محاضرة استراتيجية في 30 أكتوبر 2008 أسباب اهتمام إسرائيل بالوضع في السودان ومنابع النيل والقرن الأفريقي وسعيها لتنفيذ خطة للتدخل في دارفور علي غرار ما فعلته في جنوب السودان جاء فيها أن استهداف السودان ليس لذاته فقط، ولكن لأن السودان يشكل عمقاً استراتيجياً لمصر وهو ما تجسد بعد حرب يونيو 1967 عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات البرية هو وليبيا، كما أرسل السودان قوات إلى منطقة القناة أثناء حرب الاستنزاف التي شنتها مصر منذ عام 1968، وخلص ديختر لضرورة الدخول في علاقات مباشرة وشاملة مع دول المنابع والقرن الأفريقي.7- طالبت وثيقة إسرائيلية أعدها تسيفي مزائيل- سفير إسرائيل الأسبق في مصر- (مركز دراسات وبحوث وزارة الخارجية) ونشرت ملخصها في فبراير 2010 بتدويل النزاع بين دول منابع النيل السبع من جهة، ودولتي المصب: مصر والسودان من جهة أخري، وحملت الوثيقة التصورات الإسرائيلية حول ملكية مصر لمياه النيل وحقوق دول المنابع المهدرة، واتهم مزائيل “مصر بتجاهل المطالب الشرعية لدول المنابع”، وأشار: “بدلاً من قيام مصر بالبحث عن حلول واقعية وعملية سارت نحو حرب غير منطقية، داعياً إلى تدخل الأمم المتحدة والقوي الدولية الكبرى في الأزمة”، وأشار إلى أنه لا يبدو أن مصر ستقوم بإرسال جيشها إلى دول المنابع من أجل تشديد المراقبة علي كافة دول حوض النيل، وإيقافها بالقوة إذا ما تطلب الأمر ذلك. 8- نشرت دورية “سيكور ميموقاد” العبرية المتخصصة في الشؤون السياسية والإستراتيجية دراسة في مايو 2010 أعدها الباحثان ألون ليفين ويوفال بستان ترسم مستقبل العلاقات بين الدول الأفريقية المسلمة وكتلة الدول المسيحية الأفريقية في منطقة القرن الإفريقي ومسعى إسرائيل لتكثيف التواجد في القرن الأفريقي ومنابع النيل في إطار هذه المنظومة وتري الدراسة أن عملية تنظيم التكتل المسيحي في شرق أفريقيا تطرح العديد من الفرص بالنسبة لإسرائيل، منها:الصراع ضد الإرهاب وإغلاق فعّال للحدود سيزيدان في المستقبل من المصاعب أمام تهريب السلاح من أفريقيا إلى قطاع غزة، إضافة إلى إضعاف السودان كدولة داعمة للإرهاب، كما ستضر بمكانة إيران في أفريقيا التي تعززت خلال السنوات الأخيرة.إيجاد دولة جديدة مسيحية في جنوب السودان تمتلك ثروات نفطية تكون منفذاً إلى البحر الأحمر، مما سيهيئ بالنسبة لإسرائيل إمكانية أخرى لحلّ مشكلة النقص في مجال الطاقة.

ثانياً: الأهداف الإسرائيلية في دول حوض النيلتتمثل أهداف التحرك الإسرائيلي في منطقة حوض النيل من خلال جملة من الأهداف الاستراتيجية، تتراوح ما بين أهداف سياسية وأهداف عسكرية أمنية وأهداف اقتصادية ويتمثل ذلك فيما يلي:1- تأكيد الحضور والتأثير الاستراتيجي في دول الحوض واستثمار ذلك لمواجهة الأزمة المائية التي قدر الخبراء الإسرائيليون أن إسرائيل سوف تواجهها بصورة حادة بداية من عام 2030.2- امتلاك أوراق تأثير في دوائر تمس الأمن القومي المصري والسوداني والمساومة فيها في ملفات ثنائية وإقليمية تري إسرائيل أن سياسة مصر داخلها لا تتوافق مع مصالح إسرائيل (إصرار مصر علي مناقشة البرنامج النووي الإسرائيلي).3- الدخول في تحالفات مع دول تسعي الولايات المتحدة لتأكيد مزيد من النفوذ داخلها وهو ما يمنح إسرائيل في النهاية دوراً إضافياً في دوائر الاستراتيجية الأمريكية في تلك المنطقة ويخدم علاقتها الثنائية في النهاية.4- تأمين فرص تجارية واستثمارية لإسرائيل تكفل لها زيادة صادراتها الاقتصادية والعسكرية لتلك الدول وتوفر لها مصادر من السلع الاستراتيجية التي تحتاج إليها الصناعات المدنية والعسكرية الإسرائيلية.5- الاستفادة من زيادة الحضور الإسرائيلي في تلك الدول فيما يتعلق بقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ثالثاً: رد للوجود والحركة الإسرائيلية في دول حوض النيل:تتحرك إسرائيل في منابع النيل في هضبة البحيرات (التي تمثل 15٪ من إيرادات النيل) عبر مجموعة من الخطوط المتكاملة، وتعتمد السياسة الإسرائيلية على استخدام وتوظيف مجموعة متكاملة من الآليات والاتفاقيات والمشروعات (التعاون الزراعي – التجاري – الثقافي) وغيرها من المجالات المختلفة. 

 

Print Friendly, PDF & Email