يندرج موضوع الدور الصيني في النظام الإقليمي لجنـوب آسـيا، ضـمن الدراسـات الإقليميـة (Studies regional (التي تعد من الدراسات الحديثة في العلاقات الدولية، حيث ظهرت في الستينيات و تطورت في السبعينيات. إلا أن جـذورها الأولـى تعود إلى الجدل الذي كان سائدا بـين دعاة الإقليميـة (regionalism( و العالمية (universalism (بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، و إلى مختلف دراسات التكامل (Integration (، و لاسيما الوظيفية الجديدة (Functionalism New (التي تركز على التكامل في المستوى الإقليمي. لكن الدراسات الإقليمية وما تتضمنه من تحليل للنظم الإقليمية عرفت أوج تطورها مع ظهور الدراسة الرائدة للأستاذين “لويس كانتوري” “و ستيفن شبيغل” المعنونة بـ “السياسة الدولية في الأقاليم” (regions in policy International (، و التي أكدت على ضرورة الاهتمام أكثر بتحليل العلاقات الدولية الإقليمية، لأنها من قبل كانت تدرس كجزء من “دراسات المناطق (” studies Area (، دون مقارنـة بعضها بالبعض الآخر، أو التعمق في تحليل تلك العلاقات باعتبارها تشكل تفاعـلات متمـيزة و ذات خصوصيات تختلف عن تفاعلات النظم الدولي ككل.

و جاءت عدة تحولات بعد نهاية الحرب الباردة خاصة بعد ظهور الإقليمية الجديدة (New regionalism (، لتكون سببا في زيادة التركيز على دراسة النظم الإقليمية، و التحليل على مستوى النظام الإقليمي. و الموضوع المتناول في هذه المذكرة يحلل الدور الإقليمي الصيني، وما يرتبط به من دراسة لطبيعة و أهداف و أدوات الدور الذي تلعبه القوة الصينية الصاعدة في محيطها الإقليمي، وبالأخص ضمن الدائرة الإقليمية التي تحوي ما يعرف بالنظام الإقليمي لجنوب آسيا، الذي يتميز بتواجد القوتين النوويتين المتصارعتين الهند و باكستان. و تغطي الدراسة تفاعلات الصين ضمن النظام الإقليمي لجنوب آسيا باعتبارها منطقة حيوية في الإستراتيجية الصينية، و تحتل فيها علاقاتها مع الهند و باكستان مكانة متميزة في أجندة القيادات الصينية المتعاقبة، لاسيما في الفترة الممتدة من 1991 إلى 2006 ،بكل ما انطوت عليه هذه الفترة من تحولات مست النظام الدولي سواء على مستوى هيكل النظام و ما شهده من تحول في توزيع القوى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، و تركه لفراغ استراتيجي و أمني في محيطه الإقليمي الذي كان يمثل مجال نفوذ حيوي و تقليدي له في آسيا الوسطى و أوربا الشرقية، و فسح المجال لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى.

أو على مستوى وحدات النظام الدولي أين تتجلى التحولات التي عرفتها هذه الفترة، في تزايد الدول القومية من حيث العدد بسب التفكك الذي شمل العديد من الدول المكونة من قوميات متعددة، كالاتحاد السوفييتي و يوغسلافيا و تشيكسلوفاكيا، يحدث هذا في الوقت الذي ساد في العديد من الأوساط الأكاديمية الحديث عن تراجـع دور الدولة أمام تزايد الفواعل غير الـدولة من حيث العدد و من حيث مجال النفوذ و التأثير، كالشركات متعددة الجنسيات و المنظمات غير الحكومية و التكتلات الإقليمية، مما جعل ” جيمس روزنو” في كتابه “الأمم المتحدة في عالم مضطرب” ( in nations united The world turbulent (، يتحدث عن الانتقال من “عالم مركزية الدولة” (world centric -State ،(إلى “عالم متعدد المراكز” (world centric- Multi .

( و على مستوى القيم فقد انتهى الصراع الإيديـولوجي، لتحل محله فرضيات دور العوامـل الثقافية و الحضارية في العلاقات الصراعية الجديدة. إلى جانب التحول في مكانة مجموعة من القضايا، بتزايد عوامل الاعتمـاد المتبادل و زيادة أهمية المتغير الاقتصادي، أمام تراجع العامل العسكري بأخذ مفهوم الأمن لأبعاد جديدة تحوي الجوانب الإنسـانية و الثقافية و الاقتصادية، و أخذ القضايا المتعـلقة بحقوق الإنسان، و التحول الديمقراطي ، و البيئة، و التنمية المستدامة، و الجريمة المنظمة، و الإرهاب، وغيرها لاهتمام بالغ، في ظل التوجه نحو إعطاء هذه القضايا بعدا عالميا نظرا لأهميتها، و حاجتها لجهود عالمية مشتركة للتعامل معها.

هذه المعطيات تمثل واقع البيئـة الدولية المتغيرة، التي يتفاعل ضمنها النظام الإقليمي لجنوب آسيا، و ما ينجر عنها من تأثير على إعادة تشكيل و تعريف القوى و الأدوار، و إعادة توجيه مسار العلاقات الدولية الإقليمية في جنوب آسيا، بما في ذلك أهداف و توجهات الدور الإقليمي الصيني هناك . * أهميـة المـوضوع و أسـباب اخـتياره: تنبع أهمية دراسة الدور الصيني في النظام الإقليمي لجنوب آسيا، من المكانة المتعاظمة للصـين في العلاقات الدولية، التي يرشحها المختصـون لاحتلال مركـز مؤثر على المستوييـن الإقليمي و الدولي، و باعتبار هذه الدراسة تهتم بالمكانة الإقليمية للصين، فإنها تتمحور حول تحليل الدور الإقليمي الصيني بكل ما يرتبط به من مقومات و أهداف و تصورات و إدراك القادة الصينيين لنوعية الدور الذي يمكن أن تضطلع به بلادهم، و نظرا لاتساع العلاقات الإقليمية الصينية لتضم دوائر إقليمية متعددة، كشرق آسيا و جنوب شرق آسيا و آسيا الوسطى، فقد اخترنا النظام الإقليمي لجنوب آسيا لنرصد من خلاله مختلف أبعاد الدور الإقليمـي الصيني هناك، من حيث أهمية و تأثيره و مدى ارتباطه بتحقيق الأ اهد ف الحيوية المرتبطة بالمصلحة القومية الصينية، من حيث الحفاظ على وحدة و سلامة الأراضي الصينية، و تحقيق الرفاهية الاقتصادية، و تعزيز مكانة الصين إقليميا و دوليا.

كما تأخذ الدراسة أهميتها من الأهمية الاستراتيجية التي يحظى بها النظام الإقليمي لجنوب آسيا ، الذي يضم ثلاث قوى نووية متجاورة و هي الصين و الهند و باكستان، و لكل من هذه القوى رغبة في لعب أدوار إقليمـية مؤثرة، كما أن لها مصالح متضـاربة و تاريخ صراعي طويل خاصـة بين الهنـد و باكستان من جهة من خلال الحـروب التي خاضتها الدولتان منذ استقلالهـما في 1947 ، و 1965 و 1971 ،إضـافة إلى الأزمات التي تظهر على فترات متفرقة كأزمة “كارجل” 1999 ، و أزمة ماي 2002 ،و العلاقات النزاعية بين الهند و الصين من جهة أخرى، بعد حرب 1962 و النزاعات الحدودية بينهما، و أزمة إقليم “التبت” الذي يطالب بالانفصال بدعم من الهند، ناهيك عما يتميز به هذا النظام الإقليمي من موقع استراتيجي جعله منطقة حيوية لمصالح القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية و روسيا، فالإقليم يربط بين غرب و وسط آسيا من ناحية و جنوب شرق آسيا من ناحية أخرى، و كونه ملتقى لثلاث حضارات إنسانية كبرى هي الكنفوشيوسية و الهندية و الإسلامية، ويتوفر على فرص استثماريـة هائلة تستقطبها السوق الاستهلاكيـة الواسعة ، بسبب الكثافة السكانية الهائلة، و اليد العاملة الرخيصـة و المؤهلة، و مرونة التشريعات القانونية و تشجيعها على جلب الاستثمارات.

أما الأهمية العلمية و الأكاديمية للدراسة فتتمثل في اعتمادها على مقاربات تحليلية تعتمد على نظرية الدور (theory Role ،(و توظيفها في تحليل الدور الإقليمي الصيني، و اعتماد الدراسة كذلك على التحليل على المستوى الإقليمي كمستوى تحليل وسطي يمكننا من الكشف عن مميزات العمليات السياسية الإقليمية في النظام الإقليمي لجنوب آسيا، و حركية التفاعلات، و دور نظام التغلغل في توجيه تلك التفاعلات، و مدى التواصل و الانقطاع بين تفاعلات النظام الإقليمي و تفاعلات النظام الدولي، و تأثير هذه العمليات على الدور الإقليمي الصيني في جنوب آسيا.

تحميل الكتاب

Print Friendly, PDF & Email