الدولة الريعية واشكالية الأمن: دراسة حالة الجزائر

لطالما كان تعريف الدول الريعية في السياق العربي يستند إلى مزيجها الفريد من السخاء الاقتصادي و الشح السياسي، على الأقل منذ الصدمة البترولية لعام 1973 التي حولت هيكليًا هذه الدول. ولا تحيد الجزائر عن هذا المنطق باعتبارها دولة ريعية بامتياز؛ فعلى غرار الكثير من دول الجنوب، شكلت اللحظة الريعية في الجزائر منعرجًا حاسمًا في صنـاعة الحاضـر بجمـيع فضاءاتـه الاقتصـادية، والسيـاسية والأمـنية، باعتبار الريع النفطي إحدى أهم ركائز مشروع الدولة-الوطنية و بالتالي أحد أهم المتغيرات لفهم العـلاقة بين السلـطة، المجتـمع و السوق. تتناول هذه الدراسة دور الطابع الربيعي للدولة الجزائرية في توليد ديناميكيات أمنية العنيفة وهجينة كالعنف السياسي و الفساد و التخلف التنموي، عند تلاق حهمع بنى مؤسساتية تسلطية هشة و تعاني من أزمات بنيوية غير محسومة كأزمة الشرعية، وهذه الهجانة تخلق بدورها صعوبات في ضبط موضوع الأمن خاصة إذا عُولج من زاوية ضيقة لا تُراعي التفاعل بين كل هذه المتغيرات كما ترمي الدراسة إلى فحص مدى تأثير هذه العلاقة على صناعة التصورات الأمنية القاصرة للنخب الحاكمة في الجزائر، التي تبقى حبيسة عقد اجتماعي يُعلي من شأن أمن النظام على حساب الأمن الإنساني الذي يعد أشمل في مضامينه و أبعاده. وتحاول أيضًا تجسير الهوة المعرفية بين البردايم الريعي ومقاربة الأمن الإنساني من خلال دراسـة الحالة الجزائرية، التي تبقى حالة براديغماتية من حيث الهجانة الأمنية، بالإضافة إلى السعي لإبراز دور متغير الريع ليس كمفردة تنتمي إلى الاقتصاد السياسي فقط و إنما أيضَا إلى علم السياسية بتفرعاته ، ودوره في التأثير على أداء الدولة الجزائرية لوظائفها من حيث ضمان الأمن، التمثيل السياسي و الرفاه الاقتصادي. من جهــة أخرى، يبدو وضع العلاقة بين متغيري الدولة الريعية والأمن الإنساني في سياق العولمة أمرًا ملحًا، بسبب ارتباط الدول الريعية بتأثيرات خارجية المنشأ ذات بعد استراتيجي و هيكلي، وهشاشة مقاومتها في الحالة العربية عمومًا لهذه التأثيرات.