تطرح الأزمة الليبية تحديًا كبيرًا على الدول المغاربية حيث أصبح لزامًا عليها إعادة النظر في علاقاتها الثنائية، وتجاوز خلافاتها البينية، وتعيد النظر في علاقتها بالدول المتدخلة في ليبيا التي لا تعير أهمية لمواقفها، لاسيما أن موازين القوى في غير صالحها في هذا الأزمة.

تزداد الأزمة الليبية(1) تعقيدًا مع تنامي التدخلات الأجنبية التي أصبحت، بعد ما يقارب عقدًا، عقبة في حد ذاتها أمام أية تسوية سلمية بين الفرقاء الليبيين الذين فقدوا المبادرة لارتباطاتهم القوية مع أطراف خارجية. وهذا ما جعلهم يخوضون حربًا بالنيابة على حساب وطنهم الممزق أشلاءً. لقد انخرطوا في لعبة سياسية، ذات أبعاد إقليمية ودولية، تتجاوزهم تمامًا وصار فيها الداعم حَكَمًا وعاملًا مستقلًّا بينما المدعوم خاضعًا وعاملًا تابعًا. فمثلًا لا يمكن لمعسكر خليفة حفتر أن يتخذ أي قرار استراتيجي بدون الضوء الأخضر (والدعم) من الإمارات ومصر. والشيء نفسه يقال عن حكومة الوفاق مع تركيا، منذ فترة وجيزة. إنه منطق الحروب بالنيابة ونمط علاقتها (المتبوع والتابع).

ميدانيًّا، شهد مسار الأزمة مؤخرًا تطوراتٍ نوعيةً مع دخول تركيا على الخط بدعمها المباشر لحكومة الوفاق الوطني مغيرةً موازين القوى لصالح هذه الأخيرة على حساب كتائب المشير المتقاعد حفتر لتكتمل الحلقة المعقدة للأزمة الليبية. فحكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا تلقى دعمًا سياسيًّا من الكثير من الدول لكن ذلك لا ينفع ميدانيًّا ما دامت تفتقر إلى الدعم العسكري، على عكس خصمها حفتر الذي يتمتع بالدعم السياسي والعسكري من قبل عدة دول. جاء التدخل التركي ليصحح هذا الاختلال وليفرض مشهدًا جديدًا. فأين هي الدول المغاربية، وتحديدًا تونس والجزائر والمغرب، من هذه اللعبة المعقدة علمًا بأنها ليست ضمن فئة “المتبوع” بحكم ضعف ثقلها في الأزمة الليبية واستناد مواقفها إلى مبادئ تقوم على الوقوف على المسافة نفسها من الأطراف الليبية المتناحرة ورفض التدخل الأجنبي؟ فرضيتنا هنا هي أن هذه الدول الثلاث معنية أكثر من غيرها بالأزمة الليبية، بحكم الجوار الجغرافي، لكنها الأقل تأثيرًا فيها، فهي لا في العير ولا في النفير.

طغيان التنافس رغم التوافق في التصورات

لا تزال انقسامات المغاربة خاصية بنيوية لعلاقاتهم البينية بشأن الأزمة الليبية التي يظل فيها الدور المغاربي المؤثِّر غائبًا، لتبقى الدول المغاربية، كما في 2011 “متفرقة أينما ولَّت وجهها”(2)؛ حيث انعكست “العقدة الجيوستراتيجية” للعلاقات بين المغرب والجزائر(3) سلبًا على الأزمة الليبية التي تحولت بمجرد انفجارها إلى مصدر خلاف إضافي بين البلدين ومسرحًا للتنافس بينهما. ويعد تعميق الهوة بينهما “أحدَ أبرزِ التداعيات الاستراتيجية للأزمة الليبية”(4). لم يتغير المشهد منذ تلك الفترة، فالدينامية السياسية هي نفسها؛ فمثلًا يرى البعض في المغرب يدًا جزائرية وراء عدم دعوة بلادهم إلى المشاركة في مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، مطلع العام الجاري(5). وكأن الجزائر العائدة للتو للساحة الليبية(6) لها ما يكفي من النفوذ لإقصاء المغرب من مؤتمر تنظمه ألمانيا، علمًا بأنه سبق وأن أُقصيت هي أيضًا والدول المغاربية الأخرى من مؤتمر حول ليبيا نظمته فرنسا، عام 2016. الاستثناء الوحيد في الانقسامات المغاربية البينية هو التوافق في المواقف الجزائرية-التونسية حيال الأزمة الليبية.

المثير للانتباه أن الدول المغاربية الأكثر انخراطًا في التحركات السياسية بشأن التسوية، أي تونس والجزائر والمغرب، تتفق وتقول بالمبادئ نفسها: التسوية السلمية وليس العسكرية، والحوار الشامل لكل الأطراف الليبية؛ وحل ليبي-ليبي وليس تسوية مفروضة من الخارج؛ ورفض التدخل الأجنبي. لكن هذه الأرضية المشتركة لم تمكِّن حتى من الشروع في نقاش حول تنسيق جماعي لترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع. صحيح أن هناك توافقًا استراتيجيًّا وتعاونًا بين الجزائر وتونس بشأن الأزمة الليبية، لكنَّ التنافسَ هو السائدُ في العلاقة بين الجزائر والمغرب. فهما يسعيان للهدف ذاته لكنهما يتنافسان، وهو ما يقود في النهاية إلى تحييد متبادل لجهودهما رغم تكاملها.

“فتن” المؤتمرات الدولية تعمِّق الشرخ المغاربي

تكاد الخلافات بشأن قائمة الدول المدعوة/الواجب دعوتها لحضور هذه المؤتمرات ترقى وربما تطغى على الخلافات حول الأزمة الليبية نفسها. وما دامت الجوانب التنظيمية على هذا النحو من الأهمية والجدال فلا يمكن أن ننتظر نتيجة تذكر من هذه المؤتمرات، فضلًا عن ذلك تعبِّر هذه الأخيرة عن التنافس السياسي الحاد بين مختلف الأطراف وعن حرب المبادرات/المؤتمرات التي تزدادا عددًا فيما تزداد الأزمة تعقيدًا. ففي 2016، نظَّمت فرنسا مؤتمرًا حول الأزمة الليبية دعت إليه دولًا تمثل المعسكرين (الدول المساندة لحفتر وتلك المساندة لحكومة الوفاق)، فيما أقصت الجزائر التي عبَّرت حينها عن امتعاضها وانتقادها لتعدد المسارات، كما أقصيت الدول المغاربية الأخرى.

يبدو أن وهن المواقف المغاربية في الملف الليبي يعود أيضًا إلى التزامها الحياد الإيجابي؛ بما أن منظمي المؤتمرات الدولية يسعون عمومًا إلى تقريب وجهات النظر بين المعسكرين الخارجيين ليضغطا على “زبائنهما” الليبيين، فالموقف الحيادي للدول المغاربية جعلها عمليًّا خارج المعادلة السياسية؛ فهي لا تدعم الفصائل الليبية، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي لا تملك أوراق ضغط عليها.

آخر فتنة في سلسلة فتن المؤتمرات كانت بشأن مؤتمر برلين المنعقد في يناير/كانون الثاني 2020، الذي حضرته الجزائر وغاب عنه المغرب، الذي لم يتلق الدعوة فيما رفضت تونس المشاركة فيه لأنها تلقتها متأخرة. أثار هذا حفيظة المغرب وتونس اللذين انتقدا إقصاءهما من المؤتمر رغم دورهما في الأزمة الليبية وجوارهما الجغرافي خصوصًا بالنسبة لتونس. ربما أهم درس نستخلصه من هذا الجدل هو أن الدول المغاربية متفرقةٌ حتى لو كانت تصوراتها متطابقة، وعاجزةٌ حتى عن الحد الأدنى من التضامن البيني فلم تتفق على موقف واحد من مؤتمر باريس (2016) ولا من مؤتمر برلين (2020) ولا غيرها؛ فبالرغم من تنسيقها الوثيق مع تونس حول الأزمة الليبية لم تشترط الجزائر حضور تونس المؤتمر. هكذا تطغى الدبلوماسية الفردية على العمل الجماعي والنتيجة في النهاية هي تهميش الدول المغاربية كلها وإضعاف موقفها. ثم كيف بها أن تعيب على الآخرين تنظيمهم مؤتمرات يختارون المشاركين فيها فيما عجزت هي عن تنظيم مؤتمر مغاربي واحد حول الأزمة الليبية. فهي التي خلقت الظروف الملائمة لتهميشها من قبل الدول المتدخلة في ليبيا وعليها أن تتحمل المسؤولية التاريخية في عدم صون الأمن الإقليمي المغاربي وفي ترك المنطقة المغاربية ساحة لعبث الكبار والصغار من الأطراف الدولية والإقليمية. إن أرادت أن تكون لها كلمة وثقل في الأزمة الليبية، فعليها أولًا أن تعيد النظر في علاقاتها البينية على الأقل فيما يخص هذه الأزمة -وفقًا لقاعدة نتعاون فيما اتفقنا عليه ولنترك ما اختلفنا عليه- وأن تتخذ مواقف حازمة من الدول المتدخلة في ليبيا، علمًا بأن معظمها متورط في بؤر توتر أخرى (سوريا واليمن) ما يعني أن هذه الدول صارت عاملًا مزعزعًا لاستقرار المنطقة المغاربية ويجب التعامل معها على أنها قوى مهددة للأمن الإقليمي. بيد أن الدول المغاربية تبقى متمسكة بمصالحها القومية الأنانية ومكبلة الأيدي بسبب تحالفاتها/خياراتها الخارجية، لذا فليس لها إلا أن تلوم نفسها، وعليها أن تعلم أن المشكلة ليست في قوة الآخرين وإنما في انكشافها ووهنها هي.

الدول المغاربية مكبلة الأيدي

يمكن تفسير وهن الدول المغاربية الثلاثة في مواقفها إزاء الأزمة الليبية بأربعة عوامل أساسية:

  • الاعتبارات والظروف المحلية الخاصة بكل بلد، والتي لا يمكن الخوض فيها هنا.
  •  التنافس التقليدي الجزائري-المغربي الذي وجد في الإطار الإقليمي لما بعد الانتفاضات الديمقراطية العربية قضايا تنافسية جديدة(8)؛ إذ حدث تفاعل بين العوامل البنيوية والطارئة حوَّل الأزمة الليبية إلى مسرح للتنافس بدل ميدان للتعاون خدمة للمصالح القومية للبلدين وللأمن المغاربي عمومًا.
  • المفارقة في المواقف المغاربية وتحديدًا المغربية والجزائرية، فبالرغم من تطابق تصورات البلدين لتسوية الأزمة الليبية وتكامل جهودهما السلمية (تسوية الأزمة الليبية سياسيًّا على أساس حوار شامل لا يُقصَى فيه أحد ووفقًا للشرعية الدولية) فإن ذلك لم يَقُدْ لتنسيق مشترك، بل لتعارض وتضارب لا يزالان يطبعان موقفهما(9).
  • أهمية التحالفات أو على الأقل الارتباطات السياسية والاستراتيجية وهو ما يشير إلى الثقل المهمل للأزمة الليبية في الحسابات الاستراتيجية للدول المغاربية.

فهل المغرب والجزائر وتونس على استعداد للتضحية بنوعية علاقاتهم مع فرنسا لأجل ليبيا، عِلْمًا بأن فرنسا بوابتهم نحو الاتحاد الأوروبي؟ هل الجزائر مستعدة للإخلال بعلاقتها الاستراتيجية (اعتمادها شبه الكلي على الأسلحة الروسية) في سبيل ليبيا؟ وهل هي مستعدة للإخلال بعلاقتها مع مصر من جهة والإمارات من جهة ثانية من أجل ليبيا؟ وهل هي مستعدة للإخلال بعلاقتها (السياسية والاقتصادية) مع تركيا خاصة أن هذه الأخيرة حققت عمليًّا ما تعتبره الجزائر خطًّا أحمر؛ حيث سمح الدعم التركي لحكومة الوفاق ليس فقط بحماية العاصمة بل باسترجاع زمام المبادرة العسكرية؟ هل المغرب مستعد للإخلال بعلاقته الاستراتيجية (سياسة واقتصاد وتسلح) مع فرنسا من أجل ليبيا؟ والتساؤل ذاته بخصوص علاقته مع مصر والإمارات (اللتين تُعدان إحدى العقبات الأساسية أمام تنفيذ اتفاق الصخيرات الذي رعاه)؟ وهل بمقدور تونس الإخلال بعلاقتها الاستراتيجية مع فرنسا من أجل ليبيا؟

إن المشهد في غاية التعقيد والدول المغاربية مكبلة الأيدي بسبب تفضيلاتها الاستراتيجية ومصالحها القومية، ما يعني أن خطابها حول أهمية (تسوية) الأزمة الليبية بالنسبة لأمنها القومي لا يُترجم عمليًّا إلى إجراءات فعلية لأن هذه الأزمة ليست أولوية استراتيجية إلى درجة تجعلها تعيد صوغ علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية، المتدخلة في ليبيا، حتى وإن كانت مخاطر تقسيم ليبيا هاجسها الأمني الأكبر.

الجزائر: اهتمام متجدد وأداء محدود

تعد الجزائر من أكثر الدول انخراطًا في عملية التسوية السياسية لهذه الأزمة إلاَّ أن إنجازاتها محدودةٌ للغاية، لاسيما أن خيار الحسم العسكري يجهض كل محاولات التسوية السلمية نظرًا للدعم الإقليمي والدولي لمعسكر شرق ليبيا الأقوى عسكريًّا، قبل أن يقلب ولوج تركيا ساحة الميدان الموازين ويعيد الاعتبار عسكريًّا لمعسكر غرب ليبيا. لكنَّ ضعفَ النفوذ الجزائري في ليبيا لا يعود فقط لأفعال الآخرين وإنما أيضًا إلى أمور تخص الجزائر تحديدًا. فلم تنجح دبلوماسيتها في كبح جماح التدخل المصري من خلال الآلية التعاونية الثلاثية (الجزائر وتونس ومصر). وربما يعد عدم التأثير على موقف مصر أكبرَ فشل للدبلوماسية بالجزائرية في الأزمة الليبية. كما أنها لم تفلح في إقناع الأطراف الأخرى، الإقليمية والدولية، بصواب رؤيتها، رغم أنها الدولة الأكثر ذودًا عن الحدود الليبية غربًا بالنظر للتعداد الهائل للقوات التي نشرتها لحماية الحدود المشتركة. ويعد رفض أطراف ليبية وإقليمية ودولية تعيين رمطان لعمامرة، وزيرها للخارجية السابق، مبعوثًا للأمم المتحدة في ليبيا، دلالة أخرى على ضعف نفوذ الجزائر في الأزمة الليبية.

فضلًا عن ذلك، هناك عامل داخلي حساس كانت انعكاساته كبيرة على أداء الدبلوماسية الجزائرية، وهو مرض الرئيس السابق ثم الحراك الذي أدى إلى استقالته. فمرض عبد العزيز بوتفليقة جعل الدبلوماسية الجزائرية، المعروفة بنشاطها، تعيش حالة محتضرة؛ حيث أطنبت في التريث فكان أن طَبَعَها الجمود، لأنها بقيت تترقب ما قد يصدر من رئاسة الجمهورية من أوامر، ما جعلها متأخرة في كل شيء ولا تأثير لها على مجريات الأمور. إلا أن تريثها التقليدي سرعان ما حل محله نوع من التسرع الذي تجسد في تصريح رئيسها الجديد، عبد المجيد تبون: “طرابلس خط أحمر نرجو ألا يتجاوزه أحد”(10). إنها أول مرة تتخلى فيها السلطات الجزائرية عن حذرها الدبلوماسي، وتتبنى نبرة حادة وتهديدية. لكن في العبارة تناقض؛ فمن جهة تتحدث عن خط أحمر، ومن جهة ثانية تستخدم الفعل “نرجو”، والرجاء ليس مفردة مناسبة للتحذير والوعيد. فهل المقصود منه التخفيف من حدة الشق الأول من الجملة، أم إقرار بأن ليس أمام الجزائر خيارات لتنفيذ وعيدها على الأقل لأنها تستبعد تمامًا التدخل خارج حدودها(11). حسبنا أن الرسالة موجهة بالأساس إلى مصر الراعية السياسية والعسكرية لحفتر، لأن هذا الأخير لا يتحرك دون ضوء أخضر/تشاور مسبق معها.

إن الحديث عن خط أحمر دون توافر الوسائل والقدرة والعزيمة السياسية على استخدامها لفرض عدم تجاوزه أو لمعاقبة من تجازوه يمس، في واقع الحال، بمصداقية من يقول به. ومن هذه الزاوية، فإن تصريح السلطات الجزائرية فيه الكثير من التسرع وقليل من الاتزان، ثم إن قوة موقف الجزائر -بغضِّ النظر عن ضعف نفوذها عمليًّا- تأتي من كونها تقول دائمًا بعدم التدخل الأجنبي في ليبيا، ولم تتدخل قطُّ في شؤونها على غرار تونس والمغرب، فموقفها متسق ومنسجم، بينما كل الدول الداعية لعدم التدخل الأجنبي (مصر، وفرنسا، وغيرهما) تتدخل، بشكل أو بآخر، في الأزمة الليبية. ثم إن هذا الوعيد قد يُفهم منه أيضًا أن الجزائر تضع حدًّا لحيادها بدفاعها صراحة عن حكومة الوفاق. هذا التحليل قد يكون صحيحًا، لكن التصريح الأخير للرئيس الجزائري يشير إلى عكس ذلك. حيث أكد في حواره، يوم 4 يوليو/تموز 2020، مع قناة فرانس 24 (النسخة الفرنسية) أن حكومة الوفاق الليبية “تجاوزها الزمن”؛ ما يعني أن الوعيد يخص ضرورة إبقاء قوات حفتر بعيدًا عن طرابلس بغضِّ النظر عن السلطة الموجودة في العاصمة الليبية. المثير للانتباه أنها المرة الثانية في ظرف زمني قصير جدًّا التي ينتقد فيها رئيس مغاربي حكومة الوفاق الليبية، بعدما تحدث الرئيس التونسي، قيس سعيد، خلال زيارته لباريس، عن “شرعية مؤقتة لحكومة الوفاق”(12).

توافق مغاربي على رفض المبادرة المصرية

أعلن السيسي، مطلع شهر يونيو/حزيران 2020، عن مبادرة مصرية لتسوية الأزمة الليبية من بنودها: إعلان دستوري؛ وتفكيك الميليشيات؛ وإعلان وقف إطلاق النار؛ وتشكيل قيادة موحدة منتخبة؛ وانسحاب كل الوحدات العسكرية الأجنبية من الأراضي الليبية… المثير أن مصر الداعمة للمعسكر الشرقي والتي طالما أجهضت، من خلال موقفها هذا، كل مبادرات التسوية تعلن عن هذه المبادرة في مؤتمر صحفي بالقاهرة للسيسي وحفتر؛ وهذا دلالة على أنها جاءت لإنقاذ هذا الأخير بعد تراجع قواته ميدانيًّا لصالح قوات حكومة الوفاق، التي بسطت سيطرتها مجددًا على الجزء الأكبر من شمال غرب البلاد، بدعم من تركيا؛ ومن ثم فحظوظ نجاح هذه المبادرة ضئيلة جدًّا. فمجرد النظر في المواقف الإقليمية والدولية يكفي لترجيح فشل المبادرة المصرية؛ فالإمارات والسعودية وروسيا وفرنسا وأميركا سارعت إلى تأييدها، بينما رفضتها تركيا وقطر، كما تجاهلتها ورفضتها الدول المغاربية الثلاثة (تونس والجزائر والمغرب)، كما لقيت رفض حكومة الوفاق الليبية، وإن كانت الكلمة الفصل تعود لرفض تركيا كونها هي من قلب الموازين ميدانيًّا وأجبر مصر، الرافضة أصلًا لتسوية سلمية لا تتوافق وخريطة الحسم العسكري لصالح حليفها، على إطلاق مبادرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. موقف مصر المضطرب، مبادرة سياسية ثم تهديد بالتدخل، هو في واقع الحال موقف دفاعي أكثر منه هجومي، فالغرض منه إنقاذ ما يمكن إنقاذه وليس إيصال قوات حفتر إلى مشارف طرابلس من جديد.

ربما العبارة الأنسب لوصف موقف الدول المغاربية حيال المبادرة المصرية لتسوية الأزمة الليبية هي: مَنْ أجهض الجهود السلمية فاقد الأهلية لبعث السلام من جديد. رفضت الدول المغاربية الثلاثة المبادرة المصرية، صراحة في حالة المغرب وضمنًا في حالتي الجزائر وتونس(13). فالمغرب رفض أي اتفاق جديد بشأن الأزمة الليبية، معتبرًا، على لسان وزيره للشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، أن اتفاق الصخيرات هو “المرجعية لأي حل في ليبيا”(14). فيما أعلنت تونس، على لسان وزيرها للشؤون الخارجية، تمسكها بالشرعية الدولية وبقرارات الأمم المتحدة كسبيل وحيدة لتسوية الأزمة الليبية، مجددة دعمها لحكومة الوفاق(15)؛ أما الجزائر فرفضتها ضمنيًّا مؤكدة، في بيان لوزارة الشؤون الخارجية، على موقفها “القائم على الوقوف على مسافة واحدة من الأشقاء الليبيين” وعلى “الجهود التي بذلتها (…) من أجل التوصل إلى تسوية سياسية (…) وحل سياسي شامل وفقًا للشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن وفي إطار احترام إرادة الشعب الليبي الشقيق”(16). من الواضح أن هذا البيان يرفض مبادرة مصر وينتقد موقفها بمجرد التذكير بالمبادئ التي يستند إليها موقف الجزائر. فالتذكير بجهودها ووساطتها في الأزمة الليبية تعبير عن عدم رضاها عن مبادرة جديدة خاصة أنها تأتي من بلد منحاز لطرف معين ولطالما عرقل، إن لم نقل: أجهض، مساعيها السلمية. ويبدو أن الجزائر تعيب على مصر انتهاكها لالتزامات مؤتمر برلين؛ وهذا ما يُفهم من كلام الرئيس الجزائري، الذي صرَّح في حواره مع قناة فرانس 24 التليفزيونية بأن بلاده لم تطرح أية مبادرة جديدة لأنه التزمت خلال مؤتمر برلين، على غرار الدول المشاركة الأخرى، عدم إطلاق “أي مبادرة فردية تجنبًا للتطفل على [مخرجات] مؤتمر برلين”. لكن التشديد على الشرعية الدولية يعني أن الجزائر وتونس ترفضان أي حل يُفرَض بالقوة سواء لصالح حفتر بدعم مصري وحلفائها أو لصالح حكومة الوفاق بدعم تركي.

تؤسس الدول المغاربية الرافضة للمبادرة المصرية موقفها على أساس مرجعية مشتركة ثلاثية الأبعاد: الوقوف على المسافة ذاتها من كل الفرقاء وضرورة التمسك بالشرعية الدولية؛ ورفض مبادرة مصرية تتجاهل كل جهودها ومبادراتها السابقة، خاصة أن مصر عرقلت هذه المبادرات وأجهضتها، بشكل أو بآخر. فمنذ سنوات خلت تعمل هذه الدول على إيجاد تسوية سلمية يتفق عليها مجمل الفرقاء الليبيين، بينما تساند مصر والإمارات حفتر بشكل مباشر وتحثَّانه على الاحتكام للقوة العسكرية لحسم الصراع لصالحه ووفقًا لشروطه؛ ما أجهض كل المفاوضات السياسية التي رعتها الجزائر والمغرب. ولا جدال في أن تونس والجزائر قد عيل صبرهما من موقف مصر، التي تقول، في إطار الثلاثية (تونس والجزائر ومصر) بالحل السلمي لكنها عمليًّا تدعم وتسلِّح حفتر بمعيَّة الإمارات وتحمِّلانها مسؤولية فشل المبادرة الثلاثية لتسوية الأزمة الليبية، المعروفة بإعلان تونس(17)، التي أطلقتها كل من تونس والجزائر ومصر، في يونيو/حزيران 2018(18). لكن هذه المرجعية المغاربية المشتركة تحجب الرؤية، في واقع الحال، عن مرجعيات متنافسة: تونس تذكِّر بمبادرة السلام التي أطلقها الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، والجزائر تذكِّر بمساعيها ووساطتها وبالمسار التفاوضي، بين الأشقاء الليبيين، الذي رعته وتريد إحياءه، والمغرب يصر على اتفاق الصخيرات. بالنسبة لدول مثل الجزائر وإيطاليا، هناك مرجعية حديثة وهي مخرجات مؤتمر برلين (الهدنة، وحظر تصدير الأسلحة للفصائل الليبية المتحاربة؛ واستئناف العملية السياسية؛ ودعوة الأمم المتحدة لفرض عقوبات في حق كل من لا يلتزم بهذه المبادئ). لكن هذه المرجعية لا يبدو أنها تلقى الاهتمام نفسه من قبل دول أوروبية، مثل: ألمانيا وفرنسا، التي رحبت بالمبادرة المصرية بالرغم من الالتزام الجماعي، بموجب مؤتمر برلين، بعدم إطلاق مبادرات فردية.

بلغت تناقضات الأزمة الليبية مستويات غير معهودة، فدول تتدخل في الشأن الليبي مساندة حفتر، على غرار مصر وفرنسا، تدين التدخل! فمصر السيسي التي ضربت قرارات الأمم المتحدة الخاصة بليبيا عرض الحائط، بدعمها السياسي والعسكري لحفتر، تتحدث الآن عن الشرعية الدولية وتدعو في مبادرتها إلى إخلاء ليبيا “من المرتزقة الأجانب”. بينما تقول لجنة من خبراء بالأمم المتحدة: إن الإمارات العربية زوَّدت حفتر بأسلحة ومرتزقة، ومن المستبعد أن يكون ذلك قد تم بدون موافقة ودعم مصر. وتشير مختلف التقارير إلى وجود مرتزقة من مختلف الجنسيات في صفوف قوات حفتر فضلًا عن مرتزقة روس(19). كما تُتهم تركيا أيضًا بإرسال مرتزقة إلى ليبيا(20).

ما الذي دفع بلدًا اختار منذ البداية الحسم العسكري لإطلاق مبادرة سلام؟ هناك ثلاثة دوافع أساسية:

  1. محاولة وقف تقهقر قوات حفتر أمام قوات حكومة الوفاق.
  2. ربما سعي مصر لإنهاء تورطها العسكري غير المباشر لأنه يثقل كاهلها سياسيًّا وماديًّا.
  3. وعلى الدافع الثاني، ربما تريد أن تتخذ من هذه المبادرة ذريعة لتتدخل عسكريًّا بشكل مباشر لإنقاذ حليفها بذريعة رفض عرضها للسلام.

وقد يكون هذا التكتيك هو الأقرب إلى الواقع؛ لكونه جاء منذ حوالي أسبوعين كانا قد فصلاَ بين طرح مصر مبادرتها السلمية لتسوية الأزمة وتهديدها بالتدخل العسكري المباشر. وإن كان هذا التهديد مجرد محاولة ضغط على أطراف تساند حكومة الوفاق، وتحديدًا تركيا، لأنه بالنسبة لمصر صارت موازين الربح والخسارة تميل بقوة لصالح التدخل غير المباشر الذي تعمل به منذ سنوات. ومهما كان، فإن موقف مصر المضطرب قدَّم مبادرة سياسية ثم تهديدًا بالتدخل في فترة وجيزة، وهو في واقع الحال موقف دفاعي أكثر منه هجومي، فالغرض منه إنقاذ ما يمكن إنقاذه وليس إيصال قوات حفتر إلى مشارف طرابلس من جديد.

ما العمل؟

بإمكان الدول المغاربية أن تتفق على خطة سلام في ليبيا مقترِحة مثلًا تحسين بعض بنود اتفاق الصخيرات التي تنتقدها الأطراف الليبية بإشراكها في عملية المراجعة هذه، ومتفادية بذلك مسارات فردية متنافسة. ومراعاة لحساسية علاقاتها، يمكن أن تكون المفاوضات على شكل جولاتٍ تُنظم كل واحدة منها في عاصمة مغاربية، على أن تُشكَّل لجنة مغاربية رباعية تونسية-جزائرية-مغربية-موريتانية عليا لمتابعتها. وأن تعمل جديًّا على تنفيذها، وعلى أن تتفق مسبقًا -وعلى أساس قناعة سياسية راسخة- على مبدأين: أمن ليبيا الموحدة من أمن الدول المغاربية القومي وما لذلك من تبعات؛ والتهديد وتنفيذ التهديد -إن اقتضى الأمر- بمراجعة مستوى علاقاتها مع الدول التي لا تحترم مبدأ عدم التدخل وحظر الأسلحة الذي أقرته الأمم المتحدة. لاسيما أن لها هامشَ مناورة بما أنه باستثناء فرنسا لا توجد قوة كبرى منخرطة في الأزمة الليبية لصالح الطرف الذي طالما تمسك بخيار الحسم العسكري.

على الدول المغاربية أن تدع خلافاتها جانبًا وتنسق فيما بينها لأن الأمن الإقليمي المغاربي وسمعتها كدول على المحك. عليها أن تعيد النظر في علاقاتها، حسب قدراتها المتاحة، مع الدول المتدخلة في ليبيا. فلا يعقل الإشادة بعلاقات أخوية مع دول عربية وبعلاقات جيدة بل واستراتيجية مع دول غير عربية تتدخل جميعها في ليبيا مخلَّة بالمصالح الأمنية المغاربية. إن الإشادة بهذه العلاقات يعني أن الدول المغاربية لا تقر بالارتباط الوثيق بين أمنها القومي الخاص والأمن الإقليمي المغاربي. عليها أن تضع حدًّا لتناقض موقفها: بأن تقيم علاقات مميزة وحتى استراتيجية مع الدول المتدخلة في ليبيا وفي الوقت ذاته تندد بالتدخل الأجنبي! فلا أحد، والحال هكذا، سيأخذها محمل الجدل. دون إعادة النظر في علاقاتها الثنائية مع الدول المتدخلة لا أحد يعير أهمية لمواقفها، لاسيما أن موازين القوى في غير صالحها في هذا الأزمة.

نبذة عن الكاتب

مراجع

(1)– Wolfram Lacher, Libya’s Fragmentation: Structure and Process in Violent Conflict, Londres, I.B. Tauris, 2020; George Joffé, « Where Does Libya Go Now ? », The Journal of North African Studies, 25 (1), 2020, p. 1-7.

(2) عبد النور بن عنتر، “العلاقات المغاربية البينية: “الثورات” تعمق الخلافات”، مركز الجزيرة للدراسات، 6 مايو/أيار 2011، (تاريخ الدخول: 30 يونيو/حزيران 2020):

 https://studies.aljazeera.net/en/node/3293

(3) وليد عبد الحي، “العلاقات المغربية الجزائرية: العقدة الجيوسياسية”، سياسات عربية، عدد 6، يناير/كانون الثاني 2013، ص 31-40.

(4) ابن عنتر، “العلاقات المغاربية البينية: “الثورات” تعمق الخلافات”، مصدر سبق ذكره.

(5)– Amine Saadani, « Libye : le Maroc exclu du dossier après des années de lobbying », Middle East Eye publié le : 27/01/2020 (vu le 4/7/2020) https://www.middleeasteye.net/fr/en-bref/libye-le-maroc-exclu-du-dossie…

(6) استأنفت الجزائر مساعيها، بعد غيابها جرَّاء ظروفها الداخلية، لإعادة بعث عملية التفاوض بين الليبيين كما أكد ذلك رئيسها خلال استقباله عقلية صالح رئيس برلمان طبرق ثم فايز السراج رئيس حكومة الوفاق، الشهر المنصرم. وكانت الجزائر نظَّمت اجتماعًا وزاريًّا لدول جوار ليبيا (الجزائر، تونس، مصر، تشاد، مالي، النيجر، السودان)، في يناير/كانون الثاني 2020، حضره أيضًا وزير الخارجية الألماني. تميز هذا الاجتماع بالاتفاق على الحل السلمي ورفض التدخل الأجنبي، لكن التباعد كان واضحًا في المواقف بين مصر من جهة وبقية الدول من جهة ثانية، لاسيما الجزائر وتونس.

انظر ملخصًا لهذه المواقف: تقارب وتباعد في اجتماع دول جوار ليبيا بالجزائر، موقع الخبر، 25 كانون الثاني 2020، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/حزيران 2020):

https://tinyurl.com/y7apygar

(7) حول الدول المغاربية والأزمة الليبية وتنافس مسارات التسوية، انظر تحليلنا في:

Abdennour Benantar, Les initiatives de sécurité au Maghreb et au Sahel : le G5 Sahel mis à l’épreuve, Paris, collection Perspectives stratégiques, Fondation pour la recherche stratégique/L’Harmattan, 2019, p. 59-78.

(8) حول التنافس بين البلدين في مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية، انظر:

Miguel Hernando de Larramendi, « Dommed Regionalism in a Redrawn Maghreb ? The Changing Shape of the Rivalry between Algeria and Morocco in the post-2011 Era », The Journal of North African Studies, 24 (3), 2019, p. 506-531.

(9)– Benantar, Les initiatives de sécurité au Maghreb et au Sahel, op.cit., p. 76-78.

(10) الجزائر: طرابلس خط أحمر، الشروق (الجزائر)، 6 يناير/كانون الثاني 2020، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/حزيران 2020):

https://tinyurl.com/y6vqzoup

(11) تنص المادة 95 من مسودة تعديل الدستور الجزائري، التي نُشرت في مطلع مايو/أيار 2020، على أن رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، “يقرر إرسال وحداتٍ من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين 2/3 من أعضائه”.

(12) تحدث عن “شرعية مؤقتة للوفاق في ليبيا”.. ماذا تخفي تصريحات الرئيس التونسي؟، أصوات مغاربية، 24 يونيو/حزيران 2020، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/حزيران 2020):

https://tinyurl.com/yd3f3sjf

(13) الجزائر ترفض ضمنيًّا المبادرة المصرية بشأن ليبيا وتونس “تتمسك بالشرعية”، العري الجديد، 7 يونيو/حزيران 2020، (تاريخ الدخول: 3 يوليو/تموز 2020):

https://bit.ly/2O1v95w

(14) المغرب يرفض المبادرة المصرية الجديدة بشأن ليبيا، المنصة برس، 8 يونيو/حزيران 2020، (تاريخ الدخول: 4 يوليو/تموز 2020):

https://www.alminasapress.com/news277658

(15) وزير الخارجية التونسي يبحث الأزمة الليبية مع سفيرين أميركيين، العربي الجديد، 1 يوليو/تموز 2020، (تاريخ الدخول: 4 يوليو/تموز 2020):

https://bit.ly/2Z3eftO

(16) ليبيا: الجزائر تعلق على المبادرة المصرية، موقع الخبر، 7 يونيو/حزيران 2020، (تاريخ الدخول: 7 يونيو/حزيران 2020):

 https://tinyurl.com/yad47rle

(17) انظر النص الكامل لهذه المبادرة على موقع “باب نت”، 20 فبراير/شباط 2017، (تاريخ الدخول: 30 يونيو/حزيران 2020):

https://www.babnet.net/cadredetail-138662.asp

(18) لتحليل هذه المبادرة وحسابات الدول الثلاث، انظر:

Benantar, Les initiatives de sécurité au Maghreb et au Sahel, op.cit., p. 68-72.

(19)– Samer Al-Atrush and David Wainer, « Western Team Went to Help Moscow’s Man in Libya, UN Finds », 14/05/2020 – https://www.bloomberg.com/news/articles/2020-05-14/western-mercenaries-… (تاريخ الدخول: 20 مايو/أيار 2020):

(20)– « La Libye sous tutelle turco-russe », Le Monde, 12/06/2020 – https://tinyurl.com/ycjwb9zr (تاريخ الدخول: 13 يونيو/حزيران 2020).