كتب صفوت جبر – الكاتب والباحث السياسي

  تواجه دول الوطن العربي اشكاليات مجتمعية عديدة منذ اندلاع شرارة الثورات العربية 2011، ومع تغير خريطة الانظمة السياسية لبعض الدول العربية الكبري والتي يراها أهل الاقليم العربي بمثابة الغدد الصماء في جسد القومية العربية..ولم نكن لنعلم النهاية، اهي مرحلة انتقالية ربما تنتهي بالشفاء سياسيا ام  ستتمكن المؤامرات السرطانية من جسد الامة!

ولكن ماوراء الستار كان اخطر بكثير مما يتصوره عقل رجل الشارع البسيط، ليس هذا فحسب بل ان الاكثرية من المثقفين والمهتمين بشئون دولهم قد اصابتهم الدهشة والحيرة من نتائج صندوق انتخابات ما بعد الثورات، وجدير بالذكر أن بعض الدول العربية التي خاضت تجربة الثورات لم تصل لتلك المرحلة من المسارات السياسية الصحيحة ،ودخلت أتون الحرب الاهلية التي مزقت اوصالها ولنا في سوريا وليبيا واليمن عبرة وعظة سيتوقف عندها التاريخ كثيرا.

  فكم حلمت الشعوب العربية بحكم ديموقراطي يتبعه تنمية سياسية واقتصادية ومجتمعية تؤثر ايجابا علي مناحي حياتهم اليومية وتلبي لهم متطلبات حياة كريمة، وكثيرا ما تحدثت النخبة  المجتمعية علي كل اختلافاتهم الايديولوجية عن ايقونات العدل والمساواة، وقد اتخذوا من الدول الكبري والديموقراطية نموذجا يحتذي به،وألهبوا مشاعر البسطاء من الناس باسم الدين تارة وباسم العدالة والحرية تارة اخري، ولكن لم يجرؤ احدا من تلك النخب أن يقول للشعوب العربية ولو رمزا أن الوصول لتلك المرحلة من الديموقراطية والعدل المجتمعي كما هو في تلك الدول الغربية، كان ثمنه الفصل بين الدين والدولة وتسييد القانون الوضعي،او بمعني ادق الفصل بين الكنيسة والسياسة فهم قد سبقوا العرب بقرون عديدة منذ معاهدة ويستفاليا 1648،فهذه المعاهدة كانت الفصل التاريخي بين الدين والدولة في اوروبا بعد حروب دينية راح ضحيتها مايقرب من 8 مليون شخص ،وكانت تلك الحرب الدينية هي الأعنف تاريخيا..فهل يقبل العرب دفع هذا الثمن للوصول لتلك المرحلة من حكم الشعب للشعب !!

   ومن المضحكات المبكيات ان الدول العربية التي نجحت بها الثورات قد فشلت في الحفاظ علي هويتها وسيادتها ووحدة شعوبها، وان الدولة الوحيدة التي فشلت فيها الثورة هي مصر،والتي بدورها نجحت في العبور من ازمتها وتخطي اتون الحرب الأهلية ، فأنا لست بصدد الكتابة عن مصر حاليا..ولكن شىء بالشىء يذكر عندما نتحدث عن انتشارالدونية السياسية ومحاولة طمس الهوية العربية بايدي ابناء لها هم مارقون خائنون ،ونجدهم ينتحلون صفة نشطاء سياسيين او حقوقيين او مرتزقة سياسيين علي حد وصفهم، فالعالم العربي يخوض حاليا حروبا قد فرضت عليه من اجل الحفاظ علي هويته وسيادة دوله ،وهي حروب الجيل الرابع بل والخامس ايضا..

والهدف الاسمي لتلك الحروب التكنولوجية والمعلوماتية هي نشر الفوض الخلاقة واستخدام تقنيات واساليب نفسية ومعنوية للنيل من العقل الجمعي العربي في صور شتي ،منها حروب الشائعات والكوميكس السياسي ونشر ثقافات وافكار هي غريبة علينا مجتمعيا في محاولة منهم لصهر الثقافة والدين في بوتقة واحدة تحت مسميات عديدة كشعار الحرية مثلا، حتي وصلت لاعلي مستوياتها،وعلي سبيل المثال لا الحصر محاولة نشر الدين الابراهيمي الجديد في الشرق الاوسط تحت عناوين براقة تجذب لها بعض المنتفعين وانصاف المتعلمين، لخدمة الصهيونية العالمية وتغيير خريطة الشرق الاوسط الدينية والسياسية ،الي خريطة اخري دينية اطلقوا عليها المسار الابراهيمي ليظل العالم العربي محتل ثقافيا ودينيا واقتصاديا وتحت سيطرة الدول الكبري حاليا وهي الاستعمارية سابقا.

  ولعل اكثر الاشكاليات التي تواجه الامة العربية حاليا،هي مخاطر غياب الوعي السياسي لنسبة كبيرة من سكان الوطن العربي فيما يخص قضاياه المصيرية، وكلها تصب في مصلحة الدول الكبري المستغلة لثروات وموارد الوطن العربي،  فلا احد يملك الاجابة علي مسببات غياب الوعي العربي والذي بدوره انقلب لاعراض امراض نفسية قد اصابت سيكولوجية الافراد بشكل مؤسف، ومع تأثير شبكات التواصل الاجتماعي فان الغلبة فيها لمن يملك التكنولوجية ليصل الي عقل ووجدان المتلقي للمعلومة اولا.

 ومن واقع علم النفس السياسي وما ارتبط بالحروب النفسية والاسقاط النفسي ونشر الدونية والاحباط بين اوساط المثقفين والمتعلمين، وها نحن نراه واقعا ملموسا نطالعه يوميا في نشرات الاخبار او الاعلام الاليكتروني بشكل يدعو الي الاستغراب،من هو المستفيد من نشر الاشاعات والدونية في وطننا العربي؟

ازدواجية المعايير عند الشخصية العربية تثير استهجان وفضول المحللين النفسيين للوقوف علي مسبباتها، وكيف ان الشخصية العربية قد اصابها كل هذا الكم من التشوه علي عدة اصعدة اهمها المسار الاخلاقي والسياسي، وقد حاول بعض العلماء تفسير تلك الظاهرة المقيتة من تفشي الامراض النفسية المرتبطة بعلاقة الفرد بمحيطه ومن ثم علاقته بالدولة.

  وتلك الازدواجية تعني ان الشخصية العربية كانت محط الاهتمام بل وهدفا لمراكز الابحاث النفسية لدول معنية بالوطن العربي من اجل مصالحها السياسية والاقتصادية، وعلي مدار عقود خططوا لتغيير منظور وبوصلة الفكر العربي بكل الوسائل الممكنة لديهم، لأن يقبل بالكيان الاسرائيلي ودمجه في المجتمع العربي حتي تتم السيطرة الكاملة عليه،  فهاهو الشخص العربي المفتون بالحياة الغربية بل ويمارسها في وطنه او حينما يهاجر هو نفس الشخص الذي يطمح في حكم الشريعة الاسلامية في بلده وان تتسيد العالم،وربما تجد هذا الشخص ذاته يحمل افكارا داعشية محملة بسموم لبني عرقه ووطنه،وفي نفس الوقت هو ينعم بالحياة الغربية بكل ابعادها، وهي ازدواجية لها اشكال مختلفة منها ماهو سياسي أو مجتمعي ،لكن هذه الازدواجية اطاحت في معظم الاحوال بشخصيته وهويته كمواطن عربي ،ودون ان يدري انه فاقد للاحترام في كلتا الثقافتين.

ماهي الحرب النفسية

الحرب النفسية او الحرب السيكولوجية ليس لها تعريف محدد وان كان لها جوانب عديدة فهي بالاساس هي حرب جمع المعلومات وحجبها عن الخصم،فهي حرب عقول ووجدان لاستثارة الحالة النفسية للخصم ،وخلق دوافع يكون الخصم هو المتحكم فيها للتأثير علي نفسية الخصم..ولها تكتيكات وخطط محددة هدفها احباط الطرف الاخر والنيل من معنوياته،وقد تستهدف قيما معنوية وعقائدية او نظم استراتيجية.

 و لكاتب هذا المقال تعريف خاص عن الحرب النفسية ..

الحرب النفسية هي وسيلة سوداوية للدفاع عن النفس للنيل من قوة الخصم المعنوية ،التي تعد اهم عناصر قوته، فهي حرب حقيقية لسلب الارادة علي المواجهة ، فلا انتصار في اي معركة دون الارادة،وتتم بطرق غير شرعية مثل نشر الفتن والشائعات والاكاذيب بغرض اضعاف معنويات وارادة الخصم،ورغم انها غير قانونية الا ان القانون يقف عاجزا امامها للبت فيها.

كيف تتشكل سيادة الدولة

  منذ ظهور فكره الدولة ونشأتها وتطورها كان هناك عناصر واركان للدولة،و قديما في الفكر السياسي للحضارات القديمة، اعتبر القوميون موضوع السيادة بانها نشر للثقافة واللغة والتغلب العسكري وفرض نفوذهم بالقوة العسكرية.وان الاصل في السيادة انها مفهوم قانوني منذ ان ابتدعه جان بودان1576 وهو القدره الفعليه باصدار القرار السياسي داخل الدولة وخارجها. ولها مظاهر منها السيادة الداخلية والخارجية وايضا لها انواع منها،الفخرية والشرعية النابعة من الشعب ذاته،والسياسية في الدول الديموقراطية تعني الاقتراع،والشعبية وهي سيادة الشعب نفسه علي مقدراته.

اذن السيادة هي السلطة العليا علي المواطنين وربما تكون غير مقيدة بقوانين،ولا تخضع لاحد لانها سلطة الشعب المنظم لحياته السياسية والاجتماعية.ومن خصائص السيادة الديمومة فهي مرهونة بوجود الدولة،وهي مطلقة لا تتعدد داخل الدولة.

ويضيف كاتب المقال هذه السطور في معني سيادة الدولة (ان الحفاظ علي سيادة الدولة تتطلب من كل فرد فاعل فيها الحفاظ علي مقدراتها وسلطتها وشخصيتها الاعتبارية دون المساس بها قولا او فعلا والا اعتبر كل من يهين سيادة الدولة شخصا اقد لأهليته)..

ماهي عقدة الدونية؟

   كاتب هذه السطور يري ان الغوص قليلا في النفس البشرية هو احد اهم افرع مناهج السياسة والنظم الدولية، فالأدبيا ت السياسية كثيرا ماتحدثت عن الحرب النفسية والاسقاط وانكار الواقع والاكتئاب والاحباط، والمقال هنا يناقش الدونية كعرض نفسي يصيب الانسان علي الصعيد الشخصي وصعيد علاقة الفرد بالدولة، فالانسان والاسرة هم وحدة المجتمع.     ارجو من عزيزي القارىء للمشهد السياسي في الوطن العربي ان يطابق ويقارن كل هذه الاعراض النفسية الممزوجة بكثير من الاسقاط والاحباط ونشر الاكاذيب في محيطه او من خلال شبكات التواصل الاجتماعي،بهدف التأثير عليه ونشر عقدة الدونية في العقل الجمعي العربي، من خلال انتهاج حرب نفسية مضادة علي شعوبهم تحت اسم مستعار وهو المعارضة..!

  الدونية هي عرض نفسي يصيب الانسان ،فالانسان والاسرة هم وحدة المجتمع ويشكلون كيانه، الاسقاط طبقا لعم النفس التحليلي هو حيلة دفاعيه يلجأ اليها الفرد الفاشل في الصاق ما بداخله من سلوك او رغبات او صفات وافكار واتجاهات علي غيره من الناس،ويقوم بها الشخص بشكل لاشعوري ليحمي بها نفسهنليحمي به نفسه من الاخرين كحائط سد بينه وبين افكاره،ووهي عملية هجوم غير مبرر اليه يقوم بها الشخص،فقد يشعر الفرد براحة نفسية وتخفف عنه وطأة الاحساس بالنقص والدونية،ويبدء الشخص في تصديق نفسه وافكاره بل انه يدافع عنها بضراوة،وتبعده عن ارض الواقع الذي يعيش فيه،فهو يحاول خلع هذه الصفات عن نفسه حتي باسقتطها علي غيره حتي لا يتضاعف عنده الاحساس بالفشل.

وهو مرض سهل علاجه نفسيا قبل ان يتضاعف ويصبح غولا يهدد حياة الفرد النفسية.

نشر الكوميكس السياسي.

  عقدة الدونية في العموم هي شعور الانسان بالعجز العضوي والنفسي او الاجتماعي، فالدونية كما عرفها سيجموند فرويد وادلر بانها مركب نقص عند ذلك الشخص المصاب  بعقدة النقص او الدونية،وهو يميل بطبيعته الي العدوانية والرغبة في اسقاط اشياء غير حقيقية علي الأخرين لتجنب شعوره بالفشل في شىء ما او الشعور بالذل النفسي.

وعلي الصعيد السياسي فاننا نلاحظ كيفية وكم الكوميكس السياسي المناقض للواقع او الحقيقة للنيل من شخص رئيس او ملك بهدف الحط من شأنه ومعنوياته، وللاسف هو اصبح اسلوب المعارضة في وقتنا الحالي. هذا الشخص الذي يملك شعورا داخليا بعدم اهميته للمجتمع والبيئة المحيطة به قد يمارس عقدة الدونية والاسقاط علي غيره، ليشبع رغبة داخلية ملحة ليثبت انه موجود ويحظي بالاهمية ويهوي حب الظهور واسماع صوته، ورغم ان كل الناس تملك مواطن ضعف ،الا ان ذلك الشخص الذي يعاني الدونية يجمع كل نقاط ضعفه ويسقطها علي غيره،ويجعلها المقياس الذي يقيم به ذاته وكأنها قوة شخصية وليست عرض مرضي.

وختاما..كلنا نطمح لحياة اجتماعيه وسياسية مستقرة..ولكن يبقي سؤال الفرد لذاته..

الم تسقط بغداد بخدعة حرب نفسية! بل وان الاعلام المضلل ساعد علي تفكك الجيش العراقي بترويج دخول القوات الاميريكية واحتلالها بغداد..

ألم تسقط سوريا وتضيع الجولان بفتاوي شيوخ الهبوا الحرب الاهلية الطائفية، ثم عادوا وانتفضوا واعتذروا!!

ألم تذهب الصومال في غياهب الحرب الاهلية دون عودة؟

الم يسقطوا الجزائر في العشرية السوداء دون ادني خجل!

الم تتألم عزيزي القارىء لوضع ليبيا..؟

الم تحزن لما ألت اليه لبنان؟

الم تشعر بالخزي لمجاعة عدن وصنعاء اليمن..!!؟

الم تشعر بالغثيان عندما انفصلت السودان..!

الم يخفق قلبك كلما تخيلت ان مصر مصر قد سقطت كما خططوا..!؟

الم تبكي يوما لغياب اسم فلسطين عن الخريطة!!؟

فكل هؤلاء قد سقطوا باسم المعارضة الوطنية..تبا لها..

صفوت جبركاتب وباحث سياسي 2ابريل 2021