لطالما استخدم الناس على مر التاريخ كلمة ديماغوجية بلا مبالاة، باعتبارها “كلمة هجوم” لتحطيم أي زعيم يعتقد المتحدث أنه متلاعب أو خبيث أو متعصب. في حين أنه لا يمكن أن يكون هناك فاصل دقيق بين الديماغوجيين وغير الديماغوجيين، نظراً لأن الديماجوجية تقوم على أسس ديمقراطية أي رأي الأغلبية.

وعلى ذلك؛ فخداع الجماهير وتضليلهم جوهر الديماجوجية، وهو السلاح الذي يلجا إليه كثير من الساسة لاكتساب الثقة الشعبية والتأیید، عبر التملق ومخاطبة الغرائز ومسايرة الأحلام والأوهام الكاذبة التي لا تنهض على أساس. ويتوافق نجاح هذا المنهج مع تراجع الوعي ومحدودية الثقافة والعجز عن التقييم المنطقي للرسالة التي يتم تقديمها بمعرفة هؤلاء الزعماء.

حدد المؤرخ راينهارد لوثين – Reinhard Luthin الديماجوجية على هذا النحو: ”ما هو الديماغوجي؟ إنه سياسي ماهر في الخطابة، والتملق؛ مراوغ في مناقشة القضايا الحيوية؛ واعادة كل شيء للجميع؛ مناشدة للعواطف بدلاً من أعطاء اسباب منطقية للجمهور؛ وإثارة التحيزات العنصرية والدينية والطبقية، رجل يقود شهوته للسلطة دون اللجوء إلى المنطق ساعياً ليصبح سيدًا للجماهي. وقد مارس مهنته منذ قرون كرجل الشعب، الديماغوجية هي تقليد سياسي قديم قدم الحضارة الغربية نفسها“. ولكن قبل الخوض في التفاصيل ما هي الديماجوجية ؟

الديماجوجية: هي كلمة يونانية δημαγωγός قديمة مكونة من مقطعين ديما – δῆμος من ديموس وتعني الشعب. و غوجيا – ἀγωγός وتعني القيادة؛ وبذلك تكون الديماغوجية إستراتيجية لإقناع الأخرين بشيئ ما بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم  المسبقة. عن طريق  الخطابات والدعاية الحماسية مستخدمين المواضيع القومية والشعبية محاولين استثارة عواطف الجماهير. أما وفقا للتعريف السائد اليوم فهي تدل على مجموعه من الأساليب والخطابات والمناورات والحيل السياسية التي يلجأ إليها السياسيون لإغراء الشعب أو الجماهير بوعود كاذبة أو خداعة وذلك ظاهريا من أجل مصلحة الشعب، وعلمياً من أجل الوصول للحكم.

ومما سبق فالديماغوجية كلمة يونانية ترجمتها الحرفية قيادة الشعب. قوام تلك الإستراتيجية التركيز على المخاوف والأفكار المسبقة. وبذلك يكون التغلغل في أعماق الكتلة الشعبية من منطلق الخطاب الدعائي الحماسي مستغلا النبرة العاطفية وبعيدا كل البعد عن الأسس المنطقية والعقلانية.

تم صياغة كلمة ديماغوجية لأول مرة في اليونان القديمة دون دلالة سلبية، ولكن في النهاية أصبحت تعني نوعاً مزعجاً من القادة الذين نشأوا في بعض الأحيان في عموم المواطنيين. على الرغم من أن الديمقراطية أعطت القوة لعامة الناس، إلا أنَّ الانتخابات ظلت تميل إلى تفضيل الطبقة الأرستقراطية التي فَضَّلت المداولات واللياقة. كان الديماغوجيون نوعاً جديداً من القادة الذين خرجوا من الطبقات الدنيا. لجأ فيه الديماغوجيون مباشرة إلى عواطف الفقراء وغير المطلعين، سعياً وراء السلطة، وتلفيق الأكاذيب لإثارة الهستيريا، واستغلال الأزمات لتكثيف الدعم الشعبي لدعواتهم إلى العمل الفوري وزيادة السلطة، واتهام المعارضين المعتدلين بالضعف أو عدم الولاء للأمة.

ومن السمات الأصيلة عند الساسة الديماغوجيين أن الوصول إلى السلطة يمثل هدفاً رئيسيا لهم دون النظر إلى المصلحة العامة والآثار المترتبة في المدى البعيد. وفي سبيل ذلك لا يتورعون عن التبشير بأفكار غير مجدية وبعيدة عن معطيات الواقع وهم يفعلون ذلك من خلال إثارة عواطف الطبقات الدنيا والأشخاص الأقل تعليما في الديمقراطية نحو الثورات والعمل العنيف، وكسر المؤسسات الديمقراطية القائمة مثل سيادة القانون حدد جيمس فينيمور كوبر – James Fenimore Cooper  في عام 1838 أربع خصائص أساسية للديماغوجيين:

 • يقدمون أنفسهم كرجل أو امرأة من عامة الناس، معارضين للحكومة.

• تعتمد سياساتهم على علاقة حشدية مع الناس، وهو ما يتجاوز بشكل كبير الشعبية السياسية العادية.

• إنهم يتلاعبون بهذا الاتصال، والشعبية الهائلة التي يتيحها، لمصلحتهم وطموحهم.

• إنهم يهددون أو يخرقوا قواعد السلوك والمؤسسات القائمة وحتى القانون.

لذلك  المنطقي أن تكون الخطابة هي الأداة الأهم عند أبرز رموز المدرسة الديماغوجية، حيث يجب أن يكون الديماغوجي خطيباً مفوهاً ذا جاذبية تضفي عليه ملامح الصدق والثقة، بما يدفع الشعب إلى التعلق به ومسايرته وتأییده بلا حدود. ومع تطور أساليب الدعاية ووسائل الاتصال الجماهيري، لم تعد الخطابة التقليدية هي الأداة الوحيدة، فالبدائل تتمثل فيما تتضمن الوسائل الإعلامية المستحدثة.

من أمثال الديماغوجيين على مر التاريخ كليون الأثيني – Cleon ، أدولف هتلر – Adolf Hitler ، بينيتو موسوليني – Benito Mussolini، هيوي لونج – Huey Long ، الأب كوغلين، وجوزيف مكارثي – Joseph McCarthy، وجميعهم قاموا ببناء متابعين جماعيين بنفس الطريقة التي قام بها كليون: من خلال إثارة عواطف العامه ضد العادات المقررة من قبل للنخبة الأرستقراطية في عصرهم .وهم يستخدمون للقيام بذلك عدة أساليب وهي:

1- كبش فداء: أكثر التقنيات الديماغوجيين الاساسية هي كبش الفداء:  وهي إلقاء اللوم على مشاكل المجموعة داخل مجموعة خارجية ، وعادة ما تكون من عرق أو دين أو طبقة  اجتماعية مختلفة. على سبيل المثال، زعم مكارثي أن جميع مشاكل الولايات المتحدة نتجت عن “التخريب الشيوعي”. كما ألقى دنيس كيرني – Denis Kearney باللوم في جميع مشاكل العمال في كاليفورنيا على المهاجرين الصينيين . وذلك بغض النظر عن أختلاف كبش الفداء في كل مرة أو طبيعة الأزمة التي يتم إستغلالها .

2- الخوف: لقد صعد العديد من الديماغوجيين إلى السلطة من خلال إثارة الخوف في جمهورهم، لتحريكهم على العمل ومنع المداولات. الخوف من الاغتصاب ، الخوف من القتل، الخوف من فقدان موارد الدولة وما إلى ذلك .

3- الكذب: في حين يحتاج أي سياسي إلى الإشارة إلى الأخطار التي ستحيط بالناس وانتقاد سياسات الخصوم ، يختار الديماغوجيون كلماتهم لتأثيرها على عواطف جمهورهم ، عادةً دون اعتبار للحقيقة الواقعة أو خطورتها فبعض الديماغوجيين انتهازيين ، يراقبون الناس ويقولون كل ما سيقوله حاليا هو الحقيقة المطلقة.  قد يكون الديماغوجيون أنفسهم جاهلين أو متحيزين لدرجة أنهم يعتقدون بصدق الأكاذيب التي يخبرونها. وعندما لا تنجح كذبة واحدة، ينتقل الديماغوجي بسرعة إلى المزيد من الأكاذيب لتدعيم فكرته.

4- الخطابة العاطفية والكاريزما الشخصية : أظهر العديد من الديماغوجيين مهارة ملحوظة في السيطرة على عاطفة الجماهير من خلال الخطاب. في بعض الأحيان يكون هذا بسبب بلاغة لفظية استثنائية ، أو كاريزما شخصية ، وأحيانًا الإثنان على حد سواء. مكّنت الكاريزما والخطابة العاطفية للديماغوجيين مرات عديدة من الفوز في الانتخابات على الرغم من معارضة الصحافة.

5- اتهام الخصوم بالضعف وعدم الولاء 

6- يعد بالمستحيل: هناك تقنية ديماغوجية أساسية أخرى وهي تقديم الوعود فقط لتأثيرها العاطفي على الجماهير ، بغض النظر عن الكيفية التي يمكن أن تتحقق بها أو دون نية لتنفيذها بمجرد توليهم المنصب يعبر الديماغوجيون عن هذه الوعود الفارغة ببساطة ومسرحية ، لكنهم يظلون ضبابيين للغاية حول كيفية تحقيقهم لأنها عادة ما تكون مستحيلة.

7- العنف والترهيب البدني: غالبًا ما شجع الديماجوجيون مؤيديهم على تخويف المعارضين بعنف ، لترسيخ الولاء بين مؤيديهم ولتثبيط أو منع الناس جسديًا من التحدث علنًا أو التصويت ضدهم .

8- الإهانات الشخصية والسخرية: لقد وجد العديد من الديماجوجيين أن السخرية أو إهانة المعارضين هي طريقة بسيطة لإيقاف التداول المنطقي للأفكار المتنافسة ، خاصة مع جمهور غير معقد. ومن الأساليب الديماجوجية الشائعة تثبيت صفة مهينة للخصم ، من خلال قولها بشكل متكرر، في الكلام بعد الكلام ، عند قول اسم الخصم أو مكانه .

9- الابتذال والسلوك الفظيع: عادة ما يكون لدى الهيئات التشريعية قوانين لفرض الواقعيه والذوق العام. ينتهك العديد من الديماغوجيين تلك القوانين بشكل فاضح  ليوضحوا إنهم لا يمتثلون لأوامر الطبقة العليا، أو ببساطة لأنهم يستمتعون بالاهتمام الذي يجلبه. قد يجد الطبقات الأرستقراطية الديماغوجيين مثيرًين للاشمئزاز، لكن الديماغوجي يمكن أن يستخدم احتقار الطبقة العليا لإظهار أنه لن يخجل أو يخيف من قبل ذوي السلطة.

10- الاستعراض: قدم معظم الديماغوجيين عرضًا يظهرون وكأنهم متواضعون ، مواطنون عاديون تمامًا مثل الأشخاص الذين سعوا للحصول على أصواتهم. وذلك من خلال اظهار أصولهم المتواضعه أو لهجتهم أو انتماءاتهم.

11- التبسيط الإجمالي للمشاكل: عادة ما يعالج الديماغوجيون المشاكل المعقدة، والتي تتطلب تفكير كثير وتحليل إلى إنها ناتجة عن سبب واحد بسيط أو يمكن حلها عن طريق علاج واحد بسيط.

12- مهاجمة وسائل الإعلام الإخبارية: بما أن المعلومات الواردة من الصحافة يمكن أن تقوض خطابات الديماجوجية على أتباعه، فإن الديماغوجيين المعاصرين غالبا ما هاجموا الصحافة بشدة، داعين إلى العنف ضد الصحف التي عارضتهم، مدعين أن الصحافة كانت تعمل سراً لخدمة المصالح المالية للطبقة الحاكمة أو القوى الأجنبية.

ولكن ما الاثار الناتجة عن إيصال الديماجوجية للسلطة .

1- تأسيس حكم الرجل الواحد، إيقاف حكم القانون : بمجرد انتخاب الديماغوجي للمنصب التنفيذي ، تحرك معظمهم بسرعة لتوسيع سلطتهم ، سواء القانونية أو الواقعية : عن طريق تمرير التشريعات لتوسيع سلطتهم رسميًا ، وبناء شبكات الفساد والضغط غير الرسمي لضمان اتباع قراراتهم بغض النظر عن السلطة الدستورية.

2- تعيين تابعيين غير مؤهلين لشغل مناصب عليا ؛ الفساد : كما يتضح بأعلاه ، فإن الديماغوجيين عادة ما يعينون الأشخاص في المناصب العليا على أساس الولاء الشخصي بغض النظر عن الكفاءة في المنصب وبذلك فتح طرق استثنائية للمحسوبية والفساد . 

المصادر والمراجع:

مصطفى بيومي، إعرف، الطبعة الأولى، كنوز للنشر والتوزيع ، 2013.

عصام عبد الفتاح، السجل الأسود لأمريكا، المنهل ، 2015 .

The German Right, 1860-1920 , James N. Retallack, and James Retallack , university of toronto ,2006

American Demagogues. Luthin, Reinhard H. Beacon Press. (1954).

We Must Not Be Enemies: Restoring America’s Civic Tradition. Michael Austin. Rowman & Littlefield,2019.

“On Demagogues”. The American Democrat, or Hints on the Social and Civic Relations of the United States of America. , James Fenimore Cooper. Cooperstown: H. & E. Phinney.1838

“Demagoguery and Political Rhetoric . Gustainis, J. Justin.: A Review of the Literature. JSTOR.1990

Formation and Transformation in Britain, France, Germany, and the United States: The Ethics of Modernity. Richard Münch, Richard Munch,. Rowman & Littlefield. 2001.

Contemporary Africa trends and issues. American Academy of Political and Social Science.1995.

American Demagogues. Luthin, Reinhard H. Beacon Press. (1954).

المساهمون في إعداد هذا المقال:

خصائص الديماغوجية

من المبادئ الرئيسة للديمقراطية أن يتخذ الشعب قرارات مناسبة تخدم المصالح العامة. وتعتمد قراراته هذه على قدرته على الاطلاع على المعلومات. وكلما كانت هذه المعلومات مشوهة، تراجعت قدرة الشعب على اتخاذ القرارات المناسبة. تُدعى هذه المعلومات «دعاية كاذبة» (propaganda)، إلا أنها لا تُعتبر مميتة، ما دامت حرية التعبير مصونة ويمكن فضحها بسهولة.

تُعتبر الطريقة الأسهل للحد من قدرة الشعب على انتقادك أن تجعل هذه المهمة خطيرة. ويمكنك تحقيق ذلك بسن القوانين أو حمل أنصارك على إيذاء كل مَن يخالفك الرأي. هذه هي «الديماغوجية».

لا يميز بعض الناس بين الديماغوجية والدعاية الكاذبة. لكن الديماغوجية في رأيي فرع من فروع هذه الدعاية. فهي دعاية كاذبة تحضّ أعضاء مجموعة على كره بعض المجموعات الخارجية وتحويلها إلى كبش محرقة، واعدة عموماً بالأمان والاستقرار وبما دعاه إريك فروم «الهرب من الحرية». والديماغوجية مؤذية جداً لأنها تعزز وضعاً يصبح معه خطراً انتقاد وجهات النظر والثقافات السائدة والمجموعات السياسية المسيطرة. نتيجة لذلك، لا يعود بإمكان الشعب الاطلاع على كل المعلومات. وتُعتبر الديماغوجية تاريخياً نهاية الديمقراطية. فعندما تنجح الديماغوجية تحد من قدرة الشعب لصالح نظام مستبد أو توتاليتاري.

إذاً، الديماغوجية دعاية كاذبة، بيد أن الدعاية الكاذبة لا تقتصر على الديماغوجية. فضلاً عن ذلك، ثمة أنواع أخرى من الحوار العقيم والمؤذي، إلا أنها تختلف عن الديماغوجية بما أنها لا تعزز الكره والعنف.

الديماغوجية طريقة محاججة. ومن الممكن الدفاع عن الأجندة السياسية الواحدة بأساليب ديماغوجية أو غير ديماغوجية. كذلك قد يعتمد طرفا النقاش السياسي الديماغوجية. حتى إن سياسياً واحداً قد يدافع عن الأجندة السياسية ذاتها مستخدماً أحياناً الديماغوجية وأحياناً أخرى مترفعاً عنها. في ما يلي لائحة بخصائص الديماغوجية، علماً ألا ضرورة لتتوافر كلها في خطاب واحد ليُعتبر ديماغوجياً، كما أنها ليست كلها على القدر ذاته من الأهمية.

الاستقطاب

يُعتبر الاستقطاب(Polarization) إحدى الخاصيتين الأهم للديماغوجية. وهي تعني فصل مجموعة من الأشياء إلى قطبية. إذاً، يعمد الديماغوجي إلى تقسيم الأمور كافة إلى معسكرين: الأول يمثله (مجموعته) والثاني شر (المجموعة الخارجية). تُلازم هذه الخاصية الديماغوجية. فثمة سياستان أو مجموعتان أو خياران، لا ثالث لهما.

إن لم تكن معهم فأنت عليهم. لكن هذه الطريق تبسط كثيراً مسائل بالغة التعقيد وتبرر ضمنياً الأساليب العنيفة التي تُعتمد ضد مجموعات كبيرة من الناس. كذلك، تعطل عملية المداولة، التي تُعتبر أساس اتخاذ القرار الصائب.

يُدعى الاستقطاب أيضاً «التفكير بالأبيض والأسود»، بما أن الشخص لا يعي أن ثمة مواضع رمادية. يعتقد نقاد الديماغوجية أن الديماغوجيين أغبياء إلى حد ما. بيد أنني أخالفهم الرأي. وإن كانوا محقّين، فلا يبرر ذلك الأمور كافة. يُعتبر «التفكير بالأبيض والأسود» إشارة إلى اضطرابات في الشخصية، فضلاً عن أنه رد فعل طبيعي حين يمر الإنسان في حالة من الذعر. ومن هنا ينشأ السؤال: هل الديماغوجيون أناس يعانون اضطرابات في الشخصية؟

أعتقد أن من الصعب معرفة ما إذا كانت محاولة الديماغوجي تبسيط وضع معقد استراتيجيةً فحسب، أو أنه يرى حقاً المسائل من هذا المنظار. أظن أن من الصعب معرفة ما يفكّر فيه الديماغوجي «حقاً»، خصوصاً إن كان بمقدوره نشر حالة من الذعر بين مستمعيه.

خطاب الكراهية

تشمل خصائص الديماغوجية الأخرى سعيها إلى تعزيز كره المجموعات الخارجية وتبريره. فيُصنف الديماغوجيون بعض المجموعات كمجموعاتهم (أناس مثلهم) ومجموعات أخرى كمجموعات خارجية. يعتمد هذا النوع من التفكير على تحديد الإنسان ذاته وقيمته بالاستناد إلى انتمائه إلى مجموعة ما (مثل البيض أو العرق الآري) وعدم انتمائه إلى مجموعة أخرى معارضة (مثل السود أو اليهود).

تُعتبر هوية مجموعة الشخص والمجموعة الخارجية الهوية الأساس. بما أن أعضاء مجموعة الشخص خيّرين أساساً، يُعتبر السلوك الواحد جيداً إن قامت به مجموعته وسيئاً إن أقدمت عليه المجموعة الخارجية. تأتي الطبيعة الجيدة أساساً التي تتحلى بها مجموعته كـ{التزام مسبق»، ما يعني ألا جدل فيها لأن بعض الأمثلة المضادة قد يبدل نظرة الشخص إلى مجموعته.

يجادل الديماغوجي ويدعو إلى كره أعضاء المجموعة الخارجية، فضلاً عن كل مَن يدافع عنها أو حتى ينتقد كرهاً. يكون الديماغوجيون أحياناً صرحاء (مثل هتلر) في دعوتهم هذه وأحياناً أخرى أقل صراحة (بيلبو والأميركيون المتحدرون من أصل أفريقي), فتسمعهم مراراً يقولون «أنا لست عنصرياً ولكن…». فقد ادعى بيلبو أنه لا يكره الأميركيين المتحدرين من أصل أفريقي، إلا أنه يعتبرهم أقل شأناً من كل النواحي ومن الضروري إعادتهم إلى أفريقيا. وإن لم يكن هذا كرهاً، فما هو الكره إذاً؟

المراوغة في بعض المسائل الأساسية

يعتمد الديماغوجيون على بعض المصطلحات المقبولة عموماً، إنما غير المعرَّفة بوضوح. فبما أن هذه المصطلحات تُستخدم دوماً وتتمتع بقدرة خطابية عالية، تبدو للمستمعين واضحة ما داموا لا يتوقفون ويفكرون في المقصود منها. ولا شك في أن الديماغوجي لن يعرّفها، لأنها تصبح أكثر فاعلية كلما ازدادت غموضاً.

تحمل كل الكلمات معنى واضحاً ومعاني ضمنية. فقد تقع على مجموعة من الكلمات التي تشير إلى أمر واحد، إلا أن بعضها يحمل معاني ضمنية قد تكون محقِّرة. يعتمد الديماغوجي كثيراً على تلك المعاني الضمنية. يقسّم كينث بورك المصطلحات عموماً إلى قسمين: الجيد (مثل حرية، سلام، مجتمع…) والسيئ (مثل إرهاب، عنصرية، شيوعية…). ويتبدل تصنيف هذه المصطلحات بتبدل الأزمنة والأماكن والمجتمعات. وبما أن المصطلحات الجيدة تتمتع بقوة كبيرة، يحاول الناس عموماً ربطها بقضيتهم، وإن بدت غير مناسبة.

يعتمد الديماغوجي هذه المراوغة لأن هذه الكلمات تولد مشاعر قوية في مستمعيه. كذلك تشعرهم بالذنب إن حاولوا التشكيك بحججه. فضلاً عن ذلك، تحمل هذه المصطلحات معاني واسعة تجعل الخصم يخصص الكثير من وقته لنقضها وشرحها وتعليلها. وأخيراً، يرفض الديماغوجي تعريف المصطلحات بدقة كي يتفادى أن يُلاحظ الجمهور المعاني الضمنية الفعلية ويعترض.

«الشيطنة»، التجريد من الصفة الإنسانية، و/أو التضحية بالمجموعة الخارجية ولا سيما على خلفية عرقية أو إثنية أو دينية

«الشيطنة» هي تصوير الفرد على أنه شيطان عبر الإعلان صراحةً عن أنّ المجموعة الخارجية تجسد إبليس نفسه أو تشكّل أداة له (هكذا تحدّث فالويل عن المثليين وأسامة بن لادن عن الولايات المتحدة)، أو عبر استعمال استعارات تُلمح إلى إبليس والشياطين.

تتعدد وظائف هذا النهج. فضلاً عن تبرير التدابير المتطرفة، إنه تكتيك لبث الخوف وهو يساهم في استقطاب الوضع. إذا تمكن أحدهم من إقناع جمهوره بأن المجموعة الخارجية شيطانية، فيعني ذلك أن مجرد الإصغاء إلى تلك المجموعة تعرّض الفرد لمكائد الشيطان الأكبر. وكل من يدافع عن ضرورة التعامل بشكل عادل مع تلك المجموعة الخارجية (أو حتى السماح بسماع وجهة نظرها) يمكن أن يُمنَحوا صفة الشيطان أيضاً. إنه جزء من مشروع الديماغوجية العام ويتعرض كل من يخالفه للخطر.

يشدد شيب بيرلي وماثيو ليونز على المنافع العاطفية الناجمة عن التضحية بالآخر:

يتحمل كبش المحرقة اللوم بينما يشعر الجلادون بأنهم فاضلون وبأن وحدتهم تتزايد. قد تكون المشاكل الاجتماعية حقيقية أو خيالية، وقد تكون المشقات مشروعة أو غير مشروعة، وقد يكون أعضاء المجموعة المستهدفة أبرياء بالكامل أو مذنبين جزئياً. أهم ما في الأمر هو أن أكباش المحرقة يتم تصنيفهم في خانة واحدة عن غير وجه حق على اعتبار أنهم يتشاركون جميعاً الخاصية السلبية نفسها أو يقع اللوم عليهم وحدهم بينما ينجو المذنبون الأساسيون من المحنة.

تماماً مثل ظاهرة «الشيطنة»، تحصل عملية التجريد من الصفة الإنسانية (أي إنكار الصفة الإنسانية الأساسية لدى مجموعة معينة) بشكل صريح (كما حدث عندما حاول العلماء النازيون ادعاء أن الأفارقة كانوا نصف قرود ونصف بشر وبالتالي ليسوا بشراً حقيقيين) وبشكل ضمني (عبر استعمال استعارات ورموز). في هذا المجال، تحتل الأعمال الأدبية والأفلام والبرامج التلفزيونية والملصقات أهمية خاصة لأنها تساعد على الترويج لبعض الصور عن جماعات متنوعة باعتبارها أقل إنسانية من غيرها.

حلول بسيطة

لا يدعي أي ديماغوجي مطلقاً أن الوضع معقد ويصعب تفسيره أو أن الحل يصعب استيعابه. ترتكز الديماغوجية على الفكرة القائلة إن المشاكل والحلول السياسية يسهل فهمها. صحيح أن الديماغوجيين يؤكدون في أغلب الأحيان على صعوبة تنفيذ حلولهم، لكنهم يصرون دوماً على أن المفهوم الرئيسي للحل يبقى واضحاً.

هذا الإصرار على تبسيط الوضع قد يكون مجرد قرار شفهي من جانب الديماغوجيين. يصر غوستاف لوبون في كتاب «الجماهير» (The Crowd) على أن الحشود تستطيع استيعاب الأفكار البسيطة حصراً: «بغض النظر عن الأفكار المطروحة أمام الحشود، هي لا تستطيع التأثير بها إلا إذا اتخذت شكلاً مطلقاً وثابتاً وبسيطاً».

النوايا التحفيزية

النوايا التحفيزية تعني التأكيد على أن الناس لا يملكون فعلياً أسباباً وجيهة لما يفعلونه ولكنهم يتحركون بفعل حافز خفيّ آخر («شهوة» السلطة مثلاً). نادراً ما يؤكد الديماغوجيون على وجود حوافز أساسية عند الجميع. غالباً، هم يؤكدون على أن المجموعة الخارجية لديها حوافز أساسية بينما تكون حوافزهم الشخصية مثيرة للإعجاب أو معقدة على الأقل.

ازدواجية المعايير ورفض القواعد أو المبادئ الملزِمة بشكل متبادل

يرتبط هذا المفهوم بشكل وثيق بالتفسيرات الآنف ذكرها وهو إحدى مزايا الديماغوجيين التي أعتبرها مذهلة. أفضل طريقة لشرح هذا الجانب هو التأكيد على أنهم يعيشون في عالم مبني على ازدواجية المعايير: الأمر الخاطئ بالنسبة إلى المجموعة الخارجية يكون مقبولاً بالنسبة إليهم وإلى مجموعتهم، والأمر المقبول بالنسبة إليهم وإلى مجموعتهم يكون خاطئاً بالنسبة إلى المجموعة الخارجية.

على سبيل المثال، ادعى الأشخاص الذين انتقدوا تدخل كلينتون في الصومال والشيشان أن انتقاد تدخل بوش في أفغانستان والعراق هو موقف «غير وطني» كونه «لا يدعم القوات العسكرية».

تلقي الانتقادات بطريقة شخصية

يتعلق أحد المبادئ التي تضمن إيجاد حل جيد للصراع بعدم التمسك بالأفكار سدىً وعدم تلقي الانتقادات بطريقة شخصية. بشكل عام، ينتهك الديماغوجيون هذا المبدأ وهم يفعلون ذلك عن قصد على الأرجح. غالباً ما يدعي الديماغوجي بأنه يمثل الحركة كلها (يُعتبر هتلر أفضل مثال على ذلك طبعاً)، وبالتالي يُعتبر أي انتقاد له هجوماً على مجموعته والعكس صحيح.

نزعات تدميرية وأُخْرَوية وخطابات سردية كبرى (الحرب المقدسة، الجهاد)

«الخطابات السردية الكبرى» هي بكل بساطة قصة تحب ثقافة معينة سردها. إنها طريقة لنفهم الأمور التي تحصل من حولنا.

تشير النزعة «التدميرية» إلى مفهوم نهاية العالم. أما النزعة «الأُخْرَوية» فترتبط بتاريخ الخير والشر. بالتالي، تشكّل هذه المفاهيم طريقة لسرد القصص التي تضع الأحداث في سياق المعركة الأبدية بين الخير والشر. (لذا يستعمل البعض مصطلح «الحرب المقدسة» أو «الجهاد» لدعم وجهة النظر هذه).

يميل الديماغوجيون عموماً إلى اعتبار أن الأمور أسوأ مما كانت عليه. لأسباب معقدة، يميل الناس دوماً إلى تصديق أن الوضع يزداد سوءاً وأن الناس باتوا يفتقرون إلى الأخلاق وأن العالم أصبح أكثر فوضوية مما كان عليه. بما أن هذا المفهوم التاريخي شائع جداً، يتبناه الديماغوجيون بكل بساطة ولكنهم لا يحاولون بأي شكل إثبات صحته (سيكون هذا الأمر صعباً لأن الإحصاءات لا تدعم هذا الحس التاريخي).

إنكار المسؤولية عن موقف معين

قد تكون هذه الاستراتيجية أحد الأسباب التي تجذب الناس إلى الديماغوجيين. من المزعج الاعتراف بارتكاب الأخطاء أو تلقي حكم سيئ. في ظل تلك الظروف، يصعب تحمّل مسؤولية الأخطاء الشخصية. يعتبر بعض الناس أن احتمال تغيير رأيهم (ولا سيما في المسائل الكبرى) هو أمر مرعب للغاية فيفضلون إنكار المسؤولية. هذا ما يقدمه الديماغوجيون للناس: طريقة لتجنب الاعتراف بالأخطاء.

رفض تبرير الادعاءات

يرتكز الخطاب المدني في الأساس على واقع أنّ المحاورين «يبررون» أي ادعاءات يشكك بها الآخرون. بالتالي، إذا حصلت محادثة بين شخصين أو أكثر وشكك أحدهم بكلام الآخر، سيحاول ذلك الشخص تبرير كلامه بأدلة إضافية أو دعم الأسباب التي يطرحها أو سحبها. على سبيل المثال، إذا قلتُ إن «هتلر دعا إلى إبادة اليهود» لكن يرد علي أحدهم «لا أتذكر أنه قال ذلك»، فيجب أن أحدد المناسبة التي قال فيها هذا الكلام (أو أن أسحب ادعائي).

لكن يرفض الديماغوجيون تقديم أي أدلة إضافية لإثبات صحة الأفكار المثيرة للجدل بل إنهم يلجأون إلى معطيات مغلوطة أو يفضلون إسكات من يطرح الأسئلة.

أحياناً، يحاول الديماغوجيون ادعاء تقديم الأدلة. لكن سرعان ما يتبين أن تلك «الأدلة» تطرح إشكالية كبرى.

روح الصدق

بما أن الديماغوجيين مستعدون للكذب ومعتادون على إطلاق الأكاذيب التي يناقضونها أحياناً، من اللافت أنهم يصرون دوماً على أنهم يتمتعون بروحية شخص يكرس نفسه للتعبير الصادق عن الحقيقة. لكنّ الأمر الصادم (وغير المبرر) هو أن أتباعهم يقبلون بتلك الروحية المزعومة. فهم يصفون الديماغوجي دوماً بالصدق والمصداقية ويُبدون هذه المزايا على خصائص أخرى مثل الذكاء والدقة والعطف وصفات أخرى قد تبدو مهمة في شخصية أي قائد. إنه أمر غير مبرر لأن الأتباع يتمسكون بهذه الصورة عن الديماغوجي الصادق والصريح حتى لو كُشفت أكاذيبه وألاعيبه وأخطاؤه بشكل مستمر.

تناقضات داخلية

غالباً ما يناقض الديماغوجيون أنفسهم وقد تتمحور التناقضات أحياناً حول التفاصيل أو المنطق الكامن وراء الحجج التي يقدمونها. قد يفسر البعض أن انزلاق الديماغوجيين في مستنقع هذه التناقضات الداخلية هو مؤشر على غبائهم ونفاقهم أو على وجود اضطرابات في شخصياتهم (لا يلاحظ المرضى النفسيون التناقضات المنطقية الواضحة ولا يهتمون بها)، لكن لا يفسر هذا الأمر السبب الذي يمنع أتباعهم من ملاحظة تلك التناقضات أو التذمر بشأنها.

الميل إلى تصديق نظريات المؤامرة

لا يكون جميع الديماغوجيين مصابين بجنون العظمة لكن تتعدد المصادر التي تذكر هذا الأمر. أظن أن هذا التحليل ينجم عن تناقض منطقي أساسي: إذا كان الحل واضحاً وكان جميع الناس الصالحين متوافقين بشأن ذلك الحل، فلماذا لم يتم تطبيقه بعد؟ كيف يمكن تفسير موقف الأشخاص الذين يبدون منطقيين ولديهم نوايا حسنة ولكنهم يعترضون على الحل؟ الجواب: إنهم في خدمة الشيطان! ثمة مؤامرة معقدة تقضي بالقضاء على الخير.

استعارات عن حملات التطهير والأمراض والحرب

في حال وجود مؤامرة ضد الخير وفي حال وجود جماعات معينة مسؤولة بالكامل عن الوضع الراهن، يقضي الحل الواضح بالتخلص منها. يعبّر الديماغوجيون عن هذه الفكرة بشكل صريح حيناً وضمني أحياناً عن طريق استعمال الاستعارات.

ترتبط المجموعة الخارجية بمظاهر المرض والقذارة والحرب (عبر إطلاق الأسماء والنعوت والرموز)، ويشبه الارتباط بها (أو الدفاع عن حقوقها) ارتكاب جرم الخيانة.

توجيه الأحكام الشعبية المسبقة والتصنيف النمطي العنصري

يستعمل الديماغوجيون عموماً الصور الشعبية (البصرية في أغلب الأحيان). تعزز هذه النزعة قوة تأثير تلك الصور حتى لو كانت لا تمت للواقع بِصلة، سواء تعلقت الصور بانتماءات إثنية معينة أو جنسيات مختلفة أو آراء سياسية أو مواقف من الحياة.

تتعرض هذه الصور في أغلب الأحيان للتجاهل أو النقد من جانب النخبة ولكنها تترسخ بشدة في مخيّلة الشعب. عندما يلجأ الديماغوجيون إلى تلك الصور، هم يدّعون أنهم يعلنون «الحقيقة المكروهة» (هذه الجملة تظهر مراراً وتكراراً بين أتباع الديماغوجيين). لكن على أرض الواقع، تكون شعاراتهم شائعة جداً لكن غير حقيقية.

نهج علمي سيئ

من اللافت كم يتكل الديماغوجيون على نهج علمي سيئ للغاية. كان هذا الأمر يطبع مسيرة الديماغوجيين منذ القرن العشرين وتتعدد الطرق التي تفسر هذا النهج.

أولاً، ربما يرتبط استعمال العلم بهذا الشكل (غالباً ما يكون الأمر أشبه بمناجاة «الطبيعة») بميل الديماغوجيين إلى تبني مبدأ الحتمية.

ثانياً،اقد يستعمل الديماغوجيون أي حدث لمساعدتهم: إذا وجدوا أمراً شبه علمي، فسيستعملونه مع أنهم لا يؤمنون به.

معاداة المفكرين

يُقال إن الديماغوجيين يكنّون مشاعر الكره تجاه المفكرين. قد لا ينجم ذلك عن الغيرة بالضرورة (مع أنه ليس احتمالاً مستبعداً)، بل إنهم قد يشعرون ببساطة بأنهم مهددون من أي شخص يبرع في التحليل النقدي.

يجب أن نتذكر أن آخر أمر يريده الديماغوجي هو خوض نقاش عادل وصريح حول مختلف المسائل: تهدف الديماغوجية في الأساس إلى عدم الإصغاء إلى آراء المعارضين. (صحيح أنهم يدّعون تأييد خوض نقاش مماثل، ولكنهم يبذلون قصارى جهدهم لمنع ذلك). بما أن الديماغوجية ترتكز على المبالغة في تبسيط الوضع، واستقطاب المجتمع، والترويج لمشاعر الكره تجاه المجموعات الخارجية، يمكن اعتبار أنّ الأشخاص الذين يدافعون عن ضرورة التدقيق بالأدلة والذين يلاحظون أخطاء الديماغوجيين ويسلطون الضوء عليها يطرحون خطراً على مشروع الديماغوجية.

كراهية النساء/ تأييد الأدوار «التقليدية» بين الجنسين

يفترض أنصار التمييز الجنسي، مثل العنصريين، وجود هرمية «طبيعية» وثابتة بين الجنسين. إن كارهي النساء هم من أنصار التمييز الجنسي الذين يكرهون المرأة. تفترض نزعة كره النساء أن المرأة كائن خطير وشرير ولا بد من السيطرة عليه. يؤكد الديماغوجيون عموماً على وجود حقبة معينة كانت فيها الأدوار (الجنسية والطبقية والعرقية) مستقرة وقد ساء الوضع منذ ذلك الحين ودخلنا في زمن غير مستقر (إنها نظرية خاطئة لأن التاريخ لم يشهد أي حقبة كانت فيها الأدوار مستقرة). هم يصرون على ضرورة العودة إلى زمن الأدوار المستقرة.

النزعة القومية

أخيراً وليس آخراً، يروّج الديماغوجيون للنزعة القومية. يمكن فهم معنى القومية عند مقارنتها مع مفهوم «الوطنية». الوطنية هي بكل بساطة حب الشخص لوطنه ومؤسساته. أما القومية فهي الشعور بأن الوطن هو الأفضل على الإطلاق لأنه يكون مقدساً أكثر من الدول الأخرى. القومية هي حب الشخص لوطنه بالإضافة إلى ازدرائه بالبلدان الأخرى وتقديس رموز الوطن.

غالباً ما تكون الوطنية نتيجة الفخر بإنجازات معينة لذا من الطبيعي أن تترافق مع انتقادات حادة (ما من شيء غير وطني في انتقاد البلد). في المقابل، ترتكز النزعة القومية على الولاء التام لجوهر الهوية الوطنية، ما يعني أنها لا تحتمل النقد.

إنها طريقتي الخاصة لتوصيف الديماغوجية، لكن تتعدد الجوانب التي لا تفسرها هذه النزعة. هذا ما يفعله الديماغوجيون، لكن لماذا يفعلون ذلك؟ إذا كانوا يتصرفون على هذا النحو، كما يقول البعض، لأنهم أفراد مختلّون جداً (أي أنهم مصابون باضطرابات في الشخصية) فلماذا يتبعهم الناس؟ في ظل أي ظروف يكون هذا النوع من الخطابات فاعلاً؟