رغم الانسجام بين الديمقراطيات العريقة بسبب الفلسفات السياسية التي انبثقت عنها، يبقى التدخل في الأمور الداخلية لهذه الديمقراطيات شيء غير مقبول، يترك عند حكامها امتعاضا لأي نقد خارجي لسياساتها الداخلية وكأن هذا تعد على سيادتها “المطلقة “.

أما بالنسبة إلى الدول الديكتاتورية التي تتعدى على شعوبها ولا تحترم حقوق الإنسان بشكل فاضح. فإن النقد الموجه إليها، له حسابات أخرى: اقتصادية ومالية وإيديولوجية، تحجّم وتخفّف من الدفاع عن حقوق “الآخرين” من البشر. قليل من الدول تنتقد مثلا الصين أو السعودية أمام التعديات الجائرة على حقوق مواطنيهم. أغلب الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية لا تنتقد مثلا إسرائيل، التي تفاخر بديمقراطيتها، تضطهد الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين وتسكت عن احتلال الجولان السورية، رغم كل قرارات الأمم المتحدة!

كلّما كانت مفاهيم ومعايير الديمقراطية واضحة أمام الشعوب وخاصة المقهورة في حقوقها الإنسانية، كلّما تيسر لها نقد التصرفات غير الديمقراطية لحكامها ولحكام بقية الدول. مع التقدم الهائل للاتصالات أصبح الفكر السياسي للناس في العالم، أكثر وعيا وانفتاحا وتحررا. أصبح عند سكان الأرض رغبة باستجواب السياسيين في كل أنحاء العالم. الرسائل المنشورة على الانترنيت مثلا، أظهرت ولادة وعي عالمي يدخل في معمعة الأفكار واتخاذ المواقف.

لا يوجد حاليا أية نية سياسية دولية لإعطاء سكان الأرض حيزا جماعيا للتأثير الفعلي والشرعي على سياسات الدول والأحداث العالمية للقضاء على الفقر والتخلف والمجاعة والأمراض والصحة والتعلم والتلوث وتوزيع عادل لخيرات الأرض وتحديد أسعار عادلة للمواد الخام والمنتجات الزراعية والصناعية للمجتمعات الفقيرة.

ما العمل عندما يستتب الحكم للطغاة دون منازع؟ ينهبون البلد ويستعبدون المواطنين دون رحمة كما هو الحال في أكثر الدول العربية؟ بكثير من التفاؤل الساذج! يمكن أن نتخيل تحول الأنظمة العربية ولو تدريجيا وجزئيا وعلى مدى عشرات وعشرات السنين، إلى نظام له شيء من المضمون الديمقراطي. من الرائع أن نتخيل رئيسا لدولة عربية وصل إلى الحكم هو وحزبهعن طريق انتخابات نزيهة ديمقراطية، وهو يعمل بكل طاقاته لتحسين معيشة المواطنين دون غايات شخصية!

الشيء الممكن عمليا وواقعيا لتحريك الديمقراطية يكمن أساسا في المجتمع المدني الذي يستعمل العصيان والإضرابات والمظاهرات والمناشير والنقد المتواصل بكافة الوسائل لإحراج السلطات الطاغية ودفعها للتنازل وفتح طريق أوسع لمزيد من الديمقراطية.

من جهة أخرى، على الدول والمجتمعات الديمقراطية العمل بشكل جماعي ضمن المنظمات العالمية والتكتلات السياسية لإحراج الدول الديكتاتورية وتهديدها اقتصاديا ومقاطعتها سياسيا حتى تحترم مواطنيها حسب مواثيق حقوق الإنسان. التصرف العالمي ضد سياسة التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا كان نموذجا ناجعا أدى إلى وصول الأغلبية إلى الحكم بدءا بالرئيس منديلا.

أما العمل الفردي من قبل الدول لتغيير الأنظمة عن طريق التدخل العسكري سيؤول إلى كارثة. غزو العراق وتدميره قوميا واقتصاديا وماديا وثقافيا بشكل هائل ووحشي من قبل الأمريكان، يام الرئيس بوش الابن، برهن على نيّات الغزاة وتلفيقهم للحقائق. لقد فرضت الولايات المتحدة الأمريكية على العراق “ديمقراطية” مطبوخة لصالحها ولصالح إسرائيل. أدخل العراق بشكل رسمي في نظام عشائري-قبلي-شعوبي-عنصري-ديني، بعيد كل البعد عن الديمقراطية والحداثة والشعور الوطني والانتماء العربي. هذا النظام في العراق في تعامله مع أقلياته ومنها مثلا المسيحيين الذين هم مواطنون فيها منذ القدم، يعطي لإسرائيل مبررات لخلق دولة لليهود فقط ! لا يترك للفلسطينيين العرب أي حقوق إنسانية وسياسية معقولة.

التدخل الفردي يتم غالبا ما بشكل انتقائي لغايات لا علاقة لها بتحرير الشعوب ودون أي نية حقيقية لتفعيل الديمقراطية. مشروع الرئيس بوش لإدخال الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط عن طريق التهديد، بما فيه العسكري، خير دليل على هذا الفشل الذريع. الهدف غير المعلن للولايات المتحدة هو السيطرة على سياسات البلاد العربية لضمان البترول لأجيال قادمة واستغلال البترودولار لبيع منتجاتها وخاصة السلاح الذي يضمن بقاء هذه الأنظمة العربية العميلة.

كذلك الحال في تصرف الولايات المتحدة في تحيزها الكامل لإسرائيل، وبأقل مرتبة، للرجعية العربية، فهي تغض الطرف عن جرائم حلفائها وأتباعهم ولا تمنح أي فرصة فعلية وأي مساعدة للشعوب للسير في طريق الديمقراطية. كل هذا لا يخدم ولا يقوي تعاطف الناس لمزيد من الديمقراطية وتحسين أوضاعهم المعيشية وحقوقهم الإنسانية. لأن من يدعون أنهم روّاد الديمقراطية ينحازون للحكام الديكتاتوريين ضد إرادة الشعوب المغلوبة على أمرها.

للعيش في سلام، من الضروري تحديد القيم والسلوكيات الأخلاقية التي يمكن الأخذ بها في العلاقات الدولية لتصحيح المسار لتعاون أكبر وأكثر معقول لتقوية أسس السلام العالمي لمنفعة الجميع. التكتلات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي ورابطة شرقي آسيا والكومنولث ودول عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الأفريقية والجامعة العربية ومنظمة الدول الأمريكية والمنظمة العالمية الفرنكوفونية وخاصة الأمم المتحدة… كل هذه التكتلات توجد توازنا سياسيا يساعد على تدعيم السلام العالمي أفضل مما لو كانت الدول منفصلة عن بعضها البعض ومنطوية على نفسها. كل هذه التحركات الدولية تخلق بيئة عالمية ضاغطة تؤثر أفضل من قبل على اتخاذ القرارات السياسية. الاضواء الكاشفة على سياسات الدول عالميا،عامل ايجابي لسلوكيات أفضل. المصدر