بقلم – عمرو سليم (مدير عام المستقبل للدراسات السياسية والاستراتيجية – عضو التحالف العالمي للعدالة الجنائية):

“لو فاز “بايدن” سأدعوك على الغذاء .. أما لو نجح “ترامب” في الانتخابات فستدعوني على الفطار غداً” .. كانت تلك الجملة عبارة عن مراهنة بين أثنان من الأصدقاء راهن كل منهم على شخصية معينة للفوز في انتخابات الرئاسة الأمريكية التي جرت منذ أسابيع قليلة، فلأول مرة تكون انتخابات الكرسي الكبير في البيت الأبيض محور اهتمام بالشارع العربي بل تحولت لمشادات وتجذبات شديدة بين العديد من الأفراد الذيي يؤيد بعضهم الرئيس الحالي “ترامب” والآخر “بايدن”، لدرجة أن البعض منهم ربط فوز أي منهم بتغيير كبير في حياته أو النطاق الضيق المحيط به.

لا أستيطع أن انكر ان تلك الانتخابات الحماسية التي رسمت صورة رائعة عن الديمقراطية والتحدي السياسي النظيف في الشارع العربي قد حمستهم لمتابعة الشأن العام والدولي ايضاً.

مخاوف وتفاؤل

بين مخاوف من مجهول قادم، وفرح وتفاؤل بنور في الطريق انقسم الشارع العربي بخاصة الدول التي شهدت حراك شعبي في العشر السنوات الأخيرة، حيث كان تخوف البعض من أن بايدن ينتمي لنظام الرئيس الأسبق “أوباما” ربما تعود بعض السياسات التي عهدوها من جديد لدعم ما أسموه الحركات الثورية التي شهدوا من بعضها مآسي كثيرة خلال السنوات الماضية، وربما يشير الكثير إلى العراق وليبيا وسوريا واليمن، وما حدث بها من دمار أشبه بالقتابل النووية الملقاة على تلك الدول التي أبادت فيها الكثير من مظاهر الحياة بشكل كامل.

وهناك فريق آخر كان متفائل بل سعيد بشكل كبير أبرزهم الباحثين عن ديمقراطيات أوسع، ومشاركة سياسية بشكل أكثر فعالية،لانهم يرون أن الرئيس الأمريكي الجديد “بايدن” على عكس ترامب يضع الديمقراطية والحريات على أولويات أجندته الرئاسية القادمة وهو ما أغفله الرئيس الحالي “ترامب” بشكل كبير خلال فترة حكمه.

بايدن والقادم

وسط ذلك الفريقان يبقي السؤال هنا، هل يمكن ان يتحقق الاستقرار بالتوازي مع الحرية والديمقراطية مع الاهتمام بالجانب الاقتصادي الذي تحتاجه المنطقة بشدة؟

دعونا لا نتعجب عندما نعرف ان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قد شهدت مقتل أكثر من نصف مليون شخص خلال العشر سنوات الأخيرة في أعمال عنف وصراعات سياسية دموية، وتحولت المنطقة لمخيم كبير للاجئين لتضم ما يقرب من 10 مليون لاجىء، و20 مليون نازح .. نعم المنطقة تعيش فوق حافة بركان الفقر، والعنف، والجهل، ونقص في إنزيمات الديمقراطية والحرية المُنظمة.

نلخص الحال في مشهد واحد، فمعظم شعوب المنطقة نشأت في بيئات زراعية أو رعوية وتربت داخل أسر ريفية بسيطة، لذلك الاستقرار والبقاء بجانب الأرض وزراعتها والسعادة برؤية الثمار تنمو وتزدهر، يعتبر من أقصى طموحاتهم، فلن أنسى المشاهد التي كنت أراها خلال سفري داخل مصر خاصة في الطرق الزراعية، حيث تحيط بك الأراضي الزراعية والمزارع على جانبي الطريق، لترى الأسر البسيطة تقف صفًا واحدًا بداية من الأب والأم حتى الأطفال الصغار، يمسك الأب الفأس ليزرع الأرض، بينما يلقي الأبناء البذور، أما الأم تُحضر الطعام ليتجمعوا سوياً في نهاية اليوم لتناول الغذاء داخل أرضهم الصغيرة الخضراء وهم في قمة السعادة كأنهم يمتلكون الكوكب بما فيه.

 الشعوب العربية ببساطة تريد اقتصاد قوى يمكنها من توفير أسس الحياة لهم ولأسرهم، حتى لو سألت العديد من المواطنين عن طموحاتهم السياسية ستجده يقول لك أريد عمل، ومرتب أنفق منه على عائلتي وإمكانيات بسيطة لأتزوج وابني أسرة، كما يريد شبابها الملىء بالطاقة والحيوية ديمقراطية بلا عنف تبني لا تهدم، يدير مشهدها من يفهم ويعرف وقادر على العطاء الفعلي، لا مُتاجر بها أو متحدث زائف مستفيد من شعارات براقة يرددها ولا يطبقها هو نفسه، فلن أنسى رئيس شبكة حقوقية كان دائم ليل نهار ترديد شعارات عن الحرية والديمقراطية، وهو أول من كان ينكل بالموظفين والعاملين معه لأنهم يخالفونه الرأي، لذلك لقبوه من خلف ظهره “بديكتاتور الديمقراطية”.

المعادلة ليست صعبة على النظام الأمريكي يالجديد ليتعرف “بشكل قريب وحقيقي” على المواطن العربي عن قرب، فتوفير اقتصاد قوى يشعر المواطن بثماره بطريقة مباشرة، وحرية منظمة قائمة على أسس وقواعد تضمن أمن وسلامة المجتمع، وتُفرغ طاقات الشباب بصورة حقيقية بعيداً عن الفوضى التي مازالت تدور مشاهدها في أذهان العديد حتى الآن، فالحرية الحقيقية المنظمة تضمن البعد عن الإرهاب والعنف، والاقتصاد المثمر يؤمن حياة كريمة وتعليم جيد، وهو ما يتماشي مع المصالح الأمريكية في المنطقة التي تضمنها تلك الروشتة البسيطة.

لا تنسوا حتى لا نخدع أنفسنا بشعارات حالمة براقة، أنك إذا أعطيت بندقية صيد لشخص لا يعرف كيف يستعملها فأول ما سيفعله إنه سيصيب من حوله وريما نفسه، وهو يعتقد أنه يصطاد طعام الغذاء ليسعد من حوله، لذلك علمه أولا كيف يصطاد بدون أن يُصاب أو يصيب .. كذلك هى الحرية.