بقلم: الدكتور محند أرزقي فراد

رحل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة – رحمه الله- عن هذا العالم وفي حلقه غضة وفي قلبه حسرة، لأنه جاء إلى الحكم وألغى المادة 74 من الدستور، بنيّة البقاء في السلطة وفي سدة الحكم إلى يوم الرحيل عن الدنيا، وليحظى بجنازة الرؤساء الكبار. هذا هو حلمه بصرف النظر عن مصلحة الجزائر أو القانون، فالدستور يصنع عندنا على مقاس كل رئيس يأتي إلى الحكم. لكن للشعب رأيٌ آخر، إذ قرّر إزاحته من الحكم بعد انقضاء العهدة الرابعة، عن طريق الخروج إلى الشوارع بالملايين، رافضين العهدة الخامسة التي كانت تلوح في الأفق، حدث ذلك في إطار ما يسمى بالحراك الشعبي الذي أثار إعجاب الأباعد قبل الأقارب، لحسن تنظيمه ووضوح مطالبه الديمقراطية ولطابعه السلمي المتمدّن. وكان انطلاقه يوم الجمعة 22 فيفري 2019م منعطفا في تاريخ الجزائر المعاصرة.

لا شك أن صدمة خروجه من سدة الحكم قبل الوفاة، كانت أشدّ وقعا عليه من الصاعقة، فقضى سنتين خارج السلطة قبل وفاته في عذاب نفسيّ لم يكن يتوقعه، وهو يرى سمعته تتآكل يوما بعد آخر إلى أن سقط من أعين الجزائريين، نتيجة الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة طيلة أيام حكمه،أتى على الأخضر واليابس، لم يُبقِ ولم يَذرْ.كان فسادا كاسحا يصدق عليه قول الشاعر المتنبي:[ نامت نواطير مصر عن ثعالبها «» فقد بَشِمْن وما تفنى العناقيدُ].

لقد كان عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، بمثابة الفرصة  الذهبية لخروج الجزائر من أتون التخلف،والصعود إلى مصاف الدول النامية المتقدمة، بالنظر إلى توفّر شروط الوثبة التنموية من موارد بشرية وبحبوحة مالية واستقرار سياسيّ، لكن غياب عنصر حسن التدبير والتسيير، أضاع على الجزائر هذه الفرصة التي قد لا تعوّض على المدى القصير.

كان الرأي العام الجزائري متفائلا بقدوم عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم، لأنه صاحب تجربة كبيرة في تسيير شؤون الدولة، بيد أنه سرعان ما خيّب آمال الجزائريين عندما شرع في تسيير الدولة بطريقة عبثية لا مثيل لها. وتميزت شخصيته بالنرجسية والعجرفة واحتقار الشعب، وظهر عن حقيقته أنه لا يملك ثقافة الدولة، فراح يهدم مؤسساتها بسلوك عشوائيّ لا يوحي أنه قضى سنوات عديدة في دواليب الدولة. وما أنس لا أنسى ذلك الأسلوب المنحطّ الذي أجاب به تلك المرأة المكلومة التي سألته عن مصير ابنها المفقود في أحداث العشرية السوداء، وكانت عينها تبكي وهو كالصنم !. ومن مظاهر عجرفته أنه كان يختزل الدولة في شخصه، مردّدا مقولة الملك الفرنسي لويس الرابع عشر (أنا الدولة)، كما صرّح أنه أطول من بونابرت بثلاثة سنتيمترات!

كان المنتظر منه أن يواصل مسيرة الإصلاح السياسي التي بدأت في عهد الرئيس اليامين زروال من أجل تكريس الديمقراطية،لكن عطشه إلى السلطة المطلقة جعله يسير في اتجاه معاكس لها، فحصر جميع الصلاحيات في يده، وحوّل مؤسسات الدولة إلى هياكل شكلية وصورية منزوعة الصلاحيات. كما حوّل أحزاب الطبقة السياسية وجمعيات المجتمع المدني إلى مجرّد لجان مساندة تسبّح بحمد المستبد، على حساب المنافسة السياسية الشريفة للوصول إلى السلطة، وعلى حساب  المجتمع المدني الذي يؤدي دور السلطة المضادة. كما حوّل منابر الإعلام إلى أداة للدعاية المغرضة وللترويج لسياسته الشمولية. هذا ومن أخطر الخروقات التي ألمّت بالجزائر في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، اغتصاب أخيه السعيد صلاحيات رئيس الجمهورية، بعد أن أصيب بمرض مزمن، فصارت الجزائر بكل مؤسساتها رهينة في يده، يعيث فيها فسادا دون حسيب أو رقيب، ولا شك أن هذه الجريمة تعد خيانة عظمى بامتياز ضد الدولة الجزائرية، ومن ثم تستوجب العقاب بعسر وغلظة. ومن الضربات الموجهة التي قصمت ظهر الجزائر في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة،إسناد مسؤولية قطاع المحروقات الاستراتيجي(وزارة الطاقة وإدارة شركة سوناطراك) لأشخاص معروفين بفسادهم وبولائهم لأمريكا.

لكن من جهة أخرى فإن واجب احترام الموضوعية  في الطرح يلزمني أن أقف موقف القاضي العادل إزاء حصيلة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، لذكر  الايجابيات على قلتها. فقد تمكن من تعزيز سياسة التهدئة التي ظهرت في عهد الرئيس الأسبق اليامين زروال(قانون الرحمة)، فأنجز المصالحة الوطنية التي وضعت حدا للحرب الأهلية أودت بحياة حوالي 200 ألف جزائري وجزائرية، وبأكثر من عشرة ألاف مفقود ظلت قضيتهم نقطة سوداء في سياسة المصالحة. ومن جهة أخرى استطاع أن يلمّع نسبيا صورة الجزائر على الصعيد الدولي. واستطاع أيضا أن يسدّد ديون الجزائر ويبعدها عن ضغوط صندوق النقد الدولي. وعلى المستوى الداخلي تمكن أيضا من تحقيق المصالحة مع الثقافة الأمازيغية وذلك بإدراجها في الدستور،علما أن هذا المكوّن الهوياتي ظل لعقود طويلة عرضة للإقصاء، الأمر الذي جعل أنصاره لا يشعرون بمواطنتهم وهم في عقر دارهم. وفي مجال السكن  حقق الرئيس بوتفليقة  نجاحا لا يستهان به، وكذلك في قطاع النقل والمواصلات الذي عرف قفزة نوعية معتبرة – وإن بشقّ الأنفس والتكاليف الباهضة- تجلت في إنجاز الطريق السيّار من الحدود الشرقية إلى الحدود الغربية، وكذلك الميترو، والتراموي. وعرف قطاع الضمان الاجتماعي نجاحا عن طريق تعميم بطاقة الشفاء. أما مجال الحريات الذي لم يكن على ما يرام، فقد عرف تحسنا نسبيا من خلال وجود هامش من الحرية، أتاح لأصحاب الرأي الآخر التعبير إلى حد ما، عن آرائهم الناقدة للأوضاع.

مجمل القول إن الأوضاع في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد صارت بفعل الفساد تشبه سفينة القراصنة في السطو والنهب والاختلاس. وسيسجل التاريخ أن الجزائر كانت قبله عصيّة على نادي الفرانكفونية، إلى أن تمّ ترويضها في عهده، وأن اللغة الفرنسية قد استمرت في منافسة اللغة العربية في مجالات السيادة. إن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد أخفق في بناء جزائر جديدة رغم توفر المال والرجال والاستقرار السياسيّ، وأخفق في تحقيق نقلة نوعية تخرج الجزائر من دولة ريعية إلى دولة صناعية منتجة للثروة، كما أخفق في إحداث تحول سياسي نحو دولة ديمقراطية تسيّرها سيادة الشعب، عبر مؤسسات دستورية تحترم مبدأ فصل السلطات والتداول على السلطة، وتحترم الحريات وحقوق الإنسان. فبعد مرور عشرين سنة من حكمه، ما زالت الأوضاع السياسية والاقتصادية تراوح مكانها، ومازال الشباب يركب أهوال البحر بحثا عن حياة أفضل في الخارج، بعد أن أضاع الحكم الفاسد فرصة الوثبة التنوية المنتظرة، التي كانت في متناول الدولة لو أحسن الحكام إدارة دفة الحكم بما يخدم الصالح العام. إن الاكتفاء بإحالة منفذي سياسة الرئيس بوتفليقة إلى العدالة فقط، قد يكون تعبيرا عن استمرار منظومة سياسية شمولية لا تريد التغيير ولا تؤمن بالرحيل.

الأولى…عهدة الأمل

بقلم نسرين جعفر

بعد إعلان الرئيس الأسبق اليامين زروال عام 1998 تقليص ولايته الرئاسية وإجراء انتخابات مبكرة، انتخب عبد العزيز بوتفليقة،  في 15 أفريل 1999 رئيسا للبلاد بـ 73,79 في المائة من أصوات الناخبين، وتسلم السلطة، متعهدا باسترجاع الأمن وتحسين الاقتصاد واستعادة مكانة الجزائر الدولية، في أوج المىساة الوطنية .

وجد خليفة زروال في بداية حكمه بلاد مُنهكة على خلفية 7 سنوات طويلة من الفوضى الأمنية حصدت قرابة ربع مليون قتيل، وهدرت أكثر من 200 مليار دولار، و كان لا بد للرئيس الجديد من توفير أرضية سليمة لاستعادة الأمن وإخراج الجزائر من العشرية السوداء، وأيضا من أجل انطلاقة اقتصادية راهن عليها منذ البداية، فطرح عبد العزيز مشروع الوئام المدني للاستفتاء الشعبي، لكنه كان يهدف بالأساس الحصول على شرعية شعبية يتخلّص بموجبها من شبهات وصوله للرئاسة، حيث انسحب المرشحون الستة من سباق الرئاسيات الذي أوصل بوتفليقة إلى سدة الحكم،  و اتهموا الجيش وقتها “بحسم الانتخابات لصالح مرشحه ” .

و يعود لبوتفليقة الفضل في إكمال جهود إنهاء الماساة الوطنية التي بدأت بإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية عام 1992 ، ففي سبتمبر 1999، أدى نجاح الاستفتاء الشعبي على قانون الوئام المدني إلى تخلي قرابة 6000 مسلح عن القتال واستفادتهم من عفو مدني، و كانت تلك أول خطوة تُحسب للرئيس الذي قال خلال حملته الانتخابية إنه جاء “لإطفاء الجمرة”، في إشارة إلى لهيب العشرية السوداء  التي أتت على مقدرات الدولة،  قبل أن تدعم جهوده لاحقا بميثاق السلم والمصالحة الذي حظي عام 2005  بدعم الناخبين في استفتاء شعبي آخر .

قدم بوتفليقة العفو  للمسلحين مقابل السلام، لكن السلام لم يحدث بين ليلة وضحاها،  ففي عام 2001 اصطدمت جهود استتباب الأمن بـ ”الربيع الأسود”، حين اندلعت احتجاجات مرتبطة بالهوية في منطقة القبائل إثر وفاة طالب في الثانوية داخل مقر للدرك الوطني، وبعد أعمال شغب دامية أسفرت عن سقوط 126 قتيلا، اعترفت السلطة بالأمازيغية كلغة وطنية ثانية، رغم أن بوتفليقة كان وقتها لا يزال من أشد الرافضين لفكرة ترسيم الأمازيغية دستوريا قبل المرور باستفتاء شعبي.

و عقب تلك التوترات، أطلق بوتفليقة عام 2002، مشروعاً لتحديث الجيش و تحويله إلى جيش احترافي، في خطوة تستهدف بالأساس استبعاده عن صناعة القرار السياسي، لكن هذا المشروع لم يكن لصالح تعزيز الديمقراطية، إذ كان هدفه خدمة السياسات الانفرادية لبوتفليقة الذي قال عشية انتخابه رئيساً للجمهورية إنه “لن يقبل أن يكون ربع رئيس”.

و أدت السيطرة التدريجية لبوتفليقة على المشهد السياسي، إلى دفع الجيش، الذي خرج من مرحلة إرهاق تام بشري ولوجيستي خلال معركته مع الإرهاب، إلى البدء بتغييرات جذرية في تركيبته، و مع إبعاد ابرز قيادات مرحلة الأزمة الأمنية التي كانت تستند أكثر إلى الشرعية الثورية، باعتبار أنّ كبار الجنرالات من قدماء جيش التحرير، بات الطريق مفتوحا أمام صعود قيادات عسكرية جديدة.

و على الصعيد الدولي، شهدت الجزائر في أولى سنوات بوتفليقة عودة ملحوظة و مميزة  إلى المحافل الدولية، و تعززت علاقاتها مع دول كبرى  بشكل أعاد إحياء ذكريات سنوات المجد في عهد بومدين، حين كانت الجزائر قائدة الدول النامية، عكس الصورة السوداء التي خلفتها الجزائر المشتعلة في أواخر التسعينات.

و كان بوتفليقة كثير التنقل داخل البلاد وخارجها حتى وصف من قبل مقربيه ”بالرئيس الذي لا ينزل من الطائرة”، و نشط خلال العهدة الأولى عشرات التجمعات الشعبية في كافة ربوع الوطن متمسكا بالسلم في جميع خطاباته، ما جعله يحظى بشعبية كبيرة، خاصة و انه كان يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الجماهير باختياره كلمات مؤثرة ، تحمس الحاضرين للتفاعل معها،  ورسم من خلال حركيته و نشاطه المكثف صورة لشخصية كاريزماتية في مخيال شريحة واسعة من المواطنين . 

على الصعيد الاجتماعي، جاء بوتفليقة إلى قصر المرادية الحكم محملا بوعد إنجاز مليوني سكن، ووعود أخرى تتعلق بدفع عجلة الاقتصاد لتساهم في تقليص حجم البطالة و حماية البلاد من التدخلات الأجنبية،  ومن حسن حظه أن  سنواته الأولى تزامنت مع ارتفاع مداخيل النفط و احتياطي البلاد من النقد الأجنبي إلى أكثر من 68 مليار دولار، ما سهل عليه إطلاق مسار القضاء على مديونية البلاد التي وصلت أكثر من 200 مليار دولار إلى أن توقفت الجزائر عن الاقتراض نهائيا عام 2005 .

و كسب بوتفليقة دعم الجزائريات عبر سياساته و قراراته التي دعمت – بطريقة لم تعالج المشكلة من الجذور –  حقوق المرأة و حضورها في الساحة السياسية، حيث برز وجود المرأة في الحكومة وعدلت عدة قوانين لصالحها، و لعل اهمها قانون الجنسية الذي ضمن للأم الجزائرية منح الجنسية الجزائرية الأصلية لأبنائها المولودين لآباء غير جزائريين و كان ذلك خطوة مهمة في طريق الإصلاحات القانونية التي تقوم بها البلاد بهدف التجاوب مع التحولات التي كان يعرفها المجتمع الجزائري.

و من جانب آخر، كانت فضيحة بنك خليفة ابرز قضايا الفساد التي طبعت عهدة بوتفليقة الأولى،  إلا أنه شرع في تلك الفترة في برنامج عمل واسع لتعزيز مختلف مؤسسات الدولة، وباشر حملة واسعة لإصلاح هياكلها ومهامها ومنظومتها القضائية، و أمر بتشكيل لجنة لإصلاح المنظومة التربوية ترأسها علي بن زاغو الأستاذ الجامعي المختص في الرياضيات ، لكن مقترحاتها أثارت حينها الكثير من الجدل والصدام بين مختلف التيارات الإيديولوجية داخل الساحة الجزائرية و  إصدمت بمتغيرات حالت دون تجسيدها في الواقع.

كما اتخذ بوتفليقة جملة من الإجراءات الاقتصادية شملت على وجه الخصوص إصلاح المنظومة المصرفية لتحسين أداء الاقتصاد الجزائري ومحاولة دخول اقتصاد السوق ورفع نسبة النمو الاقتصادي، قبل أن يعمد في السنوات اللاحقة إلى إجراء تعديلات كبيرة في بنية الدولة حتى لا يقال أو يُدفع للاستقالة ، في وقت كان يمكن له أن يرحل من الباب الكبير، جاعلاً الجزائريين يتذكرون رئيساً ساهم في وقف إراقة الدم، أكثر من تذكرهم صورة رئيسا تمسك بالحكم – رغبة منه أو بدفع من محيطه –  و هو مقعد على كرسي متحرك .

عهدة الإقصاءات وفتح الطريق للخلود في الحكم

بقلم جمال فنينش

وقف عبد العزيز بوتفليقة في عهدته الأولى على حجم الرفض والمقاومة التي تعترض خططه للبقاء في الحكم، ولم يدخر جهدا في كسر شوكة خصومه ومراكز المقاومة، ولم تكن الأشهر الأولى من العهدة الثانية إلا استمرارا لهذا المسار، مواصلا حملة تطهير واسعة لتركيز أركان حكمه، إخضاع خصومه دون رحمة، فاضا الشراكة مع المجموعة التي أعادته إلى الحكم بعد عشرين عاما من مغادرته.

وتصدر علي بن فليس (1944-…)مدير ديوانه ورئيس حكومته للفترة (2000-2003) قائمة ضحاياه، عقابا له على ما اعتبره رجل الإجماع الوطني خيانة له إثر سحب التأييد له من الحزب الحاكم في حينه (جبهة التحرير الوطني)ودخوله(بن فليس) المنافسة على كرسي الرئاسة، ولم يقاوم أمين عام الأفالان الضغوط واضطر لاعتزال الحياة العامة لعقد من الزمن بعد هزيمته المدوية في انتخابات الرئاسة أفريل 2004، وتجريده من غطائه السياسي بصفته أمينا عاما للحزب، رغم التأييد الذي كان يحوز عليه في صفوف الحزب باعتباره حاملا لمشروع التجديد،، ووظف بوتفليقة في حربه على بن فليس جهاز القضاء من جهة وكوادر في الحزب منعهم بن فليس من خوض سباق التشريعيات في 2002، واكتمل المسار في 2005 بانعقاد مؤتمر جامع للحزب تم فيه إقصاء بن فليس وإبعاد غالبية مؤيديه، اتبعه بالإجهاز على رئيس المجلس الشعبي الوطني كريم يونس (2002-2004) أحد أبرز مساندي بن فليس الذي رمى بدوره المنشفة على المباشر بعد ثلاثة أشهر من فوز بوتفليقة بعهدة ثانية.

وامتدت الملاحقات إلى رئيس أركان الجيش الفريق محمد العماري(1944-2012)، أحد أعضاء النواة الصلبة للجانفيريين(نسبة لجانفي 1992)، والذين أطاحوا بالرئيس الشاذلي بن جديد من الحكم،وأوقفوا المسار الانتخابي لمنع جبهة الإنقاذ المحظورة من السيطرة على الحكم. فرمى العماري المنشفة في أوت من العام ذاته مستبقا قرار إقالته الذي صدر في الجريدة الرسمية يوم إعلانه التنحي والانسحاب من منصبه. وقد سبقه إلى التنحي حليفه فضيل شريف(1943-2008) قائد الناحية العسكرية الأولى الذي استقال قبله بشهر.

ودفع العماري وفريقه، حسبما تردد في حينه، ثمن أخطاء ضمت الاستهانة بقدرات بوتفليقة الذي صار أكثر تمرسا وعنادا مقارنة بسلفه اليمين زروال أو الشاذلي بن جديد، وأن السنوات التي أمضاها متنقلا بين دول الخليج وسويسرا زادته خبرة ودهاء في حياكة المؤامرات والدسائس، وفن القيادة.

واستغل بوتفليقة أخطاء تكتيكية لقائد القوات الخاصة التي خاضت الحرب على الجماعات الإرهابية في منتصف التسعينات، ومنها الاستهانة بموقف مدير دائرة الاستعلام والأمن اللواء محمد مدين الذي انحاز لصالح الساكن الجديد في قصر المرادية.

وبحسب ما تردد في حينه، فإن انكشاف خطة العماري المقدمة لبوتفليقة للتخلص من قادة عملوا في جيش التحرير، ومنهم قائد القوات البرية أحمد قايد صالح (1940-2019)، قد زاد في إضعاف موقفه، ولم يكن خليفة العماري سوى قايد صالح بتاريخ 3 أوت 2004، وهو المنصب الذي استمر فيه إلى غاية وفاته في 2019.

وأكمل بوتفليقة مسلسل التطهير بنفي حليفه العربي بلخير المعروف بالكاردينال وصانع الرؤساء، في 2005، إلى المغرب بصفة سفير للجزائر،بعد خلافات حول نفوذ الصلاحيات مع شقيق الرئيس الأصغر السعيد.

وتخلص بوتفليقة من كل شك في ولائه، مقربا عائلته أكثر فأكثر من القرار، خصوصا بعد أزمته الصحية التي تعرض لها في 2005.

وبالموازاة مع تطويع مراكز المقاومة وعزل الرافضين لسياسته، راهن بوتفليقة على تعزيز شرعيته من خلال الدعوة لاستفتاء شعبي حول ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، والذي نص على منح الحصانة للمتورطين في الأزمة الأمنية للتسعينات. وعد الاستفتاء حول الميثاق بمثابة دور ثان لانتخابات 2004، إلى جانب إقامة قنوات اتصال مباشرة مع أهم العواصم الغربية، خصوصا باريس وواشنطن، والتوقيع على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في 2005 ومنح إغراءات للشركات الأجنبية، خصوصا الفرنسية والأمريكية،بشكل وفر له دعما كان في أمس الحاجة إليه.

وبعد أن استتب له الأمر، انتقل إلى المرحلة الثانية وهي تعديل الدستور وفتح العهدة الرئاسية، وهو ما تحقق له بعد عامين رغم وعكته الصحية التي أصابته في 2006، ففي نوفمبر 2008 تمت إعادة النظر في المادة 74 التي لم تكن تسمح بتجديد انتخاب رئيس الجمهورية إلا لفترة واحدة، ونص التعديل على فتح العهدات، والذي تم التراجع عنه من جديد في تعديل 2016،وتكريسه في 2019.

وفد فتح تعديل 2008 الباب أمام كل الانحرافات التي مازالت الجزائر تدفع ثمنها إلى وقتنا الحاضر.

العهدة الثالثة..بوتفليقة يستبيح الجزائر !

بقلم  حميد يس

بين نهاية 2005 تاريخ إجراء عملية جراحية على المعدة بفرنسا، وأفريل 2009 تاريخ الانتخابات الرئاسية، وترشحه لولاية ثالثة، قلَ نشاط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بشكل لافت. كان أغلب المتتبعين يرون أنه لم يعد في لياقة تسمح له بالاستمرار في الحكم، ومع ذلك، كان متوقعا أيضا أن الرجل المعروف بشغفه بالسلطة، لن يجد أي حرج في كسر المانع الدستوري الذي يحول بينه وبين “الثالثة”.

بعكس استفتاءي الوئام 1999 والمصالحة 2005، تحاشى بوتفليقة طلب رأي الشعب في التعديل الدستوري 2002، وكان متوقعا أن لا يطلبه في التعديل الثاني الذي أدخله على الدستور منذ وصوله إلى الحكم، والذي كان في نوفمبر 2008. لم يكن هناك أي شك في أن الهدف منه هو خلخلة المادة التي تمنع الترشح لأكثر من عهدتين، أما التغييرات الأخرى وخاصة ما تعلق بحصة 30 بالمائة للمرأة في البرلمان، لم تكن إلا مبررا للتحوير الاساسي، والجميع فهم هذا.

وقبل ان يقدم على التعديل الدستوري، كان بوتفليقة في نفس السنة ضاعف أجور البرلمانيين، ما ترك انطباعا قويا أنه اشترى تأييدهم لما جمعهم للتصويت على الدستور. فقط نواب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية من وقفوا ضد المسعى. وقرأ الرئيس خطابا اعتبر فيه تحديد العهدات، بأنه “حرمان الشعب من اختيار من يقوده”. ومن المفارقات أنه في تعديل الدستور 2016، أعاد حصر الترشح في ولايتين بمبرر نقيض، يتمثل في “إتاحة الفرصة للتداول على السلطة” !.

وساد اعتقاد واسع أن السعيد بوتفليقة أصغر أشقاء الرئيس وكبير مستشاريه بالرئاسة، هو من دفعه إلى البقاء في الحكم. فالسعيد يتحكم في شبكة من رجال الأعمال وأصحاب الاستثمارات الضخمة، كانوا دائما مصدرا لتمويل حملات شقيقه الانتخابية طيلة فترة حكمه التي دامت أكثر من 13 سنة. وخلال هذه الفترة، استطاع أن يكون السعيد، شخصية نافذة في الدولة إلى درجة أن الكثير من الوزراء يأخذون الأوامر الرئاسية منه شخصيا.

غاب الرئيس عن حملة انتخابات 2009، وخاضها بدلا عنه رئيس حكومته آنذاك عبد العزيز بلخادم وبعض الوزراء وقياديين في الافالان والارندي، وكل التنظيمات الموروثة من عهد الاشتراكية. وترشح معه شخصيات سياسية أدت دور “الارنب” الذي يساعد المرشح الرئيسي للفوز بالسباق.

ظل بوتفليقة ، بعد حصوله على “الثانية” منسحبا نسبيا عن الشأن العام بسبب تداعيات الاصابة بقرحة معدية. وتعزز نفوذ طبقة رجال الأعمال في تلك الفترة ، بينما الحياة السياسية كانت شبه مجمدة لتوقف الرئيس عن النشاط، إلى أن جاءت أحداث 05 جانفي 2011 في سياق ثورتي الشارعين المصري والتونسي ضد الاستبداد.

أعطيت تفسيرات كثيرة لأحداث 5 جانفي. فبينما أطلق عليها الإعلام الموالي للسلطة بـ”ثورة الزيت والسكر” واعتبرها وزير الداخلية دحو ولد قابلية عاكسة لفشل سياسات الحكومة في حل مشاكل الشباب. قالت المعارضة أن الأمر يتعلق بثورة شعب يريد تغيير نظام غارق في الفساد، ويرغب في رحيل رئيس عاجز عن الوفاء بتعهداته في ضمان العيش الكريم للجزائريين.

وعد بوتفيلقة في سياق تلك الاحداث العاصفة، بإصلاحات سياسية عميقة. وبعد مرور وقت قصير تملص من تعهداته، وثبت انها كانت خدعة للافلات من الغضب الشعبي ومن مصير شبيه بمصير الرئيس زين العابدين بن علي في تونس، والرئيس حسني مبارك في مصر.

وقد أظهرت الجزائر في خضم رياح الربيع العربي الهوجاء، عجزا كبيرا عن استيعاب الرهانات التي جرت بالمنطقة العربية، بعضها عند حدود الجزائر. هذه الحقيقة تركت انطباعا قويا في الخارج بأن الجزائر تجاوزتها الأحداث، بل ظهرت في بعض الأحيان تسير عكس تيار التاريخ بوقوفها ضد إرادة الشعوب في التغيير. وظلت هذه الصورة لصيقة بها طيلة عام 2011، برغم تصريحات المسؤولين التي حاولت التأكيد بأن ما استقر في أذهان الناس في الخارج، ليس هو الحقيقة، وإنما الحقيقة حسبهم أن الدبلوماسية الجزائرية “تسير وفق مبدأ رفض التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان”.

كانت نجاة النظام من زلزال 05 جانفي 2011، بمثابة تأجيل لثورة شعبية عارمة بدل أن يعمل بوتفليقة على تفاديها، فضَل الركون إلى قناعة راسخة لديه بأن الشعب لا يرى له بديلا. وبعد عام صرح في خطاب بسطيف بمناسبة ذكرى 08 ماي السنوية، بما فهم أنه عازف عن الترشح مرة أخرى، إذ قال:”أما جيلنا نحن فقط طاب جناننا”. و”طاب الجنان” في اللغة الدارجة تعني أن الشخص هرم ولم يعد قادرا على مواصلة المشوار. بعد هذا الخطاب، تشكلت قناعة لدى قطاع من الجزائريين بأن الرئيس عازف عن عهدة رابعة، وأصبحت شبه قناعة لديهم أنه لن يفعلها بعد الاصابة بالشلل في 2013. إثرها، أظهرت تطورات الاحداث أن بوتفليقة لن يحول بينه وبين السلطة إلا الوفاة.

الفساد في عهد بوتفليقة تحول من ظاهرة إلى وسيلة للحكم

حاوره: محمد سيدمو

يرى نوري دريس أستاذ علم الاجتماع، أن فترة الرئيس السابق طبعتها الكثير من الأمراض المتعلقة بالحكم، ويشير صاحب العديد من المقالات التي تشرح ظواهر الحكم في الجزائر، أن الفساد تحول من ظاهرة اجتماعية وسياسية إلى طريقة للتسيير ووسيلة للخلود في الحكم.

هل عرف المجتمع الجزائري على المستوى الفردي والجماعي تحولات في بنيته الاجتماعية بالإيجاب والسلب/ خلال 20 سنة من حكم بوتفليقة ؟

التطور هي سمة طبيعية لكل مجتمع، والمجتمع الجزائري لا يمكن أن يكون استثناء. في نهاية الثمانينات عرفت الجزائر تحولات بنيوية على المستوى التشريعي (الانتقال من الأحادية إلى التعددية، ومن الاشتراكية إلى الليبرالية)، ولكن عند محاولة تنفيذ هذه التحولات، واجهت مقاومة وحدث صدام بين من يريد الحفاظ على السلطة ومن يريد الوصول إليها بالقوة، وبين من يريد الحفاظ على الامتيازات الموروثة من التسيير الاشتراكي للاقتصاد، وبين من يريد أن يستغل المناخ الجديد لتنفيذ مشاريع وتجسيد أحلام شخصية. انتهت تجربة الانفتاح السياسي إلى أزمة أمنية راح ضحيتها الآلاف، فيما انتهت تجربة التحول الاقتصادي إلى أزمة اقتصادية أفقرت الملايين الذين كانوا يكسبون قوتهم من شغل منصب في القطاع العمومي للدولة وتدفع أجورهم من عائدات المحروقات. تكسرت أحلام المجتمع على جدار الحرب الأهلية، واصطدمت طموحات الالاف من الشباب بانهيار اقتصادي وانسداد للأفق.

عشية وصول بوتفليقة إلى السلطة، وبداية تراجع حدة العنف، وتحسن أسعار المحروقات في السوق العالمية كان المجتمع المنهك من كافة الجوانب، ينتظر فرصة للانطلاق والتعبير عن طموحاته ورغباته في عيش الإصلاحات التي أتى بها دستور 1989، من حرية التعبير، حرية التجمهر والانتظام جمعوياوحزبيا، حرية المبادرة الاقتصادية، حرية الاستثمار وخلق الثروة خارج بيروقراطية الدولة…

ولكن، بدل أن يستجيب نظام بوتفليقة لهذه الطموحات، استغل ارتفاع مداخيل النفط لإعادة ترميم السلطوية، حتى وإن كان ذلك دون التراجع صراحة عن التعددية والليبرالية. بدل أن يعزز بوتفليقة ويعيد إطلاق الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي أتى بها دستور فيفري 1989 وتوقفت بسبب أزمة التسعينات، استغل عودة السلم وارتفاع مداخيل الدولة في إعادة ترميم النظام التسلطي، وإبطال مفعول الدستور التعددي والاقتصاد الليبرالي دون أن ينتبه إلى التحولات العميقة التي حدثت داخل المجتمع، سواء على مستوى التركيبة العمرية، أو على مستوى تمثلات الأجيال الجديدة للشرعية السياسية ولمفهوم الدولة.

خلال عشرون سنة في الحكم، عمل بوتفليقة، أدت سياسته إلى تفكيك المجتمع أفقيا، وتكسير جميع المؤسسات التي كانت تحافظ على ترابط المجتمع وتماسكه.  وفي المقابل، عزز من أدوات استتباع المجتمع وربطه أكثر بالسلطة. عملت الحصون البيروقراطية التي وضعت أمام المبادرات الخاصة، سياسيا واقتصاديا على تشتيت الأفراد، وزرع الأنانية والحسد، والمحسوبية و حتى الجهوية. تحويل الدولة إلى موزع وحيد للثروة والنعم، سيفكك المجتمع أفقيا، ويحول الدولة ومؤسساتها إلى فريسة لكل من يبحث عن كسب قوت يومه أو تغيير وضعه الاجتماعي.  أمام هذا الوضع، اضطر الأفراد إلى تجنيد واستخدام كل الموارد من أجل بلوغ الدولة (منصب في الجهاز الإداري للدولة) من علاقات قرابة، جهوية، محسوبية، وحتى تقديم رشاوي لشراء مناصب. تجلى كما لو أن السياسة المنتهجة خلال فترة ما بعد العشرية السوداء، عملت على إعادة بعث أشكال التضامن والتحالف التقليدية، وأضاعت فرصة تجاوزها بتعطيل إصلاحات دستور 1989.

 هل تمتع الرئيس بوتفليقة في رأيك بقاعدة جماهيرية وما السر في حصوله على القبول الشعبي في بدايات حكمه؟

بوتفليقة هو الشخص الذي اختاره النظام من أجل تجسيد مشروع إنهاء الأزمة الأمنية، والمصالحة بين الجزائريين، ووضعت بين يديه كل الإمكانيات والوسائل السياسية (وضع تحت تصرفه حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي المنشأ حديثا، وحركة مجتمع السلم لتشكيل تحالف سياسي استخدم كحصن داخل كل المؤسسات السياسية لتمرير برامجه ومنع ظهور أية مقاومة سياسية.

ثم بعد ذلك، منحت له حرية التصرف في مداخيل الدولة، المرتفعة جدا في ذلك الوقت، لتنفيذ برامج تنموية ضخمة استفاد منها الجزائريون المنهكون من سنوات الإرهاب ومن برامج التصحيح الهيكلي. لا يمكن لرئيس اختير لهذه المهمة، ووضعت بين أيديه كل الوسائل لتنفيذها، إلا أن يحصد شعبية، ويمتلك قلوب الآلاف من الذين كانوا يحلمون فقط بأن يعودوا إلى منازلهم سالمين في المساء. التضييق على الإعلام والصحافة حال دون مناقشة سياسة الإنفاق العمومي، ومقارنة حجم الأموال المنفقة بالمنجزات، ومناقشة حتى نوعية الإنجاز. لم يكن مسموحا للجزائريين بفتح مثل هذه النقاشات، بل جندت كل الوسائل الإعلامية الثقيلة لممارسة دعاية للرئيس الجديد، وتصويره بمثابة المخلص المنتظر.   إذا كان بومدين قد حصد شعبية بسبب سياسته السخية التي أخرجت الجزائريين من بؤس الاستعمار، فإن بوتفليقة بنى شعبيته من توليه مهمة مسح آثار العشرية السوداء سياسيا واجتماعيا، ومسح آثار سياسية التصحيح الهيكلي اقتصاديا. لكن كل هذا سينفضح بمجرد انهيار موارد الدولة التي تغطي على الفساد، الرداءة وكل أشكال المحاباة والزبونية في التعيين.

كيف تقرأ صبر الجزائريين على مرض الرئيس السابق لمدة 6 سنوات قبل انتفاضتهم ضد استمرار حكمه؟

لا أدري هل صحيح صبر الجزائريون على بوتفليقة أم لا. يجب أن نتذكر أنه بعد سنتين فقط من وصوله إلى السلطة، انتفضت منطقة القبائل وطالبت عبر أرضية القصر بإصلاح جذري لنظام الحكم. كما انتفض شباب الجنوب الجزائري، وعبروا عن رفضهم لمنطق تسيير الدولة وتهميش الجنوب الكبير واقصاء الشباب من العمل. لم تعرف الجزائر احتجاجات شعبية مثل التي عرفتها خلال فترة حكم بوتفليقة، ولو لا القبضة الأمنية القوية، والتوزيع العشوائي والسياسي لمداخيل الدولة، لما ثبت بوتفليقة في منصبه.

حاول بعض الجزائريون مواجهة العهدة الرابعة، ولكنهم فشلوا في تجنيد الشارع حول هذا المطلب، وساعدت احتياطات الصرف آنذاك في شراء السلم وتهدئة غضب الجزائريين. لا يجب أن ننسى كذلك أن ما حدث في دول الربيع العربي، وتجربة العشرية السوداء قد ساهم في تأخير انتفاضة الجزائريين ضد حكم بوتفليقة.

ما هي الامراض التي طبعت المجتمع خلال تلك الفترة وهل تعود أساسا الى نمط حكم الرئيس السابق؟

الظاهرة الأكثر لفتا للانتباه في فترة بوتفليقة هي الفساد المالي والسياسي. صحيح أن الفساد ليس وليد فترة حكم بوتفليقة، بل كان مستشريا في مفاصل الدولة منذ الاستقلال، ولكن، الجديد هو انتشاره الرهيب وتحوله إلى نمط تسيير وأداة ممارسة الحكم، خاصة بعد مرضه وإصراره في نفس الوقت على البقاء في السلطة. كان واضحا ان المستفيدين من الوضع، هم من دفع ودافع على بقاءه لعهدة خامسة.

لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن الفساد هو نتيجة لثلاث أسباب رئيسية: 

– رفض السلطة مأسسة الحكم، ومقاومتها لكافة أشكال المشاركة الشعبية الديمقراطية عبر الآليات التي أقرها دستور التعددية: الأحزاب والجمعيات السياسية، النقابات، الصحافة الحرة…وإصراراها على جعل حزب جبهة التحرير الوطني وتفرعاته وتفرخاته(التجمع الوطني الديمقراطي خصوصا، تجمع أمل الجزائر،…) القنوات الوحيدة للمشاركة السياسية أو على الأقل للوصول إلى مستويات معينة من السلطة. هذا الوضع، يفرض أولا جعل هذا الأحزاب فوق القانون،واغداق النعم على هذه الأحزاب وجعلها تتمتع بجاذبية أكبر لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الزبائن، تستخدمهم السلطة لتعطيل الحقل السياسي مقابل غض الطرف عن ممارساتهم الفساد والمحسوبية والمتاجرة بالقوائم الانتخابية وممارسة الوساطة الزبونية…

 -إن رفض التداول على السلطة، وتوزيعها داخل المجتمع، والإصرار على تعطيل دستور التعددية، يستلزم أيضا تعطيل السلطة القضائية، وتحويلها إلى مجرد جهاز بيروقراطي لحل النزاعات العائلية والشخصية بين الجزائريين. وتعطيل السلطة الرابعة وتحويلها إلى منابر للدعاية.  لقد نزعت صفة السلطة عن القضاء، ولم يعد القضاة باستطاعتهم تحريك دعوات عمومية ضد الفساد وضد أشكال التعدي عن الملك العام. في المقابل، تم استبدال الرقابة القضائية على الشأن العام، برقابة بيروقراطية إدارية، حيث يكفي على المقاول أو المستورد، أو أي مسؤول ما الحصول على ورقة تثبت المطابقة، لكي يمرر صفقة أو يسلم مشروعلا يطابق المقاييس.

– أطلق بوتفليقة برنامج إنفاق عمومي ضخم (الإنعاش الاقتصادي، دعم الإنعاش الاقتصادي)، في سياق كان فيه القضاء ضعيفا، وأجهزة الرقابة والمحاسبة مغيبة ومشلولة وربما معطلة. لا وهذا ما جهل ثلثي هذه الأموال تذهب في سوء التسيير والفساد.

هناك من يرى أن العمل فقد قيمته في تلك الفترة وأصبح الربح السريع هاجسا جماعيا… الى اي مدى هذه النظرة معقولة؟

في الحقيقة هذه أيضا مشكلة قديمة، واجتمعت الظروف خلال سنوات بوتفليقة لتتكرس أكثر. منذ القدم، وفي كل مكان يسعى الناس إلى كسب أكبر قدر من الأرباح بأقل جهد. وحيثما توفرت إمكانية الكسب السريع دون جهد تتراجع مكانة العمل. ستزداد هذه المشكلة حدة حينما تجتمع عدة عوامل: وفرة الريوع الخارجية، نظام سياسي تسلطي يرى في السلطة غاية في حدّ ذاتها، وتخلف وعجز تكنولوجي وتقني في سياق معولم.

حارب النظام السياسي خلال سنوات بوتفليقة القطاع الخاص المنتج بكل الوسائل، ووضع أمامه حصونا بيروقراطية وسياسية لا يمكن اختراقها، وفي المقابل فتح الباب واسعا أمام المقاولين في الصفقات العمومية، المستوردون والتجار. حتى الآليات المستحدثة لتشغيل الشباب، سرعان ما تحولت إلى مجرد قنوات تعمل على تصريف وتسويق السلع المستوردة.

خرجت الجزائر من حرب طاحنة ضد الإرهاب، وكان عليها أن تتدارك التأخر الكبير في الهياكل القاعدية، السكن، التعليم…كان النظام مهووسا أكبر بالحفاظ على السلطة أولا، والقضاء على ما يمكن أن يخلق له صعوبات واضطرابات اجتماعية تهدد وجوده ثانيا. لهذا السبب، حولت أموال النفط إلى قطاعات خدماتية واجتماعية، بدل الاستثمار المنتج. فرص الكسب والربح خارج أطر العمل والجهد المنتج كانت كبيرة، وهذا ما أفقد العمل المنتج قيمته.

ثمة عامل آخر، وهو أن العمل المنتج يحتاج إلى شروط سياسية وقانونية. في الاقتصاديات التي تقوم على الإنتاج وخلق الثروة، يتمتع العمال بالحقوق النقابية، والحقوق السياسية، وفي المصنع هم مطالبون فقط بتشريف عقد العمل مع رب العمل، دون أي تدخل في مواقفهم السياسية. في حين، في نظام سياسي واقتصادي مثل الجزائر، يتم مقايضة الانضباط داخل المصنع بالولاء السياسي أو على الأقل السكوت السياسي وعدم التعبير عن الموقف. يضطر رب العمل، ومدير المؤسسة العمومية في الكثير من الأحيان إلى التضحية بالانضباط وغض الطرف عن تغيب العمال أو عدم نتاجهم لعدد الوحدات المتفق عليها، من أجل نيل رضاهم والسكوت عن ممارسته للمحسوبية والمحاباة في التعيين والترقية أو عن الأجور الضعيفة التي تدفع للعمال. كما أن الوصاية في الكثير من الأحيان تطلب من مدراء المؤسسات تجنب الضغط على العمال كي لا تندلع إضرابات يمكن في أية لحظة أن تتحول إلىشرارة لانطلاق احتجاجات ضد السلطة. تغطي السلطة على ضعف مردودية القطاع العمومي باللجوء إلى التطهير المالي للمؤسسات بشكل دوري ومنحها قروض لا تسترد. حتى بعد ثلاثون سنة من التحول إلى الليبرالية، لا يزال القطاع الاقتصادي العمومي للدولة يعيش على التطهير المالي الذي تقوم به السلطة، وهذا في الحقيقة شكل من أشكال شراء السلم الاجتماعي أولا، وضمان مصادر اغتناء وجمع الثروة للأقرباء والزبائن.  تدرك السلطة جيدا، أن الضغط على العمال يستلزم في المقابل الاعتراف بحقوقهم النقابية والسياسية.

حتى القطاع الخاص لا يختلف الوضع فيه كثيرا، والكثير من شركات المقربين وغير المغضوب عنهم، يعيشون على الامتيازات التي تمنحها لهم السلطة، من قروض دون فائدة أولا تسترجع أجلا، يد عاملة تدفع جزء من أجورها من طرف وكالة التشغيل، امتيازات جبائيه، رخص الاستيراد…جزء كبير من القطاع الخاص ينشط في اقتصاد غير منتج، والمستودعات الكبيرة في المناطق الصناعية، والتي يستفيدون منها بالدينار الرمزي، غالبا ما يتم تكديس السلع المستوردة فيها. ثروة هؤلاء لا تأتي من بيع السلع المنتجة بقدر ما تأتي من الامتيازات التي يحصلون عليها بمختلف الطرق بما فيها فارق السعر في صرف وتحويل العملة الصعبة. قطاع خاص مثل هذا، هو قطاع طفيلي يعيش على نفقات الخزينة العمومية، ولا يحتاج إلى جهد العمال في المصنع.

عرفت فترة الرئيس السابق تحول الجامعة نحو نظام ال ام دي…باعتبارك بروفيسورا في الجامعة كيف أثر ذلك على مستوى التعليم العالي؟

في الحقيقة ليس التحول إلى نظام LMD هو السبب المباشر في انهيار مستوى التكوين والبحث في الجامعة. بل إن السبب الأساسي هو أن السلطة لا تحتاج أصلا إلى جامعة قوية، مستقلة أكاديميا، ومنتجة معرفيا. أي أنها غير مستعدة، ولا مجبرة حاليا، لدفع ثمن استقلالية الجامعة.  الأسباب الأخرى تقنية، وتحصيل حاصل لتصور السلطة لمهمة الجامعةوتسييسها على غرار تسييسها للاقتصاد والثقافة والرياضة ….  يمكن أن نذكر هنا جمهرة التعليم والتساهل في منح النجاح في شهادة الباكالوريا. لمواجهة تزايد أعداد الناجحين في البكالوريا، قامت الدولة ببناء هياكل جامعية في كل مكان مستفيدة من أريحية مالية واسعة، دون أن تفكر في عواقب ذلك على مستوى التأطير البيداغوجي. تتصور الدولة الجامعة مجرد مقاعد دراسة، وأسرة إقامة، وأطباق إطعام، وحتى حينما اصطدمت بمشكلة التأطير البيداغوجي، حاولت تدارك ذلك بالتحول إلى الحديث عن أرقام عدد الدكاترة المتخرجين، فأصبحوا هم بدورهم بالآلاف وفي كل التخصصات.  في ظل هذه الظروف، حتى ولو أبقي على النظام القديم، لما كان الأمر مختلفا فيما يخص مستوى وجودة التعليم. بالإضافة إلى غياب تصور واضح لما يجب أن تكون عليه الجامعة، فإنه لا يمكن لأية جامعة أن تنجح في التوفيق بين عدد الطلبة الجدد الملتحقين بها سنويا وبين نوعية التكوين المقدم لهم.  يصر البعض على صرف النظر عن الاستغلال السياسي للجامعة ولشهادة البكالوريا من طرف السلطة وتحميل نظام ل. م د المسؤولية فيما يحصل، وهذا بالطبع خاطئ.

عهدة الخراب

بقلم محمد سيدمو

بعد نجاح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ومحيطه في تمرير العهدة الرابعة، لم يكن يخطر ببال أكثر المتفائلين أن المخاطرة ستمتد إلى محاولة فرض استمرار الرجل المريض في الحكم لخمس سنوات أخرى، لكن هذا ما تمّ في النهاية مُعرّضا الجزائر لمخاطر كبرى، لولا الحراك الشعبي الذي أوقف هذا المسار المجنون.

كانت سنوات العهدة الرابعة من أغرب ما عرفته العلوم السياسية عن أنظمة الحكم في العالم، ففيها وصلت السخرية بعقول الجزائريين إلى مداها، عبر محاولة إقناعهم أن عدم القدرة على الكلام ولا الحركة، لا تعيق الرئيس من أداء مهامه وتسييره بلدا بحجم قارة مثل الجزائر، تتنازعه تحديات داخلية وأخرى خارجية لا حصر لها. وبلغ المتزلفون للرئيس السابق الذين أظهرت الأيام زيف ولائهم له، حدّ تعويض غياب الرئيس الفاقع، بصورته التي كانت تسير في الشارع في المناسبات الوطنية وترفع حتى تكاد تحجب المتكلم عندما تتلى رسائله في الملتقيات الوطنية. كما رسخت في العقول، عبارات وحوادث تحولت مع انكشاف الحال، إلى موضع تندر وتحسر في نفس الوقت عما آلت إليه البلاد في ذلك الوقت، مثلما قاله الوزير السابق عمارة بن يونس من أن بوتفليقة يشتغل أفضل من عقولنا جميعا، وما ذكره وزير المجاهدين السابق الطيب زينوتي من أن الرئيس السابق بعثه الله للجزائريين، وكذلك دموع جمال ولد عباس، الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني، أمام صورة الرئيس السابق طالبا منه الاعتذار بعد أن سأله الصحفيون عما إذا كان ينوي الترشح لخلافة بوتفليقة.

كانت هذه الفرجة الرديئة تملأ شاشات الدعاية على القنوات وتحاول صرف أنظار الجزائريين عن واقعهم البائس، في وقت كانت فئة صغيرة أخرى تستغل الوضع بل تشارك في صناعته من أجل غايات ظهرت لاحقا. هؤلاء هم رجال الأعمال المتنفذون الذين كانوا يفترسون ما بقي من الاقتصاد الجزائري، بشراهة المدرك أن الطبق سيفرغ قريبا. تقاسم هؤلاء المشاريع، كما أظهرت ملفات الفساد لاحقا، بتواطئ مع كبار السياسيين الفاسدين الذين أمسكوا بالوزارة الأولى والوزارات السيادية والذين يقبعون اليوم في السجون في مواجهة أحكام ثقيلة. وهكذا غرف علي حداد رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، حوالي 20 مليار دولار من البنوك العمومية واستفاد من مشاريع لا حصر لها وحصل على حصص من شركات وطنية هامة، وكسب محي الدين طحكوت ومراد عولمي وغيرهما ملايير الدولارات من “نفخ العجلات” التي سميت زورا “تصنيعا للزيارات” وواصل الإخوة كونيناف نخر الاقتصاد الوطني في صمت وبعيدا عن الأضواء عبر الاستئثار بالمشاريع الضخمة التي يتم بعد ذلك مناولتها للأجانب، دون نسيان ما فعله باقي رجال الأعمال الذين دفعوا في الحملة الانتخابية للعهدة الرابعة وكانوا مستعدين لفعل المستحيل من أجل بقاء الرئيس الذي يضمن استمرار مصالحهم المشبوهة على حساب تفقير الجزائريين.

كانت كل هذه الممارسات المشبوهة التي حوّلت الفساد السياسي والاقتصادي إلى معيار للرقي الاجتماعي، تختمر في عقول الجزائريين وتولد لديهم إحساسا عميقا بالظلم وتشعرهم أن استمرار هذا الواقع يعني انهيارا محتوما لبلدهم ومستقبل أولادهم، لكنهم كانوا يمتنعون عن أي ردّ فعل شعبي منتظرين اللحظة المناسبة. في الوقت ذاته، كان المجتمع يعبر عن سخطه على الأوضاع، عبر المطالب الاجتماعية التي كانت حاضرة في الشوارع والأحياء عبر الاحتجاجات المتواصلة، وحاضرة كذلك في القطاعات المهنية الكبرى مثل التعليم والصحة وكامل قطاعات الوظيف العمومي، بعد أن وجد الأجراء الجزائريون قدرتهم الشرائية تتراجع بشكل محسوس ولاحظوا أن معيار الترقية والتوظيف، لم يعد خاضعا لأي قاعدة سوى المحسوبية والزبائنية، بعيدا عن الكفاءة التي كانت لا تحلم بشيء سوى الهجرة نحو آفاق أرحب. وبذلك، استمر النزيف الحاد في العقول، والذي استيقظ عليه نظام الرئيس السابق مذهولا، عند بث صور التدافع عند المركز الثقافي الفرنسي للفوز بموعد لإجراء مسابقة اللغة الفرنسية، من أجل إكمال الشباب تعليمهم في الضفة الأخرى مع أمل نادر بالعودة إلى أرض الوطن.

ولأن الأزمة الاقتصادية اشتدت وطأتها في تلك الفترة بتراجع أسعر النفط، لم تجد حكومة العائد أحمد أويحيى من حلول سوى اللجوء إلى خيارات باتت توصف اليوم بالإجرامية مثل التمويل غير التقليدي الذي طبعت من خلاله الدولة مئات الملايير من الدينار لتسديد رواتب العمال والشركات، دون أن يكون لهذه الأموال أي مقابل من الإنتاج من العملة الصعبة، ما دفع إلى مزيد من التضخم، فقط للإيهام بأن السياسة الاجتماعية للدولة لم تتوقف. وفي نفس الوقت، لم تتجرأ الحكومة على امتيازات رجال الأعمال ودعم مصالحهم، فقد باتوا من أعمدة النظام السياسي القائم وأحد دعائم بقائه، وقد استمروا في نهب ما بقي من احتياطي الصرف الذي انهار من 200 مليار دولار إلى نصف ذلك في ظرف 4 سنوات بعدما قضت الجزائر 10 سنوات في مراكمة هذا المبلغ. كل ذلك، بمباركة السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس ومستشاره الذي تحول إلى ما يشبه الحاكم الفعلي للبلاد، مستوليا على ختم الرئاسة بحكم القرابة حتى أصبحت المعارضة تصفه، هو والشلة التي ترافقه بـ”القوى غير الدستورية”. ووجدت هذه السياسة بالطبع، من يروج لها من خبراء السلطان، والذين أنفسهم انقلبوا اليوم على مواقفهم وباتوا يلعنون الماضي وفساده.

لم يكن لنظام الحكم في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أي مشروع سياسي سوى مزيد من الإنكار والتمادي الذي وصل بأصحابه إلى حد فرض عهدة خامسة على الجزائريين، لرئيس أصبحت وطأة المرض تزيد عليه من يوم لآخر، إذ أصبح بالكاد يظهر حتى في الثواني القليلة التي يُأتى به فيها ليترأس مجلس الوزارء أو يستقبل ضيفا أجنبيا.  ودون أدنى وازع، بدأت طبول “البندير” في 2018 تقرع للخامسة، عبر مسؤولي حزب جبهة التحرير الوطني الذي تنكر لاحقا لسخرية الأقدار حتى لواجب العزاء في رحيل الرئيس السابق، وفتح رجال الأعمال قنواتهم وخزائن أموالهم لصالح هذا المشروع، وتهيأت الجزائر –كما لو أن نوابض المقاومة توقفت فيها-  لهذا القدر الانتحاري، إلا أن ما لم يكن يخطر على بال قد وقع في صد هذا التوجه وإنقاذ البلاد. فقد خرج الجزائريون عن بكرة أبيهم، في 22 فبراير 2019، أسابيع بعد إعلان الرئيس عبر وكلائه الترشح، يصرخون في الشوارع: “هذا الشعب لا يريد بوتفليقة والسعيد”، “مكانش الخامس يا بوتفليقة”، “ارحل.. ارحل”، وهو أمر صدر من صاحب الشأن “الشعب الجزائري” الذي لم يكن ممكنا لأي قوة في البلاد أن تخالفه، فاضطر الرئيس السابق للاستقالة في 2 أفريل 2019، تاركا وراءه حصيلة كارثية في عهدة المرض الرابعة.